قالوا في السيد من يأخذ من يده راية تحديث الفقه ۰۲ يونيو ۲۰۲۳ ۹٦٤ مشاهدة احمد شعلان لم تصبه رصاصات الغدر، وتابع مسيرته أمام الجميع، بل إمام الجميع، ولا يزال هناك على خط المواجهة الأمامي حيث سقط شهيداً، حاملا الراية الثقيلة، راية تحديث الفقه الإسلامي وعصرنته وتخليصه من التعقيدات المتراكمة. فمن يا ترى يأخذ الراية من يده ويتقدم بها في الاتجاه الصعب عينه؟ عرف مسؤولية أن يكون سيداً، سليل آل بيت رسول الله، فتحلى بالتقوى والمعرفة ورزاحة الفكر. ما جعله في موقع المؤتمن على ترشيد مريديه عبر العالم، في أخلاقهم وسلوكهم ومفاهيمهم، ومن خلالهم على حاضر المسلمين وغدهم أينما كانوا. وتمسك بالنهج الحسيني الذي برمج في جيناته الوراثية، فلم يسكت على الظلم ولم يتوان عن نصرة الحق مهما كان الثمن، وكان الظهير الروحي للمقاومة. وأراده مريدوه في لبنان والعالم مرجعاً لهم وإماماً عليهم، فأخذهم إلى حيث يبصر الغايات الإلهية في النصوص، راسماً لهم طرقاً فقهية واضحة في كل منطلقات الحياة، متخطياً موروثاتهم ومترسخاتهم، معكراً صفو «ما وجدوا آباءهم عليه». يسير بنا الزمن إلى حيث لم نعهد، وتتطور الوسائل فتلوي قدراتنا أمام المعطيات الجغرافية والبيئية للأرض. لقد عملقنا العلم والتكنولوجيا وصغر بنا الكوكب الذي نقطنه حتى بات مدينة واحدة، بل قرية كونية واحدة، كما بات يقال. وحدهم الذين اختزلوا معارفهم إلى ما ورثوه عن الأجداد والذين كرسوا أسلوب حياتهم في ما اعتاد آباؤهم عليه، وحدهم لا يشعرون بعالمية الانتماء. وحدهم يستمرون بالإقامة في الخيمة المعرفية القديمة ذاتها التي ورثها أجدادهم عن أجدادهم، كافرين بمئات السنين من النهضة العلمية التي شهدها تاريخ البشر. السيد فضل الله لم يكفر بالعلم وإنجازاته، ولم يدر له ظهره، بل عمل دائما على محاكاته في خدمة القيم الإنسانية العليا التي أطلقها الإسلام، متوجها بخطابه إلى خارج حدود المذهب والطائفة والقوم، مقدماً مفاهيم الدين بالمنطق العلمي الذي يحاكي العقل ويخدم الإنسان، كل إنسان في هذا العالم. حين دعيت كعضو في «اللجنة الوطنية لعلم الفلك في لبنان» إلى مؤتمر «جدلية العلاقة بين الفلك والفقه»، الذي كان قد رعاه سماحته في أواخر شباط الماضي، اجتهدت بالتحضير لتقديم مشروع تقويم إسلامي علمي موحد، بدءاً من خط طول إسلامي أو «غرينتش إسلامي»، إلى تعريف بداية الشهر القمري وفقا لقاموس يستند إلى علم الفلك، قبل أن اكتشف أن الكثير مما تصوّرته كان قد طرحه سماحة السيد فضل الله منذ سنين، وانه يجد السعي لمحاورة المرجعيات الإسلامية الأخرى بغية إقناعهم بضرورة إشراك علم الفلك في حل هذا الموضوع. ذلك العالم الفقهي المرجعي.. كانت تفيض مكنوناته شعراً وأدباً وثقافة، وله عشرات الكتب في شتى المجالات، وكان ذا رؤية جمالية للناس والأشياء. وما قريته التراثية التي تستقبل، بهندستها وحجارتها المميزة، زوار لبنان على طريق مطار بيروت، إلا تحفة سياحية تعبّر بذاتها ودورها عما يكتنز العلامة الراحل من جمال روحي وشاعرية رقيقة. ولم يقتصر الحضور الديني للسيد الفقيد على الدعوة والخطاب، بل كان العمل الاجتماعي الهادف طريقه نحو الخير والحق والجمال. فالمؤسسات الهادفة المتنوعة التي رعاها، من مساجد ودور أيتام ومدارس ومكتبات ومنتديات وإصدارات وجريدة وإذاعة وتلفزة، كانت خير استثمار لما كان يضعه المؤمنون من أموال بتصرفه، لتنعم بخيره آلاف العائلات، في خطة نهوض شاملة للمجتمع الذي تحت رعايته. لقد رحل العلامة آية الله العظمى سماحة السيد محمد حسين فضل الله الى رحاب الله، لكن ليس قبل ان يترك أمامنا كنوزاً من الرؤى الفقهية المجددة والمواقف الإنسانية الصائبة والمؤسسات الاجتماعية الناجحة، وخرائط طرق حضارية واضحة الاتجاه، حتى لا نضل الطريق. د. أحمد شعلان (عضو اللجنة الوطنية لعلم الفلك) شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط