آراء أخرى الدين وظمأ الإنسان للمعرفة ۰۸ أغسطس ۲۰۲٤ ۷۷٥ مشاهدة يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران " أصبح فهم التعقيدات التي تنسج كوننا وإصلاح التعليم والمعرفة والفكر من الضروريات الحيوية للأفراد. كان جان جاك روسو يجعل المربي في كتابه ( Emile) يقول : " أريد أن أعلمه كيف يعيش ". قد يكون من الطموح بعض الشيء القول أننا نريد أن نعلم أحدهم كيف يعيش فنحن نساعد أحدهم على مواجهة الحياة، على تعلم الحياة من نفسه . غير أن العلم والمعرفة أمور حيوية لكل منا كي يتمكن من مواجهة عالمه، ومصيره، ومشاكله، وتناقضاته." المشكلة ليست في المعارف التي نعرفها المشكلة تكمن فيما هي حقيقة المعرفة وما هي المعرفة بذاتها؟ أي معرفة تلك التي تنظم حياة الإنسان وترشده للعيش الكريم؟ هناك من ينادي بالعلمانية كخلاص لمنطقتنا من الظلام، ولكن هل هي فعلا الخلاص أم هي هروب آخر نحو المجهول؟ نحن لا نعالج جذور المشكلة كي نضع حلولا مناسبة ، نحن غالبا نهرب بعلاجات ترقيعية مستوحاة من الآخرين دون حتى الالتفات إلى الفروقات الجوهرية بين الثقافات والهوية، ونعمد إلى عملية استلاب لكل حواضننا الثقافية باستيراد تلك الحلول التي نهرب من خلالها من الواقع حتى لا نشمر عن سواعدنا ونوغل في فهمه وحل مشكلاته . والسبب هو التداخلات والتعقيدات المتشابكة والمتراكمة لتلك المشاكل التي تداخل فيها السياسي بالمعرفي بالديني ليخنق الإنسان لا ليخدمه . والحقيقة أن ما هو سياسي ليس ما يجب أن تكون عليه السياسة ، وما هو معرفي ليس حقيقة ما يجب أن تكون عليه المعرفة ، وما هو ديني ليس ما هو دين أو ما وجد كدين ، التشابكات الحاصلة هي ثمرة أفهام بشرية متداخلة ساقت لنا تجاربها وعصارة أفكارها لتصنع لنا واقعنا . ما نحتاجه كخطوة أولى حقيقية هي فك هذه التشابكات من خلال فهم واقعها ومواجهة كل الانحرافات التي بها ومن ثم معالجتها بالحقيقة . وهنا نقع في مأزق الحقيقة ، فأي حقيقة وأي منهج يوصلنا لتلك الحقيقة ؟ في ظل فوضى المعرفة وادعاء امتلاك الحق والحقيقة ، لا يمكننا زعم استحالة معرفة الحقيقة والحق ، بل علينا أن نمتلك الجرأة والقدرة على مواجهة كل التحديات لمعرفة الحقيقة بقدر ما نمتلك من أدوات منهجية ، فلن ادعي قدرتنا على امتلاك كل الحقيقة ، ولكنني أجرؤ على القول أننا يمكننا الحصول على جزء كبير منها إذا قررنا ذلك . إن أول عقبة وحائط صد يمكنه الوقوف أمام هذا الطريق الشائك هو أغلب النخب الدينية والفكرية، والسبب هو تداخل المصلحة الذاتية مع مسار المعرفة البشرية تداخلا متشابكا يغلب فيها هؤلاء مصالحهم على معارفهم . والضحية هي الإنسان الذي منه تتشكل المجتمعات . لذلك أرى أن الخطوة الأولى للتشخيص في هذا المحفل الكريم هو مواجهة الذات ، وانخراط أولئك الذين تتقدم معارفهم ومصلحة الإنسان على مصالحهم وذواتهم ، أولئك المستعدون للمواجهة الكبرى مع الذات من جهة ومع الآخر من جهة أخرى . مواجهة معرفية تمتلك القدرة على فهم الواقع وتشابكاته ومن ثم مواجهته وإصلاحه مهما كلفها ذلك من ثمن على مستواها الشخصي أو الاجتماعي أو حتى على مستوى ما اعتادته من أفكار وعقائد. إذا امتلكنا هذه المقدرة والقدرة فنحن بذلك نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو فهم وإدراك ماهية المعرفة ؟ والإجابة على سؤال أي معرفة؟ وما هي أدواتها وما هو منهجها السليم . إن فهم العقل الإنساني وطبيعة الفهم البشري مدخلا ضروريا لفهم الذات والآخر ، كون المعارف تشكل الافكار التي تقود العقل ، وكون العقل نبي باطن تميز به الإنسان وكان به مسجودا للملائكة . إذا خطوتنا الأولى تكمن في فهم الإنسان فهم حاجاته الواقعية ، صراعاته التي يعيشها مع ذاته بين فطرته وغرائزه ، كيف تم نظمها وقوننتها . هناك حقيقة لا يمكن الانفكاك منها وهي حاجة الإنسان للدين كضرورة لا تنفك عن وجوده ، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس ويسكن إليه ، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته . إن أدركنا ذلك بواقعية نستطيع بعدها معرفة أي دين وأي مقدس ، كون الوحي هو مصدر الدين وهو أهم مصادر المعرفة المقدسة ، وهنا يجرنا هذا الاعتراف والاقرار إلى إيلاء اهتمام خاص بهذا الجانب المعرفي من معارف الإنسان والمحوري في تشكيل عقيدته وتسيير سلوكه الفردي والاجتماعي . فالدين هو مصدر التفسير الأثرى لمعنى الحياة والموت ، وكون الحياة والموت مراحل أساسية للإنسان بل هي تشكل مساراته كافة وأفكاره بالتالي تصبح حاجته للدين حاجة وجودية واجبة ، هذا فضلا عن كونها حاجة فطرية . "وهنا جاء سؤال الباحثين والمهتمين : ما الذي يسوق الشباب في الغرب وغيره ، ممن هم في كفاية معاشية ، للهجرة إلى ولائم الذبح وحفلات الرقص على أشلاء الضحايا في بلادنا ، والتسابق على الانخراط في وحشية عبثية ، تتلذذ بالدم المسفوح ، وتتهافت على مغامرات مهووسة في العمليات الانتحارية ؟ " نحن اليوم إذا أمام أزمة فهم ديني لا أزمة دين ، هذا الفهم مرجعه إلى موارد المعرفة وأدواتها وكيفية الإدراك وهو ما يتطلب معالجة على عدة أصعدة مختلفة . الإدراك المعرفي وأدواته : الصعيد الأول هو الحفر العميق في منطقة الإدراك المعرفي وكيف يتعامل عقل الإنسان ومراكز الإدراك فيه مع المعارف ويرسم من خلالها أفكارا تشكل له عقيدة وسلوك . إن العمل على مناهج التفكير أو ما أسماه المفكر العراقي يحيى محمد علم الطريقة. حيث يقول : " البحث الطريقي للفهم، وهو معني بمعرفة مناهج الفهم والقواعد التي يعتمد عليها والقوانين التي تتحكم فيه. كما يندرج ضمن البحث الطريقي كل ما يستجد من قواعد للفهم، وكذا طرق التقييم والترجيح بين مناهج الفهم وأنساقه. ويدخل هذا القسم في صميم علم الطريقة، وهو نظير ما يجري بحثه في (فلسفة العلم). وبهذا الاعتبار يكون عبارة عن فلسفة الفهم. لكن إطلاق سمة المنهج والطريقة عليه أولى من إطلاق لفظ الفلسفة. وللمنهج معنيان، اذ يُقصد به المعنى الإجرائي، كما قد يُقصد به المعنى الأبستيمي او المعرفي. ويعني الأول القيام بالخطوات والضوابط اللازمة للبحث. فمثلاً في البحث التجريبي؛ على المجرب أن يأخذ بعين الاعتبار كل الخطوات التي تكفل للعملية التجريبية ان تكون مناسبة، دون ان ينقصها شيء من الشروط المعدة للبحث، كتحضير عينات من المادة المراد إجراء البحث عليها وتعريضها لظروف اختبارية مختلفة، والاستفادة من الابحاث السابقة في هذا المجال، وتسجيل الملاحظات الخاصة بخطوات البحث وجمعها ثم تحليلها واستخلاص ما يمكن من نتائج. والامر كذلك في البحث الفكري، فلكي يحاول المفكر أن يقدم نظرية ما او يشكل تصوراً دقيقاً حول قضية معينة؛ عليه أن يقوم بجملة من الاجراءات المنهجية كشرط للدقة في النتائج التي يمكن ان يتوصل اليها، من قبيل الاطلاع المسبق على النظريات والتصورات التي سبقت بحثه في القضية ذاتها، وكذا مقارنة هذه الافكار ببعضها او القيام بنقدها ضمن نفَس موضوعي، وكذا ان لا يحمل صورة نهائية مسبقة حول القضية ليسقطها على البحث، وكل ذلك يعد من الاجراءات المنهجية للوصول الى نتائج نهائية دقيقة. لكن ذلك لا علاقة له بالبحث المنهجي بما يعبر عن نظرية في المعرفة الإبستيمية، ففي جميع الاحوال أن الباحث سيعوّل على منهج او أكثر من المناهج المعرفية؛ سواء التزم بدقة الإجراء المنهجي ام لم يلتزم. فقد يعتمد على المنهج التجريبي في قبال العقلي او العكس، فهو وسيلة غرضها الكشف عن الحقائق عبر عدد من القواعد والمبادئ القبلية التي تعمل على تحديد سير العملية المعرفية، وكل ذلك لا علاقة له بالإجراء المنهجي الآنف الذكر. والذي يعنينا هو المعنى الأبستيمي للمنهج لا الإجرائي." وكما يرى أن علم الطريقة هو العلم الذي يدرس مناهج الفهم ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفهم. وتكمن أهمية هذا العلم كونه ينظم طريقة الفهم والتفكير المعنية بالتعاطي مع النص الديني الوحياني ، والذي يعتبر اليوم أهم إشكالية جدلية نتجت منها مدارس عدة منها مدرسة داعش التي اعتمدت على القراءة النصية المغلقة للنص الوحياني دون مدخلية للعقل أو للزمان والمكان ، ودون مداورة لتلك النصوص وإعادة موضعتها فيما يتناسب مع منجزات الحاضر ومعطياته . هذا الحفر في الجهاز المعرفي والإدراكي يُمَكّننا من الخروج بمنهج لعلم الطريقة الذي بدوره ينظم عملية التفكير والفهم ، وهو ما قد يقلل مساحات الاختلاف بين كافة المدارس الدينية في قراءة النص الديني. التراث والمقدس وتفكيك الارتباط: الصعيد الثاني : يطرح على بساط البحث كثيرا من قبل النخب الدينية والفكرية موضوع نقد التراث الديني وتجديد الخطاب الديني . ورغم ما قدم في هذا الصدد إلا أننا ما زلنا نراوح ونعيد توليد وإنتاج ذات التراث وذات الخطاب . والمعني الحقيقي بنقد التراث وإعادة انتاج خطاب ديني تحكمه النزعة الإنسانية هي المؤسسات الدينية بكافة أطيافها ومشاربها . وهذا واقعا يتطلب التالي : - التفكيك العملاني بين المؤسسات الدينية والسلطة ، ليس وفق الفهم العلماني للفصل ، وإنما تفكيك تحريري . يحرر قرار المؤسسة الدينية من ضغوط السلطة التي تعتبر مرجعيتها في الدعم المالي. هذا الفصل ليس إقصائيا من مراكز القرار، بل كما أشرت تحريريا للقرار، بحيث يصبح لدى المؤسسة الدينية إرادة حرة تمكنها من نقد التراث وبناء خطاب ديني بعيدا عن ضغوط السلطة وضروراتها وخاضعا لخيارات الشعوب ووحدة الأمة ووجودها خضوعا لا يخرجه عن دائرة الثابت في النصوص ، لكنه يمكنها من قراءة معيارية زمكانية للنص ، تعيد إنتاجه المعرفي على ضوء الواقع ومعطياته ، ووفق مصلحة الإنسان لا السلطان .كون ارتباط المؤسسة بالسلطة ،يجعل من السلطة مصدرا لاقتصاديات المؤسسة ماليا مما يخضعها لقرارات السلطة ويقيد قراراتها ويحجم من قدراتها على التغيير والنهوض . - التخلص من الشعبوية وضغط العوام ، كون هناك كثير من الحقائق التي تخفيها تلك المؤسسات نزولا عند ثقافة الجمهور وقدره في الفهم ، وخوفا من سخط الجمهور ، ويرجع ذلك إلى سلطة الجمهور المالية التي تدعم قيام هذه المؤسسة الدينية . - تحول المؤسسات الدينية لجامعات أكاديمية مستقلة ماليا من خلال قيامها بمشاريع تفيد المجتمع من جهة وتجعلها مكتفية ذاتيا من جهة أخرى ، هذا الاكتفاء يحررها ذاتيا في اتخاذ قراراتها من جهة. ، ويجعلها قوة مستقلة قادرة على مواجهة الانحراف والنهضة والتطوير ومواجهة استبداد السلطة . - تحرير المؤسسات الدينية يجعلها مؤسسات فاعلة ونافذة في كل من الجمهور والسلطة ، فهي ليست خاضعة لرغبات العوام من الناس ونزواتهم ، حيث أوعيتهم الإدراكية للواقع متفاوتة ، وليست خاضعة لضغوط السلطة ومصالحها الذاتية وتشابكاتها مع مصالحها الخارجية للدول العظمى. وقد أثبت التاريخ لنا توظيف السلطة للدين في كل مفصل تاريخي يهدد وجودها، حيث تحوله لسلاح مسلط على رقاب الجماهير يخيرهم بين جنة السلطان العسوف التي شرعنتها المؤسسة الدينية بتبعيتها للسلطة أو نار جهنم لمخالفة الجمهور لرغبات المستبد المسدد من سلطة الرب بواسطة فتوى المؤسسة الدينية. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط