|
____________________________________________
دار الملاك للطباعة والنشر
بيروت - لبنان - هاتف: 755200/03- فاكس: 450769/01، ص.ب. 25/158 الغبيري
فقه الشريعة
طبقاً لفتاوى المرجع الديني
سماحة آية الله العظمى
السيد محمّد حسين فضل الله (رض)
الجزء الثالث
دار الملاك
|

مقدمة الطبعة التاسعة
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وبعد:
يعزّ علينا أن نقدم لهذا الكتاب في ظل رحيل مؤلفه سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد حسين فضل الله (رض)، الذي كان له مقامه السامي في ساحة العلم والاجتهاد، وموقعه الراسخ في ميدان العمل والجهاد، وآثاره الضخمة في البحوث والتأليف.
ولـئن كان (رض) قد تميّز في العديد من الإنجازات، فإن رسالته العملية هذه (فقه الشريعة) هي إحدى تلك الإنجازات المميّزة التي تعهدها سماحته بالعناية والرعاية منهجاً ومضموناً، فجاءت فريدة في سلاسة أسلوبها، ووضوح عباراتها، وشمولية مباحثها ومسائلها، ودقّة تبويبها، وحداثة معالجاتها، على غير سابقة احتذتها، ولا مثال تأسّته، وذلك رغم أن سماحته (رض) قد كان راغباً في ترصيعها بالواضح المُبسّط من الأدلّة الشرعية من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والقواعد الفقهية، لتقدم الفتوى مقرونة بدليلها، فيأنس بها طالبها ويزداد اطمئناناً، ويصير أقرب للمشرّع المقدس تبارك وتعالى، لكنها رغبة لم تتحقق في غمرة تزاحم آماله وكثرة أعماله، فعسى أن يوفق لها مَنْ بعده من حفظة نهجه ووُعاة علمه.
وقد كان مقرّراً لهذه الطبعة أن ترى النور في حياة سماحته (رض) وذلك بعدما أمضى سماحته مسودّات التصويبات التي عرضت عليه في هذا الكتاب، أعني (فقه الشريعة) بأجزائه الثلاثة، بعدما قام مكتبنا بمراجعة شاملة لها، لكن شاء الله تعالى أن يختاره إلى جواره قبل صدورهـا وقبـل أن يكتب توثيقه المعتاد بخطّه لنصدّرها به، فرأينا مراعاة للدقّة أن نؤكد في هذه المقدّمـة علـى أن ما يتضمّنه هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة هو مطابق لآخر ما استجدّ لسماحته (رض) من رأي، داعين الله تعالى أن يجعله عنده في مقام الزلفى ومقعد الصدق، وأن ينفع بهذا الكتاب عامّة المؤمنين؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
لجنة الاستفتاء في مؤسسة العلامة المرجع
السيد محمد حسين فضل الله (رضوان الله تعالى عليه)
1 محرَّم 1433 ﻫ
مقدمة الطبعة الأولى
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فهذا هو الجزء الثالث من كتاب «فقه الشريعة» الذي يتضمّن فتاوانا الفقهيـة في قسمين، الأول في عـوارض التملُّك والثاني في أحكام الزواج والأسرة، وباكتمالـه نكـون قد استوفينـا الكثير مما يُبتلى به المكلَّفون من أبواب الفقه. هذا، وإن العمل بالمسائل الموجودة في هذا الجزء مجزىءٌ ومبرىءٌ للذمة إن شـاء الله تعالى، راجيـاً من الله أن يوفّقنـا للصـواب في معرفة أحكام الإسلام ويأخذ بأيدينا ـ جميعـاً ـ إلى ما فيه الخير والصلاح، إنه قريب مجيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
محمَّد حسين فضل الله
24 جمادى الثانية 1422 ﻫ
الجزء الثالث
وهو يشتمل على قسمين:
القسم الأول: في عوارض التملك
القسم الثاني: في أحكام الزواج والأسرة
القسم الأول
في عوارض التملك
المقصد الأول: في الشركة ولواحقها
المقصد الثاني: في الدين ولواحقه
المقصد الثالث: في مسؤولية صاحب اليد عما بيده من مال الغير
المقصد الرابع: في أبواب متفرقة
تمهيد:
يتضمّـن هـذا القسم أربعة مقاصد، وفي كل مقصد عدة أبواب، وجميعها ـ تقريباً ـ يبحث في أمور اعتبرناها من عوارض التملك بعدما حصرنا بحوث الجزء الثاني في أسباب التملك، ما عدا المقصد الرابع فإنّه قد تضمّن ـ إلى جانب الوكالة والإقرار اللذين يمكن إلحاقهما بعوارض التملك، لجهة أن أكثر ما يحتاج إليهما في المعاملات المالية ـ بابَ اليمين وشبهه وبابَ الكفارات وبابَ الأطعمة والأشربة، وهي ليست من عـوارض الملكية ـ إجمـالاً ـ، لكنْ حيث لم يكن لها عنوان جامع تجتمع عليه، أو لها، ولكنها أبوابٌ قليلة، فإننا رأينا أن ذكرَها في هذا القسم أنسب، فذكرناها فيه واستدركنا عدم دخولها فيه بتسمية المقصد بأنه: (في أبواب متفرقة)؛ وعلى هذا فإن المقاصد أربعة:
الأول: في الشركة ولواحقها، وهي المضاربة والشفعة.
الثاني: في الدين ولواحقه، وهي الضمان والكفالة والحوالة والرهن وأعمال البنوك.
الثالث: في مسؤولية اليد عن ما عندها، ويشتمل على باب الغصب والوديعة واللقطة.
الرابع: في أبواب متفرقة، وهي الوكالة والإقرار واليمين وشبهه والكفارات والأطعمة والأشربة.
ومنه نستمد العون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المقصد الأول
في الشركة ولواحقها
الباب الأول: في الشركة
الباب الثاني: في المضاربة
الباب الثالث: في الشفعة
تمهيد:
كما تتحقّق الملكية لفرد واحد من الناس فيستقل بالتصرف في المملوك كيف يشاء، فإنها تتحقّق ـ أيضاً ـ لأكثر من فرد واحد مهما بلغ عديده، فيملك الجميع ذلك المملوك بدرجة واحدة من الاختصاص ولكن دون أن يستقل كل واحد منهم بالتصرّف بحصّته منه إلا بإذن من شريكه، وحينئذ يكون المالك الاعتباري ـ هنا ـ هو (جماعـة) الشركـاء الذيـن لهـم الاستقـلال ـ مع التراضي ـ بالتصرّف بالعين، وذلك في قبال غيرهم ممن لا يملك شيئاً معهم؛ وبذلك تتساوى ملكية الفـرد وملكيـة (جماعـة) الشركـاء ـ من حيث طبيعتها ـ في جميع خصائص الملكية. وهذا التشارك قد يحصل بين شخصين أو أشخاص قهراً عنهم وبدون رغبة منهم، كالحاصل من الميراث والامتزاج القهري وغيرهما، وقد يحصل بالاختيار لأغراض شتى، كإشراك غيره في بعض أمواله بالهبة أو الامتزاج الاختياري أو غيرهما، وذلك إما لتعزيز سبل المودة أو لتحقيق الربح من ذلك بالإتجار ونحوه. وفي جميع الأحوال فإن التشارك هو علاقة إنسانية اقتصادية يُختبر فيها المؤمنُ في أخلاقه وفي دينه، وتُرتِّب على كل شريك تبعة تجاه شريكه في صيانة هذا المال المشترك وعدم العدوان فيه، وذلك بالحرص على الالتزام بما شرعه الله تعالى لتنظيمه وبيان أحكامه، وبالتشدد في إنصاف الناس من النفس ومراعاة حقوقهم.
هذا، ولا يقتصر حق الشريك في الفقه الإسلامي على ما له علاقة بالتصرف بالعين المشتركة والانتفاع بها واستنمائها خلال فترة بقاء ملكية الشريك لحصته، بل إن الشريعة قد وسعت نطاق ذلك الحق لما بعد انتقال الحصة عن ملكه بناقل معاوضي، كالبيع والهبة المُعوَّضة ونحوهما، فجعلت لشريكه ما يعرف بـ (حق الشفعة) الذي يُسمح له بموجبه بأخذ تلك الحصة المباعة ممن اشتراها بنفس الثمن الذي اشتراها به، تفضيلاً منها لرغبة الشريك فيها وحاجته إليها على رغبة غيره وحاجته.
أما (المضاربة) فرغم أن العامل فيها أشبه بالأجير لصاحب المال منه بالشريك، لكننا رأينا أنها ـ كمعاملة ـ هي أقرب إلى الشركة منها إلى الإجارة، فاستحسنا أن نجعلها في أبواب هذا المقصد، لا سيما أنه يمكن القول أن الشركة: تارة تكون في الأموال، وهي هذه الشركة المتعارفة، وأخرى تكون في الجهد والمال، وهو جوهر المضاربة، فإن العامل يُقدِّم فيها جهده وعمله، وصاحبُ المال يُقدِّم فيها ماله، فيتشاركان من جرائه بالأرباح، تماماً كما هو جوهر الأمر في الشركة المالية العقدية كما سيأتي بيانه.
نخلص من ذلك إلى القول: إننا قد رتبنا بحوث الشركة وما يُلحق بها ويُناسبها في ثلاثة أبواب، الباب الأول للشركة بمعناها المصطلح، والثاني للمضاربة، والثالث للشفعة، حيث نعرض في هذه الأبواب الثلاثة للعديد من المسائل التي يكثر عروضها للمكلف في معاملاته وحركته الاقتصادية، وعلى الله تعالى التوكل.
الباب الأول
في الشركة
المبحث الأول: في التعريف والأسباب
المبحث الثاني: في الشركة العقدية
المبحث الثالث: في كيفية التصرّف بمال الشركة
المبحث الرابع: في إزالة الشيوع بالقسمة
المبحث الأول: في التعريف والأسباب
مسألة 1: (الشَّركة) في اللغة: إسم من المشاركة. وفي مصطلح الفقهاء هي: (حدوث الملكية، لأكثر من شخص واحد، على مملوك واحد، على نحو الإشاعة، عند حدوث سبب أو أكثر من أسباب الاشتراك)؛ وعند التأمل في هذا التعريف نلاحظ ما يلي:
أ ـ قولنا: (حدوث الملكية) يشمل حالتي: (حدوثها) قهرياً كالشركة الحادثة بالميراث والامتزاج، و:(إحداثها) اختياراً، كما لو اتفقا على إحداث المشاركة بمبادرتهما إلى إصابة صيد واحد أو اقتلاع شجرة واحدة بعمل واحد مشترك، أو شراء جزء من العين، أو نحو ذلك من الأسباب الاختيارية.
ب ـ قولنا: (لأكثر من شخص واحد) يفيد عدم كونها مقيدة بعدد معين، فكما يحصل الاشتراك للإثنين فإنه قد يحصل للمئات والآلاف منهم.
ج ـ قولنا: (على مملوك واحد) يشمل غير العين من الأمور الأخرى التي تقع عليها الملكية، وهي المنفعة والحق، وسنذكر ذلك لاحقاً.
د ـ قولنا: (على نحو الإشاعة) نريد به ثبوت ملكية كل طرف بمقدار حصته في كل جزء من أجزاء العين القابلة للتجزأة حقيقة وخارجاً، وكذا في كل (جزءٍ) من أجزاء المنفعة أو الحق القابلين للتجزأة تنزلاً واعتباراً بلحاظ العين التي تعلقا بها؛ وذلك بغض النظر عن كون المال الذي حدث الاشتراك فيه واحداً أو متعدداً، وعن كونه مما يمكن اقتسامه كقطعة القماش أو مما لا يمكن اقتسامه كالكتاب أو القلم؛ فلو فرض أن شخصين قد ورثا دارين متماثلتين في الأوصاف، أو وكَّلا شخصاً بشرائهما لهما معاً بعد أن دفع له كل واحد منهما من ثمنهما مقداراً مساوياً لما دفعه الآخر، كان كل جزء من الدارين مشتركاً بينهما، وليس لأحدهما أن ينفرد بإحدى الدارين ويستبد بها دون رضا الآخر وموافقته؛ وهكذا الأمر في كل مال مشترك بما في ذلك أموال الشركة العقدية التجارية، كما سيأتي.
هـ ـ قولنا: (عند حدوث سبب أو أكثر) يراد به تأثير كل سبب حادث من أسباب الاشتراك في تحقّق الشركة، وتظهر الفائدة عند انكشاف بطلان أحدها، فيبقى السبب الآخر مؤثراً فيها، وذلك كما لو اقتلعا معاً شجرة فملكاها بالحيازة، ثم تبين لهما أنها كانت ملكاً لمورثهما وأنهما قد ملكاها ـ الآن ـ بالميـراث، فإنَّ بُطلان اشتراكهما في ملكيتها بالحيازة لا يلغي تأثير اشتراكهما في ملكيتها بالميراث؛ وهكذا.
مسألة 2: الأسباب الموجبة للاشتراك عديدة، ولما كان بعضها مما يوجب الاشتراك قهراً، دون حاجة لعلم الشركاء ولا رضاهم، كالاشتراك الحادث من الميراث والوصية؛ وبعضها يوجبه اختياراً، كالمشاركة في شراء شيء واحد، أو في الإجارة على عمل واحد؛ وبعضها يوجبه قهراً تارة واختياراً أخرى، كامتزاج شيئين أو حيازة شخصين لشيء واحد، فإنه لا بد من بيان ذلك في أقسام ثلاثة:
القسم الأول: الأسباب القهرية المحضة، وهي:
الميراث، وكذا الوصية والوقف بناءً على ما اخترناه فيهما من كونهما من الإيقاعات التي لا تحتاج إلى قبول الموصى له ولا الموقوف عليه؛ فإذا مات المالك اشترك وُرَّاثُه مهما كثروا في تركته قهراً عنهم، وكذا لو أوصى بشيء لمجموعة من الأشخاص فإنهم يشتركون في ملكية الموصى به حتى لو لم يقبلوا الوصية ورَدُّوها؛ ومثله ما لو أوقف عليهم.
هذا، وكما تتحقّق الشركة بسبب الميراث والوصية في الأعيان فإنها تتحقّق ـ أيضاً ـ في المنافع، وكذا فيما يقبل الإنتقال من الحقوق، كحق الاختصاص وخيار الفسخ والتحجير وغيرها من الحقوق التي لها تعلق بالأعيان؛ فيما تختص شركة الوقف بالأعيان دون المنافع والحقوق، كما تختص شركة (الحبس) بالمنافع دون الأعيان والحقوق.
القسم الثاني: الأسباب الاختيارية المحضة، وهي أمور:
1 ـ عقد الشركة، وهو اتفاق اثنين أو أكثر على أن يتشاركا في ماليهما، إما من أجل الإتجار به واستنمائه أو لمجرد تحقيق التشارك بينهما. فتتحقّق الشركة بالعقد ويصير مال كل منهما مملوكاً لهما على نحو الإشاعة حتى لو بقي مال كل منهما عنده دون أن يمتزج أو يختلط وينضم إلى مال الآخر.
2 ـ حدوثُ عقد مُملِّك لأكثر من شخص واحد في وقت واحد، وذلك:
أ ـ بأن يهب شخص ماله لأكثر من شخص واحد بعقد واحد أو بأكثر، فإذا قبل الموهوب لهم ملكوا العين شركة.
ب ـ أو يقوم شخصان أوأكثر بتوكيل شخص عنهم بشراء عين واحدة لهم أو استئجارها أو استعارتها، بحيث يملك الجميع العين أو المنفعة على نحو الاشتراك في وقت واحد.
3 ـ خروج جزء مشاع من العين المملوكة أو من منفعتها بناقل من النواقل، كأن يبيع نصف داره أو يؤجره أو يهبه أويهب نصف منفعته أو يعيره، فيصير المنقول إليه شريكاً للناقل في ملكية العين أو المنفعة.
4 ـ استئجار عاملين أو أكثر لإنجاز عمل واحد، كقطع شجرة أو فلاحة أرض، أو نحو ذلك، فإذا أنجزا عملهما اشتركا في الأجرة؛ سواءً استأجرهما معاً على أن يعمل أحدهما قبل الظهر والآخر بعده، أو على أن يعمل أحدهما يوماً والآخر يوماً، أو على أن يُنجز أحدُهما شيئاً منه والآخر شيئاً آخر، أو على أن ينجزاه معاً في وقت واحد.
هذا من جهة، وأما من جهة مدى شمولية الشركة المتحقّقة بهذا القسم من الأسباب للأعيان والمنافع والحقوق، فإن السبب الأول منه سيأتي بحثه تفصيلياً لاحقاً، وأما الثلاثة الباقية فإنها تشمل كل مملوك ما عدا الأمر الثالث فإنه لا يشمل الحقوق لعدم قابليتها للتجزأة.
القسم الثالث: الأسباب الاختيارية تارة والقهرية تارة أخرى، وهي أمران:
1 ـ الحيازة، وتكون الشركة بسببها اختيارية عند قيام شخصين أو أكثر عن قصد واختيار برمي صيد واحد أو اقتلاع شجرة واحدة أو شق قناة أو إحياء أرض، أو عند قيام شخص بإحياء أرض أو حيازة مباح نيابة عن جماعة دون تكليف منهم، فإذا أجازوا ما فعله ملكوا ما أحياه وما حازه. وتكون قهرية عند قيام أحدهما برمي صيد في نفس الوقت الذي يرميه غيره دون معرفة منهما، فيصيبانه معاً إصابة قاتلة، أو نحو ذلك. هذا، ولا تتحقّق الشركة في الحيازة إلا في الأعيان دون المنافع والحقوق.
2 ـ الامتزاج، وهو على أنحاء:
الأول: ما كان الخليطان فيه من جنس واحد، وفي مرتبة واحدة من الجودة أو الرداءة، وانعدمت بالامتزاج الشخصية المستقلة لكل جزء منهما، وذلك كامتزاج زيت الزيتون بزيت مثله، أو طحين القمح بطحين قمح مثله، ونحو ذلك. وتتحقّق الشركة بهذا النحو من الامتزاج قهراً واختياراً، ومع إذن أحدهما للآخر بمزج ماله بماله أو من دون إذنه، وإن كان آثماً في صورة عدم الإذن.
الثاني: ما لو كان الخليطان من جنس واحد، لكنهما لم يكونا متماثلين في الجودة والرداءة؛ فإن كان الامتزاج غيرَ مضمون على الفاعل، كأن حدث برضا صاحبه، أو بغير فعله مع كون يده عليه يد أمانة، تحقّق به الاشتراك في الخليط قهراً أو اختياراً، وإن كان مضموناً على الفاعل تخيّر صاحبه بين مطالبته بمثل العين أو قيمتها وبين الاشتراك معه فيها.
ومثله في الحكم ما لو كان الخليط من جنسين مختلفين، وانعدمت بالاختلاط هوية كل عنصر منهما، فتكونَتْ طبيعةٌ ثالثةٌ، كاختلاط الخل بالعسل وتَوَلُّد الشراب المعروف بـ (السكنجبين) منه.
الثالث: ما إذا كان الخليط من جنس واحد، وبقي كل جزء من كل جنس محتفظاً بهيئته المستقلة رغم الامتزاج، سواءً كانت أجزاؤه صغيرة أو كبيرة، وسواءً كان بالمماثل له في الجودة والرداءة أو بالمختلف عنه، وذلك كاختلاط السمسم أو القمح أو الجوز بمثله؛ وفي مثله لا تتحقّق الشركة بهذا الامتزاج، فضلاً عن عدم تحقّقها بما لو كان الخليط من جنسين مختلفين لا يمكن فرز أحدهما عن الآخر، كامتزاج القمح بالشعير أو العدس بالأرز، ونحو ذلك. فإنْ رغب كل منهما في أخذ ماله لزمه التصالح مع الآخر بما لا يؤدي إلى الربا بالنحو الذي تقدمت أحكامه في ربا المعاملة من الجزء الثاني، ص: 495.
مسألة 3: كما تتحقّق الشركة في الأعيان الخارجية للأموال فإنها تتحقّق في الأموال الذمية (أي: التي في الذمة) من الديون، إضافة إلى ما سبق ذكره من تَحَقُّقها في المنافع والحقوق، وذلك من دون فرق بين الشركة العقدية وغيرها مما يحصل من أسباب أخرى غير عَقْدية؛ ولها موارد كثيرة:
منها: ما لو كان لشخص دين في ذمة الآخر، فإذا مات ذلك الدائن عن عدد من الورّاث اشتركوا في ذلك الدين الذي ما يزال في ذمة المدين؛ كما أنهم يشتركون في مال مُورِّثهم المودَع في البنك بعدما صار بالإيداع ديناً له في ذمة البنك.
ومنها: ما لو اشترى إثنان ديناً في ذمة الغير، أو اشترى شخص نصف الدين من الدائن، أو اشتركا في عمل واحد وبقيت الأجرة لهما في ذمة المستأجر، وما أشبه ذلك.
ومنها: ما لو اتفق عدد من الدائنين على أن تكون الديون التي لهم في ذمة شخص ـ أو أشخـاص ـ شركة بينهم؛ ومن مصاديق هذا المورد الشركات العقدية التي تحدث في أموال الشركاء المودَعة في البنوك، من حيث إنها ديون للمودعين ثابتة في ذمة البنك، فيعد التشارك فيها مصداقاً للشركة في الديون.
وهكذا سائر موارد الدين، وبخاصة ما يجري التشارك فيه من الأموال المودعة في المصارف مما هو كثير الوقوع في زماننا.
مسألة 4: لا تعتمد الإشاعة في المال المشترك ـ دائماً ـ على امتزاج أموال الشركاء، سواءً ما يكون منه على نحو اختلاطها ببعضها واجتماعها في كم واحد وفي مكان واحد، أو ما يكون على نحو الامتزاج الطبيعي الذي تنعدم فيه استقلالية الأجزاء، بل تتحقّق الإشاعة ـ إضافـة إلى ذلك ـ بأمـور أخرى لها علاقة بنوع السبب الذي تحقّق به الاشتراك؛ وتوضيحاً لذلك وتأكيداً له نقول: إن أسباب الشركة من هذه الجهة على نوعين:
الأول: الشركة العقدية، ويكفي في تحقّق التشارك بها ووقوع الإشاعة، نفسُ الاتفاق، فإذا اتفق اثنان أو أكثر على أن يشتركوا في النقد أو القمح الموجود في خزانة كل واحد منهم أو مزرعته، فقد ملك كل واحد منهم ـ بمجرد الاتّفاق ـ مقدار حصته من مال شريكه الذي ما يزال عنده، وصار ذلك النقد ـ أو القمح ـ مشتركاً بينهم ومملوكاً لهم على نحو الإشاعة، رغم بقاء كل مال في خزانة صاحبه وعدم اجتماعه مع مال الآخر في كم واحد ولا في مكان واحد؛ سواءً كانت الشركة في أعيان خارجية أو في أموال ذميّة. وهذا الأمر هو ميزة وخصيصة للشركة العقدية دون سواها.
الثاني: غير الشركة العقدية من الأسباب التي ذكرناها آنفاً، فإن الإشاعة فيها لا تكون إلا في إطار وحدة العين، سواءً في ذلك ما لو كان سبب الاشتراك هو الامتزاج بالنحو الذي ذكرناه سابقاً، أو كان سببه غير ذلك، كالحيازة والهبة والميراث ونحوها، فما لم يرد سبب التمليك على عين واحدة، وما لم يصر الشيئان بالامتزاج عيناً واحدة لا يتحقّق الاشتراك، فلو اصطاد كل من الصائدين طائراً من نفس النوع، أو اشترى كل واحد من المبتاعين نسخة من نفس الكتاب، أو مقداراً من القمح، فاشتبه طائر كل منهما ـ أو كتابه ـ بالآخر، أو اختلط المقداران من القمح ببعضهما، لم تتحقّق الشركة بذلك، لعدم حدوث الإشاعة بمجرد تجاور الأعيان واشتباهها، ولا بمجرد اختلاط مثل القمح وغيره من الحبوب الكبيرة، كما ذكرنا آنفاً.
المبحث الثاني: في الشركة العقدية
ومرادنا بها ـ كما سبق بيانه ـ: (اتفاق اثنين أو أكثر على أن يشارك كل واحد منهما الآخر بمقدار ـ أو بشيء ـ معلوم من أموالهما)؛ ولا بد فيها من العقد المشتمل على الإيجاب والقبول، وكما يتحقّق العقد بكل لفظ يدل عليه، كقولهما: (اشتركنا) أو قول أحدهما: (شاركتك) وقبول الآخر، فإنه يتحقّق بالمعاطاة أيضاً. كذلك فإنه يعتبر في المتعاقدين فيها كل ما يعتبر في أمثالها من العقود المالية، من العقل والاختيار والقصد وعدم الحجر عليهما لسفه أو فلس، إضافة إلى لزوم إذن الولي إذا كان العاقد غير بالغ. هذا ولا يعتبر فيها وجود هدف تجاري منها، بل تصح الشركة العقدية مجردة عن كل هدف سوى الرغبة المتبادلة من كل منهما في أن يكون الآخر شريكه، وإن كان الهدف الغالب منها هو الإتجار برأس المال المشترك وتحملهما معاً ربحه وخسارته.
وعلى هذا الأساس فإننا ـ في هذا المبحث ـ سوف نستعرض أحكامها من جهتين، أولاً: من جهة أصل التعاقد، ومجرداً عن الإتفاق على المتاجرة به، وثانياً: من جهة الاتّفاق على المتاجرة به ـ كما هو الغالب ـ زيادة على أصل التشارك بالمال الخاص بكل منهما؛ فهنا مطلبان:
المطلب الأول: في أحكام الشركة العقدية المجردة
وفيه مسائل:
مسألة 5: يعتبر في تحقّق الشركة العقدية أن يكون المال المتشارك فيه مملوكاً وموجوداً في متناول يد المالك ولو بعد حين، فلا يمنع منها ما لو كان المال ديناً أو مرهوناً أو مستأجراً أو عارية أو ما أشبه ذلك مما لا ينافي ملكية الشريك لماله. وذلك في قبال الإتفاق على التشارك في مال لم يوجد بعد، وهذا الإتفاق هو نوع من التراضي لا تتحقّق به الشركة شرعاً، ويتصور على نحوين:
النحو الأول: ما يسمى ـ في مصطلح الفقهاء ـ (شركة الوجوه)، وهي: (أن يتفق اثنان ـ أو أكثر ـ على أن يشتري كل منهما سلعة نسيئة، ثم يبيع كل منهما ما اشتراه مستقلاً عن الآخر، على أن يكون ربحها بينهما وخسارتها عليهما).
النحو الثاني: ما يسمى بـ (شركـة المفاوضـة)، وهي: (أن يتفـق اثنـان ـ أو أكثر ـ على أن يكون ما يحصل لكل منهما من ربح من أي سبب كان شركة بينهما، سواءً في ذلك ما يحصل من إجارة كل واحد منهما نفسَه أو مالَه مستقلاً عن الآخر، أو من ربح تجارة يسعى بها أو زراعة يستنبتها، أو ما يكسبه من هبة توهب له أو ميراث يغنمه أو حيازة أو غير ذلك؛ وعلى أن يكون ما يرد على كل واحد منهما من خسارة، عليهما، سواء نتج من ضمان تلف أو جناية أو تجارة أو غير ذلك).
فإنْ تعاقدا على أحد هذين النحوين لم يصح، وكان لكل منهما ربحه وعليه خسارته دون أن يشاركه الآخر فيهما، وليس ذلك إلا لأن المال الذي يراد التشارك فيه لم يدخل ـ بعد ـ في ملك مالكه.
مسألة 6: إذا رغب جماعة بأن يتشاركوا بواحد من النحوين المذكورين في المسألة السابقة أمكنهم ذلك بأكثر من طريقة مشروعة:
الأولى: أن يتشارط اثنان ـ أو أكثر ـ في ضمن عقد لازم على أنه إنْ ربح أحدهما اعطى صاحبه نصف ربحه وإن خسر أحدهما تدارك صاحبه نصف خسارته ـ وهذا هو مضمون شركة المفاوضة ـ، فيجب على كل منهما الوفاء للآخر بإعطائه نصف ما يربح وضمان نصف ما يخسر.
الثانية: أن يوكل أحدهما الآخر بأن يشاركه فيما يشتريه، بأن يشتري لهما وفي ذمتهما، فإذا اشترى شيئاً كذلك يكون لهما، ويكون الربح والخسارة ـ أيضاً ـ بينهما؛ وهذا هو مضمون شركة الوجوه.
الثالثة: أن يتصالح الأطراف على مضمون شركة الوجوه أو شركة المفاوضة، فيصح الصلح ويلزمهم مضمونه بالنحو الذي تصالحوا عليه.
مسألة 7: الشركة العقدية المجردة لازمة لا تنحل إلا بالقسمة، مثلها في ذلك مثل كل شركة حصلت من سبب آخرٍ قهري أو اختياري؛ إذ رغم عدم اختلاط الأموال أحياناً في الشركة العقدية، فإن ذلك التعاقد قد جعل كل مال داخل في الشركة مملوكاً على نحو الإشاعة بين أطراف الشركة رغم بقائه عند صاحبه، وحينئذ لن تتمايز الحصص إلا بقسمتها بينهم قهراً أو بالتراضي.
المطلب الثاني: في أحكام الشركة العقدية الاستثمارية
وفيه مسائل:
مسألة 8: قد يرغب المكلف بعقد شركة مع غيره بهدف الاسترباح بماله بالمتاجرة فيه وتقاسم الأرباح والخسائر، وهو ما سوف نصطلح عليه بـ (الشركة العقدية الاستثمارية)؛ وهي على نحوين:
الأول: أن يكون الأطراف قبل التعاقد شركاء بأحد أسباب الشركة السالفة الذكر، عقدية كانت أو غير عقدية، وقهرية كانت أو اختيارية، فيتراضون على استثمار المال المشترك بينهم بالمتاجرة فيه، أو باستنمائه، أو بغيرهما من وجوه الاسترباح، على أن يكون الربح بينهم والخسارة عليهم بكيفية معينة؛ ويتميز هذا النحو من الشركة بأن التعاقد فيه إنما هو على نفس الاستثمار بعد أن كان المال مشتركاً من قبل، وليس على التشارك من أجل الاستثمار كما هو النحو الثاني؛ وهذا التراضي هو نحو من التعاقد، فتلحقه جميع أحكام العقد، وبخاصة من حيث أهلية المتعاقدين ولزوم العقد وموجبات الفسخ، وذلك خلافاً للمشهور من أن التراضي في هذا النحو من استثمار الأموال المشتركة قائم على مجرد (الإذن) لا على التعاقد.
الثاني: أن يتراضى أكثر من شخص على التشارك من أجل الاستثمار، فيتعاقد شخصان أو أكثر على أن يكون مال كل منهما المعين شركة بينهما للإتجار والتكسب به بكيفية خاصة وشروط معينة؛ بحيث يتحقّق التشارك في المال بعد أن لم يكن، ويتحقّق منهما ـ أيضاً ـ الالتزام بالإتجار به بعدئذ؛ وهذا هو النحو الذي تجري عليه الشركات ذات الأنظمة الخاصة المتعارفة في زماننا، كالشركات التجارية المساهمة أو المحدودة، والجمعيات التعاونية الاستثمارية وغيرها من أنواع الشركة المرتكزة على هذا النحو من التعاقد.
فإذا تم العقد بينهم بأحد النحوين المذكورين وجب العمل من جميع الأطـراف طبـق ما أخـذ في العقـد سعـة وضيقـاً؛ كمـا أنـه يقع لازمـاً ـ في كلا النحوين ـ فلا ينفسخ إلا بالتقايل، أو بفسخ من له خيار الفسخ ولو من جهة تخلف بعض الشروط التي جُعلت في ضمن العقد، أو بانتهاء أمد الشركة إن كانت مؤقتة؛ فتنحل بواحد من هذه الأسباب الثلاثة صيغة الاستثمار والاسترباح ويبطل العمل بها، أما المال نفسه فيبقى مشتركاً بينهم على نحو الإشاعة لا تنحل شركته إلا بالتقاسم.
مسألة 9: إطلاق الشركة الاستثمارية ـ من حيث مقدار حصة كل من الشركاء ـ يقتضي أن يكون لكل واحد منهم من الربح وعليه من الخسارة بنسبة ماله إلى مجموع رأس مال الشركة، سواءً تساووا في العمل أو اختلفوا فيه أو لم يعمل أحدهم أصلاً. لكن، يجوز أن يشترط بعض الشركاء زيادة في الربح عن مقدار حصته منه مع بقاء حصته من الخسارة على حالها، أو مع اشتراط نقصان حصته من الخسارة عن نسبة ماله، وذلك في قبال عمل يقوم به دون غيره، أو لكون عمله فيه أكثر أو أهم من عمل غيره، أو في قبال منفعة بَذَلَها، كمنفعة محل تجاري أو سيارة نقل أو نحوهما، فإذا رضي الشركاء بالشرط وجب الوفاء له به. وأما أن يشترط ذلك دون منفعة يبذلها أو عمل يقوم به، أو دون أن يكون عمله أهم أو أكثر من عمل غيره، فهو شرط غير سائغ، فضلاً عما لو اشترط تمام الربح أو شُرط عليه تمام الخسارة.
وحيث يفرض للعامل زيادةٌ على حصته من الربح فهو إنما يستحقها بنفس الإشتراط، دون ضرورة لتصحيح أخذ الزيادة بأنها: إذا كانت في قبال العمل فهي مندرجة في المضاربة وتجري عليها أحكامها إن كانت حصة مشاعة، ومندرجة في الإجارة إن كانت مقداراً من المال؛ وأنها إذا كانت في قبال منفعة بَذَلَها أحد الشركاء، كمنفعة محل تجاري أو سيارة، فهي مندرجة في الإجارة تارة، وفي كونها معاملة مستقلة تارة أخرى. إن تصحيح أخذ الزيادة بهذا النحو أو بغيره مما ذهب إليه بعض الفقهاء لا ضرورة له.
مسألة 10: يستثنى من حكم عدم جواز التفاضل في الربح بدون مقابل، وهو المذكور في المسألة السابقة، ما لو كان الاستثمار بطريقة المضاربة، فإنه يجوز التفاضل في الربح بين المتشاركين في رأس المال دون أن يقابله عمل أو بذل منفعة من قِبَل مَنْ كانت له الزيادة. (أنظر المسألة: 60).
المبحث الثالث: في كيفية التصرّف بمال الشركة
ونريد به بيان حكم شتى التصرفات بالمال المشترك، ومنها حكم شراء الشريك شيئاً من أموال الشركة، أو شرائه شيئاً بأموالها، أو اقتراضه منها أو قبضه لبعض ديونها، ومنها حكم ضمان ما يتلف تحت يد الشريك، ونحو ذلك؛ وهو ما يختلف حكمه باختلاف أسباب الشركة بين الشركة الاستثمارية وغيرها، ما يستدعي تفصيله في مطلبين:
المطلب الأول: في حكم التصرّف بمال الشركة غير الاستثمارية
وفيه مسائل:
مسألة 11: لما كان تصرف أحد الشركاء بأي جزء من أجزاء العين المشتركة موجباً لتصرّفه بمال الغير، فضلاً عما لو تصرف بجميع العين، وحيث قد يرغب جميعهم ـ أو بعضهم ـ في التصرف فيها كلياً أو جزئياً، فإنهم إذا تراضوا فيما بينهم على أمر يُبقي الشركة ويُسَهِّل التصرف بالعين، أو على أمر يلغي الشركة، كالتقاسم، كان خيراً، وإن لم يتراضوا على أمر وجب على كل منهم إجابة الآخر إلى القسمة ـ إجمالاً ـ بالنحو الذي سنبيّنه إذا طلبها، أو يأذن المطلوب منه للطالب بالتصرّف بجزء من العين مجاناً إذا كان بمقدار حصته، أو بما هو أزيد من حصته ـ ولو بتمام العين ـ مجاناً أو بعوض، وبخاصة إذا كان طالب الانتفاع متضرراً بتركه؛ فإذا امتنع عن القسمة وعن الإذن بالتصرف، مع إمكانهما أو إمكان أحدهما، كان آثماً، وجاز للمتضرر رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي ليفض النزاع. وكيفما كان الأمر فإنه لا يجوز لأحد الشركاء أن يتصرف بالعين المشتركة إلا أن يأذن سائر الشركاء بذلك أو يأذن به الحاكم الشرعي مع امتناعهم وعدم التراضي على القسمة.
نعم، يغني عن الإذن كونُ الاشتراك في بعض الأعيان مبتنياً على التصرف فيه بدون استئذان، وذلك كمثل الأرض المشتركة إذا جُعلت موقفاً لسيارات الشركاء، أو ملعباً رياضياً لهم، أو نحو ذلك، فإنه يجوز لكل شريك أن ينتفع بها بالنحو المتفق عليه دون استئذان سائر الشركاء.
هذا، ولا يكفي في تصرف الآذن بالعين المشتركة كونُه قد أذن لشريكه بالتصرف، بل لا بد له من استئذان المأذون له أيضاً، وبعبارة أخرى: إن تصرف الشريكين بالعين المشتركة بينهما يحتاج إلى أن يأذن كلُّ واحد منهما للآخر، فلا يغني الإذن لأحدهما عن لزوم استئذان الآخر.
مسألة 12: يجب أن يقتصر المأذون له في التصرف بالعين المشتركة على المقدار والكيفية اللتين نص عليهما الآذن، ويكفي لجواز التصرف في توابع العين الإذنُ بالتصرف في العين ما لم يَنُصَّ على المنع من بعض توابعها، فإذا أذن له في سكنى الدار كان ذلك إذناً ـ عرفاً ـ في إسكان زوجته وأطفاله وخادمه وتردد ضيوفه وزواره، إلا أن يمنعه من بعضها فيلزمه الامتناع.
مسألة 13: إذا أذن لشريكه بتصرف معين لم يُلزم الآذن به دائماً، فيجوز له الرجوع عن إذنه بعد صدوره منه بمدة قصيرة أو طويلة، بدون فرق في ذلك بين الأعيان أو المنافع أو الحقوق، وبدون فرق بين ما لو كان الإذن صادراً في إطار ما يصطلح عليه بـ (المهايأة) أو غيرهـا؛ و(المهايـأة) ـ بالهمزة على الألف قبل التاء ـ بمعنى الموافقة، من (هايأه) أي وافقه؛ ويراد بها في الفقه: (توافق الشركاء على نحو من الانتفاع المتبادل بينهم بالمال المشترك)، كالمنزل المشترك الذي يتفقان على أن يسكنه هذا في هذا الشهر والثاني في الشهر الثاني، وكذا لو كان المشترك منه خصوص منفعته، كما لو استأجراه معاً؛ فإذا أذن أحدهما لشريكه أن ينتفع به بهذا النحو جاز له الرجوع عن هذا الإذن. وسوف نعرض لهذه المسألة لاحقاً في مبحث القسمة. (أنظر في ذلك الأمر الثاني من المسألة: 29).
مسألة 14: إذا كان الجدار مشتركاً بين اثنين أو أكثر لم يجز لأحد الشركاء التصرف فيه بالبناء عليه ليزيد في ارتفاعه، ولا بجعل سقف عليه، بل ولا إدخال وتد فيه، إلا بإذن شريكه أو إحراز رضاه بشاهد الحال، كما في التصرفات اليسيرة مثل الاستناد إليه أو طرح ثوبه عليه أو نحو ذلك، إلا أن يمنعه عنها ـ ولو بإظهار الكراهة ـ فيلزمه الإمتناع. لكنَّ الظاهر مما هو متعارف في زماننا من كيفية التصرّف في الجدران المشتركة في الأبنية الحديثة ذات الطبقات المتعددة، هو أن الاشتراك فيها مبني على الإذن لمن يشغل أحد جانبي الجدار بالتصرف فيه بما هو متعارف له، من ثقب الجدار لتعليق صورة أو نحوها، أو جعل أخدود فيه لمد أنابيب الماء أو أسلاك الكهرباء ونحو ذلك.
مسألة 15: إذا احتاجت العين المشتركة إلى بذل مال عليها، كالإنفاق على طعام الحيوان وعلاجه ومبيته، أو دفع أجرة حراسة المسكن وضرائب البلدية المترتبة عليه، أو نحو ذلك مما هو لازم له في حالته التي هو عليها، كانت نفقته ومصاريفه على الجميع، كل بمقدار حصته، ويجبر الممتنع مع الإمكان، وإلا يرفع أمره إلى الحاكم الشرعي لحل النزاع.
وإذا كانت العين بناءً فتصدّع، أو سيارة فتعطّلت، أو نحو ذلك مما يعرض عليه الفساد ويحتاج إلى إصلاح، لم يكن لأحد الشركاء أن يصلحها دون رضا الآخرين، وإذا أُذن له في إصلاحها لم يكن له أن يجبرهم على البذل معه، فإن تراضوا عليه كان خيراً، وإن لم يتراضوا، وأمكنت القسمة، وطلبها بعضهم وجبت إجابته، وإلا رفع أمره إلى الحاكم الشرعي ليفض النزاع بينهم بالحسنى، أو ليأذن له بإصلاحها.
هذا، ولو استقل أحدهم بإصلاحها من ماله بإذن الآخرين، كان له الحق بحرمان سائر الشركاء من الانتفاع بثمرة تلك الإصلاحات إن أمكن الجمع بين حرمانهم منها وبين بقاء حقهم السابق على ما هو عليه، وإلا كانت ثمرتها للجميع بما في ذلك زيادة قيمتها وهي صالحة عن قيمتها وهي فاسدة.
المطلب الثاني: في حكم التصرف بمال الشركة الاستثمارية
وفيه مسائل:
مسألة 16: لما كان عقد الشركة الاستثمارية مبنياً على تقليب المال وتداوله بالبيع والشراء والإيجار مع ما يستتبع ذلك من شتى التصرفات، وحيث إن التعاقد القائم بينهم يقتضي كون العامل مأذوناً بالتصرف فيه بما يناسب جوانب الاستثمار المتفق عليها، فإن كل تصرف من كل شخص يدخل تصرفه في دائرة العمل الاستثماري المُتعاقَد عليه لا يحتاج إلى إذن فيه بخصوصه ما دام التعاقد مبتنياً عليه، سواءً في ذلك من كان شريكاً أو لم يكن؛ فيما لا يجوز لغير العامل ممن لا يشملهم العمل الاستثماري أن يتصرفوا بالمال المشترك أو بجزء منه بكل ما يعدّ تصرفاً ـ ولو كـان ضئيـلاً ـ إلا بعد استئذان سائر الشركاء ما دامت الشركة لازمة بنفسها في النحوين السالفي الذكر.
مسألة 17: لا يجوز لأحد الشركاء أن يقترض شيئاً من أموال الشركة، ولو بمثل أن يشتري شيئاً من أموالها ويدفع ثمنه من مالٍ آخر من أموالها، إلا أن يكون مأذوناً بذلك؛ هذا ولا يضر بجواز الاقتراض المأذون به توهم أن المقترض قد (اقترض) مالَ نفسه ومالَ غيره من جهة كونه شريكاً في كل جزء من أجزاء المال على نحو الإشاعة. وذلك لأن المال بعد الاشتراك تنعدم فيه خصوصية استقلال كل شريك بماله، وهو إذ يقترض منه فإنما يقترض من مال الشركة كعنوان اعتباري مغاير له، ومعه لا يصدق أنه قد اقترض مال نفسه؛ وبناءً عليه فإنه يجب عليه إرجاع كامل المبلغ دون أن يُنقص منه شيئاً إلا أن يرضى الشركاء بفرز جزء من المال المشترك واعتباره حصته التي استقرضها أو جزءاً منها، لكنه ـ وإن صح ـ يعتبر أمراً مغايراً لمفروض المسألة.
مسألة 18: لا تمنع الشركة الاستثمارية المتمثلة في عمل تجاري، كالتعاونيات الاستهلاكية، من شراء بعض الشركاء منها، لفساد توهم أنه قد اشترى مال نفسه ومال غيره، وأنه قد بطل البيع فيما هو بنسبة حصته من البيع، من جهة كون مالك الثمن والمثمن واحداً. وذلك لما ألمحنا إليه في المسألة السابقة من أن المالك في الشركة هو نفس عنوانها الاعتباري الذي تنعدم فيه خصوصية استقلال كل شريك بماله، وتضيق دائرة سلطته عليه، وتصير حصة كل شريك هـي لـه واقعـاً ولكن من خلال ملكيـة الكـل، فهـو عندمـا يشتـري منها ـ أو يقترض ـ لا يشتري حصة كل فرد بما لها من خصوصية، بل يشتري من مال الكل بشخصيته المشتركة ذات الوجود الاعتباري المتمايز عن ملكية كل فرد؛ وبهذا اللحاظ الاعتباري لا يكون الشريك قد اشترى ـ فيما اشتراه ـ مال نفسه، فيقع البيع صحيحاً ـ معه ـ في تمام المبيع، بما فيه حُصتُه منه.
مسألة 19: لا يجـوز لغيـر المـأذون ـ مـن الشركـاء أو مـن غيرهـم ـ قبض الديون التي للشركة على الناس، لا بهدف ضمها إلى مال الشركة ولا بهدف اعتبارها حُصتَه أو جزءاً منها، إلا أن يأذن له الشركاء بجعل ذلك حصته وفرزها له وانفصاله به عن الشركة.
مسألة 20: يجوز شراء أسهم الشركات الاستثمارية المساهمة التي تتعاطى الأعمال المحللة، بل والتي تتعاطى أعمالاً متعددة فيها الحلال والحرام إذا حصر مساهمته فيها بالجانب المحلل، ولم يكن دخوله فيها تشجيعاً لها على فعل الحرام، ولا موجباً لترك النهي عن المنكر إذا توقف النهي على مقاطعتها؛ ويصبح المساهم طرفاً في الشركاء ومتعاقداً معهم بنحو المعاطاة بمجرد شرائه سهماً منهم قاصداً به الدخول في شركتهم.
مسألة 21: إذا اختلف الشركاء في تحديد صلاحياتهم المتفق عليها شفهياً، أو تنافروا وصار يكيد بعضهم بعضاً، بأن يعمل أحدهم ما يراه الآخر مضراً، أو يمنع مما يراه الآخر صلاحاً، ولم يكن المورد من موارد فسخ الشركة بخيار الفسخ أو تخلف الشرط، وجب عليهم رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي لفض النزاع وإعادة اللُّحمة، ولم يجز لكل منهم خلال مدة الترافع الإنفراد بما لا يأذن به سائرُ الشركاء من التصرفات، والأحوط وجوباً رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي بالنحو المذكور ـ أيضاً ـ في صورة ما لو علم الشريك أن منافرة الآخر له إنما هي بقصد الإضرار به مع علمه بعدم صلاح ما يفعل، نعم إذا تعذر الرجوع إلى الحاكم الشرعي في هذه الصورة جاز له مخالفةُ الشريك المُضارِّ وفعْل ما يراه لازماً لصلاح المال، مقتصراً ـ مهما أمكن ـ على أقل وجوه المخالفة.
مسألة 22: الشريك المأذون في التصرّف، أو الذي له حقّ التصرّف بمقتضى عقد أو شرط، تعتبر يده على العين يد أمانة، فلا يضمن ما يعرض عليها من نقص أو تلف إلا مع التعدي أو التفريط.
وإذا ادّعى العاملُ التلف، ولم يصّدقه سائر الشركاء، ورفع أمره إلى الحاكم الشرعي، كان القول قول العامل مع يمينه، وكذا لو ادّعى عليه شريكه التعدي أو التفريط، فأنكر العامل ذلك.
مسألة 23: إذا خالف العامل ما شرطه عليه شركاؤه من كيفية العمل، أو خالف ما هو المتعارف في ذلك مع عدم الشرط، فباع واشترى وأجَّر واستأجر، فربح تارة وخسر أخرى، أَثم وحُكم بصحة معاملاته، فإن كان قد ربح كان الربح بينهم، وإن خسر فالخسارة على العامل وحده.
مسألة 24: إذا تبين بطلان عقد الشركة بعد أن اتجر العامل الشريك بالنحو الذي فُوض له، كانت معاملاته التي أوقعها أو عقدها خلال مدة بطلان الشركة صحيحة ما دام تفويضه غير مقيّد بصحة الشركة كما هو الغالب، وإلا كان عقدها فضولياً، فإن أجازه بقية الشركاء صح، وإلا بطل.
تتمة في موجبات فسخ الشركة الاستثمارية:
رغم أننا كنا قد عرضنا لشيء من هذا الموضوع عند حديثنا عن جواز عقد هذه الشركة ولزومه في المسألة 7 و8، فإن من المناسب التعرض له هنا مرة ثانية تأكيداً لما مضى واستكمالاً لما بقي منه، فنقول:
مسألة 25: لما كانت الشركة الاستثمارية بنحويها الآنفي الذكر من العقود، فإن عقدهـا لازم لا ينفسـخ ـ كغيـره مـن العقـود اللازمـة ـ إلا بفقدانه لأحد أركانه، أو بفسخ من له حق الفسخ باشتراط الخيار أو بخيار تخلف الشرط، أو بالتراضي بينهم على الفسخ.
فيما لا ينفسخ بموت أحد الشركاء، بل ينتقل نصيبه إلى ورثته بالنحو الذي هو عليه؛ كما وأنه لا ينفسخ عقدها بنقل حصته عن ملكه ببيع أو هبة، بل ينتقل نصيبه فيها إلى المشتري وإلى الموهوب له بالنحو الذي هو عليه، وحينئذ يكون الوارث والمشتري والموهوب له أطرافاً في الشركة، دون حاجة لأن يتعاقدوا من جديد مع الأطراف القدامى؛ وكذا لا ينفسخ بجنون أحد الشركاء أو إغمائه المطبقين ـ فضلاً عن الأدواريين ـ بل تنتقل صلاحياته إلى وليه.
أما أصل التشارك في المال فإنه يبقى بعد الفسخ أو الإنفساخ، فلا ينحل إلا بالقسمة ـ مع الإمكان ـ بالنحو الذي سنفصّله لاحقاً، إلا في صورة انكشاف بطلان الشركة الاستثمارية العقدية من الأول، ولم يكن قد امتزج فيها رأس المال امتزاجاً موجباً للشركة، فإن انكشاف بطلان عقد الشركة من الأول يكشف عن عدم تحقّق الاشتراك في المال أيضاً، فإذا بطل عقدها أخذ كل منهم ماله الذي ما يزال متمايزاً عن مال شريكه من دون احتياجه إلى القسمة.
مسألة 26: تنفسخ الشركة الاستثمارية ـ بالبداهة ـ عند تلف رأس مالها بحادث طبيعي عفوي أو متعمد، أو عند استنفاد الخسائر له، أو عند ضياعه بحيث لا يرجى وجدانه، لأن الشركة تتقوم ـ فيما تتقوم فيه ـ برأس المال، فإذا فقدته زالت وانحلت؛ ويكفي لتحقّق زوال رأس المال تلف معظمه بنحو لا يفي الباقي منه بقيام الشركة بعمل نافع في سبيل الهدف المرتجى منها. وليس ثمة حد حاسم للتلف الجزئي الموجب لانحلال الشركة، والمرجع في ذلك العرف إن اتحد، وإلا فالحاكم الشرعي، إلا أن تتضمن بنود الشركة نصاً يحدده، فيكون ـ حينئذ ـ هو المرجع. كما أنه ليس من الضروري أن يكون هلاك المال مادياً، بل يتحقّق بسبب معنوي، وذلك كما لو سحبت الرخصة التي تعتبر العنصر الأساس في رصيد الشركة، أو أُبطل حقُ الإختراع الذي تستغله.
هذا، ولا يضر بالشركة تلف المال الذي قدمه أحد الشركاء مساهمة منه في رأس المال، سواءً قبل تسليمه وضمه إلى باقي الحصص أو بعده، وذلك لأن المال المتعاقـد عليه من كل واحد منهم يصبح ـ بمجـرد العقـد ـ مملوكاً للجميع على نحو الإشاعة، فإذا تلف كان تلفه على الجميع، فلا يضر تلفه بانتظام عقد الشركة ولا باستمرار عضوية من تلفت حصته.
مسألة 27: لا تنفسخ الشركة بانسحاب أحد الشركاء منها باستقالة أو خيار إذا كان العدد الباقي محققاً للتشارك، كالإثنين فصاعداً، بل تبقى الشركة مستمرة في الباقي منهم بالنحو الذي تراضوا عليه. لكنَّهم لمَّا كانوا غير قادرين على التصرف بحصة الشريك المنسحب فإنه لا بد لهم من استئذانه بالنحو الممكن أو من فرز حصته ودفعها له مع الإمكان، وعند التعاسر يرجعون إلى الحاكم الشرعي لفض النزاع بينهم.
أما إذا كانت الشركة بين اثنين فإنَّ فسخَ أحدهما وانسحابه منها موجب ـ بالبداهة ـ لانهيار الشركة وبطلانها، وكذا لو كانوا أكثر من ذلك، وانسحب معظمهم ولم يبق إلا واحد.
المبحث الرابع: في إزالة الشيوع بالقسمة
تمهيد:
لا يعتبر الشيوع في المال قدراً مفروضاً على الشركاء، بل يمكن إزالته والخروج عنه وانفراد كل واحد منهم بحصته ساعة يشاء، ما لم يكن قد ارتبط بشرط لازم أو عقد شركة لازم بالنحو الذي سبق؛ ومهما كان نوع المال فإن لأحد الشركاء أن يطلب الاستقلال بحصته المشاعة منه والانفراد بها، فإن كان المال مما يمكن قسمته بواحدة من طرق القسمة المتعددة ـ بالتراضي أو بالإجبار ـ كان له ذلك، وإن كانت العين غير قابلة للقسمة، أو كانت قسمة تراض ولم يتراضيا على كيفيتها، جاز له أن يطلب بيعها واقتسام ثمنها، وتفصيل ذلك يقع في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في تعريف القسمة وطرقها
وفيه مسائل:
مسألة 28: القسمة هي: (فعلُ ما يؤدي إلى تعيين الحصة المشاعة من المال المشترك في جزء معين منه)، وذلك إما بغرض إزالة الشيوع وانفراد كل شريك بحصته، أو بغرض تضييق دائرته، والأول واضح، والثاني: كما في المال المشترك بين أربعة، فيقسم إلى قسمين ويجعل لكل إثنين منهم قسماً معيناً منه.
وهي (إجراء) بالتراضي أو الإجبار يترتب عليه بنفسه تعيين الحق ولو بمعونة القرعة عند الاختلاف، فلا حاجة لتصحيح وضع كل من الشريكين ـ أو الشركاء ـ يده على هذه الحصة المفرزة من المال دون غيرها بأن يقال: (إن القسمة في حقيقتها نوع من تبادل الأجزاء، بحيث يكون كل جزء منها لهذا هو في مقابل كل جزء منها للآخر)، أو بما يشبه ذلك من المعاوضة. نعم، قد يستلزم تعديل السهام في بعض أنواع القسمة تعويض بعض الحصة المشاعة بما هو خارج عن المال المشترك فتحتاج إلى المصالحة أو نحوها كما سيأتي تفصيله لاحقاً.
والقسمة لازمة إذا وقعت عن تراض، فضلاً عما لو كانت قسمة إجبار، إلا إذا تبين خطؤها كما سيأتي؛ بل الظاهر أنه لا يصح الرجـوع عنهـا ـ أيضاً ـ بالتقايل، فلو تراضى المتقاسمون على إلغاء القسمة وإعادتها من جديد لم يرجع المال إلى الإشاعة، بل تكون إعادة تقسيمه معاملةً أخرى لا تجري عليها أحكام القسمة التي نذكرها هنا، بل تجري عليها أحكام المعاملة الجديدة، كالصلح أو غيره من المعاملات.
مسألة 29: تتقوم القسمة ـ من حيث الغـرض منها ـ بإعطاء كل شريك كامل حصته من العين، أو من المنفعة وحدها إذا كانت هي المشتركة دون العين، وفصلها عن حصص الآخرين، وهو أمر لا يتم إلا مع إمكان تجزأة العين في الأعيان، وكذا تجـزأة الانتفـاع في المنفعـة؛ فإن لـم يمكـن تجـزأة العيـن ـ بل ولا الانتفاع ـ وجب اللجوء إلى بيع العين بما يمكن قسمته، ثم قسمة الثمن، وهو أمر سوف نعرض له في مسألـة مستقلة لاحقاً. أما عندما تكون قسمة المال ـ عيناً أو منفعة ـ ممكنة ـ فإننا نلاحظ أنها تختلف في الأعيان عنها في المنافع، كما أنها تختلف في بعض الأعيان عنها في البعض الآخر، فهنا أمران:
الأمر الأول: في قسمة الأعيان
تختلف قسمة الأعيـان بحسب اختلافهـا ـ مـن حيـث طبيعتهـا ـ في كيفية الانقسام على أنحاء ثلاثة:
النحو الأول: قسمة الإفراز، وموردها ما كان من الأعيان قابلاً للإنقسام إلى سهام متساوية الكمية مما يُقَدَّر بالكيل أو الوزن أو العَدِّ أو المساحة، ومتساوية ـ أيضاً ـ بالقيمة والمالية، وذلك كالصنف الواحد من الحبوب والأدهان والألبان واللحوم والنقود، وما صنع بالآلات الحديثة من آلات وأواني ومنسوجات ونحوها، والأراضي المنبسطة المتساوية الأجزاء في الصفات المرغوبة، كنوع التربة والموقع ونحوهما؛ فإن كان في بعض هذه الأعيان ما يوجب اختلاف أجزائها في المالية، وذلك كأن:
أ ـ اختلفت مواقع أجزاء الأرض من حيث انبساطها وارتفاعها، أو من حيث قربها من الطريق العام أو بعدها عنه، أو من حيث جودة تربتها أو رداءتها، وما أشبه ذلك.
ب ـ اختلفت هيئة العين الصناعية، كالسجادة الواحدة، أو السيارة أو الطشت أو نحو ذلك مما ينظر إليه بما هو عليه من شكل خارجي ناتج عن الصنعة واجتماع الأجزاء.
فإن العين في هذين الموردين ـ وما شاكلهما من الموارد التي تشتمل فيها العين على بعض الاعتبارات التي تجعل أجزاءها مختلفة المالية ـ لا تكون قسمتها قسمة إفراز، بل تنقسم بواحد من النحوين الآخرين للقسمة اللذين سنذكرهما.
النحو الثاني: قسمة التعديل، وموردها ما إذا كان المال المشترك مشتملاً على أشياء متحدة في الجنس مختلفة في القيمة والمالية، كما إذا اشترك اثنان في ثلاثة أثواب أو أغنام أو كتب؛ أو كانت الأشياء مختلفة جنساً وقيمة، كما لو اشتركا في سيارة وسجادة وكتاب وكرسي، وكانت بحيث يمكن جمع بعضها بما يساوي في قيمته حصة أحد الشركاء، والباقي حصة الشريك الآخر، دون أن يبقى شيء منها مشتركاً بينهما. (والتعديل) مأخوذ من (عَدّل الشيء) بمعنى: أقامه وسواه وجعله عِدلين، أي شيئين متماثلين ومتساوين. وبناءً عليه فإنه إذا كانت قيمة كتابين في المثال الأول تعادل وتساوي قيمة كتاب واحد، أعطي أحد الشريكين الذي له نصف هذه الكتب الثلاثة كتاباً وأعطي الآخر كتابين؛ وفي المثال الثاني: لو فرض أن قيمة السيارة تساوي قيمة السجادة والكتاب والكرسي، أعطي أحد الشريكين مقابل حصته التي هي نصف هذه الأغراض السيارة وأعطي الآخر سائر الأغراض. وهكذا.
النحو الثالث: قسمة الرد، وموردها نفس مورد النحو الثاني، غير أنه إذا جمعت بعض الأشياء مع بعضها الآخر لتُعدَّل قِيَمُها بما يساوي حصة أحد الشريكين يبقى فيها ما هو أزيد أو أنقص من حصة الآخر، بنحو لا يمكن تعديله إلا ببذل مال خارج عن المال المشترك لتتعادل به الحصص، وذلك كما إذا كانت بين اثنين سيارتان، قيمة إحداهما ألفا دولار وقيمة الأخرى ألف دولار، أمكنت القسمة بينهما بأن يأخذ أحدهما مقابل حصته ـ وهي النصف ـ السيارة التي قيمتها ألفا دولار على أن يدفع للآخر مع السيارة الثانية خمسمئة دولار لتعادل حصته.
الأمر الثاني: في قسمة المنافع
تصح قسمة المنافع المشتركة بما يصطلح عليه بـ (المُهاياة) أو: (المُهايأَة) وهي بمعنى الموافقة؛ وذلك بأن يتراضى المشتركون في منفعة الدار على أن يسكنها كل منهم حسب حصته في وقت محدد بالأيام أو الأسابيع أو نحوهما، أو أن ينفردكل واحد بجزء منها إذا كان محققاً لغرضه، أو أن يستخدموها جميعاً في الغرض المشترك، أو نحو ذلك من وجوه التوافق على الانتفاع بالمال المشترك التي تختلف باختلاف طبيعته وباختلاف الأغراض المرادة منه.
ثم إنه إن كان الاشتراك في المنفعة وحدها دون العين، كما في الدار أو السيارة أو الشجرة إذا استأجرها أكثر من واحد للانتفاع بها، انحصرت قسمتها بالمهايأة نظراً لكون المنفعة أمراً اعتبارياً قائماً بالعين لا يقبل القسمة بدونها، فلا محيص للشركاء من التوافق على الانتفاع بها بالنحو الذي يرغبون؛ فإن لم يتراضوا وطلب بعضهم حل الشركة، أو تراضوا على حلها، أمكنهم ذلك بتأجيرها لغيرهم وتقاسم أجرتها بالنحو الذي يصلح للقسمة إذا أذن لهم المالك، وإلا رفعوا أمرهم للحاكم الشرعي الذي يحق له إجبارهم على ما يراه مصلحة لهم في تقاسم المنفعة.
وأما إن كانوا شركاء في العين والمنفعة معاً، ورغبوا في تقاسم المنفعة وحدها بطريقة المهايأة صح منهم ذلك ما داموا متراضين عليها؛ فإنْ منع بعضُهم منها ورَفَع الإذن عنهم، بطلت، إلا أن يكون ملزماً بها بشرط ونحوه؛ وحيث يرغب بعضُهم في الانتفاع بالعين ـ أو يُضطر إليه ـ ولا يأذن له شركاؤه، فإنَّ بإمكانه طلبَ قسمة العين وحلِّ الشركة من أصلها ما دامت العين مشتركة أيضاً.
مسألة 30: لما كان المناط في اقتسام العين بواحد من تلك الأنحاء الثلاثة هو ما تقتضيه طبيعة العين، فإنها كما تقتضي انحصار قسمتها بواحد من الأنحاء الثلاثة بخصوصه، قد تقتضي صلاحيتها للإنقسام بأكثر من نحو واحد منها، وذلك كما لو اشتركا في ثلاث سيارات، قيمة إحداها ألفا دولار وقيمة كل من الآخريتين ألف دولار، فتصح فيها قسمة التعديل، بأن يأخذ أحدهما السيارة التي قيمتها ألفا دولار والآخر السيارتين اللتين قيمتهما ألفا دولار؛ كما تصح فيها قسمة الرد، بأن يأخذ أحدهما السيارة التي قيمتها ألفا دولار مع سيارة قيمتها ألف دولار ويأخذ الآخر السيارة الثانية التي قيمتها ألف دولار أيضاً مع ألف دولار نقداً.
أو كما لو اشتركا في حاصل موسم زراعي متنوع، وكان حاصله مئة كيلو حُمُّصاً بقيمة ثلاثين دولاراً، مع مئة كيلو قمحاً بعشرين دولاراً، مع مئة كيلو شعيراً بعشرة دولارات، فإذا أخذ كل واحد منهما نصف كل نوع من الحاصل كان ذلك قسمة إفراز، وإذا أخذ أحدهما الحمص والآخر القمح والشعير كان ذلك قسمة تعديل، وإذا أخذ أحدهما الحمص والشعير والآخر القمح مع عشرة دولارات نقداً كان ذلك قسمة رد؛ وهكذا.
مسألة 31: لا يشترط في قسمة الإفراز العلم بمقدار كل حصة، فلو أخذ كل واحد نصف القمح الموجود بمكيال مجهول صحٍّ؛ وكذا يصح فرز قطعة أرض إلى أجزاء متساوية بحبلٍ أو خشبة مجهولي المقدار. فيما لا بد لتعديل الحصص في قسمتي التعديل والرد من العلم بمقدار حصة كل منهما بما يكفل إعطاء كل ذي حق حقه.
المطلب الثاني: في قسمتي الإجبار والتراضي
وفيه مسائل:
مسألة 32: قد تقدم منا القول: «إن الشيوع في المال ليس قدراً مفروضاً على الشركاء، بل إن للشريك إزالته والخروج عنه ساعة يشاء، ما لم يكن قد ارتبط بشرط أو عقد لازم»، وقد عالجنا موضوع فض الشركة فيما سبق في إطار الشركة العقدية من حيث اللزوم والجواز في (المسألة: 25) وما بعدها، فيما نعالجه هنا في إطار إزالة الشيوع وحل التشارك القائم بين الشركاء من حيث أصله، بغض النظر عن توافقهم على استثمـار المال وعدمـه. وبعدمـا بيَّنا ـ فيما سبق من مسائل ـ أن حل التشارك من أصله لا يكون إلا بالقسمة، وبعدما بيَّنا أنحاء القسمة، صار لزاماً علينا بيان أحكام طلب أحد الشركة القسمة، فنقول:
رغم أن للشريك أن يفرض القسمة على سائـر الشركـاء ـ مـع إمكانهـا ـ ويطلب الانفراد بحصته، فليس له دائماً أن يفرض نحواً محدداً من أنحائها الثلاثة التي تقدمت، بل يختلف حال القسمة من هذه الجهة بين ما يصطلح عليها بـ (قسمة الإجبار) وبين ما يصطلح عليها بـ (قسمة التراضي):
أما قسمة الإجبار فلها ثلاثة موارد:
الأول: ما إذا كانت العين صالحة لقسمة الإفراز دون قسمة التعديل، أو معها، ولم يكن فيها ضرر على الآخر، فإذا طلب قسمة الإفراز وجبت إجابته وأجبر الممتنع.
الثاني: ما إذا كانت العين صالحة لقسمة التعديل دون الإفراز، ولم يكن فيها ضرر على الآخر، فتجب إجابة طالبها، ويجبر عليها الممتنع.
الثالث: ما إذا صلحت العين لقسمتي الإفراز والتعديل، وكان في الإفراز ضرر على طالب التعديل دون أن يكون في التعديل ضرر على المطلوب منه، فتجب إجابة طالب التعديل ويجبر الممتنع.
وأما قسمة التراضي فلها ثلاثة موارد ـ أيضاً ـ:
الأول: ما إذا كانت العين صالحة لقسمة الرد، فإذا طلبها أحد الشريكين لم يجب على الآخر إجابته، سواءً انحصرت بها القسمة أو لم تنحصر، وسواءً ترتب على الآخر ضرر منها أو لم يترتب.
الثاني: ما إذا كانت العين صالحة لقسمة التعديل دون غيرها، أو لقسمة الإفراز كذلك، وكان فيها ضرر على المطلوب منه، لم تجب عليه إجابة شريكه إليها.
الثالث: ما إذا كانت العين صالحة لقسمتي الإفراز والتعديل، ولم يكن في كليهما ضرر على أحدهما، فإذا طلب قسمة التعديل بخصوصها لم يجب عليه إجابته.
فيحق للشريك المطلوب منه أن يمتنع في هذه الموارد الثلاثة عن تلبية رغبة شريكه؛ وحينئذ فإن تراضيا على حل كان خيراً، وإن لم يتراضيا، جاز للطالب رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، سواءً كان متضرراً من ترك القسمة أو غير متضرر، فإن رضيا عنده كان خيراً، وإلاأجبرهما الحاكم على ما هو المقبول في نظر العقلاء، دون أن تصل النوبة إلى إجبارهما على بيعها واقتسام ثمنها، إذ إنهما لايلزمان به إلا في صورة عدم إمكان قسمة العين، كما سيأتي.
وبعبارة جامعة:
كلما كانت القسمة لا تستلزم الرد ولم يكن فيها ضرر على أحدهما، وانحصرت بها، صح إجباره على ما انحصرت به إفرازاً أو تعديلاً إذا طلبه الآخر؛ كما يصح إجباره على الإفراز دون التعديل مع إمكانهما وعدم تضرر الآخر من الإفراز، وإلا أُجبر الشريك على التعديل إذا طلبه الآخر؛ وهذه هي موارد قسمة الإجبار.
وكلما كانت القسمة مستلزمة للرد، أو كانت إفرازاً أو تعديلاً وكانت بحيث يتضرر بها المطلوب منه، أو كانت تعديلاً مع إمكان الإفراز دون ضرر على أحدهما، لم يلزم الشريك بالقسمة إلا أن يتراضيا عليها؛ فإن لم يتراضيا جاز لطالب القسمة رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، فإن أرضاهما كان خيراً، وإلا صح منه إجبار الممتنع على ما هو المقبول في نظر العقلاء، وبخاصة مع عدم تضرره وتضرر الطالب، وهو يشمل ما تنحصر قسمته بالرد، وموارد عدم إمكان قسمة العين ولجوئهما إلى بيع العين لتقاسم ثمنها، كما سيأتي بيانه.
وبهذه العبارة الجامعة يمكننا استخلاص ما يلي: إن كون القسمة بالإجبار أو التراضي يتقوم بعنصرين:
الأول: توافق طريقة القسمة مع طبيعة العين المشتركة، من كونها بالإفراز أو التعديل أو الرد.
الثاني: تضرر المطلوب منه بها وعدمه.
مسألة 33: قد يدخـل في كـون القسمة بالإجبـار أو التراضـي ـ إضافة إلى العنصرين المذكوين في خاتمة المسألة السابقة ـ عنصر ثالث هو: تناسب القسمة المطلوبة مع (العنوان) و(الهيئة) التي تكون عليها العين؛ ففي مثل البستان المزروع شجراً تكون قسمته بالإجبار إذا كانت العين غير صالحة إلا للتعديل ولم يكن المطلوب منه متضرراً بها، لكن لو كان مطلوبه هو قسمة الأرض وحدها والأشجار وحدها لم يُجبر شريكه عليها، لمنافاتها لعنوان البستانية الذي صارت فيه الأرض والأشجار وحدة تامة لا تنفصل، فيما يبقى مجبوراً عليها لو طلب شريكه قسمة الأرض مع الأشجار لتناسبها مع عنوان البستانية، وهكذا ما يشبهه من سائر الموارد.
مسألة 34: إنما يجبر الشريك على القسمة إذا لم يكن قد اشترط على طالبها تأجيلها إلى وقت معين، أو كان قد اشترط ومضى الأجل، فإن كان قد اشترط عليه تأجيلها إلى مدة معينة لم يكن له جبره أثناءها حتى تنقضي مدة التأجيل.
مسألة 35: المراد من الضرر المانع من الإجبار على القسمة هو النقص الواقع في العين أو القيمة بسبب القسمة، وذلك بمقدار لا يتسامح فيه في العادة وإن لم يسقط به المال عن قابلية الانتفاع بالمرة. كذلك فإن تأثير الضرر في عدم الإجبار إنما هو حيث يرغب المتضرر في تجنبه، أما لو فرض تعلق رغبته في موضوع الضرر لغرض صحيح ولم يكن الآخر متضرراً صح منه إجباره حينئذ، ومن موارده ما لو كان شريكاً في عُشر دارٍ، وكان من الصغر بحيث لا يصلح للسكن إذا استقل به، فإنه ـ رغم تضرره منها من هذه الجهة ـ يجب على شريكه إجابته إذا طلب القسمة بغرض صحيح، فيما ليس لشريكه إجباره على القسمة إذا امتنع عنها لتضرره بها.
مسألة 36: تكتنـف عمليـة القسمـة ـ غالبـاً ـ صعوباتٌ كثيرةٌ، بحيث لا يستغنى عندها عن تدخل أهل الخبرة ومساهمتهم فيها، سواءً من حيث تحديد نوع القسمة أو من حيث إقناع الأطراف بحل مُرضٍ بعد استعراض الخيارات الممكنة؛ بل كثيراً ما يتعاسر الشركاء ويختلفون فيما بينهم، فيحتاج فض النزاع وإصلاح ذات البين إلى تدخل الحاكم الشرعي؛ ورغم وضوح ما سبق ذكره من أنواع القسمة وموارد الإجبار عليها أو التراضي، ورغم صلاح ذلك قاعدة يمكن تطبيقها على مواردها، فإنه لا غنى عن تطبيق ذلك على بعض مواردها التي جرى ذكرها في كتب الفقهاء، وذلك في فرعين:
الفرع الأول: في قسمة الدور وشبهها، وله موارد:
الأول: الأبنية السكنية ذات الطبقات المتعددة، فإنها إذا كانت متماثلة مساحة وهندسة وقيمة انقسمت جبراً قسمة إفراز مع تساوي الحصص إذا طلبها أحد الشركاء، فيتراضون بينهم على أن يكون توزيع الحصص: إما أفقياً، بأن يأخذ كل شريك طابقاً بشقتين ـ مثلاً ـ، أو يكون توزيعها عمودياً، بأن يأخذ كل شريك شقة في كل طابق صعوداً.
وأما إذا اختلفت الطوابق مساحةً وهندسةً وقيمةً، واقتضى ذلك تعديل السهام ما بين كل طابق وطابق وما بين كل شقة وشقة، بحيث انحصرت قسمتها بالتعديل، وطلب بعض الشركاء قسمتها كذلك، وجبت إجابته.
وفي كلا الحالتين يناط الجبر بعدم الضرر، وخاصة لجهة الإجراءات القانونية التي يخضع لها نظام الطبقات، وأيضاً لجهة كون كل وحدة سكنية كياناً متماسكاً غير قابل لأن تفرز كل غرفة فيه بين الشركاء، فلا تصلح بعدها لانفراد كل واحد منهم بحصته.
الثاني: الدار الواحدة ذات الطبقتين المتكاملتين، كالقصر وما أشبهه، فإن أمكن قسمته بالإفراز أفقياً وعمودياً، بحيث يأخذ كل واحد منهما حصة مساوية للآخر من كل طبقة؛ وأمكن ـ أيضاً ـ قسمته بالتعديل أفقياً وعمودياً، بأن يأخذ كل واحد منهما حصة معدلـة من كل طبقة، وأمكن ـ أيضـاً ـ قسمته بالتعديل أفقياً، بأن يأخذ أحدهما تمام الطبقة العليا والآخر تمام السفلى؛ كانت قسمتها جبراً بالإفراز مع طلبها من قبل أحد الشركاء وعدم تضرر الآخر؛ ومع عدم إمكانها بالإفراز، أو مع تضرر الآخر بها، وانحصارها بقسمتي التعديل والرد مع إمكانهما معاً،يجبر الممتنع إذا طلب شريكه قسمتها بالتعديل مع عدم الضرر عليه، دون ما لو طلب قسمتها بالرد، إلا أن تنحصر القسمة بها ويطلبها الشريك ولا يكون فيها ضرر على الآخر فيجب عليه إجابته.
الثالث: المنشآت ذات الغرف المتعددة، ومنها الدور التي يُرغب في اقتسامها ولو غرفة غرفة، وكذا الفندق والمدرسة الداخلية والمحلَّات التجارية، فإنه ـ حيث لا يترتب ضرر ـ يجبر الشركاء على تقاسم كل غرفة فيها فيما بينهم قسمة إفراز إذا طلبها أحد الشركاء، وهي مقدَّمة على قسمة التعديل التي يهدف منها إلى استقلال كل منهم بغرفة تامة أو دكان مع اختلافها في الصفات والقيمة؛ وإن كان الغالب في مثله قسمته قسمة تعديل لتعلق الرغبة بها وتحقّق الضرر من قسمة كل غرفة منها قسمة إفراز، إلا في حالات قليلة تكون الغرفة فيها واسعة جداً ومرغوبة بذاتها. هذا، ولكن حيث تكون الغرف متساوية في الصفات والقيمة، وحيث تكون الحصص مستوعبة لها بدون تجزأة، فإنها تنقسم جبراً قسمة إفراز، فيعطى كل واحد غرفة أو أكثر، تماماً كما لو كان عندهم عشر سيارات متماثلة ومتساوية القيمة، وذلك كما أسلفنا القول في المورد الأول.
الرابع: المطبخ أو الحمام أو ما أشبههما من المنشآت ذات التجهيز الخاص، فإنه لما كان غيرَ قابل للقسمة الخالية من الضرر، لا يجبر الممتنع على قسمته إلا إذا كان واسعاً بحيث يصلح قَسيمُه ليكون مطبخاً بعد إحداث التجهيز المناسب فيه، فتجب إجابته ـ حينئذ ـ وتكون قسمته قسمة تعديل غالباً، وبخاصة ما لو اكتفى طالب القسمة به بدون صفته مطبخاً أو حماماً.
الفرع الثاني: في قسمة الأرضين والزُرُوع، وله موردان:
الأول: البستان المشتمل على أشجار؛ وهو ينقسم قسمة إجبـار ـ بالتعديل أو الإفراز ـ إذا طلب أحد الشركاء قسمته مع أشجاره، لأن ذلك هو الأنسب والأقرب للوضـع الطبيعـي لعنـوان البستـان؛ وينقسم بالتراضي ـ بالتعديـل أو الإفـراز أو الـرد ـ إذا طلب أحد الشركاء قسمة الأرض وحدها والأشجار وحدها، لأنه على خلاف الوضع الطبيعي، وبخاصة ما لو كانت رغبته اقتسام أحدهما دون الآخـر؛ وذلك ـ طبعاً ـ بالإضافة إلى العناصر الأخرى التي لها دخالة في كون القسمة بالإجبار أو التراضي، مما سبق ذكره. أنظر (المسألة: 32).
الثاني: الأرض المزروعـة حباً؛ وهي ـ على عكس البستان ـ تنقسم جبراً بالتعديل أو الإفراز إذا طلب أحد الشريكين قسمة الأرض وحدها والزرع وحده إذا كان قصيلا أو سنبلاً، وتنقسم مع الزرع بالتراضي، إلا أن تنحصر القسمة الخالية من الضرر بقسمتهما معاً فيجبر عليها الممتنع إذا طلبها شريكه؛ أما إذا كان الزرع ما يزال حباً لم ينبت، أو كان ما يزال خَضِراً لم يَقْصل، بحيث لم يمكن تعديل السهام معه، فإنه يصح ـ حينئذ ـ تقسيم الأرض وحدها بما يناسبها من أنحاء القسمة، جبراً أو مع التراضي، واعتبار وجود الزرع كعدمه من هذه الجهة؛ كما تصح قسمتها مع الزرع بنفس النحو بحيث يعتبر الزرع تابعاً لها؛ فيما لا تصح قسمة الزرع وحده وهو على تلك الحال، لجهالته.
مسألة 37: لا تصح قسمة الديون المشتركة قبل استيفائها، فلو رغب الشريكان في قسمة ما لهما من ديون مشتركة على الناس بسبب يوجب الشركة، كالميراث أو الهبة، فاتفقا ـ مثلاً ـ على أنَّ ما هو دين على أهل الحي الفلاني لزيد، وما هو دين على أهل الحي الآخر لسعيد، لم يملك كل منهما ما عُيِّن له، فإذا استوفى أحدهما شيئاً كان لهما معاً. ومن ذلك ما لو كان لهما دين على شخص واحد، فقصد الدائن والمدين أن يكون ما يدفعه لشريكه من الدين هو من حصته من الدين المشترك، فـإن المدفـوع هنا ـ أيضاً ـ لا يتعين له بل يبقى مشتركاً بينهما.
مسألة 38: في كل مورد لا تصلح فيه العين للقسمة، كمثل الكتاب والسيارة والقلم ونحوها، فقسمته ببيعه واقتسام ثمنه؛ فإذا طلبها الشريك وجب على الآخر إجابته، ومع امتناعه يجبر عليها ولو برفع الأمر إلى الحاكم الشرعي؛ ثم ينظر في الثمن من حيث ما يناسب طبيعته من طرق القسمة، بين ما يكون موزوناً أو معدوداً أو ممسوحاً، وبين ما يكون متساوياً في القيمة أو غير متساوٍ، فيتقاسمانه حتى كأنهما ـ في الأصل ـ كانا شريكين فيه.
مسألة 39: رغم كون العين الموقوفة قابلة بطبيعتها للقسمة بالنحو الذي سلف فإنه لا تصح قسمتها بين الموقوف عليهم بالوقف الخاص، بنحو يختص كل واحد منهم بحصته من العين، إلا إذا اشترطها الواقف عند وقوع النزاع بينهم، أو مطلقاً. وكنا قد ذكرنا فروعاً أخرى لهذه المسألة في مباحث الوقف من الجزء الثاني، فانظر فيه (المسألة: 559).
المطلب الثالث: في تعديل السهام وتوزيعها
وذلك أنـه ـ بعدمـا بيّنـا أنـواع القسمـة ـ لا بد لإنجاز عملية القسمة واستكمالها من قطع مرحلتين، الأولى: تجزأة العين المشتركة إلى سهام مناسبة لعدد الشركاء وصالحة للتوزيع عليهم، وهي ما يصطلح عليه بـ (تعديل السهام)، أي: تسويتها وفرزها على قدر حصص الشركاء. الثانية: توزيع السهام على الشركاء واختصاص كل شريك بحصته منها، وهي المرحلة الأخيرة والنهائية، وهو ما سوف نبحثه في هذا المطلب تحت هذين العنوانين:
المرحلة الأولى: تعديل السهام
مسألة 40: تعديل السهام هو: (قيام المشرف على القسمة بتجزأة العين بأحد أنحاء القسمة وطرقها الآنفة الذكر بما يتناسب مع طبيعة العين، بالإفراز أو التعديل أو الرد؛ وذلك لجهة انحصار القسمة بواحدة منها أو صلاحها لأكثر من واحدة، ولجهة تحديد وجه معين من كل طريقة إذا تعددت الوجوه التي يمكن تجزأة العين بها في كل نحو من أنحاء القسمة، ثم اعتبار كل جزء منها سهماً، والقيام بتمييزه عن سائر الأجزاء، وذلك مقدمة لتسَلُّم كل شريك حُصته).
وهو ما يتم في خطوات نفصلها على النحو التالي:
أولاً: إذا كانت الطريقة منحصرة بأحد أنحاء القسمة، وكانت وجوه الطريقة منحصرة بوجه واحد منها، وكانت القسمة بالإجبار أو التراضي، فلا إشكال.
ثانياً: إذا كان كل شيء واضحاً، غير أن القسمة التي اعتمدها الشركاء جبراً أو بالتراضي كان لها وجوه متعددة، وذلك كالأرض التي يراد قسمتها بالإفراز، فإنهـا يمكـن اقتسامهـا ـ مثـلاً ـ أجزاءً مربعة أو مستطيلـة متساويـة المساحة، أو أجزاءً مثلثة ومستطيلة ومربعة متساوية المساحة، أو نحو ذلك؛ فهنا لا بد لهم من التراضي على أحد هذه الوجوه، فإن اتفقوا كان خيراً وإلا أقرِعَ بينها.
ثالثاً: إذا تمت جميع مقدمات القسمة لزم الشروع بتجزأة العين:
فإن كانت حصص الشركاء متساوية في نسبتها إلى المال المشترك لزم جَعْلُ السهام بعدد الرؤوس، فإن كانوا اثنين ولكلٍ منهما النصف، فالسهام اثنان متساويان، وإن كانوا أربعة فالسهام أربعة متساوية، وهكذا لو كانوا ألفاً فإن السهام تكون ألفاً.
وإن كانت حصص الشركاء متفاوتة، بأن كانوا ثلاثة، وكان لأحدهم نصف، وللثاني ثلث، وللثالث سدس، كان المعتمد في التجزأة هو السهام لا عدد الشركاء، فيؤخذ أصغر السهـام منها بخاصـة ـ وهو بحسب المثال المتقدم السدس ـ وتجعل العين ستة سهام متساوية.
المرحلة الثانية: توزيع السهام بالقرعة أو بدونها
مسألة 41: إذا تراضى الشركاء على أن يأخذ كل واحد منهم أي سهم منها لم يُحتج إلى شيء سوى أن يختاركل واحد من السهام ما يساوي حصته ويتسلمه، فإذا تسلَّمه ملكه، ولم يجز لغيره منازعته فيه وانتهت به القسمة.
وإن لم يتراض الشركاء على أشخاص السهام رغم تساويها قيمة، بل رغب أكثر من واحد ـ مثلاً ـ بالسهم المثلث من الأرض دون المربع، أو رغب أكثر من واحد منهم بكتاب معين موجود في جملة كتب موزعة سهاماً، أو رغب بعضهم بنفس الطراز من الثياب الذي رغب فيه غيره، فلا بد من (القرعة) لحسم الأمر وتوزيع السهام على أصحاب الحصص.
مسألة 42: القرعة في اللغة: فعل ما يُعيَّنُ به نصيبُ أو حصةُ أحد الشركاء. وفي اصطلاح الفقهاء هي: (فعلُ ما ينكشف به خيارٌ عمليٌ للمكلف في أمر مبهم لا واقع له، أو له واقع لا طريقَ لانكشافه من شرع أو عقل).
وإنما وجب الرجوع إلى القرعة هنا لأن عدم تراضي الشركاء على اختصاص كل واحد منهم بسهم بعينه يُبقي الجميع شركاء على نحو الإشاعة في كل سهم قد تم فرزه، وتكون القسمة بمجردها غير كافية في إزالة الشيوع ما لم يرض كل واحد منهم باختصاص كل واحد منهم بسهم بعينه، فحصة كل شريك واقع قائم في العين ولكن تشخيصها أمر مبهم من أصله، أي: لا واقع له، ولا طريق لتعيينه من شرع أو عقل، وحيث لا بد من جلاء الأمر، فلا محيص عن اللجوء إلى القرعة لتعيين حصة كلِّ شريك.
مسألة 43: لما كان الهدف من القرعة تعيين الأمر الملتبس وكشف إبهامه، فالظاهر أنه لا يشترط فيها كيفية خاصة مرادة بذاتها، بل يكفي فيها كل طريقة توصل إلى الهدف إذا اجتمع فيها عنصران، الأول: توافق الأطراف عليها. والثاني: عدم تدخل الإرادة البشرية بتعيين الأمر وكشف المبهم، بل يكون الملحوظ فيها تفويض الأمر إلى الله تعالى اتكالاً على دقيق لطفه وجميل اختياره. وفي مقامنا هذا يكفي تسجيل أسماء الشركاء في قطع من الورق متشابهة حجماً ولوناً، ثم تطوى ليَخْفى الإسم على المقترع، ثم تُؤخذ ورقة بعد ورقة، فمن خرج السهم باسمه يعطى له، طبق تفاصيل يتفقون عليها كما سنذكر أنموذجه في المسألة التالية؛ وبناءً عليه فإنه يصح استخدام كل ما يؤدي هذا الغرض ويوصل إلى تلك النتيجة إذا توفر فيها العنصران الآنفا الذكر.
مسألة 44: إن الكيفية المناسبة لإقراع السهام المفرزة بين الشركاء عند قسمة المال المشترك على نحو الإشاعة هي كما يلي:
أولاً: جعل علامة على كل سهم مفرز عند عزله على حده، من أجل الإشارة إليه بها حين القرعة، ويكفي في ذلك كل علامة موضحة يتراضون عليها، وذلك باستخدام العدد، مثل: الأول والثاني والثالث، أو الألوان، كالثوب الأحمر والأصفر والأخضر، أو باستخدام الجهة، كالجزء الغربي من الدار ـ أو العقار ـ والجزء الجنوبي، وغير ذلك من العلامات التي لا تحصى كثرة.
ثانياً: يُنظَرُ في حصص الشركاء بعدما عُدِّلتْ السهام، وفُرِز كلُّ سهم على حدة، ومُيِّز كل منها بعلامة:
فإن كانت الحصص متساوية، فهو يعني أن السهام بعدد الشركاء، فيُكتفى لتعيين صاحب كل حصة بالإقراع له مرة واحدة؛ وبيان ذلك: أنه يؤخذ رقاعٌ من ورق ـ مثلاً ـ بعدد الشركاء، إثنتين إن كانوا اثنين، وثلاث إن كانوا ثلاثة، وهكذا، ثم يكتب إسم كل شريك على رقعة، ثم يستر ما كتب بمثل طي الورقة ونحوه، ثم تُشَوَّش كي ينعدم ما يمكن أن تتميز به إحداهما عن الأخرى البتة، ثم يَقصدُ المقترعون أنَّ السهـم الذي عليـه علامـة (الأول) ـ مثـلاً ـ هو الذي يجري عليه الاقتراع، ثم يأخذ المقترعُ رقعة منها، فمن كان فيها إسمه كان ذلك السهم (الأول) له، ثم تكرر القرعـة، فيؤتى بالسهـم الآخر الذي عليه ـ مثـلاً ـ علامة (الثاني)، ويُقصد أنَّ الإقراع عليه، فتؤخذ رقعة أخرى، فمن كان فيها إسمه كان ذلك السهم (الثاني) له، وهكذا نستمر إلى ما قبل الأخير، فإذا بقي سهم واحد وشريك واحد تعين ذلك السهم له دون حاجة إلى القرعة.
هذا، وتصح القرعة في هذا المورد إذا كتب على الرقاع أسماء الأسهم بدلاً لأسماء الشركاء، وقصد حين أخذ كل رقعة إسم واحد من الشركاء، إذ إن النتيجة واحدة.
أما إذا كانت الحصص متفاوتة، وكان عدد السهام أكثر من عدد رؤوس الشركاء، فإنه يمكننا إعتماد طريقة كتابة أسماء الشركاء في الرقاع والإقراع على الأسهم، فإذا كان الشركاء ثلاثة، وكان المال بينهم نصفاً وثلثاً وسدساً، كانت السهام ستـة أخـذاً لهـا علـى أقلهـا ـ وهو السـدس ـ كما سلف القـول فـي (المسألة: 40، فقرة «ثالثاً»)؛ فتُوخذ رقاعٌ ثلاث بأسماء الشركاء، وتستر وتشوش، ويقصد أنَّ من خرج اسمه على سهم كان له وحده إن تمت به حصته، وكان له مع ما يليه حتى تتم به حصته، ثم يقرع على السهم الأول، فإن خرج إسم من له السدس كان هذا السهم له واكتفى به، ثم يقرع على السهم الثاني، فإن خرج إسم من له الثلث أعطي ذلك السهم الثاني الذي اقترع عليه مع السهم الثالث الذي يليه، وذلك تبعاً له لإتمام حصته، ثم ما يبقى من السهام، وهي ثلاثة، تدفع إلى من له النصف دون حاجة إلى القرعة، وهكذا نجري على ما يشبه ذلك إذا خرج إسم من له النصف عند الإقراع على السهم الأول، فيعطى ذلك السهم مع السهم الثاني والثالث لإتمام حصته، وهكذا.
مسألة 45: لا يشترط في صحة القرعة إجراؤها من قبل الحاكم الشرعي، بل تصح من كل أحد ما دامت موافقة لما يعتبر فيها.
مسألة 46: إذا تم تعديل السهام، وتم فرز العين سهاماً، وتم تشخيص كل سهم لصاحبه بالقرعة مع عدم التراضي، أو أخذ كل شريك حصته بدون القرعة مع التراضي، فحيث تصير حصة كل شريك معه يصير مالكاً لها بخصوصها دون أن يحتاج معها إلى التراضي على الاختصاص بما أخذه بإنشائه بصيغة مُفْهمة أو بدونه، ما عدا قسمة الرد، فإنه لما كان فيها تعويضٌ بالمال لبعض حصة الشريك لزم التراضي بينهما عليها بمثل الصلح أو الهبة المعوضة أو نحوهما من عقود المعاوضة.
فائدة فيها مسألتان:
مسألة 47: لا ينتفي بالقسمة الحق المتعلق بإحدى الحصتين لصاحب الحصة الأخرى، وذلك كما لو كان لحصة الشريك في الدار أو العقار ممر من حصة الآخر، فليس له منعه من المرور عليه، إلا أن يشترط عليه التخلي عن حقه هذا دون عوض، أو في قبال شيءٍ من حصته أو من غيرها عوضاً له.
مسألة 48: إذا ادّعى أحد الشريكين الغلط في القسمة، أو عدم التعديل فيها، وأنكر الآخر، لم تسمع دعواه إلا بالبيّنة، فإن أقام البيّنة على مدّعاه انتقضت القسمة وأعيدت من جديد، وإن لم يكن له بيّنة كان له إحلاف الشريك، فإن لم يحلف حلف هو وانتقضت به القسمة وأعيدت من جديد.
الباب الثاني
في المضاربة
المبحث الأول: في التعريف والعقد والشروط
المبحث الثاني: في كيفيّة القيام بالمضاربة
المبحث الثالث: في الربح والخسارة
المبحث الرابع: في أحكام الفسخ والتلف والخلل
المبحث الأول: في التعريف والعقد والشروط
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في التعريف
مسألة 49: (المُضاربة) في اللغة: صيغة (مفاعلة) من ضارَبَ له في ماله، أي: اتَّجر له به؛ وأصلها من: (ضَرَبَ) في الأمر بسهم ونحوه، بمعنى: شارك فيه؛ أو من (ضَرَب) له في ماله أو غيره سهماً، بمعنى: عيَّنه له؛ وقد يقال له: (المقارضة) و(القراض) بنفس المعنى. والمضاربة في الشرع: (عقد مشاركة في الربح يكون المال فيه من شخص والعمل من الآخر).
وعند التأمل في هذا التعريف ومقارنته بما سبق ذكره عن الشركة العقدية يتبيّن لنا أن الشركة العقدية: تارة يتوافق الأطراف فيها على مجرد التشارك في المال كهدف مراد لهم بذاته، في حين لا يراد من المضاربة التشارك بين العامل وصاحب المال برأس المال، وإن لزم منها المشاركة بينهما في الربح عند حصوله، إذ هو أمر آخر غير رأس المال.
وتارة أخرى: يتوافق الأطراف على الإتجار بالمال المشترك بأية طريقة من طرق الإتجار والاستنماء، على أن يكون الربح بينهم والخسارة عليهم، فيما الأمر في المضاربة كما يلي:
أ ـ إنه اتجار بمال قد يكون لواحد وقد يكون مشتركاً، فلا تلحظ فيه خصوصية كونه مشتركاً.
ب ـ إن الاستثمار في المضاربة يقتصر على الإتجار دون غيره، كالمزارعة ونحوها.
ج ـ إن الربح في المضاربـة وإن كان بين العامل وصاحب المال لكن الخسارة على صاحب المال وحده.
د ـ إن العمل في المضاربة من غير صاحب المال، فيما إنه قد يكون في الشركة العقدية من أحد الشركاء أو من غيرهم.
هذا، وقد تلتقي الشركة العقدية مع المضاربة في مورد واحد، وذلك كأن يكون المال مشتركاً بين جماعة، فيعمدون إلى المضاربة بأموالهم مجتمعين أو منفردين عند عامل واحد بهدف استثمارها وتنميتها، فإن كان العامل من غيرهم ـ كما هو الوضع الطبيعي والصحيح ـ وربح المال تارة وخسر أخرى، كان الربح بينهم وبين العامل، فيتوزعون حصتهم منه فيما بينهم على حسب نصيب كل منهم في رأس المال أو بنحو آخر، كما سيأتي بيانه، فيما ينفرد العامل بحصته منه، وأما الخسارة فهي بينهم كذلك دون أن يلحق العامل منها شيء. هذا إذا كان العامل من غيرهم، أما إذا رغبوا أن يكون العامل واحداً منهم فلا بد أن يضاربوه على غير حصته من المال المشاع بينهم، ولهم أن يأذنوا له بالمتاجرة بحصته بنحو مستقل حين عمله لهم، وحينئذ يكون له نصيبه من ربح حصصهم دون خسارتها، فيما يكون له تمام ربح حصته وعليه تمام خسارتها.
إضافة إلى ذلك فإنَّه يجب الالتفات إلى تَميُّز المضاربة بالمعنى الذي بيناه عن معاملة شبيهة بها يُصطلح عليها بــ (البضاعة)، والبضاعة هي: (اتفاق يقتضي قيام العامل بالمتاجرة بالمال، على أن يكون تمام الربح للمالك، إما مجاناً أو بعوض)، وهي معاملة صحيحة ومختلفة عن المضاربة بأنها لا تشتمل على عنصر المضاربة الأساسي، وهو: (المشاركـة) في الربـح، بـل هي ـ في حال أَخْذ العامل أجرةً ـ فرع من فروع مباحث الإجارة. وسيتبيّن لاحقاً أنَّ مدى وأُفق الشروط التي يصح التراضي عليها تحت عنوان معاملة (البضاعة) أوسع منها في المضاربة، وبخاصة لجهـة فـرض مقدار مُعين للعامـل من المـال، و ـ أيضاً ـ لجهة إمكان إشراك العامل في ضمان تمام الخسارة أو جزء منها، وغير ذلك من الأمور التي لا تصح في المضاربة.
المطلب الثاني: في العقد
مسألة 50: يتحقّق عقد المضاربة بالإيجاب من المالك بكل لفظ يدل عليه، مثل: (ضاربتك)، أو: (قارضتك)، أو: (اتجر بهذا المال)، أو نحو ذلك، وبالقبول من العامل بكل لفظ يدل عليه؛ بل تتحقّق المضاربة بالمعاطاة، فيُسلِّم المالك ماله قاصداً الإتجار به ويتسلمه العامل قاصداً قبول ذلك.
ويعتبر فيه ما يعتبر في أمثاله من العقود المالية، من العقل والقصد والاختيار وإذن الولي إذا كان العاقد صبياً، وعدم الحجر على المالك لسفهٍ أو فلس، أما العامل فلا يعتبر فيه ذلك إذا لم تستلزم المضاربة تصرفاً بماله.
مسألة 51: المضاربة معاملة مستقلة كالإجارة ونحوها من العقود، وإذا وقع العقد مستكملاً لشروطه وقع لازماً، فلا ينفسخ إلا بالتقايل أو بالخيار أو بانتهاء الأجل إذا جعلا له أجلاً.
مسألة 52: إذا أوقعا عقد المضاربة على مقدار معيّن من المال، كألف دينار، ثم بعد مدة رغب المالك في زيادة رأس المال، لم يكن في ذلك بأس، فتدخل الزيادة في المضاربة المنعقدة دون حاجة لإنشاء عقد خاص بها، وتجري عليها جميع أحكامها؛ وآكد من ذلك في عدم الإحتياج لعقد جديد ما لو وقعت المضاربة على خمسة آلاف دينار، وصار يدفعها للعامل مقسطة، فإن الجميع مندرج في مضاربة واحدة.
مسألة 53: يجوز لكلٍ من المتعاقدين أن يشترط على الآخر في ضمن عقد المضاربة ما يشاء من الشروط السائغة، فيصح أن يشترط عليه مالاً نقداً أو عيناً أو منفعة، أو عملاً كالخياطة والتعليم ونحوهما، أو إيقاع معاملة كالبيع والصلح والوكالة والقرض ونحوها، فإذا رضي بالشرط وجب عليه الوفاء به ما دام العقد باقياً لم يفسخ، سواء تحقّق لهما ما يرجوان من ربح أو لم يتحقّق.
مسألة 54: إذا ضارب شخص شخصاً آخر بمال غيره فضولاً دون ولاية عليه ولا وكالة عنه، وقعت المضاربة فضولية، فإن أجازها المالك صحت كما وقعت وترتبت عليها آثارها، وأما إذا ردها فإن حكمها يختلف على أنحاء من جهتين:
الجهة الأولى: ما بين المالك والمضارب والعامل، وهي على نحوين:
الأول: ما إذا كان الرد قبل قيام العامل بالإتجار بالمال، فيجب عليه رده إليه إن كان سالماً، أوْ ردُّ مثله أو قيمته إن كان تالفاً، ويحق للمالك أن يرجع على المضارب أو على العامل بالنحو المقرر في أحكام ضمان التلف.
الثاني: ما إذا كان الرد بعد أن اتجر به العامل وباع واشترى، فهنا يحكم بكون معاملة البيع ـ مثلاً ـ فضولية، فإن شاء المالك أمضاها وكان له تمام الربح وعليه تمام الخسارة، وإن شاء ردها ورجع بماله إن كان موجوداً أو بمثله أو قيمته إن كان تالفاً، وذلك بالنحو الذي ذكر في النحو الأول؛ هذا، ولا يضر بالإمضاء أو بالرد ما لو لاحظ المالك مصلحته، فيمضيها حيث تكون رابحة، ويَردُّها حيث تكون خاسرة.
الجهة الثانية: ما بين العامل والمضارب، فإنَّ العامل إذا لم يعمل شيئاً لم يستحق على المضارب شيئاً، وكذا لو عمل وكان عالماً بأن المضاربة فضولية، وأما إذا عمل فيها جاهلاً بالحال فإنه يستحق على المضارب أقل الأمرين من أجرة مثل عمله ومن الحصة المقررة له من الربح إن ربح، فإن لم يكن قد ربح شيئاً لم يستحق شيئاً.
مسألة 55: لا يجوز للعامل أن يضارب غيره بمال المالك ليكون ذلك الغير عاملاً منفرداً عند صاحب المال من دون إذنه، وكذا لا يجوز أن يضاربه على أن يكون شريكاً معه في العمل عند صاحب المال بدون إذنه، فإن أذن له بعد أن ضارب غيره بهذا النحو، أو ضاربه بعد الإذن، ترتب عليه فسخ المضاربة الأولى القائمة بين المالك والعامل وقيام مضاربة جديدة بين المالك والعامل الثاني، أو بين المالك من جهة وبين العامل الأول والثاني على نحو الاشتراك من جهة أخرى. أما إذا أوقع مضاربة بمال المالك مع عامل آخر ليكون مساعداً له وعاملاً عنده، فالظاهر الصحة.
المطلب الثالث: في الشروط
مسألة 56: يعتبر في المضاربة أمور:
الأول: أن يقتصر استثمار المال على الإتجار به دون ما عداه من وجوه الاستنماء؛ فلا تتحقّق المضاربة فيما لو تعاقدا على استثمار المال في الزراعة، بل يكون ـ حينئذ ـ مزارعة إن جعل أجرته حصة من حاصلها معينة بالكسور، وإجارة إن جعل الأجرة على خلاف ذلك، عيناً أو منفعة؛ كما لا تتحقّق المضاربة بما لو تعاقدا على أن يشتري العامل شيئاً بمال المالك للاستفادة من نمائه، كالأغنام والدجاج للاستفادة من نتاجها بيضاً وصوفاً ولبناً وفراخاً وسخالاً، وكالسيارات أو الدور يشتريها بالمال ليؤجرها وينتفع بأجرتها، وكالآلات الخاصة بحرفة الحدادة أو النجارة أو الصيد أو غيرها يشتريها العامل الحِرَفيُّ ليعمل فيها في حرفته؛ وما أشبه ذلك من وجوه استنماء المال في غير الإتجار، فإنها لا تكون مضاربة، بل هي جعالة إن حدَّد ربح العامل بحصة منه معينة بالكسور، وهي إجارة إن عينها بغير ذلك، عيناً أو منفعة.
الثاني: أن يكون العامل قادراً على القيام بالتجارة بالوجه المطلوب منه بنفسه أو بغيره، فإن لم يشترط عليه مباشرة التجارة بنفسه، وظهر عجزه عنها ولو مع الاستعانة بالغير، بطلت المضاربة من رأسٍ إن كان عاجزاً من الأول، وبطلت من حين الإنكشاف إن طرأ العجز في الأثناء. وكذا تبطل إذا جعل مباشرة العامل لها بنفسه قيداً في أصل المعاملة فعجز عن مباشرتها، فيما يكون للمالك خيار الفسخ إذا جعل المباشرة شرطاً فعجز العامل عنها.
الثالث: أن يكون مال المضاربة عيناً خارجية، نقداً أو بضاعة، فكما تتحقّق بالنقد المعدني أو الورقي تتحقّق بما لو دفع إليه قمحاً أو سيارة أو ثياباً أو داراً ليتجر بها ويتداولها في البيع والشراء، كما لو كانت نقداً. فإن لم تكن عيناً بل منفعة لم تصح المضاربة بها بما هي عليه من عنوان المنفعة رغم إمكان مبادلتها بشيء آخر، على الأحوط وجوباً، نعم تصح المضاربة على أجرتها، كأن يقول له: (خذ منفعة داري هذا فأجّره وضارب على أجرته). وإن لم يكن عيناً خارجية بل كان ديناً في الذمة، ولوحظ في قيام العامل بالمضاربة عليه حالةُ قبضه، صحت المضاربة عليه وهو ما يزال ديناً، بحيث يتضمن إنشاءُ المضاربة عليه من قبل الدائن توكيلَ العامل بقبض الدين نيابة عنه بعد تعيينه وعزله، ثم الإتجار به، دون ضرورة لأن يُنشيء العامل ـ مديناً كان أو غيره ـ عقد المضاربة بطرفيه؛ وكذا تصح المضاربـة ـ على الأقـرب ـ إذا لم يلاحَظ في المضاربة على الدين قيام العامل بها بعد قبضه، بل لوحظت المضاربة عليه بالبيع والشراء حالة كونه ما يزال ديناً.
الرابع: أن يكون المال معلوماً قدراً ووصفاً. وإذا كان للمالك أموال متعددة وجب تعيين ما يكون منها للمضاربة، إلا أن تتساوى الأموال في الوصف والمقدار فلا يجب ـ حينئذ ـ تعيين كون المضاربة بهذا المال أو بذاك، فلو كان عنده محفظتان تحتوي كل منهما على ألف دينار، وضاربه على أحدهما دون تعيين صحت، وإن كان الأحوط استحباباً التعيين.
الخامس: أن يُجعل الربح فيها لمن قدَّم مالاً أو عملاً، وهو منحصر بطرفي العقد، وهما: صاحب المال والعامل، واحداً كان كل منهما أو متعدداً؛ فلو جعل أحدُهما نصيباً من الربح لشخص غيرهم دون أن يكون قد ساهم بمال، ولا اشتُرطَ عليه القيامُ بعمل من أعمال المضاربة، بطلت به المضاربة. وكذا تبطل المضاربة إذا اشترط المالك كون تمام الربح له، أما جعل تمام الخسارة على العامل فهو صحيح إذا جعل تمام الربح له كما سيأتي في الفقرة التالية.
السادس: أن يكون تعيين حصة كل منهما من الربح بالكسر لا بالرقم الصحيح، فيجعلها ثلثاً أو نصفاً، أو ثلاثة من كل مئة، أو نحو ذلك، فلو عينها بالأرقـام الصحيحـة ـ كألف دينـار مثـلاً ـ بطلت المضاربة. هذا، ويغني عن التصريح بمقدار الحصة بذلك النحو كونُه ملحوظاً ضمناً بسبب التعارف الخارجي، كأن يتعاقدا على المضاربة في بلد يعلمان أنَّ العرف فيه هو جعل حصة العامل ثلثاً، فإذا لم يعينا حصة العامل ـ وحالهما هذه ـ ثبت له ثلث الربح.
أما الخسارة فهي بتمامها على صاحب المال، فلو شرط على العامل مشاركته بنصيب من الخسارة يؤخذ من حصته من الربح بطل الشرط، ولم يُلزم بها العامل، بل يَشْكُل الحكم بصحة الشرط إذا جعلها في ماله لا في ربحه. نعم لو شرط عليه أن يتحمل تمام الخسارة على أن يكون له تمام الربح صح الشرط.
مسألة 57: لا يشترط لفظ خاص في تحديد نسبة الربح، بل يكفي كل لفظ يدل عليها عرفاً، فلو تراضيا على أن يكون لكل منهما نصف الربح كفى في الدلالة عليه أن يقول: (... والربح بيننا)، أو: (... ولك نصف ربحه)، أو: (... ولك ربح نصفه)، أو نحو ذلك.
مسألة 58: تصح المضاربة على حصة من المال المشاع قبل فرزه، بل يمكنه تداول تلك الحصة بالبيع والشراء وهي على حالتها تلك، إلا أن يرغب العامل في فرزها والانفراد بها ليسهل عليه الإتجار بها، فإن له ـ حينئذ ـ أن يطلب القسمة.
مسألة 59: لا يعتبر في صحة المضاربة أن يكون المال في يد المالك ولا في يد العامل، بل تصح المضاربة من قبل المالك إذا كان ماله في يد غيره أمانة أو نحوها؛ وكذا يصح قيام العامل بالمضاربة إذا كان المال ما يزال في يد المالك.
مسألة 60: يجوز في المضاربة الواحدة تعدد العامل، سواءً اتحد المالك أو تعدد، فيتقاسم العمال فيما بينهم نصيبهم من الربح بالتساوي أو بالتفاضل، بالنحو الذي تعاقدوا عليه مع المالك.
وكذا يجوز في المضاربة تعدد المالكين، سواءً اتحد العامل أو تعدد، ويتحقّق هذا الفرض في صور:
الأولى: أن يكون المال مشتركاً بينهم قبل المضاربة، ويضاربون بعقد واحد عاملاً واحداً أو أكثر.
الثانية: أن يكون المال كما في الصورة الأولى، ويضارب كل واحد من الشركاء منفرداً نفس العامل.
الثالثة: أن لا يكون المال مشتركاً، ويضارب أكثر من مالك نفس العامل، ويشترط العامل عليهم أن يخلط مال كل واحد منهم بمال الآخر، بحيث يصير المال مشتركاً بفعل العامل وبعد إنشاء عقد المضاربة.
فتصح المضاربة في هذه الصور الثلاث مهما كانت الكيفية التي يتوافقون عليها لتوزيع الربح بينهم في نصيبهم كمالكين، بما في ذلك ما لو تفاضلوا فيها مع تساوي حصة كل منهم في رأس المال، وتساوي نسبة الربح التي أعطاها كل واحد منهم للعامل، وعدم تقديم آخذ الزيادة شيئاً دون الآخرين في عملية المضاربة من عين أو منفعة.
ولا يخفى أن جواز التفاضل في ربح الشركاء من المضاربة في الصورتين الأولى والثانية مستثنى مما سبق ذكره في باب الشركة في (المسألة: 9)، فراجعه.
كما أنه ينبغي الالتفات إلى أن مورد الكلام في جواز التفاضل في حصص المالكين وعدمه إنما هو في غير صورة حدوث التفاضل بينهم طبيعياً بسبب اختلاف نسبة ما أعطاه كل واحد منهم من ربح للعامل عما أعطاه الآخر له، إذ إن كل زيادة منه عن غيره في حصة العامل هي نقص طبيعي في حصته.
المبحث الثاني: في كيفية القيام بالمضاربة
وفيه مسائل:
مسألة 61: إن إطلاق المضاربة يقتضي قيام العامل بنفسه بالإتجار بالنحو المتعارف واللائق بحاله، فلا يصح له إيكـال الأمـر لغيره ـ لا بنحو التوكيل ولا الاستئجار ـ بدون إذن المالك، إلا فيما جرت العادة على قيام غيره به من أعمال المضاربة، كالمحاسبة والدلالة وغيرهما، فيجوز له استئجار أو توكيل من يقوم بها بدون إذن المالك ما دام متولياً بنفسه للإتجار؛ ولو فرض قيام العامل بها حيث لا تكون مطلوبة منه جاز له أخذ الأجرة عليها من مال المضاربة زيادة على حصته من الربح.
مسألة 62: إذا أخذ العامل رأس المال وصار في يده فليس له ترك الإتجار به وتعطيله عنده بمقدار لم تجر العادة به، مما يختلف في مدته باختلاف السلعة واختلاف ظروف تسويقها، فإذا عطّله كذلك عُدَّ مفرّطاً ولزمه ضمانه إذا تلف؛ لكن لو فُسخَ عقدُ المضاربة بينهما لم يكن للمالك أن يطالبه بالأرباح التي كان سيجنيها لو اتجر بها خلال فترة تعطلها، بل يقتصر على رأس ماله فحسب.
مسألة 63: إذا وقع عقد المضاربة مطلقاً من حيث كيفية القيام بالمضاربة، فإن مقتضاه هو إيكال الأمر إلى العامل وتفويضه القيام بجميع ما هو لازم لحفظ المال والاسترباح به، وذلك على ضوء خبرته وحسن تقديره للأمور، وعلى أساس ما هو المتعارف في مثله، فإن خالف ما هو المتعارف في تصرفاته بحيث اعتبر عندهم مفرّطاً أو متعدياً ضمن ما يترتب عليه من خسارة أو تلف بالنحو الذي سيأتي بيانه.
أما إذا اشترط عليه كيفية معينة من حيث نوع البضاعة أو مكان الإتجار أو زمانه، أو السفر به وعدمه، أو بيعه نقداً أو نسيئة، أو خلطه بماله وعدمه، أو نحو ذلك مما يريده صاحب المال، فاللازم على العامل الوفاء بجميع ما شرطه عليه، فإن خالف أثم وضمن ما يتلف من رأس المال، ويُحكم بصحة المعاملة ويكون الربح بينهما.
مسألة 64: يختلف حكم خلط مال المضاربة بمال العامل باختلاف المراد من الاختلاط، وذلك على نحوين:
الأول: أن يكون الاختلاط بنحو الامتزاج الذي ينعدم فيه استقلال كل جزء من أجزاء العين، كاختلاط الزيت بالزيت أو الطحين بالطحين ونحوهما مما هو من جنس واحد، وكاختلاط العسل بالخل وتولد جنس ثالث منهما هو (السكنجبين) ونحو ذلك، وهي الموارد التي يوجب الاختلاطُ فيها الشركةَ في العين.
وحكمه أنه لا يجوز للعامل فعل ذلك عند إطلاق العقد إلا بعد استئذان المالك، فإن خلطه بدون إذنه فتلف منه شيء كان التلف من مال العامل، ولم يضر ذلك بصحة المضاربة، وإن خلطه بإذنه فتلف منه شيء كان التلف بينهما بنسبة نصيب كل منهما فيه.
الثاني: ما لو كان الاختلاط على خلاف ذلك، كاختلاط نقود المضاربة الورقية أو المعدنية بأمثالها من نقود العامل، أو أثوابها أو كتبها أو قمحها أو أباريقها أو غنمها بأمثالها من أثواب وكتب وقمح وأباريق وغنم العامل، ونحو ذلك من أنواع الاختلاط الواقع نتيجة وضعها مع بعضها دون تمييز في مكان واحد أو ظرف واحد.
وحكمه هو جواز قيام العامل بذلك دون استئذان، إلا أن يشترط عليه المالك عزل ماله جانباً دون خلطه بمال العامل أو غيره؛ فإن تلف من هذا المال شيء لم يحسب من مال المالك، حتى لو كان بإذنه ورضاه، وحتى لو كان بدون تعدٍ من العامل ولا تفريط.
مسألة 65: حيث يجب عزل مال المضاربة، ولو من جهة اشتراطه على العامل، لا يُلزم العامل بالشراء بعين المال، بل يصح أن يشتري شيئاً على ذمة المالك ثم يؤدي ثمنه من مال المضاربة بعد ذلك، لكن إذا تلف مال المضاربة قبل أداء الثمن منه توقفت صحة الشراء على إجازته من قبل المالك، فإذا أجازه صح ولزمه أداء الثمن من ماله، وإلا بطل؛ وأما إذا كان قد اشتراه بعين المال، وكان الثمن من قبيل الكلي في المعين، كأن اشترى عشرة أثواب بمئة كيلو قمحاً من هذه الصبَّرة، فتلف الثمن قبل أدائه، بطل الشراء ولم تنفع فيه إجازة المالك؛ بل لا بد ـ مع بقاء الرغبة في المبيع ـ من إنشاء عقد بيع جديد بعد تعهد المالك بدفع الثمن من ماله.
مسألة 66: إن مقتضى إطلاق عقد المضاربة هو كون جميع النفقات العائدة إلى عملية المضاربة على مال المضاربة ما لم يشترط خلاف ذلك، فتشمل في زماننا هذا نفقات الإعلان والتخزين والنقل والضيافة المتعارفة للعمال والتجار والمراجعين وأجور النقل والهاتف والضرائب وغير ذلك مما هو متعارف في الحضر أو في السفر؛ أما نفقات العامل الشخصية، مثل طعامه وشرابه ومبيته ونفقات العناية بملبسه وهندامه ونحوها، فإنه في حال الحضر على العامل، وفي حال السفر على مال المضاربة إن كان السفر بإذن المالك، وإلا فهو على العامل أيضاً، نعم إذا مرض أثناء السفر كانت نفقات علاجه على نفسه حتى لو كان سفره بإذن المالك.
مسألة 67: حيث تكون النفقة ـ حضراً أو سفراً ـ من مال المضاربة، فإن عليه الاقتصار في النفقة على ما هو اللائق بحاله دون إسراف، وإنما يُحتسب منها ما يَبذلُ مالاً بإزائه، فلو قترَّ على نفسه أو على ضيوفه، أو نزل ضيفاً على شخص، أو قلل من استخدام الهاتف، أو نحو ذلك، فليس له أن يأخذ قيمتها من مال المضاربة، كما وأنه لو اضطر في سفره ـ مثلاً ـ إلى شراء هدايا لبعض أصدقائه أو أرحامه، أو كان يذهب بعد انتهاء عمله إلى أماكن الاستجمام والنزهة، فليس له أن يأخذ ذلك من مال المضاربة، وكذا ما لو بقي مدة بعد انتهاء عمله في المضاربة لإنجاز أعمال خاصة به، أو للنزهة والاستجمام، فإن نفقاته خلال تلك المدة عليه لا على مال المضاربة.
مسألة 68: إذا كان عاملاً لاثنين، أو كان عاملاً لنفسه ولغيره، وكان المورد ـ في سفر أو حضر ـ من موارد الإنفاق من مال المضاربة، وجب عليه الموازنة في ذلك بين ما يستلزمه عمل هذا من نفقات وبين ما يستلزمه عمل غيره، فإن اشتركت المضاربتان في عمل واحد كانت نفقاته بينهما بالسوية، وإن اختلف عمل إحداهما عن الأخرى ـ كأن استلزم الإنتقال أكثر من مرة، والمبيتَ ليلة أو أكثر في موضع آخر، ونحو ذلك ـ كانت نفقاته على تلك المضاربة بخصوصها.
مسألة 69: إذا عرض على العامل في سفره ما أوجب توقف عمله في المضاربة، فإن كان المانع هو فسخ المضاربة بسبب من الأسباب، واضطرار العامل للبقاء مدة حتى تتيسر له وسيلة العودة، كانت نفقة إقامته على نفسه، وكذا لو كان المانع هو المرض على الأحوط وجوباً؛ وأما نفقة الرجوع فهي للمريض من مال المضاربة، ولمن انفسخت مضاربته من مال نفسه.
مسألة 70: تحتسب نفقات المضاربة من ربح مال المضاربة بعد ظهوره، ولكن يحق للعامل قبل ظهور الربح أخذها من رأس المال إلى حين ظهوره، ثم عليه ردها إلى رأس المال والإنفاق من الأرباح، إلا أن يتراضيا على أمر آخر.
مسألة 71: إذا اختلف المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي دفعه المالك، فادّعى المالك الزيادة وأنكرها العامل، فإن كان مصب النزاع على نفس مقدار المال، لا على حصة العامل من الربح، وذلك كما لو كان النزاع قبل ظهور الربح، ولم يكن للمالك بيّنة على الزيادة، فالقول قول العامل مع يمينه، دون فرق بين وجود رأس المال أو تلفه وضمان العامل له.
وأما إذا ظهر الربح وأرادا اقتسام الحصص، فاختلفا في مقدار رأس المال الموجود مع الأرباح لاختلافهما ـ أساساً ـ في مقدار حصة العامل من الربح، فيكون مرجع نزاعهما إلى أن العامل يدّعي زيادة في حصته من الربح والمالك ينكرها، فالقول ـ حينئذ ـ هو قول المالك مع يمينه إذا لم يقدم العامل بيّنة على مدّعاه.
مسألة 72: إذا ادّعى المالك على العامل الخيانة والتقصير، ولم يكن له بينة، فالقول قول العامل مع يمينه، وكذا لو ادّعى عليه مخالفة الشروط، سواءً كان النزاع في أصل الإشتراط أو في مخالفته لما اشترط عليه. وإذا تنازعا في عمل من الأعمال التي تحتاج إلى إذن المالك، فإذا ادّعى العامل الإذن فيه وأنكره المالك كان القول قول المالك مع يمينه إذا لم يكن للعامل بيّنة.
المبحث الثالث: في الربح والخسارة
وفيه مسائل:
مسألة 73: يسعى المتعاقدان في المضاربة إلى تحقيق الربح، هذا من خلال مساهمته بماله وذاك من خلال مساهمته بعمله، فإنْ ربح المال نال كل منهما نصيبه منه، وإن لم يربح ـ خسر أو لم يخسر ـ رجع المالك بماله أو بما بقي منه دون أن ينال العامل شيءٌ من تلك الخسارة، ودون أن يكون له شيء عوض ما بذله من جهد ضائع؛ وينبثق من ذلك أمران:
الأول: لا يستحق أحد شيئاً من الربح ـ بالبداهـة ـ إلا بعد ظهور الربح، كما وأنه لا تبين حصة كل واحد منهما منه إلا بعد جبر الخسارة والتلف والنفقات المترتبة على عملية المضاربة، فيملك العامل حصته منه بمجرد ذلك ولو قبل تحويل الأعيان إلى نقد، وهو المسمى بـ (الإنضاض)، وقبل القسمة أيضاً، ويصير شريكاً مع المالك في أمواله بمقدار حصته.
الثاني: إن ما سبق ذكره في الشرط السادس من شروط المضاربة من أن: (العامل لا يتحمل شيئاً من الخسارة) إنما يراد به خسارة رأس المال التي لم تعوض، أما حيث ربحت التجارة وخسرت، وجُبرت الخسارة من الربح، بحيث سلم رأس المال لصاحبه، سواءً بقي من الربح شيء يتقاسمانه أو لم يبق، فإن هذه الخسارة الجابرة لرأس المال هي عليهما. نعم إذا اشترط العامل عدم جبر الخسارة من حصته من الربح، وقَبِلَهُ المالك، صح الشرط وتحمل المالك الخسارة من ربحه حتى لو ذهبت بشيء من رأس المال.
وفيما يلي من مسائل سوف تتوضح بعض هذه الجوانب أكثر.
مسألة 74: الخسارة الواردة على مال المضاربة تُجبَرُ بالربح الحاصل منه ما دامت المضاربة قائمة بالنحو الذي يتفقان عليه، فلا يستقر ما لكل منهما من ربح إلا بعد انتهاء المضاربة بفسخ أو نحوه، أو بمضي الأجل إن جعلا لها أجلاً، أو بتحديد مدة معينة لانجبار خسارة الجميع أو خسارة بضاعة معينة، وذلك كأن يتفقا على إجراء كشف على الأرباح والخسائر كل ستة أشهر أو كل سنة مثلا، بحيث لا تؤثر الخسارة الواقعة بعد هذا التاريخ بالأرباح التي حدثت قبله ولا تجبر منها؛ أو يتفقا على حصر انجبار خسارة كل بضاعة بالربح الحاصل منها، أو نحو ذلك من وجوه التوافق؛ وحينئذ فإنهما إذا تقاسما الربح على رأس كل مدة يحددانها لم يكن ذلك فسخاً ما دام رأس المال باقياً قيد التداول. وكما تُجبر الخسارة الواردة كذلك يُجْبَر التلف الوارد على بعض مال التجارة قبل الإتجار به أو أثناءه من الربح الحاصل منه، فلو احترق شيء من مال التجارة أو غرق أو سُرق جُبر تلفُه من ربح المال كالخسارة تماماً. أما إذا تلف جميع رأس المال فإن المضاربة تبطل إلا أن يضمنها المتلف فتستمر مع تعويضه لرأس المال. هذا، ولا فرق في جبر الخسارة من الربح بين الربح الحاصل قبل الخسارة أو الحاصل بعدها ما دام عقد المضاربة باقياً.
مسألة 75: يصح أن يشترط العامل على المالك عدم جبران الخسارة أو التلف ـ أو كليهما ـ من الربح مطلقاً، أو من الربح المتقدم أو المتأخر، أو جبرانه بنسبة معينة أو بكيفية معينة، فإذا قبل المالك ذلك لزمه الوفاء به، فيما لا يصح أن يشترط المالك كون تمام الربح له، ولا أن يشترط كون الخسارة كلياً أو جزئياً على العامل. (أنظر الأمر السادس من المسألة: 56).
مسألة 76: إذا ظهر الربح وجُبرت منه الخسارة، واستقرت ملكية كل واحد منهم على مقدار حصته من الربح على نحو الإشاعة فيما بين أيديهم من مال المضاربة نقداً وعيناً وديناً، لم يكن لأحدهما أخذ حصته قبل اقتسام الربح وفرز الحصص، كما أنه ليس لأحدهما إجبار الآخر على القسمة إلا إذا كان قد شرطها بكيفية معينة فطلبها طبقاً للشرط، أو طلبها بعد فسخ المعاملة بالتقايل أو بالخيار، أو بعد انفساخها بأحد أسبابه التي ستأتي. هذا، ولا بد من توزيع حصة كل منهما على جميع أنواع المال، فيشمل النقد والأعيان، فيأخذ كلُّ واحد منهما من كلٍ منها بنسبة حصته إلى مجموعها، دون أن يكون لأحدهما حق أخذ كامل حصته من النقد ـ مثلاً ـ ويعطي الآخر حصته من الأعيان، إلا أن يتراضيا عليه؛ أما الديون التي لهما فإن الأقوى فيها خضوع العامل لرغبة المالك، فإن جعل حصته كلَّها أو بعضها في الديون التي خلَّفْتها المضاربة وجب عليه القبول، إلا أن يشترط عليه غير ذلك حين التعاقد؛ وحيث يتراضيان على توزيع الديون على حصتيهما، لا تصح قسمتها قبل استيفائها، بل إن عليهما الإنتظار إلى حين استيفائها ثم اقتسامها، أو يتراضيان على بيع تلك الديون واقتسام ثمنها؛ وذلك بما يوافق أحكام القسمة التى تقدمت.
مسألة 77: إذا تقاسما ربح المال بينهما، وذهب كل منهما بحصته مع بقاء المضاربة قائمة، ثم عرض الخسران على رأس المال، انتظرا، فإذا عرض الربح بعده بمقدار الخسارة أو أزيد جَبَراها من هذا الربـح المتجـدد، وإن لـم يربح ـ أو ربح أقل منها ـ تحملاها معاً، لكنَّ ما يتحمله العامل منها هو أقل الأمرين من الربح الذي أخذه ومن مقدار نصيبه من الخسارة، فلو كانت حصته من الخسارة المتجددة خمسين ديناراً، وكان الربح الذي أخذه ثلاثين، رد مقدار الربح الذي أخذه واكتفى به، وإن كان ربحه مئة تحمل تمام حصته من الخسارة، وهكذا الأمر لو كان الربح المتجدد أقل من الخسارة الواقعة، فإنهما يجعلان ذلك الربح على الخسارة، وما بقي منها يتحملانه من الربح القديم بنفس النحو المذكور. هذا مع عدم اشتراط خلاف ذلك، وإلا كان العمل على ما اشترطاه.
مسألة 78: إذا تصرف العامل بحصته من الربح قبل القسمة تصرفاً ناقلاً لها بمثل البيع أو الهبة، فإنْ لم تطرأ خسارة على رأس المال مضى تصرفه وصح، وإن طرأت، لم يصح تصرفه إلا إذا كان بإذن المالك؛ ولو فرض أن المالك حين أذن له قد اشترط عليه تحمل ما يستجد من الخسارة بكيفية معينة كانت صحة تصرفه المذكور متوقفة على مدى وفائه بالشرط، فإن وفى له صح، وإلا لم يصح.
مسألة 79: إذا ادّعى المالك أنه قد أعطى المال لهذا الشخص لا بعنوان المضاربة ليكون له نصيب من الربح، بل أعطاه إياه بعنوان (البضاعة)، والبضاعة هي: (دفع المال إلى الغير للتجارة مع كون تمام الربح للمالك، بعوض أو مجاناً)، ومعها لا يستحق العامل شيئاً من الربح؛ فادّعى الشخص المضاربة لتكون له حصة من الربح، قُـدِّم قـولُ المالك مع يمينه ـ إذا لم تكن بيّنة لمدعي المضاربة ـ، فيحلف على نفي المضاربة، فلا يكون لخصمه عنده شيء من الربح.
مسألة 80: إذا حصل تلف أو خسارة في المعاملة التي أجراها الشخص بمال غيره، فادّعى صاحب المال أن ذلك المال الموجود معه قد دفعه له قرضاً، فالمال ماله وخسارته عليه، وادّعى ذلك الشخص أنه عامل مضارب بهذا المال لمالكه، وأن الخسارة عليه، فإن لم يكن لصاحب المال بيّنة على مدّعاه كان القول قول العامل مع يمينه، وكانت الخسارة على المالك.
مسألة 81: إذا اشترى العامل سلعة وظهر فيها ربح، فادّعى العامل أنه اشتراها لنفسه ليكون الربح له، وادّعى المالك أنه اشتراها للمضاربة ليكون له نصيب في الربح، فالقول قول العامل مع يمينه؛ وكذا ما لو ظهرت خسارة، فادّعى العامل أنه اشتراها للمضاربة كي لا يلحقه شيء من الخسارة، وادّعى المالك أنه اشتراها لنفسه، لتكون الخسارة على العامل، فإن القول ـ أيضاً ـ قول العامل مع يمينه.
مسألة 82: إذا ادّعى العامل عدم حصول الربح وادّعى المالك حصوله قدم قول العامل مع يمينه، وإذا تنازعا في مقدار الربح المتحقّق من عملية المضاربة، كان القول ـ أيضاً ـ قول العامل مع يمينه. وأما إذا تنازعا في مقدار حصة العامل من الربح، فادّعى المالك الأقل وادّعى العامل الأكثر، فقد تقدم أن القول فيه هو قول المالك مع يمينه. (أنظر المسألة: 71).
المبحث الرابع: في أحكام الفسخ والتلف والخلل
وفيه مسائل:
مسألة 83: قد ألمحنا في بعض المسائل المتقدمة إلى أن المضاربة عقد لازم لا ينفسخ أثناء حياة المتعاقدين إلا بالتقايل، أو بانتهاء المدة إن كان له أجل، أو بخيار اشتراط الفسخ أو خيار تخلف الشرط المجعول منهما أو من أحدهما، أو بفقدان العقد لبعض أركانه التي توجب بطلانه، سواءً منها ما يطرأ في الأثناء أو ما ينكشف فقده من الأول، ومن هذه الأركان ما لو تلف جميع رأس المال ولم يعوضه المتلف. (أنظر في ذلك المسألة: 51، وآخر المسألة: 74). وبناءً عليه فإنه إذا حصل الفسخ اختياراً، أو انفسخت المضاربة قهراً، اختلف حكمها على أنحاء:
الأول: إذا كان قبل الشروع في شيء من أعمال المضاربة ومقدماتها، ردَّ العامل المال ولم يكن له شيء.
الثاني: إذا كان بعد تمام العمل، وكان قد ربح المال، فإنْ كان جميع المال نقداً أو بضاعة أخذ المالك رأس ماله واقتسما الربح بينهما من النقد أو البضاعة، وإن كان بعضه نقداً وبعضه بضاعة أخذ المالك رأس ماله من النوعين بنسبته إلى الموجود منهما، لا من النوع الذي كان عليه حين دفعه إليه ليضارب عليه، ثم يقتسمان ما ظهر من الربح بينهما بكلا النوعين ـ أيضاً ـ بالنحو الذي مر في (المسألة: 76)، فيأخذ المالك رأس ماله مع حصته من الربح، ويأخذ العامل حصته من الربح. وإن لم يظهر ربح رجع المالك بماله ولم يكن للعامل شيء.
الثالث: إذا حصل الفسخ أثناء التشاغل بالمضاربة، فإن كان قبل حصول الربح رجع المالك بماله ولم يكن للعامل شيء على ما مضى من عمله، سواءً كان الفسخ منه أو من المالك أو كان الفسخ قهرياً. وأما إذا كان الفسخ في الأثناء وبعد ظهور الربح كان حكمه حكم النحو الثاني، أي: يذهب المالك برأس ماله بالحالة التي هو عليها، إن نقداً أو بضاعة أو مختلفاً، وكذا يقتسمان الربح بالحالة التي يكون عليها المال؛ فإن لم يتراضيا على قسمة المال وهو بضاعة، ولا تراضيا على الانتظار إلى حين بيع البضاعة وتحويلها إلى نقد، فقد يصح لهما إجبار كل منهما لصاحبه على القسمة وقد لا يصح، لأن ذلك تابع لنوع المال ولتضرر الممتنع وعدم تضرره، مما مرَّ تفصيله في مباحث القسمة.
هذا، وحيث يتحقّق الفسخ فإنه لا يجوز للعامل أن يتصرف بشيء من مال المضاربة بدون إذن المالك؛ كما أنه لا يحق للمالك إلزامه بتحويل البضاعة التي اشتراها بما دفعه إليه من نقد إلى أموال نقدية مرة أخرى.
مسألة 84: إذا حصل الفسخ من أحدهما حال سفر العامل المأذون به من أجل المضاربة فقد قلنا سابقاً في (المسألة: 69): «إن نفقة الإقامة بعد الفسخ ونفقة الرجوع عليه لا على المالك»، وأما ما كان قد صرفه خلال سفره من رأس المال مع عدم حصول ربح ليجبر منه فالظاهر أنه على المالك، والأحوط استحباباً التراضي بينهما على ضمان العامل له أو عدمه.
مسألة 85: إن ما ذكر في المسألتين السابقتين من حكم الإنفساخ مختص بما لو حصل بسبب طارىء بعد العقد، كمثل تجدد العجز عن المضاربة أو تلف جميع رأس المال أو نحو ذلك، أما إذا كان الإنفساخ بما يوجب بطلان المضاربة من الأول، وكان العامل قد اتّجر بالمال خلال ذلك جهلاً منه بالحال، فإن كان إذنُ المالك له بالإتجار غيرَ مُقَيَّد بصحة المضاربة صح ما أوقعه من معاملات وكان تمام الربح للمالك، وإن كان مقيداً بها توقفت صحة المعاملات على إذن المالك وإجازته، فإن أجاز صحت وكان تمام الربح للمالك ـ أيضاً ـ، وإن لم يجز بطلت. أما العامل فإنه يستحق أقلَّ الأمرين من الربح المسمَّى له ومن أجرة مثل عمله إنْ كانت التجارة رابحة كما هو الفرض، ولم يكن فساد المضاربة من جهة اشتراط كون تمام الربح للمالك، وإلا لم يكن للعامل شيء.
مسألة 86: إذا كان رأس المال مشتركاً بين اثنين فضاربا واحداً، ثم فسخ أحد الشريكين في حصته، لم تبطل المضاربة في حصة الآخر.
مسألة 87: إذا لم يشترط أحد المتعاقدين على الآخر كيفية معينة لردِّ مال المضاربة، لم يجب على العامل بعد الفسخ إلا التخلية بين المالك وماله، أما الإيصال إليه فليس واجباً إلا أن يكون قد أرسله به إلى بلد آخر فيجب عليه ـ حينئذ ـ رده إلى بلد المالك.
مسألة 88: إذا تنازعا في رد المال وعدمه، فادّعى العامل الرد وأنكره المالك، قُدِّم قول المالك مع يمينه.
مسألة 89: العامل أمين على ما في يده من مال المضاربة، فلا يضمن ما يتلف منه إلا مع التعدي أو التفريط، ومن التفريط ما لو خالف العاملُ ما حدَّ له المالكُ من حدود في كيفية المضاربة وزمانها ومكانها، فإنه يضمن ـ حينئذ ـ ما يقع على المال من تلف ولو لم يكن بفعله. ولو فرض كون المال بيده عدواناً، فضاربه صاحبه عليه، صارت يده عليه بعد المضاربة يد أمانة، لأنّ إقدام المالك مختاراً على عقد المضاربة معه قرينة عرفية على رضاه ببقاء المال معه، فلا يضمنه ـ حينئذ ـ إلا مع التعدي أو التفريط، وإلا فإن لم يكن تصرفه هذا قرينة على الرضا ـ كما لو صدر منه العقد حياءً ـ ظلت يده عليه يد عدوان، وبقي المال مضموناً عليه على كل حال.
مسألة 90: إذا اشترط المالك على العامل ضمان ما يتلف من رأس المال بدون تعدٍ منه ولا تفريط، لم يصح الشرط، ولم يكن للمالك إلزام العامل به حتى لو كان قد سبق منه الرضا به.
مسألة 91: قد تقدم منا القول: (إنَّ تلفَ جميع مال المضاربة بأي سبب كان، موجب لبطلان المضاربة وانفساخها إلا أن يضمن المتلف المال ويدفعه فتستمر معه المضاربة دون حاجة إلى عقد جديد) (أنظر المسألة: 74)، وحينئذ يترتب على الانفساخ ما سبق ذكره في صدر هذا المبحث في (المسألة: 83).
مسألة 92: إذا ادّعى العامل التلف، وأنكره المالك، قدِّم قول العامل مع يمينه حتى لو صدر منه هذا الإدعاء بعد الفسخ، بل حتى لو ادّعى أن التلف قد حدث بعد الفسخ؛ لكن ينبغي الالتفات إلى أن ادعاءه حدوث التلف بعد الفسخ لا يرفع عنه الضمان دائماً إذا حلف عليه، لأنه قد تكون يده عليه يد عدوان، كما في صورة عدم مبادرته إلى رد المال إلى المالك ـ مثلاً ـ فيضمنه من أجل ذلك.
مسألة 93: إذا مات أحد المتعاقدين بعدما وقع العقد مستكملاً لشروطه، سواءً كان قبل الإتجار به أو أثناءه، فإن كان هو المالكَ لم يبطل به العقد، ووجب على ورثته الوفاء به بالنحو الذي وقع، فيشتركون في الربح والخسارة إن تعددوا؛ وإن كان الميتُ هو العاملَ، ولم يكن المالك قد اشترط عليه المباشرة بنفسه، قام الوارث مقامه في المضاربة به بالنحو الذي التزم به مُورِّثُهم، وإن كان قد اشترط عليه المباشرة بطلت، ولزم الورثةَ ردُّ المال إلى صاحبه بالنحو الذي ذكرناه في أحكام الفسخ في صدر هذا المبحث.
مسألة 94: إذا مات العامل، وكان مال المضاربة موجوداً بين أمواله، فإن علم بعينه وكان متميزاً عن غيره فلا إشكال، وإن كان غير متميز بشخصه، بل اختلط بأمثاله من مال الميت اختلاطاً موجباً للشركة، صار المالك شريكاً بمقدار ماله مع الوراث، فلا يأخذ أحدهم منه شيئاً إلا بعد اقتسامه؛ وأما إذا لم يعلم بعينه، لكونه قد اشتبه مع أموال المورث أو مع أموال أخرى لغيره مودعة عنده، فإن أمكن التصالح بينهم كان خيراً، وإلا لجأ إلى القرعة.
هذا، إذا علم بوجود مال المضاربة في تركته، وأما إذا علم بعدم وجوده، أو احتمل وجوده فيها، ولم يُعلم مصيره، حيث احتمل الورثة أن يكون مورثهم قد رد المال حال حياته إلى المالك، أو أن يكون قد تلف عنده بتقصير منه أو بدون تقصير، أو غير ذلك من الإحتمالات، لم يحكم على الميت بضمان المال لصاحبه، وكان جميع المال لورثته ما لم يثبت وجود حق لغيرهم في إرثهم بالطرق المعتبرة شرعاً.
الباب الثالث
في الشفعة
المبحث الأول: في ما تثبت فيه الشفعة
المبحث الثاني: في ما يُعتبر في الشفيع
المبحث الثالث: في الأخذ بالشفعة
تمهيد:
(الشفعة) من الحقوق المترتبة على الاشتراك في المال، فهي تابعة لمبحث الشركة وملحقة به، ورغم أنها ـ على بعض الأقوال ـ لا تثبت إلا عند بيع أحد الشريكين حصته المشاعة، فإننا لم نلحقها بمباحث البيع من أجل ذلك، بل رأينا أنها ألصق وأمسُّ بمباحث الشركة منها بغيرها. كما أننا قد أفردناها بباب خاص بها لتمايز بحوثها عن مباحث الشركة ولكثرة مسائلها وتشعب فروعها، وهي التي سوف نستعرضها في عدد من المباحث بعدما نكون قد تناولنا في هذا التمهيد تعريف الشفعة وذكر بعض الخصائص المستخرجة من التعريف، فنقول:
(الشفعة) هي: (حق يقتضي أولوية أحد الشريكين بتملك حصة الآخر المشاعة إذا نقلها عن ملكه لغير شريكه بعوض، وذلك بنفس العوض المدفوع فيها من قبل الغير).
ولعل إسم (الشفعة) مأخوذ من (شَفَعَ) به إليه، أي: توسل به إليه. حيث تكون الشركة القائمة بينهما على نحو الإشاعة هي التي تشفع، أي: هي التي بها يُتَوسل لنيل حصة الشريك من غيره الذي انتقلت إليه، لأنه صار بهذه (الشركة = الوسيلة) أولى بالحصة من غير الشريك.
وعلى ذلك فإن حق الشفعة يتميز من حيث طبيعته بأمور:
الأول: إنه حق متولد من عُلْقة الشركة القائمة بين اثنين لا أكثر، فيسقط بالإسقاط، ولا ينتقل بغير الإرث من النواقل، كالبيع والهبة والوصية ونحوهما.
الثاني: إنه إيقاع، فلا يترتب عليه الأثر إلا بإنشائه باللفظ الدال عليه، كأن يقول الشفيع: «شفعت في البيع»، أو: «أخذت المبيع بثمنه»؛ أو بإيقاعه بـ(الفعل)، كأن يدفع الثمن للمشتري بقصد أخذ المبيع منه.
الثالث: إن هذا الحق، وإن كان قائماً ضمناً وبمقتضى الشراكة قبل بيع أحد الشريكين حصته، لكنه لا يكون مُنجَّزاً وفعلياً إلا بعد قيام الشريك ببيع حصته لغير شريكه، فلا يصح للشفيع إلزام شريكه بالبيع له إذا علم أنه سيبيع حصته لغيره ما لم يتحقّق هذا البيع للغير فعلاً، وذلك لأن حق الشفيع موجود عند المشتري، لا عند شريكه البائع، فلا يَتَنَجَّز له إلا بعد الشراء لا قبله.
الرابع: يظهر من قولنا: «إذا نقلها عن ملكه لغير شريكه بعوض» أن الشفعة لا تختص بما لو كان النقل بالبيع وحده، بل تجري فيما لو كان النقل بغيره من النواقل المعاوضية، كالهبة المعوضة والصلح المعوض، دون غير المعاوضية، كالهبة المجانية وكجعلها مهراً ونحوهما.
المبحث الأول: في ما تثبت فيه الشفعة
وفيه مسائل:
مسألة 95: لا يثبت حق الشفعة إلا مع الاشتراك في العين، كما لا يثبت إلا مع كون الشركاء اثنين؛ فلا شفعة للجار ـ لمجرد أنه جار ـ فيما يبيعه جاره من دار أو عقار لا يشتركان فيهما، وكذا لا شفعة في العين المشتركة بين أكثر من اثنين حتى لو باع سائر الأطراف عدا واحد؛ نعم يستثنى من ذلك ما لو عرض على الشريكين عارض قهري أو اختياري جعلهما ثلاثة أو أكثر بعد أن كانا اثنين في الأصل، أو كانت العين المشتركة طريقاً داخلية خاصة، حيث لا يمنع كون الشركاء فيها أكثر من اثنين من ثبوت الشفعة لسائر الشركاء إذا نقل أحدهم حصته عن ملكه بعوض، فالموارد المستثناة ـ إذاً ـ ثلاثة:
الأول: ما إذا تعدد الشركاء بعارض قهري، كأن مات الشفيع قبل أن يأخذ بالشفعة، فإن الحق ينتقل إلى ورثته ولو تعددوا، لكن لا بد من اتفاقهم على الأخذ بالشفعة ليصح منهم ذلك، وإلا لم تثبت لبعضهم دون البعض الآخر.
الثاني: ما إذا تعدد الشركاء بعارض اختياري، كأن باع أحد الشريكين بعض حصته، فإن صيرورة الشركاء بذلك ثلاثـة ـ أو أكثـر ـ لا يمنع الشريك الآخر من الأخذ بالشفعة.
الثالث: ما إذا كان الشيء المشترك طريقاً داخلية، فإذا اشترك أصحاب الدور أو العقارات ـ الذين يتجاوز عددهم الإثنين، والذين يختص كل واحد منهم بداره أو عقـاره ـ في طريق داخلية خاصة بهم، وباع أحدُهم داره مع حصته من الطريق المشتركة، ثبت لشركائه في الطريق حق الشفعة في الحصة المباعة من الطريق رغم تجاوز عدد الشركاء الإثنين، بل إن لهم الشفعة في ما لا يشتركون فيه، وهي الدار نفسها أيضاً، كما سيأتي بيانه فيما بعد. (أنظر المسألة: 98).
مسألة 96: لا تثبت الشفعة إلا في الأعيان التي يملكها الشركاء ملكاً طِلْقاً، فلو كان بعض العين ملكاً طلقاً وبعضها الآخر وَقْفاً، لم تثبت الشفعة للموقوف عليهم إذا باع مالك الطلق حصته، فيما يثبت لمالك الطلق الشفعة إذا باع الموقوف عليه حصته في موارد جواز بيعها.
مسألة 97: كما تثبت الشفعة في الأعيان غير المنقولة إذا قبلت القسمة، فإنها ـ أيضاً ـ تثبت في ما لا يقبل القسمة من غير المنقول، كالأنهار الضيقة والطرق والآبار ونحوها، بل وكذا تثبت في المنقول أيضاً، كالآلات والثياب والحيوان، وإن كان الأحوط استحباباً فيما لا يقبل القسمة من غير المنقول ـ وكذا في سائر المنقولات ـ التراضي بين الشفيع والمشتري، فلا يأخذ الشفيع بالشفعة إلا برضا المشتري، كما وأنَّ على المشتري أن يستجيب للشفيع إذا أخذ بالشفعة.
مسألة 98: إذا كان الاشتراك في عين تابعة لعين أخرى لا اشتراك فيها، كالطريق والبئر والساقية ونحوها مما هو من توابع الدار أو العقار، لم تثبت الشفعة في المتبوع إذا باعه المالك مع حصته من التابع، إلا في الطريق، فإنه إذا باع بعضُ أصحاب الدور أو الأراضي المشتركون في طريق واحدة دارَهُ أو عقاره مع حصته من الطريق ثبتت الشفعة لشريكه في الطريق في تمام المبيع، وهو نفس الدار فضلاً عن حصته من الطريق؛ هذا إذا باعهما معاً، أما إذا باع أحدهما دون الآخر لم تثبت له الشفعة إلا في العين المشتركة، وهي الطريق، سواءً باعها قبل الدار أو بعدها، وسواءً باعها لنفس المشتري أو لغيره.
أما غير الطريق من توابع الأملاك المفرزة، كالبئر أو الساقية أو نحوهما من توابع الدور والبساتين، فإنه لا يجري عليها الحكم المذكور للطريق، فلو باع أحد الشريكين ـ مع الدار أو البستان ـ حصته في بئر أو ساقية لم يكن لشريكه شفعة إلا في نفس حصته من البئر، دون الدار أو البستان التي باعها معها.
مسألة 99: لا يلحق بما ذكرنا في المسألة السابقة ما لو كان اثنان مشتركيْن في عين قد تقاسما جزءاً منها وبقي الجزء الآخر مشاعاً بينهما، فإنه إذا باع أحدهما الجزء المقسوم من العين مع حصته من الجزء المشاع منها لم يكن لشريكه شفعة إلا في الجزء المشاع دون المقسوم، فيُرى ما يساويه من الثمن ويدفعه للمشتري إذا أخذ منه بالشفعة.
مسألة 100: لا إشكال في ثبوت الشفعة في كل مورد يكون الثمن المدفوع من قبل المشتري مثلياً، إذ سوف يكون الشفيـع ـ حينئذ ـ قادراً على دفع مثل الثمن للمشتري وأَخْذِ الحصة المباعة من العين؛ بل وكذا في كل مورد يكون الثمن فيه قيمياً على الأقوى، فيُكتفـى ـ حينئذ ـ بدفع ما يساوي قيمة الثمن حين البيع، وإن كان الأحوط استحباباً تراضيهما على ذلك، فيستجيب المشتري للشفيع إذا طلب الشفعة ويدع الشفيع الأخذ بها مع عدم رضا المشتري.
المبحث الثاني: في ما يعتبر في الشفيع
وفيه مسائل:
مسألة 101: يعتبر في الشفيع توفر أمور:
الأول: الإسلام إذا كان المشتري مسلماً، فإذا اشترى المسلم حصة أحد الشريكين، لم يكن لشريك ذلك الشخص إذا كان كافراً أنْ يأخذ تلك الحصة من الشاري المسلم. أما الشفيع المسلم فإن له أن يأخذ بالشفعة من المشتري المسلم أو الكافر، كما أن للشفيع الكافر أن يأخذها من المشتري الكافر.
الثاني: أن يكون بالغاً رشيداً عاقلاً، فلا يستقـل الصبـي والسفيـه ـ فضلاً عن المجنون المطبق ـ بالأخذ بها بدون إذن الولي أو قيامه بها، فيما يجوز للولي أن يأذن أو يأخذ لهم بها مع وجود مصلحة لهم فيها، سواءً في ذلك الأب أو الجد للأب أو الوصي عن أحدهما أو الحاكم الشرعي.
الثالث: أن يكون غير محجور عليه بفلس، فلا يأخذ المفلِّس بالشفعة إذا استلزم بذْلَ الثمن من المال المحجور عليه إلا أن يأذن الغرماء بالأخذ منه، أو يرضى المشتري بأن يبقى الثمن في ذمة المحجور عليه، أو يستجد له مال بعد الحجر عليه باقتراض أو هدية أو غيرهما فيَدْفع منه.
الرابع: أن يكون الشفيع قادراً على أداء الثمن للمشتري، فلا تثبت للعاجز عنه ـ ولو بَذَلَ الرهن أو ضمنه ضامن ـ ما لم يرض المشتري، نعم إذا كان قادراً على الدفع، وادَّعى غيبة الثمن، أُمهل ثلاثة أيام إضافة إلى المدة التي يستغرقها إحضاره من البلد الآخر إذا لم يكن الثمن موجوداً في بلد المعاملة، فإن لم يُحضره خلالها بطلت شفعته؛ ومبدأ احتساب المدة زمان الأخذ بالشفعة لا زمان وقوع البيع.
هذا، وتسقط الشفعة لو فرض تضرر المشتري ضرراً معتداً به إذا انتظر ثلاثة أيام، وبخاصة ما لو كان في بلد آخر، واقتضى ذلك انتظار وصوله من البلد الآخر زيادة على الأيام الثلاثة، أو اقتضى إحضارُه منه مدةً تزيد عن المتعارف.
مسألة 102: لا يعتبر كون الشفيع حاضراً في البلد حين وقوع البيع، فضلاً عن لزوم علمه به لوكان حاضراً، بل تثبت الشفعة للجاهل به عند علمه، وللغائب عن البلد حين حضوره فيه وعلمه بالبيع، مهما طالت المدة.
مسألة 103: لا يضر كون الشريك ولياً على شريكه في ثبوت الشفعة لأحدهما في حصة الآخر، فإذا باع الولي سهم الموّلى عليه جاز له أن يأخذ الشفعة لنفسه، كما يجوز له أخذ الشفعة للمّولى عليه إذا باع سهم نفسه. وكذا الحكم في الوكيل إذا كان شريكاً مع الموكِّل.
المبحث الثالث: في الأخذ بالشفعة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في كيفية الأخذ بالشفعة
وفيه مسائل:
مسألة 104: إذا تحقّقت الشروط المعتبرة لثبوت الشفعة، والشروط المعتبرة في الشفيع، وعَلم الشفيع بوقوع البيع لزمته المبادرة على النحو المتعارف إلى الأخذ بالشفعة، وذلك بإنشاء وإيقاع ما يفيد الأخذ بها من الألفاظ مقروناً بدفع الثمن إذا كان موجوداً، أو بدفعه بعد مضي المدة التي يسوغ له فيها التأخر لإحضاره إذا كان غير متيسر فعلاً، فإن أوقع الشفعة ولم يدفع الثمن، مماطلة أو عجزاً، وبدون رضا المشتري بالتأخير في مثل هذه الحالة، لم تنتقل الحصة المباعة إلى الشفيع بمجرد ذلك. هذا، وكما يتحقّق الأخذ بها بالقول بالنحو المذكور فإنه يتحقّق الأخذ بها بدون القول إذا سلّمه الثمن قاصداً إيقاع الشفعة به، وهو الإيقاع بطريقة المعاطاة. فإذا علم بالبيع، ولم يبادر إلى الأخذ بالشفعة، ولم يكن معذوراً في ترك المبادرة، سقط حقه فيها.
مسألة 105: لا يضر بالمبادرة ما لو تركها لعذر، كالجهل بالبيع أو باستحقاقه الشفعة، أو لتوهمه كثرة الثمن المباعة به فتبينت قلته، أو ظن أن المشتري زيد فبان عَمْراً، أو أن الثمن ذهب فبان فضة، أو نحو ذلك من الأعذار الناتجة عن الجهل بتفاصيل البيع. كذلك فإنه يُعذر في ترك المبادرة لغيبته وعدم قدرته على إيقاع الشفعة ولو من خلال الوكيل أو بالهاتف، وإلا فمع قدرته عليها بالتوكيل ونحوه، تلزمه المبادرة، ويكون مماطلاً لو تركها؛ وكذا يعذر إذا تأخر في الحضور من غيبته انتظاراً لتوفر ظروف سفر ملائم بالنحو الذي جرت العادة به؛ هذا، فضلاً عن كونه معذوراً إذا ترك المبادرة من أجل الإنتهاء من حمَّامه أو الفراغ من صلاته أو طعامه أو لتهيئة وسيلة انتقاله ونحو ذلك من المعوقات الطفيفة. ويجمع ذلك العبارة المختصرة التالية: (لا يضر بالمبادرة كلُّ معوق عنها لا يعد عند العرف مماطلة وتسويفاً).
مسألة 106: يَقتصر حقُّ الشفيع في الأخذ بالشفعة على أخذ الحصة المباعة من المشتري بنفس مقدار الثمن الذي اشتراها به، دون زيادة عليه ولا نقص عنه؛ وكما لا يحسب على الشفيع ما تكلفه المشتري على المبيع زيادة عن ثمنه، كأجرة الدلال أو الحمّال أو ما أهداه للبائع لتشجيعه على البيع أو نحو ذلك، فإنه لا يحسب له ما أنقصه البائع للمشتري من الثمن بعد وقوع البيع تساهلاً منه معه، بل يُلزم الشفيع بالثمن الذي تعاقد عليه المتبايعان.
مسألة 107: لا يحق للشفيع إلزام المشتري بقبول شفعته في بعض المبيع دون بعضه الآخر، بل إما أن يشفع في الجميع أو يدع الجميع. ومن فروع هذه المسألة: ما لو باع الشريك حصته لشخصين أو ثلاثة، فإن رغب الشفيع بالأخذ بالشفعة من أحدهما دون الآخر، حرصاً منه على جزء معين من الحصة المباعة، لم يكن له ذلك إلا إذا كان شراؤهما لها بالتعاقب، وإلا فإن كان قد باعها لهما دفعة واحدة لم يكن له الشفعة إلا في تمام المبيع، إلا أن يرضى المشتريان بالتجزأة.
مسألة 108: لا يعتبر في الأخذ بالشفعة علم الآخذ بمقدار الثمن، بل يصح منه ذلك ولو مع الجهل بمقداره.
مسألة 109: لا يَمنعُ انتقالُ المبيع عن ملك المشتري قبل أخذ الشفيع بالشفعة، من أخذه بها، وله ـ حينئذ ـ أن يأخذ بالشفعة من المشتري فتبطل كل معاملة معاوضية ناقلة وقعت على المبيع إلا أن يجيزها الشفيع، وله أن يأخذ بالشفعة ممن انتقل إليه المبيع بعد المشتري، فتصح المعاملة التي أوقعها المشتري؛ ويجري هذا المبدأ مع تعاقب الأيدي بشتى المعاملات المعاوضية على ذلك المبيع، فإذا أخذ الشفيع بالشفعة من المشتري بطل كل ما بعده إلا أن يجيزه الشفيع، وإذا أخذها من الأخير صح كل ما قبلها، وإذا أخذها من الأوسط صح ما قبلها وبطل ما بعدها إلا أن يجيزه؛ نعم إذا كانت المعاملات مما لا يثبت فيها الشفعة، كالوقف والهبة غير المعوضة وجعله مهراً في الزواج ونحو ذلك انحصر الأخذ بالشفعة من المشتري بخاصة، فإذا أخذ منه بالشفعة بطلت كل معاملة غيرُ معاوضية أجراها هو أو غيره بعد ذلك.
مسألة 110: إذا كان الثمن مؤجلاً على المشتري جاز للشفيع إلزام المشتري بتأجيل الثمن له، لكن لو لم يثق المشتري بالشفيع جاز له إلزامه بالكفيل؛ كذلك يجوز له أخذه بالثمن حالاًّ إن رضي المشتري بتسلُّم الثمن، أو كان شَرْطُ التأجيل للمشتري على البائع.
مسألة 111: إذا عرض مدّعي الوكالة حصة الغائب للبيع جاز الشراء منه والتصرف فيها ما لم يعلم كذبه، فإذا باع جاز لشريك الغائب الأخذ بالشفعة عند اجتماع الشروط كما لو كان شريكه الغائب هو البائع، فإذا حضر الغائب وصدَّق الوكيل صح ما وقع، وإن كذبه وحلف بطل البيع من قبل المشتري، وبطل معه الأخذ بالشفعة منه إذا لم يُجز المالك فعل مدعي الوكالة، وكان للمالك انتزاع حصته من الشفيع ومطالبته بأجرة المنافع المستوفاة أو غيرها بالنحو الذي سنتعرض له في مباحث ضمان اليد ما أخذت، وللشفيع أن يرجع إلى مدّعي الوكالة بما غرمه إذا كان مغروراً.
مسألة 112: لا يَمنعُ ثبوتُ حق الفسخ بالخيار ـ لأحدهمـا أو كليهما ـ من الأخذ بالشفعة، فإذا حدث الفسخ بعد الأخذ بالشفعة لغى البيع ما بين البائع والمشتري، وبقي حق الشفعة سارياً، فاذا أخذ الشفيع بها دفع له المشتري العين، وكان على المشتري أن يرد للبائع مثل العين المباعة أو قيمتها، ويسترد الثمن من البائع؛ في حين يسقط الأخذ بالشفعة إذا حدث الفسخ قبل الأخذ بها وبعد عودة المبيع إلى صاحبه بالفسخ.
وهذا التفصيل إنما يتم في كل خيار لا يسقط بخروج العين عن ملك المشتري، وهو سائر الخيارات عدا خيار العيب، وذلك كي يترتب عليه آثار الفسخ التي ذكرناها في صورة ما لو حدث الفسخ بعد الأخذ بالشفعة؛ أما في خيار العيب فإنه إذا صارت العين المباعة بيد الشفيع وخرجت عن ملك المشتري، ورغب مَنْ تعَيَّبتْ عليه العيـنُ ـ وهو المشتـري ـ باستخـدام حقه في الخيار، لم يكن له إلا الأرش، إذ بخروج العين عن ملكه سقط حقُّه في الرد، ويكون الحال بين البائع والمشتري والشفيع عند الأخذ بالشفعة وظهور العيب في الحصة المباعة على النحو التالي:
أ ـ إذا كان المشتري عالماً بالعيب حين الشراء، وكان الشفيع عالماً به ـ أيضاً ـ حين الأخذ بالشفعة، فلا شيء للمشتري على البائع، ولا للشفيع على كل من البائع والمشتري، من رد أو أرش.
ب ـ إذا كان المشتري عالماً به والشفيع جاهلاً كان له حق الرد على المشتري دون الأرش.
ج ـ إذا كانا جاهلين بالعيب، فللمشتري على البائع الأرش، وللشفيع على المشتري الرد أو الأرش، حتى لو كان المشتري قد أسقطه عن البائع وأبرأه منه؛ ولو فرض اطّلاع الشفيع على العيب قبل المشتري لم يكن للشفيع مطالبة البائع بالأرش، بل إن عليه إعلام المشتري بالحال ليرتب الأمر مع البائع بالنحو الذي يرغب فيه، فيما تنحصر علاقة الشفيع بالمشتري، فيطالبه بالرد أو الأرش بالنحو الذي تقدم.
أنظر ما له علاقة بذلك في خيار التفليس في المسألة: (196).
مسألة 113: إذا كان الولي أثناء ولايته على الصبي أو المجنون أو السفيه قد أسقط حق الشفعة الثابت لهم في حصة شريكهم المباعة، ثم بلغ الصبي أو عقل المجنون أو رشد السفيه، لم يكن لهم المطالبة بالشفعة ولا الأخذ بها إذا كان الولي حينها حريصاً على أمرهم ومراعياً لمصلحتهم، وإلا فمع تساهله في الأخذ بها مع وجود المصلحة الواضحة لهم فيها، جاز لهم المطالبة، ووجب على المشتري إجابتهم.
المطلب الثاني: في موانع الأخذ بالشفعة
وفيه مسائل:
مسألة 114: قد سبق منا في المباحث المتقدمة ذكر بعض الموارد التي يسقط فيها حق الشفعة ويمتنع بسببها على الشفيع الأخذ بها بعد ثبوتها له واكتمال الشرائط المعتبرة فيها، ومن المناسب حصر ما ذكرناه منها مع ما سوف نذكره الآن في هذا المطلب ليسهل الرجوع إليها، فنقول: إن الأسباب الموجبة لسقوط الشفعة أمور:
الأول: ترك المبادرة إلى الأخذ بها لغير عذر، وقد تقدم تفصيله في (المسألة: 104).
الثاني: العجز عن إحضار الثمن بعد القدرة عليه، وقد تقدم أيضاً في (المسألة: 101، فقرة «الرابع»).
الثالث: قيام من له حق الشفعة ببيع حصته، فيسقط به حقه في الأخذ بالشفعة بعدما خرج بالبيع عن كونه شريكاً، وذلك حتى لو وقع منه البيع قبل علمه بالشفعة، فضلاً عما لو كان بيعه بعد علمه بها.
الرابع: تلف تمام المبيع عند المشتري قبل أخذ الشفيع بالشفعة، فلو تلف بعضه لم يسقط حقه، وصح منه الأخذ بالشفعة فيما بقي من المبيع، ولكن بتمام الثمن ودون ضمان المشتري للجزء التالف، إلا أن يرضى المشتري بالأقل منه.
الخامس: تقايل المتبايعين قبل الأخذ بالشفعة، دون ما لو كان التقايل بعد الأخذ بها، فإذا تقايلا بعد الأخذ بها صحت الإقالة فيُرجع البائع الثمن إلى المشتري، وتبقى العين المباعة على ملك الشفيع.
السادس: إسقاط الشفيع حقه في الأخذ بها بعد البيع، بل قبل البيع أيضاً؛ ويكفي فيه كل ما دل عليه من قول أو فعل، نعم لا يكفي في الإسقاط مجرد شهادته على البيع أو مباركته للمشتري ما لم تقم القرينة على إرادة الإسقاط بمثل المباركة.
هذا، ويجوز للشفيع أخذ مال بإزاء إسقاطه، وحينئذ لا يسقط حقه بمجرد أخذ المال بل لا بد من إظهار الإسقاط بالقول أو بالفعل.
المقصد الثاني
في الدين ولواحقه
الباب الأول: في القرض والدين
الباب الثاني: في ما يضمن به الدين
الباب الثالث: في الحوالة
تمهيد:
الدين ـ في الفقه ـ هو: (المملوك الكلي الثابت في ذمة شخص لآخر عند حدوث موجبه). وهو في اللغة مأخوذ من فعل: (دان) بمعنى (أقرض) و(اقترض)؛ وسوف نستخدم لفظ (الدائن) ـ في هذا الباب ـ ليدل على صاحب المال، ولفظ (المَدين) ليدل على من عليه الدين.
والأسباب الموجبة للدين نوعان:
الأول: ما ينتج عن معاملة متضمنة لما يوجب اشتغال الذمة، كاشتغال ذمة البائع للمشتري بالمبيع في بيع السلم، واشتغال ذمة المشتري للبائع بالثمن في بيع النسيئة، وذمة الزوج للزوجة بالمتأخر من المهر، وذمة المستأجر بالأجرة للمالك في الإجارة، وذمة المقترض ببدل القرض للمقرض، ونحو ذلك.
الثاني: ما ينتج عن أفعال المكلف المضمونة عليه، كأرش الجناية وقيم المتلفات، وكذا ما ينتج عن بعض علاقاته بغيره، كنفقة الزوجة الدائمة، ونحو ذلك من المستحقات المالية الناتجة عن سبب آخر غير المعاملة.
وهنا لا بد من ملاحظة أمرين:
1 ـ إن الدين لا يتحقّق ـ بالمعنى المصطلح ـ إلا في الأعيان التي تكون من قبيل (الكُلِّي في الذِمَّة)، وهي التي لها وجود اعتباري قائم بالوصف، وذلك مقابل الأعيان التي لها وجود خارجي مشخص أو التي هي من قبيل (الكُلِّي في المُعيَّن)، لذا فإنه لا يصدق (الدين) على مثل (الكتاب) المستعار الموجود عند المستعير، ولا على المبيع المُعيَّن إذا اشتُرِط تأجيل تسليمه؛ فضلاً عن عدم صدقه على ما يكون من قبيل الأفعال التي يستأجر عليها الأجير، كالخياطة والطبابة ونحوهما، أو على ما هو من قبيل الحقوق، كحق الخيار والحضانة ونحوهما، رغم أن تلك الأفعال أو الحقوق قد يعبـر عنهـا ـ وبنحـو مـن التجـوز ـ ببعض ألفاظ تكاد تكون مختصة بالدين، مثل أن يقال: «إن له في ذمة المستعير الكتاب الفلاني»، أو أن يقال: «إن له في ذمة فلان خياطة ثوبه»، أو: «إن له على فلانة حضانة ولده» ونحو ذلك.
2 ـ إن المراد من الدين ـ بحسب المصطلح ـ يختلف عن المراد من القرض، وليسا ـ كما يتوهم العرف ـ شيئاً واحـداً، فالقـرض ـ كما سيأتي التعرض له مفصلاً ـ هو: (تمليك مالٍ لآخر مضمون في ذمته بمثله أو قيمته)، وهو مختص بما يكون عيناً خارجية مشخصة أو من قبيل الكلي في المعين، وهو معاملة قائمة بالإيجاب والقبول؛ أما الدين فهو خاص بما يكون كلياً في الذمة، وهو ليس معاملة ولا عقداً، بل هو (عُلقة) بالآخر تنتج عن أسباب متعددة منها معاملة القـرض، بحيث يكـون المـال المقتـرض ـ بعـد قبضـه ـ (ديناً) في ذمة المقترض مضموناً عليه بمثله أو قيمته؛ لذا يصح أن يقال: «أقرضته هذين الكيلوين من الطحين»، فصار لي في ذمته (كيلوان) من الطحين، ولا يصح أن يقال: «هذان الكيلوان دين لي في ذمة فلان». هذا، وربما يكون سبب هذا التوهم أن أكثر أسباب الدين وقوعاً هو القرض، مضافاً إلى كون اللفظين مترادفين في المعنى لغوياً.
ثم إن الاقتراض ـ بل مطلـق الديـن ـ مكروه مع عدم الحاجة، وتخف كراهته بمقدار ازدياد الحاجة وإلحاحها، والأحوط وجوباً لمن لا يقدر على الوفاء، ولا يتوقع تجدد القدرة مستقبلاً، عدم الاستدانة إلا لضرورة، أو مع علم الدائن بحاله. وفي مقابل ذلك فإن إقراض المؤمن من المستحبات الأكيدة، ولا سيما لذوي الحاجات، لما فيه من قضاء حاجته وتفريج كربته، فعن النبي w أنه قال: (من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه)؛ وعن الإمام الصادق y أنه قال: (أيما مؤمن نفَّسَ عن مؤمن كُربةً وهو معسر يسر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة).
هذا، وإننا سوف نتناول في هذا المقصد بالبحث المفصل أحكام القرض بخاصة والدين بعامة في الباب الأول، ثم نتناول في الباب الثاني في ثلاثة فصول متتابعة أحكاماً لها علاقة كلية أو جزئية بالدين، وهي مباحث الرهن والضمان والكفالة، ثم ننهي مباحث هذا المقصد بالباب الثالث في أحكام الحوالة، ثم بملحق في أحكام أعمال البنوك، ومنه تعالى نستمد العون.
الباب الأول
في القرض والدَّين
الفصل الأول: في القرض
الفصل الثاني: في أحكام الدَّين
تمهيد:
ما يـزال القـرض ـ وعلى مـدى تاريـخ الإنسـان ـ يحتل مكانة مهمة في علاقات الناس الاقتصادية، وذلك لما فيه من تسهيل لعمليات التبادل التجاري وسد حاجة المحتاجين؛ وكما هو الشأن في كثير من أعمال الإنسان التي قد يداخلها الطمع والحرص على الربح إلى حد الجشع، وخشية أن لا يظلم الإنسان أخاه جَرَّاء ذلك، فإن الإسلام قد شرع لهذا الجانب أحكاماً مفصلة تسمو بالمكلف عن الظلم وتحثه على التعاطف مع حاجة الآخر وعدم استغلالها لتحقيق أرباح باطلة، لا سيّما أنّ عصرنا قد شهد حركة اقتصادية عظيمة مرتكزة على القروض وعلى وجود مؤسسات مالية كبرى لإعطاء هذه القروض وتقديم الخدمات المالية المتنوعة، كما شهد عصرنا ـ بسبب ما خالطها من أطماع ـ ظلماً عظيماً طال الأفراد والدول.
والقرض ـ كما أشرنا إليه في تمهيد المقصد ـ وإن كان منعقداً على عين خارجية غير أنه بمجرد قبض المقترض لها تصير مالاً في الذمة، فلا يكون المطلوب ـ حين الأداء ـ أداءَ نفس العين، بل مثلها أو قيمتها، فتصير (ديناً)؛ وبذلك فإن الأحكـام التي تلحق القرض في هذه المرحلة ـ أي مرحلة تحوله إلى دين ـ هي نفسها الأحكام التي تلحق كل ديـن؛ وعلـى هـذا الأسـاس ـ وبما أن القرض هو أحد الأسباب الموجبة للدين ـ فإننا سوف نقدمه في مباحث هذا الباب ونخصه بالفصل الأول الذي نتناول فيه (القرض) كمعاملة لها خصائصها، ثم نجعل الفصل الثاني لأحكام الدين بعامة.
الفصل الأول
في القرض
المبحث الأول: في العقد
المبحث الثاني: في حكم الاشتراط في القرض
المبحث الثالث: في الوفاء بالقرض
المبحث الأول: في العقد
وفيه مسائل:
مسألة 115: القرض هو: (تمليك مال لآخر، مضمون عليه بمثله إن كان مثلياً وبقيمته إن كان قيمياً)؛ ويقال لباذل المال: (المُقرض)، ولآخذ القرض: (المقترض) أو: (المستقرض). ويتحقّق ذلك التمليك بالعقد المشتمل على الإيجاب والقبول، وهو يقع بكل لفظ يؤدي معناه باللغة العربية وغيرها، كما يقع بالمعاطاة من الباذل بدفع المال إلى طالبه بقصد الإقراض، ومن الآخذ بقصد الاقتراض عند أخذه. ولو فرض أن الباذل قصد الإقراض دون أن يقصد الآخذ الاقتراض ـ كما يحدث أحياناً ـ لم يكن قرضاً ولم تترتب عليه أحكامه، فلا يجب على الآخذ وفاؤه إذا طلبه منه الباذل ولم تكن قرينة تفيد كونه مضموناً عليه، كما أنه ليس للباذل أن يحتسبه عليه ـ في هذه الحالـة ـ من الحقوق الشرعية إن جاز ذلك الاحتساب من غير هذه الجهة.
مسألة 116: يشترط في صحة القرض توفر أمور:
1 ـ أهلية المتعاقدين بالبلوغ والعقل والقصد والاختيار والرشد، وذلك بالنحو الذي مرَّ في غيره من العقود، وكذا بعدم الحجر لفلس في المقرض.
2 ـ أن يكون المال عيناً خارجية مشخصة، أو من قبيل الكلي في المعين، كأن يقرضه هذا الدرهم، أو درهماً من هذين الدرهمين أو من هذه الدراهم؛ فلا يصح إقراض درهم في الذمة، أي غير مشخص حين عقد القرض، على أن يدفعه له المقرض فيما بعد.
3 ـ أن يكون المـال معيناً، فلا يصح إقراض المبهم، كأن يقول له: «أقرضتك شيئاً»، ولا المردد، كأن يقول: «أقرضتك هذا الدرهم أو هذا الدينار»؛ نعم لا يعتبر في صحة القرض تعيين مقدار المال وأوصافه، فيصح أن يقرضه ما يحتويه هذا الكيس من القمح ـ مثلاً ـ رغم جهالة مقداره وصفاته، غير أن على المقترض تحصيل العلم بذلك مقدمة لإبراء ذمته عند وفائه، وهذا أمر آخر لا علاقة له بصحة القرض.
4 ـ أن يكون المال قابلاً للتملك، فلا يصح إقراض الخمر والخنزير.
5 ـ أن يقبض المقترض المال، فإذا تم العقد ولم يقبض لم يملك المقترض المال، فيكون نماؤه للباذل وتلفه عليه.
مسألة 117: إذا تم العقد وحصل القبض لزم العقد على المتعاقدين، فلو طلب المقرض إرجاع عين المال لم تجب على المقترض إجابته، وكذا لو طلب المقترض إرجاعه وفسخ العقد، نعم للمقترض إنهاء المعاملة والمبادرة إلى وفاء القرض بعين المال المقترَض؛ هذا، وإن الحكم بلزوم القرض بهذا النحو هو أمرٌ آخر غير ما سوف نذكره من حكم التعجيل بالوفاء عند إطلاق العقد. (أنظر المسألة: 127).
مسألة 118: يصح القرض في المثليات وفي القيميات، فإذا كان المال المقترَض مثلياً، كالحبوب والنقود والذهب والفضة والمصنوعات بالآلات المستحدثة، ثبت في ذمة المقترض مثل ما اقترض، وإذا كان المال قيمياً، كالأدهان والمصنوعات اليدوية والحيوان، ثبت في ذمته قيمة القرض وقت تسليمه إلى المقترض.
المبحث الثاني: في حكم الاشتراط في القرض
وفيه مسائل:
مسألة 119: يجوز في القـرض أن يشتـرط كـلا المتعاقديين ـ أو أحدهمـا ـ على الآخر ما يشاء من الشروط السائغة إلا ما جر نفعاً مالياً للمقرض نفسه أو لمن يريده المقرض من الأشخاص أو الجهات؛ وعليه فإنه يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض أموراً مثل الرهن أو الكفيل، أو أن يدعو بالرحمة لأمواته، أو أن يلتزم ببعض أحكام الشريعة؛ كما يجوز أن يشترط أحدهما أو كلاهما على الآخر تأجيل الوفاء بالقرض إلى مدة معينة، أو التسليم بكيفية معينة أو في مكان معين، ونحو ذلك مما لا يجر نفعاً مالياً؛ أما أن يشترط أحدهما على الآخر ما يجر نفعاً مالياً لنفسه أو لمن يريده من الأشخاص أو الجهات، كأن يشترط عليه دفع نقد أو عين أو القيام بعمل له أو لولده أو لأجنبي أو للمسجد الفلاني أو غير ذلك؛ فهو جائز من المقترض على المقرض، وغير جائز من المقرض على المقترض، بل إنه هو الربا المحرم الذي يصطلح عليه الفقهاء بـ (ربا الدين أو القرض)، واقتصاديو زماننا بـ (الفائـدة)؛ وهو الـذي وعدنـا ـ في مبحث ربا المعاملة ـ بالتعرض له هنا في مبحث الدين.
وزيادة في التوضيح نقول: حيث يحرم على المقرض أخذ شيء زيادة على القرض فإنه لا فرق بين أن تكون الزيادة عينية، كما إذا أقرضه عشرة دراهم مشترطاً إرجاعها إثني عشر، أو تكون عملاً، كأن يشترط عليه خياطة ثوبه زيادة على القرض، أو تكون منفعة، كسكنى دار له أو التصرف بالعين المرهونة عنده، أو ما يشبه ذلك من الزيادات التي تجر نفعاً؛ وكذلك فإنه لا فرق في الزيادة المشترطة على المقترض بين أن تكون للمقرض نفسه أو لشخص أو جهة يريدها المقرض، فلو قال: «أقرضتك عشرة دراهم بشرط أن تهب زيداً درهماً أو تخيط له ثوبه أو تصرفه في عمارة المسجد الفلاني» كان ذلك من الربا المحرم. فإن لم تكن الزيادة مالية ولا تستوجب بذل مال ولا تجر نفعاً مادياً للمقرض ولا لغيره، بل كانت نفعاً أخروياً لا يكلف المقترض جهداً ولا بذل مال، كالدعاء له أو لمن يحب، أو كانت من الشروط التي لها علاقة بطبيعة المعاملة، كاشتراط الرهن أو الكفيل، لم تكن من الربا المحرم.
مسألة 120: يعتبر من الزيادة المحرمة ما لو اشترط المقرض أن يبيعه المقترض أو يؤاجره شيئاً بأقل من قيمته، أو أن يشتري من المقرض أو يستأجر منه شيئاً بأكثر من قيمته، وذلك بنحو يكون التعاقد في هذه الموارد على القرض المشروط بمثل هذه الفائدة، كأن يقول له: «أقرضتك مئة دينار بشرط أن تشتري مني هذه السلعة التي تباع في السوق بعشرة دنانير بعشرين ديناراً»، أو ما أشبه ذلك. في حين يجوز الاقتراض مع الزيادة ولكن بطريقة معاكسة لتلك الطريقة، وذلك بأن يكون التعاقد على الشراء بأزيد من ثمن المثل بشرط إقراضه المال، فيقول له: «بعتك هذا الكتاب بعشرين ديناراً ولك عليّ أن أقرضك مئة دينار»؛ ولكن إذا رغب المتقارضان أن يتهربا من الربا بهذه الطريقة لم يجز ذلك منهما ولم يصح إلا إذا كان الشراء جِدِّياً ناتجاً عن الرغبة فيه والحاجة إليه، وإلا فإن كان المقصود الجدي هو الاقتراض بالفائـدة ـ لا نفس الشراء ـ لم يكف ذلك في التخلص من الربا على الأحوط وجوباً.
مسألة 121: لا فرق في حرمة الإشتراط بين ما لو كان مصرحاً به في العقد وبين ما لو كان الإشتراط مضمراً بحيث وقع القرض مبنياً عليه، فإن لم يشترط الفائدة، لا صريحاً ولا مضمراً، فلا بأس بأن يفيَ المقترضُ بأزيد مما اقترض، بل يستحب ذلك له، لأنه من حسن الأداء لحقوق الغير؛ بل يجوز أن يكون هدفُ المقترض من دفع الزائد أن يراه المقرضُ حسنَ الوفاء فيتشجع لإقراضه مرة ثانية؛ وفي مقابل ذلك فإنه يجوز للمقرض أن يكون حين إقراضه طامعاً بما يعرفه عنه من دفع الزيادة وحسن الأداء، ويحل له أخذ الزيادة وهو على هذه النية وإن كُره منه ذلك في هذه الحالة بخاصة وفي غيرها أيضاً، بل يستحب له أن يحتسب ما يعطيه المقترضُ إياه بعنوان الهدية، من القرض الذي له عليه.
مسألة 122: كما يحرم اشتراط الفائدة وأخذها من قبل المقرض فإنه يحرم قبول اشتراطها ودفعُها من قبل المقترض، إلا أن يقصد في نفسه عدم الالتزام بدفعها إلا مكرهاً، ولا سيما إن كان يتضرر بترك الاقتراض أو يقع في الحرج، وسوف نتعرض لذكر هذه المسألة لاحقاً في أكثر من مورد. (أنظر المسألة: 125).
مسألة 123: لا يستثنى على ـ الأحوط لزوماً ـ من حرمة الربا، الربا بين الولد ووالده، ولا بين الزوج وزوجته، ولا بين المسلم والكافر الحربي، بل تحرم المراباة في القرض بين هـؤلاء ـ على الأحـوط لزومـاً ـ كما تحرم بين غيرهم، وذلك بدون فرق بين ما ذكرناه في ربا المعاملة حول ذلك وبين هذا المورد. (أنظر المسألة: «785» من الجزء الثاني).
مسألة 124: رغم أن اشتراط الزيادة حرام فإن معاملة الاقتراض لا تبطل بتضمنها لشرط محرم، بل يبطل الشرط وحده ويقع لاغياً، فيملك المقترض ما يأخذه من عين أو نقد وتترتب عليه جميع آثار الملك، فيما لا يملك المقرض الزيادة التي اشترطها إلا أن يرضى المقترض بأخذه لها وتصرفه فيها رغم كونه مضطراً لدفعها أو مكرهاً عليه، بما في ذلك صورة ما لو علم بعدم استحقاق المقرض لتلك الزيادة، فإن طابت نفس المقترض عنها بهذا النحو حلَّت الزيادة للمقرض ـ حينئذ ـ رغم حرمة طلبه لها واشتراطها عليه أساساً.
مسألة 125: لا يخفى أن البنوك الربوية المستحدثة في هذا الزمان ترتكز في معظم نشاطاتها المالية على القروض الربوية، ورغم أن كثيراً من الناس مبتلون بالتعامل معها ـ بل ومضطرون أحياناً كثيرة ـ فإن ذلك لا يبيح إيداع الأموال فيها مع شرط الفائدة، سواء كان أهلياً أو حكومياً، وسواء كان إسلامياً أو غير إسلامي، فيحرم أخذ الفائدة منه في هذه الصورة، لكن لو أخذها حلّ له التصرّف فيها مع علمه برضا البنك بأخذه لها على كل حال؛ فإن لم يشترط أخذ الفائدة حين إيداع أمواله فيها بل كان قصده حفظ ماله وصيانته، جاز له الإيداع فيها حتى مع علمه بأن البنك سوف يعطيه الفائدة، لكنه لو لم يعطه البنك الفائدة الموعودة لأيّ سبب من الأسباب لم يجز له المطالبة بها، لأنّه لا يستحقّها.
ومن جهة أخرى فإنه لا يجوز له الاقتراض من البنك بالفائدة، ولا دفعُها له إلا أن يقصد ـ في نفسه ـ حين التعاقد عدم الالتزام بشرط الزيادة، بحيث لو تمكن من عدم الدفع لما دفع، ولكنه حين الاستحقاق ومطالبته بها يدفعها بضغط القانون أو بطيب النفس. ولا سيما إذا تضرر بترك الاقتراض، كما في صورة عجزه ـ بدونه ـ عن تحصيل الحد الأدنى من متطلبات معاشه اللازم له ولعياله، أو وقع ـ بدونه ـ في الحرج الذي يشق تحمله في ما يرجع إلى بعض شؤونه وأعماله وعلاقاته.
هذا، وإننا سوف نتعرض لأحكام أعمال البنوك وما يناسبها لاحقاً في مبحث خاص إن شاء الله تعالى. (أنظر ص: 215).
المبحث الثالث: في الوفاء بالقرض
وفيه مسائل:
مسألة 126: يجب أن يعزم المقترض ـ حين الاقتراض ـ على الوفاء بالقرض، انسجاماً مع مضمون العقد المتقوم برعاية حق المقرض والالتزام برد ماله إليه كي يحل له أخذه منه، إذ لو عرف المقرض منه نية عدم الوفاء لما أقرضه؛ وفي بعض الأحاديث الشريفـة أن نيـة الوفـاء سبب ـ بعـون الله تعالى ـ على التوفيق للأداء، وأنَّ من اقترض مالاً وفي نيته أن لا يؤديه فهو بمنزلة السارق.
مسألة 127: إذا كان القرض غير مؤجل لمدة معينة، فإنَّ ظاهر حال المقرض ـ حينئذ ـ هو الإذن بتأخير وفائه مدة يمكنه الاستفادة فيها من القرض خلالها، فلا يجب على المقترض المبادرة لوفائه إلا إذا ظهر على المقرض عدم رضاه عن التأخير ولو لم يكن قد استفاد منه المقترض بعدُ، فضلاً عما لو طلبه منه، فإن عليه المبادرة لسداده والوفاء له ولو برد نفس العين المقترضة له. وكذا إذا كان القرض مؤجلاً وحل وقت وفائه.
مسألة 128: يجب على مقترض المثلي الوفاء بمثل ما اقترض في الجنس والصفات التي تختلف قيمته باختلافها، فإذا اقترض منه ديناراً كويتياً أو قمحاً بلدياً وجب عليه الوفاء له بالدينار الكويتي والقمح البلدي، إلا أن يكون قد اشترط عليه الوفاء بغير جنسه ـ كما سيأتي ـ أو كان قد رضي بغير الجنس، وذلك بغض النظر عما لو كانت قيمته قد زادت خلال هذه المدة أو نقصت، إلا أن يكون القرض بالنقد المستحدث، وصادف أن انهارت قيمة ذلك النقد انهياراً كبيراً، فإن اللازم عليه ـ حينئذ ـ دفع نفس جنس النقد الذي اقترضه ولكن بمقدار يوافق قيمته التي كان عليها قبل الانهيار. وسيأتي مزيد بيان له في (المسألة: 130).
وحيث يدفعُ المقترضُ المماثلَ يجب على المقرض تَسَلُّم القرض وعدمُ الامتناع عن أخذه ما دام موافقاً ومماثلاً لما بذله من القرض، وإلاَّ كان للمقرض الامتناع عن تسلمه حتى لو كان ما بذله أكثر أو أغلى قيمة مما استقرضه.
وأما إذا كان القرض قيمياً فإنه يجب ـ حين الوفاء ـ أداء ما يساوي قيمته حين تَسَلَّمهُ المقترض منه لا حين الوفاء به، سواء كانت حين الوفاء أزيد منها حين الاقتراض أو أنقص؛ كما أن القيمة تعطى بالنقد الرائج في بلد الاقتراض؛ فإن كانا قد تشارطا على خـلاف ذلك، ـ أو تراضيـا عليه ـ كان الوفاء بالنحو الذي شرطاه أو تراضيا عليه.
هذا، ولا فرق في ثبوت القيمة بهذ النحو بين ما إذا كان المقرض قد تصرف بالعين وأتلفها، وبين ما إذا كانت العين ما تزال موجودة عند المقترض، بل لا يجب على المقترض بذل العين لو طلب المقرض الوفاء بها، في حين أنه يجب على المقرض قبولها لو وفى المقترض بها؛ كما وأنه لا فرق في صورة تلف العين القيمية المقترضة بين ما لو كان لها فرد قريب منها في الصفات، كالحيوان، وبين ما لو لم يكن لها، كما في الجواهر؛ وبعبارة أخرى: إن ما تشتغل به ذمة مقترض العين القيمية هو قيمتها بالعملة الرائجة مطلقاً إلا أن يُشترط خلاف ذلك، إذ إن حكمها من هذه الجهة هو حكم العين القيمية التالفة، حتى لو كانت ما تزال في يد المقترض. أما غير القرض من الديون فإن له حكماً آخر نذكره في محله (أنظر المسألة: 146).
مسألة 129: يصح أن يشترط المقرض على المقترض في قرض القيمي ـ فضلاً عن المثلي ـ أن يفي بغير جنس القرض، إذا كان ما اشترط الوفاء به مساوياً للقرض أو أقل منه، وذلك تلافياً للربا، فيما يجوز هذا الإشتراط مطلقاً من قبل المقترض.
مسألة 130: إذا اقترض شيئاً من الأوراق النقدية المستحدثة، ثم ألغيت واستبدل بها غيرها، لم تبرأ ذمة المقترض بالوفاء بالأوراق النقدية الملغاة، بل يجب عليه أن ينظر قيمتها قبل الإلغاء ويدفع ما يعادل تلك القيمة من العملة الرائجة في بلد المعاملة حين الوفاء. بل يجب لحاظ القيمة الأصلية للعملة المستحدثة إذا هبطت قيمتها هبوطاً كبيراً، وذلك في جميع موارد الدين المطلوب فيها دفع تلك العملة، فتُلحظ قيمتها قبل هبوط سعرها ويحدد المقدار الواجب دفعه منها على هذا الأساس. (أنظر المسألة: 128).
مسألة 131: إطلاق العقد من حيث مكان التسليم يقتضي كفاية التسليم في بلد المعاملة وإن لزم منه الحرج أو الضرر على أحدهما، إلا أن يتراضيا على مكان غيره، أو يكونا قد عيناه بالإشتراط، ولو بمثل القرينة الحالية أو المقالية المفهمة لذلك.
فائدة فيها مسألتان:
مسألة 132: كنا قد ذكرنا في مبحث (ربا المعاملة) حكم أخذ الربا جهلاً أو عمداً، ولا يختلف الحكم فيه هنا ـ في ربـا القرض ـ عنه هناك. (أنظر المسألة: «788» من الجزء الثاني).
مسألة 133: إذا ورث المكلف مالاً فيه الربا، فإن كان مخلوطاً بالمال الحلال فلا شيء فيه، وإن كان معلوماً ومعروفاً بين سائر أموال التركة المحللة، وكان صاحبه معروفاً، وجب رده إليه، وإلا عامله معاملة المال المجهول مالكه.
الفصل الثاني
في أحكام الدين
المبحث الأول: في التأجيل وأحكامه
المبحث الثاني: في وفاء الدين
المبحث الثالث: في بيع الدين
المبحث الرابع: في الفلس
تمهيد:
إن ما سنذكره من أحكام الدين يشمل كل دين، بما في ذلك ما كان سببه معاملة «القرض»، إذ رغم ما بين القرض والدين من علقة معلومة فإن ما عرضناه في مباحث القرض هو مسائل خاصة به، وبقيت منه جميع ما يشترك به مع غيره من حيث كونه (ديناً) مثله؛ لذا فإن ما تشتغل به ذمة المكلف من الديون ـ كبدل القرض وثمن المبيع ومهـر الزوجـة ونفقتهــا وغير ذلك ـ يجب التعرض له من جوانبه المختلفة في عدد من المباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: في التأجيل وأحكامه
وفيه مسائل:
مسألة 134: يقع الدين ـ مهما كان موجبه ـ حالاًّ إذا لم يُنصَّ على تأجيله في ضمن عقد لازم أو جائز، فلا يكفي في إلزام الدائن بالتأجيل مجرد رضاه به ما لم يُشترط عليه في ضمن عقد القرض أو غيره من العقود، ومعنى كونه حالاًّ أن للدائن حق المطالبـة به متى شـاء، وأن على المديـن ـ مع القـدرة ـ أداءَه إذا طلبه، كما سيأتي تفصيله.
مسألة 135: يجوز اشتراط الأجل في عقد القرض، بل في مطلق الدين في ضمن عقد آخر، كبيع النسيئة وعقد الزواج ونحوهما، فإذا اشترطه المدين وحده ـ أو الدائن كذلك ـ كان التأجيل حقَّه وحده، وإذا اشترطاه معاً كان التأجيل حقَّهما معاً؛ وسنبيّن ـ لاحقاً ـ أثر هذا التأجيل على الاستيفاء في موضعه المناسب.
مسألة 136: يجب ضبط الأجل بما يرفع الجهالة به، ويكفي في أجل القرض كونه معلوماً إجمالاً، مثل موسم الحصاد ورجوع الحجاج، ونحو ذلك، فضلاً عما لو حدده بالأيام والشهور والسنين، فإن لم يكن الأجل معلوماً، كأن جعله مردداً بين الشهر أو الشهرين، أو مبهماً، كمدة من الزمان، بطل اشتراط التأجيل وصح عقد القرض حالاًّ. وأما سائر الديون فإن دقة الأجل فيها تختلف باختلاف العقد الذي وقع فيه الدين، ففي مثل بيع السلم وبيع النسيئة لا بد من كون الأجل فيهما في غاية الوضوح، فيما لا يجب أن يكون كذلك في أجل مهر الزواج؛ فلا بد ـ حينئذ ـ من ملاحظة أجل كل دين بالنحو الذي يناسبه. (أنظر في ذلك فقرة (الثالث)، ص: «519» من الجزء الثاني، وكذا المسألة: «804» من نفس الجزء).
مسألة 137: لا يجوز تأجيل القرض الحال، بل مطلق الدين، مقابل زيادة على الدين يأخذها الدائن، وكذا لا تجوز إطالة أمد الأجل بزيادة على الدين لصالح الدائن، بل هو من الربا المحرم. فإذا رغبا بذلك أمكنهما التخلص من الربا بمثل أن يهب المدينُ للدائن شيئاً ويشترط عليه أن يؤجل دينَه أو يطيل أجله؛ أو بمثل: أن يبيع الدائنُ المدينَ شيئاً بأكثر من قيمته مع قبوله بشرط المدين إطالة الأجل مثلاً، وهكذا أمثال هذه الطرق التي يمكن التخلص بها من الربا؛ لكنْ، لا بـد أن تكـون الهبـة ـ في هـذا المورد ـ جِديَّة، بحيث كانت مقصودة للواهب بعنوانها، وكذا الشراء.
أما إذا رغب الدائن بتعجيل الأجل فإنه يجوز له إسقاط شيء من الدين في مقابل ذلك، كما يجوز للمدين القبول به وتبرأ به ذمته.
مسألة 138: إذا مات المدين عن دين مؤجل حل الأجل بموته، وجاز للدائن طلب الوفاء من الورثة، ويجب على الورثة وفاؤه من أصل التركة؛ بل إنه يجوز للدائن أخذ عين ماله إذا وجدها في التركة بشرط أن يكون الباقي وافياً بحق غيره من الغرماء، وإلا ضرب معهم وأخذ من دينه بنسبة ما هو له إلى مجموع التركة؛ وإذا مات الدائن بقي الأجل على حاله، وليس لورثته مطالبة المدين قبل إنقضاء الأجل.
المبحث الثاني: في وفاء الدين
وفيه مسائل:
مسألة 139: يجب على المدين أداء الدين الحـالّ ـ مع قدرتـه ـ إذا ظهرت على الدائن أمارة عدم الرضا بالتأخير، فضلاً عما لو طلب منه وفاءه، ولا يحل له المماطلة والإمتناع عن أدائه، بل هو من كبائر الذنوب، وكذلك حكم الدين المؤجل إذا حل أجله.
مسألة 140: يختلف حكم وفاء الدين المؤجل قبل حلول الأجل على صور ثلاث:
الأولى: أن يكون اشتراط التأجيل من المدين، فيكون التأجيل حق المدين وحده، فلا يجب عليه الوفاء قبل الأجل، كما أنه لا يحق للدائن مطالبته بالوفاء قبله، وإذا رغب المدين بالوفاء قبل حلول الأجل وجب على الدائن تسلُّم دينه منه.
الثانية: أن يكون المشترطُ هو الدائنَ، مع استعداد المدين للوفاء لو رغب الدائنُ به قبل الأجل، فيكون التأجيل حق الدائن وحده، فاذا طلب دينه قبل الأجل وجب الوفاء على المدين، فيما لا يكون الدائن ملزماً بالقبول لو وفى المدين دينه قبل الأجل.
الثالثة: أن يكون الشرط لهما معاً، فليس للدائن مطالبة المدين بالوفاء قبل حلول الأجل، كما أن له الامتناع عن القبول لو وفى المدين دينه قبل حلوله.
مسألة 141: يكفـي فـي تحقّـق القدرة مـن المديـن ـ بحيث لا يسوغ معها الإمتناع عن الوفاء ـ أنْ يكون عنده ما يقدر على الوفاء به، من نقد، أو دين له على غيره يمكنه طلبه، أو أعيان منقولة، أو غير منقولة، كالأراضي والدور ونحوهما، ولو ببيع شيء منها أو إجارته؛ وإذا كان قادراً على الاستقراض وجب عليه، كما يجب عليه ـ مِنْ أجل وفـاء دينـه ـ التكسبُ اللائق بحاله مع قدرته عليه وتوفر مجالاته. نعم لا يجب عليه بيعُ ما هو مستغن عنه بأقل من قيمته إذا كان النقصان فاحشاً، وإلا وجب عليه بيعه وسداد دينه به. وكذا لا يجب عليه التعرض للصدقة، ولا طلب الحق الشرعي من الخمس والزكاة، ولا طلب الهبة، من أجل ذلك، نعم إذا دُفِع له شيء من ذلك وجب عليه قبوله مع عدم المهَانة.
مسألة 142: لا يجب على المدين بيع دار سكناه، واحدة كانت أو أكثر، ولا ثيابه وسيارته وكتبه وسلاحه وأدوات معاشه، ولا الاستغناء عن خادمه، ولا ما أشبه ذلك مما هو من ضروراته العرفية اللائقة به والمناسبة لشأنه، مما يكون في تركه والتخلي عنه حرج عليه أو منقصة له، وهي المعبَّر عنها بـ (مُستثنيات الدين).
نعم، إذا أمكنه ـ دون حرج ولا منقصة ـ الاكتفاء بدار أصغر، أو بدارٍ إيجاراً أو وقفاً، وجب عليه بيع داره الأكبر أو إجارة قسم منها، أو الاكتفاء بدار إيجاراً أو وقفاً؛ وكذلك الأمر في عدة العمل وآلة المعاش، فإنه إذا أمكنه التكسب بعمل غيره وجب عليه بيعها لوفاء دينه.
مسألة 143: المقصود من كون دار سكناه وما أشبهها من المستثنيات، أنه لا يجبر على بيعها لوفاء دينه ولا يجب عليه، وأما إذا رضي هو بذلك ـ رغم عدم وجوبه عليه ـ وأدى به دينه فإنه يجوز له فعله ويصح منه، وإن كان ينبغي أن لا يبيع دار سكناه مهما كانت الظروف، وبخاصة إذا تعارض ذلك مع واجب آخر، مثل إسكان زوجته والإنفاق عليها، فإنه يحرم حينئذ. كذلك فإنَّ على الدائن أن لا يرضى ببيع المدين لبعض المستثنيات، فضلاً عن أن يَحمله أو يُشجعه على ذلك.
مسألة 144: إنما تستثنى تلك الأمور في حال حياة المدين، أما بعد وفاته فلا تستثنى، بما في ذلك دار سكناه، بل يجب على ورثته إخراج دينه من أصل تركته دون استثناء شيء منها مقدماً على حجة الإسلام وعلى الوصية، حتى لو كان في ورثته صغار، إذ إن معاشهم وتدبير أمورهم واجبُ وَليِّهم والمؤمنين الذين يعيشون بينهم إذا صاروا بدون دار ولا أثاث ولا قوت.
مسألة 145: إذا اشترط الدائن على المدين في عقد القرض أو في عقدٍ غيرِه بيع المستثنيات إذا انحصر وفاء الدين بها، صح الشرط ووجب على المدين العمل به.
مسألة 146: يجب على المدين وفاء الدين المثلي بمثل جنس الدين ومقداره، حتى لو اختلفت قيمته وقت الوفاء عنها وقت اشتغال الذمة بالدين، إلا إذا كان من النقد المستحدث وانهارت قيمته كثيراً، فإن المعول ـ حينئذ ـ على قيمته التي كان عليها قبل انهياره، سواء في ذلك القرض أو غيره من الديون، وسواء ما نتج منه عن المعاملة، كثمن المبيع في النسيئة، أو مهر الزوجة في عقد الزواج، أو ما نتج عن غيرها، كنفقة الزوجة وضمان التالف وأرش الجناية؛ وأما القيمي فإنَّه إذا كان ما اشتغلت به الذمة هو نفس العين الكلية، كما لو كان الثمـن ـ في بيع النسيئة مثلاً ـ حيواناً أو زيتاً أو جوهرة، وجب الوفاء بدفع ما يساوي قيمة فرد من أفراد العين القيمية الموصوفة عندهما بما يرفع الجهالة بها؛ وإذا كان ما اشتغلت به الذمة هو نفس القيمة، كما في ضمان التالف من الأعيان القيمية، وجب الوفاء بدفع ما يساوي قيمة العين من النقد عند الوفاء بها لا حين تلفها، وهكذا سائر موارد الدين ما عدا القرض الذي بيّنا حكمه في محله (أنظر المسألة: 128)، و(أنظر ـ أيضاً ـ حول انهيار قيمة النقد المسألة: 130).
مسألة 147: يجوز في سائر موارد الدين ـ غير القرض ـ اشتراط أن يكون الوفاء بما يناسب قيمة الدين في وقت اشتغال الذمة لعملة أخرى أو لقيمة الذهب أو غيره من العَروض، وذلك كما إذا كان طن القمح يساوي خمسين دولاراً ـ مثلاً ـ حين اشتغال الذمة به، فاشترط أحدهما على الآخر إعطاءه من القمح مقداراً يساوي خمسين دولاراً حين الوفاء له، سواءً زاد عن مقداره الأول أو نقص عنه؛ أما في القرض فإنه يجوز إذا كان المُشترطُ هو المقترضَ، أو كان هو المقرضَ، ولكن كان الشرط في عقدٍ غيرِ القرض، أو كان في عقد القرض ولكن كان ما شرطه موافقاً حين الوفاء لقيمته حين اشتغال الذمة أو أنقص منها، دون ما لو كان أزيد. (أنظر المسألة: 129).
مسألة 148: يجوز التبرع بأداء دين الغير، حياً كان أو ميتاً، وتبرأ ذمة المدين به، دون فرق بين ما لو كان المدين راضياً بذلك التبرع أو غير راض، بل يصح حتى في صورة ما لو منعه المدين عن ذلك؛ كذلك فإنه ليس للدائن الإمتناع عن قبول وفاء المتبرع، ويجبر عليه لو امتنع، تماماً كما لو كان الوفاء من المدين نفسه.
مسألة 149: إذا رغب المدين في عزل مال الدين وتعيينه في فرد خاص ـ مقدمة للوفاء به ـ لم يتعين، بل يبقى كسائر أمواله، فله أن يتصرف به، ويكون نماؤه له، كما أن تلفه عليه؛ فإذا قبضه الدائن أو من يقوم مقامه، ولو بمثل أمره له أن يضع المال في صندوقه أو الحيوان في حظيرته، أو ما يشبه ذلك مما يعدّ قبضاً للعين وتسلماً لها بإذن الدائن، تعيّن ـ حينئذ ـ في ذلك الفرد وخرج به عن العهدة.
مسألة 150: يجوز للدائن ـ أو المدين ـ أن يوكِّل غيره في استيفاء دينه أو في الوفاء به، ومن ذلك توكيل مصرف أو مؤسسة مالية بالقيام بهذه الخدمة له؛ كما أنه يجوز للمصرف القيام بهذه الخدمة لزبائنه وأخذ الأجرة عليها، إلا أنْ يكون على ذلك الديـن فائـدة ربويـة، فلا تجـوز المطالبـة ـ حينئـذ ولصالـح الدائـن ـ بالفائدة الربوية ولا أخذ الأجرة عليها.
مسألة 151: إذا دفع المدين مال الدين إلى شخص ليوصله إلى الدائن، فتصرف به الوسيط تصرفـاً موجبـاً لتلفـه ـ أو تغيُّره ـ قبل إيصاله إلى الدائن، عمداً أو غفلة، وجب على ذلك الوسيط مراجعة المدين وتسوية الأمر معه، لكون المال ـ قبل قبض الدائن له ـ ما يزال على ملك المدين، فلا يكفي الوسيطَ مراجعةُ الدائن والاستحلال منه إلا أن يكون الوسيط وكيلاً عن الدائن، فيصير قبضه قبض الدائن الموكِّل، فإذا تلف ـ حينئذ ـ رجع على موكِّله.
وكذلك حكم كل مورد يتصرّف فيه الرسول بالمال الذي يحمله إلى غيره، هدية كان أو حقاً شرعياً أو ثمناً لمبيع أو غير ذلك.
مسألة 152: إذا كان المال الذي بيد الكافر ثمناً لخمر أو ميتة أو خنزير لم يكن على المسلم بأس في أخذ هذه الأثمان وفاءً لدين له على ذلك الكافر أو ثمناً منه في معاوضة بينهما ما دام يرى ذلك حلالاً في معتقده.
مسألة 153: إذا رغب المدين في وفاء الدين، فلم يقدر على الوصول إلى الدائن أو مَنْ يقوم مقامه، كان حكمه في صور:
الأولى: إذا علم حياته ـ أو احتملها ـ واحتمل الوصول إليه، وجب عليه العزم على الوفاء لو قدر عليه، ولزمه السعي بالنحو الممكن للوصول إليه، فإن خاف حدوث شيء عليه لزمته الوصية به حرصاً على براءة ذمته منه، وذلك مهما طال الزمن؛ فإن زال احتمال الوصول إليه ويئس منه لزمه التصدق به عنه.
وكذلك حكم ما لو علم موته لكنه لم يتمكن من الوصول إلى ورثته.
الثانية: إذا غاب الدائن وانقطع خبره، ولم تعلم حياته ولا موته، فإن احتمل موته في غيبته وجب دفع المال إلى ورثته: إما بعد أربع سنين من قيامهم بالفحص عنه في الأرض بالنحو الوارد في محله، أو بعد عشر سنين من انقطاع خبره وإن لم يكن قد فُحص عنه، وإلا وجب الانتظار (أنظر المسألة: 1006).
الثالثة: إذا كان العجز عن الوصول إلى الدائن لغيبة المدين نفسه في سجن أو سفر بعيد، لم يكـن له ـ في هـذه الصورة ـ دفع الدين لغير صاحبه، ولزمه التريث حتى يقدر على الوصول إليه أو إلى من يقوم مقامه مهما طال الزمن.
مسألة 154: إذا مات الدائن وحل الوفاء بالدين وجب عليه دفعه إلى الورثة، ولو كان وارثه هو الحاكم الشرعي، فإذا تعدد الورثة لم يكف الدفع لبعضهم، بل لا بد من إحراز وصول حصة كل واحد منهم من الدين والتوثق من ذلك ولو عن طريق وكيل أو ولي لهم جميعاً، ولو ادّعى بعض الورثة عدم وصول حصته ـ ولو عن طريق الوكيل أو الولي ـ وجب على المدين تصديقه وإبراء الذمة منه ما لم يثبت كذبه.
مسألة 155: إذا لـم يـؤد المديـن الديـن ـ رغم حلول أجلـه ـ بعدما طالبه الدائن به، وكان قادراً على أدائه، جاز للدائن أو من يقوم مقامه إجباره على الدفع ـ مع عدم التنازع ـ ولو باللجوء إلى حاكم الجور عند انحصار تحصيل الحق به، فإن تنازعا في كيفية الوفاء أو في مقدار الدين أو نحو ذلك لزمهما الترافع إلى الحاكم الشرعي دون سواه، إلا أن ينحصر تحصيل الحق بغيره. وإذا بذل المدين الدين بعد حلول أجله لم يكن للدائن الإمتناع، فإذا امتنع جاز للمدين إجباره، فإن تعذر إجباره جاز تسليم الدين للحاكم الشرعي بدلاً عنه مع إمكانه، لا إلى سواه، فلا يكفي ـ مثلاً ـ إيداعه بإسمه في البنك، أو وضعه أمانة عند شخص، أو نحو ذلك، فإنه لو تلف المال ـ في هذه الصورة ـ لم تبرأ ذمة المدين منه؛ فإن لم يوجد الحاكم الشرعي، أو وجـد لكنه امتنع ـ على فرض جـواز الامتنـاع ـ عن قبض الدين، بقي الدين في ذمة المدين، وصبر عليه مدة يُعتدُّ بها عرفاً إلى أن يأخذه الدائن أو من يقوم مقامه، وإلا جاز له التخلية بينه وبين المال إذا أمن عليه من الضياع وكان بإذن الحاكم الشرعي.
مسألة 156: إذا عجز المدين عن أداء الدين حرم على الدائن إزعاجه بالمطالبة به والإلحاح عليه، بل يجب عليه انتظار يساره والصبر عليه؛ نعم إذا لم يصدّقه في ادعاء الإعسار كان له منازعته في ذلك حتى يتثبت من إعساره ولو برفع الأمر إلى الحاكم الشرعي. كذلك فإن للدائنين اللجوء إلى الحاكم الشرعي عند «إفلاس» المدين، وهو ما سنعرض له لاحقاً في بحث مستقل.
مسألة 157: يستحب الإرفاق في طلب الدين حتى مع يسار المدين، ويكره الإلحاح عليه بالاستيفاء. وكذا يستحب قضاء دين الأبوين، وبخاصة بعد وفاتهما، كما يستحب إبراء ذمة المؤمن الحي مما عليه من الدين، فضلاً عن الميت.
تتمة فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: في الإبراء
وفيها مسائل:
مسألة 158: (الإبراء) مصطلح يراد به: (إسقاط ما في ذمة المدين وهِبَتُهُ له)، وهو أمر مستحب حتى مع غنى المدين الحي وقدرته على الوفاء، فضلاً عما لو كان ميتاً، كما سبق منا ذكره.
مسألة 159: الإبراء من الإيقاعات، فلا يحتاج إلى قبول المدين ورضاه به، ويقع بكل لفظ يدل عليه، مثل: (سامحتك)، أو: (وهبتك ما في ذمتك)، أو: (أحللتك من الدين الذي لي عليك)، وما أشبهه؛ سواءً في ذلك العربية وغيرها، والفصحى وغيرها.
مسألة 160: إذا صدر الإبراء من الدائن وقع لازماً، فتبرأ به ذمة المدين وتفرغ حتى لو تراجع عنه بعد ذلك، فإذا طالبه الدائن به لم تجب على المدين إجابته ولا الوفاء له بشيء إلا أن يحب هو ذلك ويرضى به.
مسألة 161: لا فرق في لزوم الإبراء بين ما لو كان المدين ذا رحم أو غيره، ولا بين ما لو كان الدين نتاج معاملة أو غيرها.
الفائدة الثانية: في المقاصة
وفيها مسائل:
مسألة 162: (المُقاصَّة) مصطلح يراد به: (مبادرة من له مالٌ على غيره ـ عيناً كان أو ديناً ـ إلى أخذ ما يقابل مالَهُ من مالٍ آخر لذلك الغير، دون علمه، إذا لم يُؤَدِّه له عند الاستحقاق)، وهي جائزة وحق ثابت لصاحب المال باستقلاله ـ دون ضرورة لمراجعة الحاكم الشرعـي ولا التحاكـم عنـده ـ إذا لم يتمكن من تحصيل حقه بالطرق الشرعية أو العادّية بدون حرج، وهي مُقدَّمة على الاستعانة بالظالم، وذلك في الموردين التاليين:
الأول: ما إذا غصبه ماله، بسرقة أو نحوها، أو تَمَرَّد عن دفع حق واجب عليه ظلماً لصاحبه وبغياً عليه، كثمن المبيع نسيئة، أو أجرة عمل، أو عدم رد عين مستعارة، أو نحو ذلك من الموارد التي يكون فيها للمقتص حق واضح عند المقتص منه، عيناً كان ذلك أو ديناً.
الثاني: ما إذا طالبه فامتنع عن الدفع لجهله باستحقاق المطالب ما يطالب به، فإنه رغم ذلك، وحيث إن المقتص معتقد بأنه صاحب حق في المال الفلاني الموجود عند غريمه أو في ذمته، فإن له الاقتصاص منه بأخذ ماله إن كان عيناً، وباستيفاء دينه من ماله إن كان ديناً.
أما إذا طالبه فلم يتنكر لحقه، أو استمهله ليتثبت من إدعائه بمثل مراجعة حساباته، أو رغب إليه رفع الأمر للحاكم الشرعي، أو ما أشبه ذلك مما يظهر منه رغبة المطلوب منه بأداء حق الطالب عند ثبوته عنده واستكمال مقدماته، لم يكن للطالب أن يستعجل الأمر ويقتص من الغريم غير الجاحد.
مسألة 163: رغم جواز المقاصة في الموردين المذكورين في المسألة السابقة فإنها مكروهة، وبخاصة في الحالات التالية:
الأولى: ما إذا كان المال المقتص به أمانةً عند المقتص للمقتص منه.
الثانية: ما إذا احتسب المقتص منه المال المأخوذ منه عند الله تعالى، وهو ما يحدث ـ عادة ـ عند الشعور بالظلم والعجز عن فعل شيء لرد الظالم.
الثالثة: ما إذا حلف الغريم للمطالب بعدم وجود حق له عنده، وذلك بمبادرة شخصية من الغريم؛ أما إذا كان قد حلف أمام القاضي بطلب من المطالب على عدم استحقاقه ما يدعيه، فلا يجوز الاقتصاص منه.
مسألة 164: لا فرق في جواز الاقتصاص بين ما لو كان للمقتص منه مال عند المقتص بنحو الأمانة أو العارية أو الإجارة أو نحوها، وبين ما لو وَجدَ مالَه خارج حرزه بلقطة أو غيرها، بل وبين ما لو أخذه من حرزه غفلة عن المقتص منه، وإن كُرهَ منه الاقتصاص في بعض هذه الموارد كما تقدم في المسألة السابقة.
مسألة 165: يشترط في المال المقتص به ـ مع التمكن ـ أن يكون مثل المال الذي للمقتص إذا كان المال «المسلوب» مثلياً، وبقيمته إذا كان المسلوب قيمياً، فإن لم يقدر على ذلك جاز له أخذ أي مال يقع تحت يده، ولو كان منفعة، فإن كانت قيمته أزيد من قيمة المسلوب وجب عليه رد الزائد، ولو ببيعه وأخذ ما يساوي قيمة ماله، نعم إذا أمكنـه ـ في هـذه الحالـة ـ إجارته مثلاً لمدةٍ تساوي أجرتُه فيها مقدارَ ما أُخذ منه لم يجب عليه ذلك، وإن كان هو الأحوط استحباباً.
مسألة 166: يعتبر المال المأخوذ أمانة بيد المقتص، فإذا تلف في يده قبل أن يأخذ حقه منه من دون تفريط منه ولا تأخير في الاقتصاص لم يضمنه، وجاز له أخذ فردٍ آخرَ غيره لتحصيل حقه منه؛ كذلك فإنه لا يضمن ما يزيد من العين المأخوذة عن مقدار حقه إذا تلف ذلك الزائد من دون تأخير منه في رده ولا تفريط في حفظه، كما أنه لا يضمن ما ينقص من قيمة الباقي إذا نقصت عند اقتطاع حقه من العين المقتص بها.
مسألة 167: يملك المقتص ما يأخذه من مال المقتص منه، ويصير المأخوذ عوضاً عن ذلك المفقود، فتبرأ ذمة الغريم من الدين إذا كان المال المطلوب منه ديناً، كما أنه يملك العين التي سلبها إذا كان المطلوب منه عيناً؛ وعليه، فإنه إذا تاب الغريم وتسامح من المقتص وبذل له ماله الذي سلبه منه ـ عيناً أو دينـاً ـ لم يجب على المقتص قبوله وجاز له الإكتفاء بالمال المأخوذ حتى لو كان المقتص به ما يزال موجوداً عنده بعينه.
مسألة 168: لا تجوز المبادرة إلى الاقتصاص قبل استنفاد الوسائل الشرعية والعادّية مع عدم الحرج عليه في ذلك، ومرادنا بالطرق الشرعية والعادّية هو: ما سبق ذكره في أبواب مختلفة حول إقناع من عليه الحق اما: بأداء ما عليه من ثمن أو أجرة أو عين مستعارة، أو بإجباره من خلال القاضي الشرعي على ذلك في الموارد المذكورة ونحوها، والتي يجمعها أنه: (يحق لصاحب الحق في مثل هذه الموارد إجبار الممتنع على الأداء بعد مطالبته به بالنحو المتعارف)، فإذا لم ينفع ذلك جاز له الاقتصاص حينئذ؛ ثم إنه لو فرض انحصار تحصيل الحق إما: بالاستعانة بالظالم أو بالاقتصاص، قُدِّمَ الاقتصاص عليه، وبخاصة إذا لم يُؤمن مِنْ تعدي الظالم وإفراطه في استرجاع الحق.
من جهة أخرى فإنه لا يجب على المقتص استئذان الحاكم في أخذ المال في موارد جواز الاقتصاص؛ لكنهما إذا ترافعا إلى الحاكم الشرعي فحكم لأحدهما، لم يكن للمحكوم عليه ـ إذا اعتقد أنه صاحب حـق ـ أن يقتص من المحكوم له على الأحوط وجوباً؛ وقد سبق ذكر بعض موارده في (فقرة «الثالثة» من المسألة: 163).
مسألة 169: يجب أن يراعى في المال المقتص به أمور:
الأول: أن لا يكون من مستثنيات الدين، وهي الأمور اللازمة في معاش المقتص منه مما سبق ذكره في (المسألة: 142).
الثاني: أن لا يكون محجـوراً عليه لفلس، فإنَّ مالَـه ـ حينئـذ ـ يصير حقاً للغرماء بنسبة ما لكل واحد منهم من دين عليه، فلا يجوز لواحد منهم أن يقتص منه ويأخذ من أمواله دينَه؛ ومثله ما لو مات الغريم ولم تف تركته بتمام ديونه، فإنه مع جحود الوارث لحقه ليس له الاقتصاص، لتعلق حق الغرماء بالتركة. هذا، ولا فرق في عدم جواز الاقتصاص ـ في الحالتين المذكورتيـن ـ بين ما لو أراد المقتص أخذ تمام دينه أو أراد أخذ حصته فقط كواحد من الغرماء، بل إن عليه انتظار مجرى الأمور وأخذ حقه مع سواه.
الثالث: أن لا يكون المال المأخوذ قد تعلق به حق الغير، كالعين المرهونة للغير، أو التي تعلق بها النذر أو نحوه.
مسألة 170: كما يجوز الاقتصاص عن ماله المسلوب إذا كان عيناً أو ديناً، كذلك يجوز الاقتصاص عنه إذا كان منفعة، كما إذا غصبه منفعة داره وكان منكراً أو مماطلاً، بل يجوز ـ أيضاً ـ إذا كان حقاً مالياً كحق التحجير؛ أو كان قد تعلق بالعين حق الرهن لدين له على غيره، فيجوز له أن يأخذ من مال الغريم ما يجعله رهناً على دينه مقابل تلك العين التي كانت مرهونة عنده رغم كونه غير مالك لها.
مسألة 171: لا يجوز الاقتصاص من مال الغريم إذا كان مشتركاً بينه وبين غيره إلا بإذن الشريك؛ ومن جهة أخرى فإنه لا يمنع كون العين المغتصبة مشتركة بين اثنين من مبادرة أحد الشريكين للإقتصاص من المغتصب بمقدار حصته، بما في ذلك ما لو كان المغتصب هو شريكه.
مسألة 172: لا يشترط في المقاصة المباشرة، بل يجوز لصاحب الحق توكيل غيره بالاقتصاص له، فإذا وكَّله جاز له الاقتصاص ولم يأثم فيه.
مسألة 173: يجوز للحاكم الشرعي ـ من باب الولاية الشرعية ـ الاقتصاص من مال مانع الحق الشرعي من الخمس والزكاة والمظالم مع جحوده أو مماطلته، إذا لم يمكن إجباره على الأداء؛ وكذا يجوز له الاقتصاص بأخذ بدل العين الموقوفة وقفاً عاماً من مال المغتصب إذا لم يمكن استرجاعها منه أبداً، وإلا فيقتص من ماله عن منافعها ما دامت مغصوبة، وكذا حكم الموقوف عليه في الوقف الخاص أو العام إذا غصبت العين الموقوفة منه.
مسألة 174: إذا تبيّن له بعد المقاصة أنه كان مخطئاً في دعواه، وجب عليه رد ما أخذه أورد عوضه إذا كان تالفاً، وعليه غرامة ما وقع من الضرر. وكذا لو تبيّن أن ما أخذه كان ملكاً لغير الغريم.
مسألة 175: يستحب للمقتص أن يدعو حين أخذ مال المقتص منه بما يظهر منه تفويض الأمر إلى الله تعالى، وكونُه مضطراً لذلك، وحرصُه على تجنب ظلم المأخوذ منه، ونحو ذلك مما يناسب هذا الوضع الاستثنائي الذي يعيشه المؤمن، وقد ورد في بعض الأخبار الدعاء بهذه الصيغة: (اللهم إني آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني، وإني لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلماً).
مسألة 176: الأفضل للمؤمن أن يلزم في مثل هذا المقام جانب الأخلاق الفاضلة ويتسامى عن المخاصمة والتنازع، ويدع الإنتصاف والمطالبة بحقه، وخاصة فيما لا يضره التغاضي عنه من أمواله، فقد ورد في الحديث عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: (ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة أبداً: العاقل من الأحمق، والبَر من الفاجر، والكريم من اللئيم).
بل إن الأحوط استحباباً للمطالب بحقه رفع أمره إلى الحاكم الشرعي وإيكال الأمر إليه والتحاكم لشريعة الله تعالى، وعليه ـ وجوباً ـ الالتزام بما يحكم به الحاكم وترك الرد عليه؛ فإن (المقاصة) وإن أرجعت حقاً لكنها سوف تترك في نفس الطرفين قدراً من الحزازة والبغضاء، وبخاصة إذا كان المأخوذ منه معتقداً بعدم أحقية الآخذ، مما قد يجر إلى استمرارٍ في النزاع يَفُتُّ في عضد المؤمنين وتناصرهم.
المبحث الثالث: في بيع الدين
وفيه مسائل:
مسألة 177: لقد بات معلوماً أن (الدين) هو المملوك الكلي القائم في ذمة الغير، وهو ما قد يقال له: (ذمي) ـ أحياناً ـ من باب النسبة إلى (الذمَّة)، ورغم أن بعض السلع ما تزال ديناً في ذمة التاجر المصدِّر لها فإن شراءها كثيراً ما يكون مرغوباً، وقد أجاز الشرع تداول الديون بالبيع والشراء حال كونها ما تزال في ذمم المدينين، ما عدا بعض الموارد التي اختلفت أسباب عدم الجواز فيها ومنطلقاته بحسب ما فهم من النصوص الواردة فيها. وفي هذا الصدد فإن الفقهاء قد ميّزوا بين نوعين من الديون:
النوع الأول: ما يصير ديناً حين بيعه، ومثاله هو:
البائع زيد: باع سيارة موصوفة لسمير، على أن يحضرها فيما بعد، أي: إنها كليٌّ في الذمة، وغير مشخصة خارجاً حين البيع.
المشتري سمير: إشترى تلك السيارة بألف دولار أمريكي، على أن يحضرها فيما بعد، أي: إنها في الذمة ـ أيضاً ـ، وغير مشخصة خارجاً حين البيع.
فهنا صارت السيارة (ديناً) مطلوباً من البائع، كما صارت الألف دولار (ديناً) مطلوباً من المشتري، وهما إنما صارا دينين بالبيع نفسه بعد أن لم يكونا كذلك قبل البيع، بل كانت ذمة كل من المتبايعين غير مشغولة بشيء للآخر، وهو ما قد يقال له: (بيع الذمي بالذمي)، كما أنه قد يعبر عنه أحياناً بأنه: (دين بالبيع)، أو: (دين بالعقد).
هذا، ولكن هذا النوع من الدين لا ينحصر مثاله ببيع الذمي بالذمي، بل قد يكون أحد العوضين ديناً بالعقد فيما يكون الآخر (خارجياً)، أي: له وجود خارجي ملحوظ حين التعاقد؛ أو يكون أحدهما ديناً بالعقد فيما يكون الآخر ديناً قبل العقد، وذلك كما لو كان ذلك العوض (وهو السيارة المذكورة في المثال المتقدم) ثمناً في بيع النسيئة، أو كان مبيعاً في بيع السلف، وكانا سابقين على عقد البيع الحالي؛ كذلك فإن العوضين ـ في بيع الذمي بالذمي المذكور في المثال الآنف الذكر ـ قد يكونان مؤجلين، وقد يكونان حالّين، وقد يكون أحدهما حالاًّ والآخر مؤجلاً.
أما حكم هذا النوع من بيع الدين فهو الجواز بجميع صوره، عدا ما يعتبر من موارد بيع السلف، فإنه لا بد في صحته ـ حينئذ ـ من أن تنطبق عليه شروط بيع السلف، وبالنحو الذي ذكرناه له في (المسألة: 771) من الجزء الثاني؛ بل، وعدا ما قد يترتب عليه محذور آخر، كمثل بيعه قبل قبضه، أو مع الزيادة في الأجناس الربوية، أو نحو ذلك. نعم الأحوط استحباباً ترك بيع الذمي بالذمي، وولا سيما إذا كانا مؤجلين.
النوع الثاني: ما يكون ديناً قبل وقوع البيع عليه، وهو كل دين مستقر في الذمة بقرض أو بيع سابق أو زواج أو إتلاف أو غيرها مما ذكرناه في بداية مبحث الدين تفصيلاً.
وما لا يجوز منه هو خصوص (بيع الدين بالدين)، وهو تعبير متداول عند الفقهاء، ونريد به: ما يكون العوضان فيه دينين سابقين على العقد، سواءً كانا حالّين في ذمة المدينين أو مؤجلين أو كان أحدهما حالاًّ والآخر مؤجلاً، فلا يجوز أن يبيع أحد الدائنين دينه بدين الآخر، سواءً باع أحدهما الآخر، أو تبايعا بمالهما على غيرهما.
ومثال ما لو كان الدينان على غير المتبايعين، مع افتراض كون الدينين مؤجلين، هو ما يلي:
أ ـ سمير له على سعيد طنُّ قمحٍ قرضاً مؤجلاً إلى شهر.
ب ـ زينب لها على جميل ألف دولار مهراً مؤجلاً إلى شهر.
ج ـ لا يجوز لسمير أن يبيع زينب ذلك الطن من القمح الذي له على سعيد بتلك الألف دولار التي لزينب في ذمة جميل.
سواء كانا مؤجلين معاً ـ كما هو فرض المثال ـ أو كانا حالّين معاً، أو كانا مختلفين، أي: كان أحدهما حالاًّ والآخر مؤجلاً.
ومثـال مـا لـو كان الدينان على المتبايعين، مع الإفتراض بأنهما معاً مؤجلان ـ أيضاً ـ، هو ما يلي:
أ ـ سمير له على زينب طن قمح قرضاً مؤجلاً إلى شهر.
ب ـ زينب لها على سمير ألف دولار مهراً مؤجلاً إلى شهر.
ج ـ لا يجوز أن يبيع سمير لزينب قمحه الذي له في ذمتها بالألف دولار التي لها في ذمته، سواء كانا مؤجليـن معـاً ـ كمـا هو الفرض ـ أو كانا حالّين أو مختلفين.
مسألة 178: (الكمبيالة) أو (السند): وثيقة مكتوبة موقعة من المدين يُضَمِّنُها إقراره بأن لفلان في ذمته الدين الفلاني، إلى أجل معين أو بدون أجل، وهي (الكتابة) التي أمر بها الله تعالى في كتابه الكريم وحثَّ عليها استحباباً.
وتعتبر الكمبيالة مجرد وثيقة على الدين، دون أن يكون لها ـ بذاتها ـ مالية ولا قيمة، لذا فإنها لو تلفت عند حاملها لا يكون قد تلف منه مال، كما وأنه لا تبرأ ذمة المدين بذلك التلف، وهي من هذه الجهة بخلاف الأوراق النقدية إذا دفعت ثمناً لمبيع، فإن قيمتها الذاتية تجعلها مالاً، ويترتب على تلفها جميع الآثار المترتبة على تلف المال.
والكمبيالة على نوعين:
الأول: ما يعبر فيه عن وجود دين واقعي تشتغل به ذمة المدين الذي هو مُوقِّع الكمبيالة، للدائن الذي جُعلت الكمبيالة بإسمه ولصالحه.
الثاني: ما يعبر فيها عن وجود دين صُوري لا واقع له. ويكون الهدف منها إعطاء حاملها قدرة على أخذ مال بمقدارها من شخص آخر أو من البنك، لما تتضمنه من إثبات أن حاملها (وهو الدائن الصوري) يملك هذا المبلغ في ذمة المدين (الصوري) موقع الكمبيالة، وقد عرفت هذه الكمبيالة بإسم (كمبيالة المجاملة).
وحيث إن بعض الناس قد يرغب في الاستفادة من السند قبل حلول وقته ببيعه إلى شخص ثالث أو بنك، بحيث يصير ذلك الثالث هو الدائن الذي يحق له استيفاء الدين عند حلول أجله من المدين، فإن حكم هذا البيع يختلف بين النوعين على النحو التالي:
أما النوع الأول: فإنه يجوز فيه للدائن الذي يحمل سند الدين أن يبيعه إلى من يرغب في ذلك، كالبنك أو غيره من المؤسسات والأشخاص، بأقل من قيمته، رغبة منه في تعجيل الحصول على دينه ولو بأقل منه، سواءً كان الدين المباع حالاًّ ولا يقدر على الحصول عليه إذا طلبه، أو كان مؤجلاً لم يحن وقت استيفائه، وسواءً باع المؤجل بجنسه أو بغير جنسه، حالاًّ كان البيع أو مؤجلاً؛ ما لم يستلزم الربا، كما لو كان من المكيل أو الموزون، وباعه بجنسه، بل أو باعه بغير جنسه نسيئة، ونحو ذلك من المحاذير التي سبق ذكرها في ربا المعاملة؛ كما وأنه ينبغي ملاحظة أن لا ينطبق عليه عنوان (بيع الدين بالدين) بالنحو الذي ذكرناه في المسألة السابقة. غير أنه لا يخفى أن أكثر ما يحتاج إلى بيع سندات الدين فيما إذا كان الدين من النقود المستحدثة، وأراد الدائن بيعها بنقد من جنسها أو من غير جنسها، ومثل هذا البيع جائز ـ في رأينا ـ بجميع صوره كما ذكرنا، ما عدا بيعها نسيئة بالتفاضل مع اتحاد الجنس على الأحوط وجوباً. (أنظر من الجزء الثاني المسألة: 784).
وأما النوع الثاني: فحيث إن حامل السند (وهو الدائن الصوري) ليس دائناً حقيقة، وحيث إن الوثيقة التي معه لا تتضمن أية قيمة على الإطلاق، ولو اعتبارية، وحيث إنه إذا باعها لا يكون قد باع شيئاً (متمولاً) ولا ذا قيمة مما يصح أن يبذل بإزائه الثمن، فإنه ـ من أجل ذلك ـ لا يصح البيع؛ فإذا (باعها) للبنك ـ كما هو الغالب ـ وأعطاه البنك قيمتها، لا يكون ذلك بيعاً، بل هو ـ في الواقع ـ قرض قدمه البنك له اعتماداً على هذه الكمبيالة، ولما كان ما أعطاه البنك أقل مما سيستوفيه من موقع الكمبيالة عند حلول الأجل فإنه يكون قرضاً ربوياً، إضافة إلى أن الذي سيتولى وفاء هذا القرض للبنك هو موقع الكمبيالة لا المستفيد من القرض، فيكون تحويل الوفاء عليه ـ بمقتضى كونه الموقِّـع ـ دون أن يناله شيء من القرض هو من نوع الحوالة على البريء، وهو أمر قد يوجب إشكال الوقوع في الربا عندما يريد مُوَقِّع الكمبيالة (البريء من الدين واقعاً) أخذ قيمتها من المستفيد بعد رجوع البنك عليه، في حين كان المستفيد قد أخذ من البنك أقل مما سيضمنه لموقع الكمبيالة.
ولكن ـ رغم ذلك ـ يمكن للخبير بدقائق أحكام البيع التخلص من الربا بطرق متعددة، وأفضل الطرق هي التالية:
أ ـ أن يعتبر البنك ـ بالإتفاق مع حامل الكمبيالة ـ أن ما يقتطعه من قيمة الكمبيالة ليس فائدة على القرض، بل هو في قبال قيام البنك بتسجيل الدين وتحصيله ونحوهما من الخدمات.
ب ـ إن رجـوع مُوَقِّـع الكمبيالـة ـ بعد رجوع البنك عليه بتمام قيمة الكمبيالة ـ على المستفيد وأخذ تمام قيمة الكمبيالة منه صحيح، لأن المستفيد لما كان قد أحال البنك على مُوَقِّع الكمبيالة بالقيمة المذكورة فيها، فإن معنى هذه الإحالة أن المستفيد سوف يضمن لموقع الكمبيالة تمام القيمة المذكورة بعدما صارت ذمة المستفيد مدينة للموقِّع بما يساوي ذلك المبلغ، حتى لو كان ما أخذه المستفيد من البنك أقل من قيمة الكمبيالة.
مسألة 179: إذا باع الدائن دينه بثمن من جنسه أقل منه مقداراً، أو بثمن من غير جنسه أقل منه قيمة، تحول المدين بالوفاء إلى المشتري بعدما صار الدين له بالشراء، ولزمه الوفاء للمشتري بتمام الدين الذي كان عليه قبل البيع، لا بالمقدار الذي اشترى به؛ فمثلاً لو كان لزيد في ذمة سعيد مئة جوزة، فباعها لسمير بتسعين، وجب على سعيد حين الوفاء للدائن الجديد ـ وهو سمير ـ دفع مئة جوزة لا تسعين.
مسألة 180: إذا تعذر على المشتري تحصيل الدين المباع من المدين إنفسخ البيع، وكان تلفه على البائع، واستحق المشتري عليه الثمن الذي دفعه لا غير، وهو نفس الحكم الثابت للمبيع إذا كان عيناً وتلف قبل قبضه.
نعم، إذا كان البائع (الدائن) قد تعهد للمشتري بتحصيل المبيع (الدين) عند حلوله فإن الحكم يختلف ـ حينئذ ـ على نحوين:
الأول: ما إذا كان مفاد ذلك التعهد هو اشتراط الفسخ للمشتري حين عجز البائـع عن تحصيل المبيع من المدين، فحكمـه ـ حينئذ ـ هو ما سبق، أي: فسخ البيع، وكون تلفه على البائع، وعدم استحقاق المشتري عليه غير الثمن الذي دفعه.
الثاني: ما إذا كان مفاد ذلك التعهد هو التزام البائع بدفعه بدلاً عن المدين حين عجزه، فحكمه ـ حينئذ ـ هو صحة البيع، ولزوم دفع البائع تمام الدين للمشتري بدلاً عن المدين؛ لكن البائع لا يمكنه الرجوع بما دفعه للمشتري على المدين ما لم يكن قد دفع ذلك بإذنه، إذ إن دفعه عنه دون إذن مسبق منه يعدّ تبرعاً، والمتبرع لا يستحق شيئاً على من تبرع عنه.
نعم، إذا رغب البائع بالتخلص من تبعات مثل هذا البيع، وبخاصة إذا كان يخشى عجز المدين عن الوفاء للمشتري، أمكنه بيع الدين مع ضميمة عين خارجية معه، حيث لا يمكنه الرجوع معها عند عجز المدين عن الوفاء له لكون البيع صحيحاً في الضميمة دائماً، إلا أن يفسخ البيع بخيار آخر، كخيار تبعض الصفقة أو غيره.
المبحث الرابع: في الفلس
يراد بـ (الفَلَس): (حالة عجز المدين عن وفاء ديونه الكثيرة الزائدة على ما يملكه من أموال غير محتاج إليها في معاشه)؛ ومرادنا بالأموال التي لا يحتاج إليها في معاشه، هو:كل ما يدخل في عنوان (مستثنيات الدين) من دار وأثاث وسيارة ونحوها، مما سيأتي بيانه لاحقاً. وحيث يتحقّق الفلس فانه يقال لمن كانت هذه الحالة فيه: (مُفلِّساً)، كما يقال لدائنه أو دائنيه: (غريم وغرماء). وتفصيل أحكام هذه الحالة يقع في مسائل:
مسألة 181: إذا تسامح الدائنون مع المفلس، فأبرأوا ذمته مما عليه أو انتظروا يساره فلم يطالبوه، كان خيراً؛ وأما إذا ألح بعضهـم ـ أو جميعهم ـ عليه بالوفاء مما عنده من أموال، فتوافق معهم على حل مرضٍ يعطي ـ على أساسه ـ كل واحد منهم بعض مالَه عنده، على أن يكفوا عن مطالبته بالباقي إلى حين القدرة أو يبرأوه منه، كان خيراً أيضاً؛ وإلا جاز لهم أن يَحْجُروا عليه بالنحو الذي سيأتي.
مسألة 182: (الحَجْر) هو: (منع المالك من التصرف بأمواله لأسباب متعددة، كالصغر والجنون والفلس وغيرها). وكنا قد ذكرنا ما عدا الفلس من أسباب الحجر في مباحث (المدخل) من الجزء الثاني (أنظر ص: 23) وأجّلنا الحديث عن الحجر بالفلس إلى محله هنا في باب الدين، فنقول: لا يتحقّق الحجر بالفلس إلا عند توفر أمور:
الأول: أن تكون الديون ثابتة عليه شرعاً، فلو كان بعضها مورد تنازع وبعضها ثابت، وكانت أمواله غير قاصرة عن الوفاء بالثابت، لم يُحجر عليه في حينه.
الثاني: أن تكون جميع الديون التي يَقْصُر مالُه عن الوفاء بها، حالّة؛ فلو كان بعضها مؤجلاً لم يحجر عليه، حتى لو كانت أمواله قاصرة عنها حين حلولها.
الثالث: أن يطلب الغرماء كلهم، أو بعضهم ـ إذا كان دين ذلك البعض من الكثرة بحدٍ تقصر أمـوال المفلس عن الوفاء به ـ من الحاكم الشرعي إيقاع الحجر على أمواله؛ فليس للغرمـاء أن يقوموا هم ـ دون الحاكم ـ بالحجر، كما أنه ليس للحاكم أن يستقل بإيقاعه إلا أن يكون هو من الغرماء، أو يكون ولياً عن بعضهم بيُتْم أو جنون، ويكون دينه ـ وحْدَه ـ مما تقصر عنه أموال المدين.
مسألة 183: إذا أمـر الحاكـم بالحجـر علـى المفلـس لـم يجـز له ـ منذئذ ـ التصرّف بأمواله على شتى أنواعها، من الأعيان والمنافع والديون ونحوها مما له مالية، بعوض كان التصرف، كالبيع والإجارة، أو بغير عوض، كالوقف والهبة والإبراء، وصارت جميعها متعلقاً لحق الغرماء ليُوفي منها بعض ديونهم؛ أما قبل الأمر بالحجر فإن تصرفاته ـ رغم كونه مفلساً ـ صحيحة ونافذة، بما في ذلك ما لو كان العقد غير لازم بمثل الخيار، فإنه لا يجب عليه حين إذْ حَجَّر الحاكم عليه أن يرجع بالعقد، بل يجوز له إمضاء البيـع ـ مثـلاً ـ وإسقاط خياره ما دام قد صدر منه البيع قبل الحجر. نعم إذا أخرج أمواله ـ جميعها ـ عن ملكه بصلح أو هبة بقصد الفرار من حق الدُّيان بعد إفلاسه وقبل الحكم بالحجر عليه ـ وبخاصة إذا لم يَرْجُ حصول مال آخر له لوفاء ديونه ـ فإنه يشكل الحكم بصحة تصرفه.
مسألة 184: ينفذ الحجْر ـ حتماً ـ في أمواله الموجودة حين إيقاعه، فإذا تجدد له مال بعد الحجر بمثل الميراث والهبة والحيازة ونحوها، كان حكمه على نحوين:
1 ـ أن يصير به قادراً على الوفاء للغرماء، فيبطل الحجر الصادر بحقه، وتعود إليه أهلية التصرف بماله، ويجب عليه الوفاء لدائنيه بالنحو الذي ذكرناه في مبحث وفاء الدين.
2 ـ أن يبقى ما عنده من أمـوال ـ بمـا فيها المستجدة ـ قاصراً عن الوفاء بدينه؛ فلا يكون المال الجديد مشمولاً للحجر الصادر قبل تملكه له، نعم يجوز للغرماء مطالبة الحاكم بإيقاع الحجر على المال الجديد وضمه لأمواله الأخرى المحجور عليها.
مسألة 185: يتساوى جميع الغرماء في لزوم أن يأخذ كل واحد منهم بعض دينه بنسبة حصته كمـا سيأتـي بيانـه، فلا يجـوز ـ بعـد الحجـر ـ أن يسبق أحد الغرماء زملاءه فيأخذ كامل حصته، مقاصة أو برضا المدين، بل ولا يجوز للمدين أن يؤثره بذلك على سائر الغرماء؛ من دون فرق في ذلك بين غرماء المفلس الحي أو الميت، ومن دون فرق في غرماء المفلس الميت بين من كانت عين دينه موجودة في التركة أو غير موجودة، فلا يشملها ما سبق ذكره في مبحث (وفاء الدين، المسألة: 138) من أن: «للدائن أن يأخذ عين دينه إذا وجدها في تركة الميت»، لأننا قد اشترطنا في جوازه ـ هناك ـ أن لا يضر أخذها بتمام حق سائر الغرماء، وهو شرط مفقود هنا، فلا بد لغريم الميت المفلس من مشاركة سائر الغرماء في القسمة، وترك أخذ عين دينه إلا أن يكون قد باعه إياها في الذمة فإن له استردادها ـ حينئذ ـ بخيار التفليس. (أنظر المسألة: 190، فقرة «ثالثاً»).
مسألة 186: ينحصر حق الاستيفاء ـ من الأموال الموجودة ـ بمن هو من غرمائه حين إيقاع الحجر، فلا يشاركه من يتجدد بعده بمثل اقتراض المفلس منه أو شرائه منه في الذمة أو نحوه، ولا من يقر له المفلس ـ بعد الحجر ـ بدين سابق أو عين، رغم نفوذ الإقرار في حق نفسه وتعلق حق للمُقَر له على هذا المفلِّس المقر، بحيث يجب عليه الوفاء له بمضمون إقراره فيما بعد بالنحو المناسب. نعم إذا ظهر بعد القسمة من له حق الاستيفاء من الغرماء انتقضت القسمة وشاركهم الغريم الوافد في أموال المفلس بنسبة حصته.
مسألة 187: إذا حكم الحاكم بالحجر على المفلس، ورغب الغرماء بأخذ حصصهم بما يساويها من النقد، أمره الحاكم بجلب أمواله من مظانها وفعل مقدمات ذلك، كبيع الأعيان وإحضار أثمانها، واستيفاء ما لَهُ من ديون، وإحضار عوض ما لَهُ من منافع، والقيام بغير ذلك مما هو ضروري لإيصال حصة كل دائن؛ فإن أبى القيام بذلك، وطلب الغرماء من الحاكم القيام به، قام الحاكم بكل ما هو ضروري لإحصاء أمواله وجلبها وتحويلها إلى نقد؛ ثم تقسم هذه الأموال بين الغرماء فيعطى كل واحد منهم حصةً هي بمقدار نسبة دينه إلى مجموع الديون، فمن كان دينه ـ مثلاً ـ ربع مجموع الديون المطلوبة من المفلس كان له الربع من المال الموجود عنده، وهكذا سائر الغرماء.
هذا، وإن للغرماء أن لا يطلبوا بيع الأعيان التي عنده، بل يتراضون فيما بينهم على توزيع هذه الأموال ـ أعياناً وغيرها ـ عليهم على ما هي موجودة عليه، فيأخذ بعضهم مقابل حصته سيارة، والآخر مقداراً من النقد، والثالث منفعة عين تحت يده، وهكذا.
وكيفما يتراض الغرماء فيما بينهم، ينفذ، وليس للمفلس فيه رأي ولا له حق الإعتراض، فإن اختلف الغرماء في كيفية اقتسام المال على حصصهم فض الحاكم النزاع بينهم بالنحو الذي يراه، ولو لم يطلبوا منه ذلك بخصوصه.
وإذا تم هذا الأمر وقسمت أموال المفلس على الغرماء زال الحجر عنه وصحت تصرفاته فيما يستجد له من مال بعد ذلك.
مسألة 188: لا تبرأ ذمة المفلِّس مما يبقى عليه من ديون بالحجر عليه وتقسيم أمواله، بل يجب عليه الوفاء بالباقي عند قدرته عليه، ولو بعد مدة طويلة، بل حتى بعد موت المفلس، فإنَّ على ورثته الوفاء من تركته قبل توزيعها على الوصية والورَّاث.
مسألة 189: لا يختلف حكم المفلس عن غيره من المدينين في لزوم استثناء ما هو من ضرورات معاشه من أمواله، كداره وأثاثه وسيارته ونحوها مما ذكرناه سابقاً في مبحث (وفاء الدين)، فلا يحجر عليها ولا يجوز للدائنين أخذها في قبال ديونهم ولا إلزام المفلس بدفعها لهم؛ لكن ينبغي الإلفات إلى أنه لا يستثنى من أمواله ـ ما يحتاجه في نفقته العادّية من طعام وشراب وكسوة ونحوها ـ إلا ما هو بحاجة إليه إلى حين تقسيم أمواله، فلا يستثنى حين التقسيم مقدار نفقته لشهر أو سنة، بل يؤخذ جميع ماله ـ حينئذ ـ ولا يترك له شيء منه لنفقته، إذ إنه بعد ذلك يستأنف عمله وإنتاجه لتحصيل معاشه. (أنظر المسألة: 142).
وفي هذا الصدد، لو مات المفلس بعد الحجر عليه وقبل قسمة أمواله أخذ منها كفنه وسائر مؤنة تجهيزه من السدر والكافور وغيرهما وقُدِّم على حقوق الغرماء، والأحوط استحباباً الاقتصار على المقدار الواجب، وإن كان القول باعتبار المتعارف بالنسبة إلى أمثاله لا يخلو من قوة.
تفريع: في أفضلية بعض الغرماء أو (خيار التفليس)
وفيه مسائل:
مسألة 190: قد صار معلوماً أن أموال المفلس توزع على الغرماء بنسبة حصة كل واحد منهم من مجموع الديون إلى مجموع الأموال الموجودة، فلا يجوز لواحد منهم استباق الآخرين بعد الحجر على المفلس إلى أخذ حصته كاملة؛ ويستثنى من ذلك عدد من الغرماء جعلت لهم الشريعة أفضلية على غيرهم في حالات خاصة، وهو ما نبيّنه على النحو التالي:
أولاً: إذا تعلق بالمال الموجود حق شرعي من الزكاة أو الخمس، وجب ـ حينئذ ـ إخراج مقدار الزكاة والخمس قبل قسمته، أما إذا كان الحق الشرعي ديناً في ذمته مستحقاً عليه سابقاً دون أن يكون له تعلق بعين المال الموجود فإنه يُشرك في القسمة كسائر الديّان؛ دون فرق في ذلك بين المفلس الحي أو الميت.
ثانياً: إذا كانت بعض الأعيان الموجودة مرهونة لأحد الغرماء، كان ذلك الغريم أولى بها، فيأخذ منها تمام مقدار دينه ويدع الزائد لسائر الغرماء.
ثالثاً: إذا كان في أمـوال المفلس عين اشتراهـا في الذمـة، كان البائع ـ بعد إفلاس المشتري ـ بالخيار بين فسخ البيع وأخذ عين ماله وبين إمضاء البيع ومشاركة الغرماء في القسمة، وهذا هو ما يقال له: (خيار التفليس) الذي فضّلنا ذكره هنا في مباحث الدين على ذكره في مباحث البيع؛ وكما يثبت خيار التفليس في البيع فإنه يثبت بنفس النحو للمقرض إذا وجد عين ماله بين أموال المفلس، ويتخير بين الرجوع في القرض وفسخه وأخذ العين، وبين إمضاء القرض والمشاركة في القسمة؛ كذلك فإنه يثبت في الإجارة بالنحو الذي سبق ذكره في مباحث الإجارة، (أنظر المسألة: 257 من الجزء الثاني).
مسألة 191: لا بد لثبوت (خيار التفليس) في البيع والقرض من توفر أمور:
الأول: أن يكون الدين حالاًّ، أو مؤجلاً وقد حل قبل القسمة، فإن كان مؤجلاً إلى ما بعد القسمة لم يكن له الرجوع بالعين.
الثاني: أن لا تكون العين من مستثنيات الدين التي لا تدخل في القسمة عند الحجر، كداره أو سيارته أو نحوهما، فإن كانت كذلك لم يكن له الرجوع فيها.
الثالث: أن تبقى العين كما هي، فلو تغيرت بما لا يبقى معه عنوان العين السابق لم يكن له الرجوع بها، وذلك كما لو زرع الحب أو استفرخ البيض، أو نما عنده نمواً مغيراً لعنوانه، كأن صار الفرخ دجاجة، أو اختلطت العين بمال آخر للمشتري المفلس بنحو يعدّ معه تالفاً، كاختلاط ماء الورد بالماء، أو يكون الاختلاط موجباً للشركة، كاختلاط الزيت بزيت آخر، ونحو ذلك من وجوه التغير المزيل للعنوان. أما إذا لم يكن التغير موجباً لزوال العنوان فإنه لا يضر ببقاء خيار التفليس، وذلك كما لو تعيبت العين، أو قصَّر الثوب أو صبغه، أو أحدث بناءً في الأرض أو زرعاً، أو نحو ذلك.
مسألة 192: إذا استرجع البائع ـ أو المقرض ـ العين بخيار التفليس، فما نتج عنها ـ قبل إرجاعها ـ من زيادة منفصلة فعلاً، كالولد والبيض والصوف والثمر، فهي لمن كانت تحت يده، أي للمشتري المفلس، وكذا حكم الزيادة المتصلة القابلة للانفصال، كالجنين قبل تولده والثمر قبل اقتطافه ونحو ذلك؛ أما الزيادة المتصلة غير القابلة للانفصال، كالسِّمَن والطول ونحوهما، فإنها تتبع العين، فيأخذها البائع معها دون أن يعوض شيئاً على من أحدثها.
مسألة 193: إذا اشترى أرضاً، فأحدث فيها بناءً أو غرساً ثم فَلَّس، كان للبائع الرجوع بالبيع واستعادة الأرض، أما البناء الذي عليها ـ أو الغرس ـ فهو للمشتري، فإن تراضيا على إبقاء البناء لمصلحة المشتري مجاناً أو بعوض كان خيراً، وإن لم يتراضيا فليس للبائع إجبار المشتري على إبقاء البنـاء ـ ولو مجانـاً ـ إذا أراد هدمه، كما أنه ليس للمشتري إجبار البائع على الإبقاء ـ ولو بعـوض ـ إذا طالبه بهدمه، فإن امتنع المشتري حين إذ طالبه البائع بهدمه كان له إجباره على الهدم.
مسألة 194: إذا تعيبت العين عند المُفلِّس لم يسقط حق البائع بالخيار، فإن فسخ ـ والحال هذه ـ لم يكن له إلا أن يأخذ العين كما هي، ويرجع بأرش العيب على من تسبب به بحسب قواعد الضمان وأحكامه؛ وإلا أمضى البيع وشارك الغرماء في القسمة؛ من دون فرق في ذلك بين ما لو كان العيب بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو الأجنبي أو البائع.
مسألة 195: لا يمنـع تلف بعض العين عند المفلس من رجـوع البائـع ـ أو المقرض ـ بالبيع بذلك البعض الباقي ومشاركة الغرماء في القسمة بالتالف إذا كان مضموناً على المفلس، كما أن له إمضاء البيع ومشاركة الغرماء في القسمة في الثمن.
مسألة 196: إذا باع الشريك حصته ديناً فأفلس المشتري، كان لشريكه شراء الحصة المباعة من المشتري أخذاً بالشفعة ولو بعد الحجر عليه، فيسقط حق البائع في الخيار، ويدخل الثمن الذي دفعه الشفيع في أموال المشتري، ويتعلق به حق سائر الغرماء، فيشترك البائع معهم بنسبة حصته دون أن يتعلق له حق بتمام الثمن.
مسألة 197: لا يجب الفور في استخدام الخيار ما دام التأخير لا يعطل القسمة، فإن عطلها وجبت المبادرة إلى حسم أمره واختيار أحد الأمرين، فإن تباطأ أحضره الحاكم فخيّره، فإن امتنع أشركه في القسمة قهراً ودفع إليه نصيبه.
الباب الثاني
في ما يضمن به الدَّين
الفصل الأول: في الرهن
الفصل الثاني: في الكفالة
الفصل الثالث: في الضمان
تمهيد:
يشتد حرص الدائن على ضمان دينه كلما عظم مقداره وخيف من عدم وفاء المدين به، لفلس أو غيبة أو غيرهما، ورغم ما وفره عصرنا هذا للدائن من إجراءات للإستيثاق من الوفاء بدينه فإن الحاجة ما تزال قائمة لما جرى الناس عليه منذ القدم من ضمانات عقدية كان يُستوثق بها من الوفاء بالدين، هي ـ على ما يبدو ـ أشد فعالية وأكثر ضماناً من غيرها، وهي الضمانات التي تعرض لها الفقهاء المسلمون وبحثوها تحت عناوين ثلاثة هي: الرهن والكفالة والضمان.
ورغم أنها تهدف ـ جميعها ـ إلى الاستيثاق من وفاء المدين بدينه، فإن لكل واحد منها خاصية يمتاز بها في الوصول إلى الهدف؛ فالرهن يتقوم بكون الوثيقة فيه مالاً يجعل تحت يد الدائن ليأخذ منه دينه عند عجز المدين عن الوفاء؛ والضمان يتقوم بجعل شخصٍ ذلك الدين في ذمته بدلاً عن المدين؛ والكفالة ـ قديماً ـ تتقوم بتعهد شخص بإحضار المدين إلى الدائن ليوفيه دينه؛ ولكن قد غلب استخدام هذا العنوان ـ في زماننا ـ بتعهد شخص وفاء دين المدين عند عجزه عنه؛ وهي عقود ثلاثة يشتمل كل منها على فروع وتفاصيل كثيرة نذكرها في فصول ثلاثة.
الفصل الأول
في الرهن
المبحث الأول: في العقد والمتعاقدين
المبحث الثاني: في العين المرهونة
المبحث الثالث: في ما يرهن له
المبحث الرابع: في كيفية التصرف بالمرهون
المبحث الخامس: في استيفاء الدين من الرهن
المبحث الأول: في العقد والمتعاقدين
وتفصيل أحكامه يقع في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في التعريف
مسألة 198: الرهن في اللغة هو: الدوام والثبات، ورهَنُ المال هو: حبسه بدين. والرهن في مصطلح الفقهاء هو: (الإتفاق على جعل مال وثيقة لضمان استيفاء الدين منه عند عجز المدين عن الوفاء، أو لضمان عين موجودة عند آخر، بغصب أو عارية أو نحوهما، عند امتناعه عن ردها أورد مثلها أو قيمتها عند تلفها)، فيخرج به كل ما يجعل ضماناً للوفاء بما لا يكون ديناً أو شبه دين، وذلك كأن يجعل رهناً على الثمن أو المبيع أو الأجرة أو غير ذلك من أموال الغير التي تنتقل إليه بسبب من الأسباب، خوف أن تكون مستحقة لغيره، فإن مثل ذلك لا يعتبر رهناً ولا تلحقه أحكامه، وسيأتي مزيد بيان لذلك.
ثم إنه يقال للمدين: (راهن)، وللدائن: (مُرتهِن)، وللشيء المجعول وثيقة (مرهون)، أو: (رهن).
المطلب الثاني: في العقد
مسألة 199: يتحقّق عقد الرهـن ـ كغيره من العقود ـ باللفظ الدال على إيجاب الراهن لمضمونه وقبول المرتهن به، وذلك بكل لفظ يدل عليه، وأكمله ما كان صريحاً فيه، وهو لفظ (رهنتك)؛ ولا يشترط فيه العربية، فضلاً عن أنه لا يشترط في العربية أن يكون بالفصحى أو مطابقاً لقواعدها. كذلك فإنه يتحقّق بالفعل، فيعطي الراهن العين للمرتهن قاصداً به إيجاب الرهن، ويأخذها المرتهن قاصداً به القبول، إضافة إلى تحقّقه بالكتابة والإشارة.
مسألة 200: كما يتحقّق الرهن بالعقد كذلك فإنه يتحقّق باشتراطه في ضمن عقد لازم، كالقرض والبيع ونحوهما، فإذا أقرضه قائلاً: «أقرضتك هذه المئة دينار على أن تكون هذه الساعة اليدوية رهناً عليها»، فقال المقترض: «قبلت»، وقع الرهن وصح؛ ومثله ما لو باعه شيئاً نسيئة وشرط جعل الساعة رهناً على الثمن، فقبل المشتري، أو آجره داره وشرط عليه رهناً على الأجرة التي في ذمته، ونحو ذلك.
مسألة 201: الرهن عقد لازم من جهة الراهن، وجائز من طرف المرتهن، فلا يحق للراهن الرجوع عنه وضم العين المرهونة إليه إلا بفراغ ذمته من الدين المرتهن له، أو بإسقاط المرتهن حقه في العين وفسخ عقد الرهن، أو بثبوت خيار الفسخ له بأحد أسباب الخيار العامة، كخيار تخلف الشرط الصريح أو الضمني.
مسألة 202: لا يعتبر في صحة الرهن قبض المرتهن للعين المرهونة، نعم، إن مقتضى إطلاق عقد الرهن وخُلوَّه من اشتراط الراهن بقاء العين تحت يده أو يد أجنبي، هو كونُهـا تحت يـد المرتهـن، فيحـق للمرتهـن ـ بمقتضى هذا الإطلاق ـ إلزام الراهن بجعل العين عنده أو تحت سلطته.
المطلب الثالث: في المتعاقدين
مسألة 203: يعتبر في المتعاقدين العقل والقصد والاختيار، وعدم الحجر على الراهن لسفه، وكذا لفلس إن كانت العين المرهونة ملكاً له. وكذا يشترط فيهما البلوغ إلا أن يأذن لهما الولي فيصح منهما مع عدم بلوغهما.
مسألة 204: لا يشترط في صحة الرهن استمرار حياة المتعاقدين، فلا يبطل الرهن بموت الراهن ولا بموت المرتهن، بل تنتقل العين المرهونة إلى ورثة الراهن بالنحو الذي هي عليه من تعلق حق الدائن بها، كما ينتقل حق الرهن فيها إلى ورثة المرتهن.
نعم إذا لم يستأمن الراهن ورثة المرتهن على العين كان له المطالبة بتسليمها لمن يتفقون عليه، فإن لم يتفقوا سلّمها الحاكم الشرعي ـ أو العدل من المؤمنين مع فقده ـ إلى أمين.
مسألة 205: يجوز لولي الطفل والمجنون والسفيه رهن أموالهم مع وجود مصلحة لهم في ذلك، وكذا يجوز له الإرتهان لهم، بل قد يكون ذلك واجباً عليه حفظاً للديون التي لهم.
المبحث الثاني: في العين المرهونة
مسألة 206: يجب أن يتوفر في المرهون أمور:
الأول: أن يكون عيناً خارجية، فلا يصح ـ ابتداءً ـ وقوع عقد الرهن على منفعة العين ولا على دين ما يزال في ذمة الدائن. نعم يصح جعل المنفعة أو الدين غير المقبوض وثيقة على دينه في إطار جعله شرطاً في عقد لازم، وذلك كأن يقول له: «أقرضتك هذه المئة دينار إلى سنة على أن تجعل منفعة دارك الفلانية وثيقة على ديني»، أو أن يشترط المقرض جعل وثيقة على الدين دون تحديد، ثم يتفقان خارج العقد على جعل الوثيقة منفعة هذه الدار أو الدين الموجود في ذمة فلان، فيصح منهما ذلك ويفيد فائدة الرهن وإن لم تلحقه أحكامه.
هذا، ولا يشترط في العين أن تكون مشخصة، بل يجوز رهن الكلي في المعين، كثوب من هذه الرزمة، أو كتاب من هذه الكتب، ونحوهما، دون ما لو كان كلياً في الذمة، فإنه لا يصح كون المرهون ثوباً أو سيارة أو داراً على نحو تكون في ذمة الراهن يوجدها عند الطلب. اللهم إلا أن تكون على نحو الشرط في عقد لازم، فتصح حينئذ، ولكن لا على نحو الرهن.
الثاني: أن تكون العين مما يجوز للراهن التصرف فيه بالبيع والشراء ولو في إطار الرهن بخاصة، وذلك بأن تكون مملوكة له ملكاً طلقاً، فلا يصح رهن العين غير المملوكة له، ولا رهن الملك غير الطلق، كالموقوف، ولو كان الوقف خاصاً، ولا الأرض الخراجية، ولا رهن المملوك غير الموجود في يده مما لا يرجى عوده، كالطير في الهواء. نعم، يجوز رهن الوقف إذا كان مما يجوز بيعه؛ وكذلك يجوز رهن غير المملوك إذا أجازه المالك، ومنه ما إذا كان موجوداً تحت يده بالعارية ـ مثلاً ـ وأجازه المالك؛ وحينئذ فإنه يجب على الراهن الاقتصار في كيفية الرهن على ما رسمه له المالك.
الثالث: أن تكون العين معيّنة، فلا يصح رهن المبهم، كأن يرهن أحد هذين: السيارة أو الدار. نعم، لا يشترط أن تكون معلومة الأوصاف من حيث الجنس والنوع والمقدار إذا كانت معلومة من حيث القيمة والمالية بحد يتحقّق معه التأمين المقوم للرهن.
الرابع: أن لا تكـون العين خمـراً أو خنزيـراً إذا كـان كـلا المتعاقديـن ـ أو أحدهما ـ مسلماً.
الخامس: أن تكون العين صالحة للبقاء إلى حين حلول أجل الدين والتمكّن من استيفائه منها، فلا يصح رهن ما يسرع إليه الفساد قبل الأجل إلا إذا اشترط بيعَهُ حينما يصير في معرض خوف الفساد وجَعْلَ ثمنه رهناً، فيبطل الرهن بدون هذا الشرط، سواء شرط الراهن عدم البيع حينذاك أو كان قد أطلق الرهن من هذه الجهة.
مسألة 207: توابع العين المرهونة، كالحَمْل والصوف واللبن في الحيوان، وكالثمرة والأغصان اليابسة في الشجرة، لا تكون مرهونة تبعاً للأصل إلا مع اشتراطها صريحاً أو من خلال القرينة، سواء في ذلك ما كان موجوداً منها حين العقد أو ما كان قد تجدد بعد العقد.
مسألة 208: لا يشترط قيام المدين بنفسه بالرهن من ماله أو من مالٍ تحت سلطته، بل يجوز تبرع غير المدين برهن شيء من ماله ليكون وثيقة على دين المدين، حتى لو لم يقبل بذلك، فإن رضى الدائن بذلك صح الرهن وصار صاحبُ العين المرهونة ـ في الحقيقة ـ هو الراهن، لا المدين.
ويتفرع على ذلك أنه إذا استوفى الدائن دينه من هذا الرهن عند عجز المدين عن الوفاء لم يكن لباذل الرهن الرجوع على المدين بمثل أو قيمة تلك العين المرهونة إذا لم يكن قد أذن له ولا طلبه منه، وكذا لو كان بإذنه أو طلبه لكنه كان مبنياً على التبرع عنه، وإلا ضمن المدين لذلك الباذل ما بذله.
مسألة 209: يجوز تعدد الرهن على دين واحد، فلو كان المرهون عينين في عقد رهن واحد، أو أجرى عقدين، كلَّ عقد على عين، من أجل دين واحد، صح الرهن وجاز للمرتهن استيفاء دينه من كل من العينين مع وفاء كل منهما بتمام الدين، مخيراً بينهما، أو مع تقديم أحدهما إذا كان قد شرط عليه الراهن ذلك، كما يجوز استيفاء دينه منهما معاً، ويرد ما يزيد من ثمنهما على الراهن.
مسألة 210: لا يشترط في العين المرهونة أن تكون خلية من رهن آخر، فيجوز جعل تلك العين المرهونة على دين مرهونةً على دين آخر، ثان أو ثالث أو أكثر، سواء كان الدينان من جنس واحد وبمقدار واحد أو مختلفين، وسواء كان الرهن الثاني لنفس الدائن الأول، وذلك في صورة ما لَو عاد فاقترض منه مرة ثانية، وجعل نفس العين المرهونة بالدين الأول رهناً على الدين الثاني؛ أو كان الرهن الثاني لشخص آخر كان المدين قد اقترض منه وجعل نفس العين المرهونة لغيره رهناً على دينه؛ إذا رضي كلا المرتهنين الأول والثاني بذلك وتوافقا عليه.
ثم إنه إذا عجز المدين عن الوفاء بدينه الأول كان للمرتهن أن يبيع العين بدينه، فإن استمر عجز الراهن إلى الدين الثاني الذي صار بدون وثيقة عليه لم يكن في ذلك بأس ما دام المرتهن قد ارتضى ذلك؛ وأما إذا كان المدين قد وفّى دينه الأول فإن العين تبقى مرهونة لصالح الدين الثاني دون إشكال فيه. نعم لو فرض أنهما حين رَهَن الراهنُ العينَ لدين شخص آخر فرضي الأول بذلك الرهن، كانـا قد قصـدا فسخ الرهـن الأول، فإنه ـ حينئـذ ـ يصير رهناً لصالح الدين الثاني وحده.
هذا كله إذا كان كل واحد من الرهنين بعقد مستقل عن الآخر، أما إذا كان عليه دينان لشخصين فرهن شيئاً عندهما على الدينين بعقد واحد، كان كل منهما مرتهناً للنصف مع تساوي الدينين، أو مرتهناً بنسبة دينه مع الاختلاف، فإذا وفى دين أحدهما إنفك من العين المرهونة ما يقابل حقه وبقي جزؤها الآخر مرهوناً.
مسألة 211: إذا اشترى شيئاً بثمن في الذمة جاز جعل المبيع رهناً على الثمن.
مسألة 212: لا يشترط أن تكون العين المرهونة مماثلة للدين ولا مساوية في قيمتها لقيمته.
المبحث الثالث: في ما يرهن له
مسألة 213: يقتصر في ما يُرهن لأجله على أمور:
الأول: الدين، ولا بد فيه أن يكون ديناً ثابتاً في الذمة من خلال تحقّق موجبه قبل الرهن عليه، كالإقراض وبيع السلف أو النسيئة أو المهر المؤجل أو غير ذلك من أسباب اشتغال الذمة بمال للغير، فإن أوقع الرهن على قرض لم ينشأه، أو على ثمن مبيع مؤجل لم يشتره بعد، لم يكن ذلك رهناً.
الثاني: الأعيان المضمونة على الآخذ، وهي كل ما يكون تحت يد الغير، بغصب أو عارية أو التقاط أو نحوها، ويخشى مالكها من عدم وفاء آخذها بها، لعجز أو تمرد، فيجوز له أن يرتهن عليه ويصح الرهن. فإن لم يكن من هذا القبيل، كأن يخشى المشتري من كون المبيع مستحقاً للغير، أو المستأجر من كون العين كذلك، أو نحو ذلك مما يؤخذ من الغير بأسبابه العاديّة فإنه لا يصح جعل رهن عليه.
الثالث: المنافع، فإنه يصح جعل رهن على الأجير وثيقة على العمل الثابت في ذمته، بحيث يكون للمستأجر حق بيع الرهن واستئجار من يقوم له بالعمل عند عدم وفاء الأجير به.
مسألة 214: يجوز التوثق بما يشبه الرهن في كل مورد لا يصح فيه الرهن، وذلك باشتراطه في عقد لازم، ففي مثل المبيع الذي يخشى المشتري أن يكون مستحقاً للغير، يجوز له أن يشترط على البائع أن يجعل شيئاً وثيقة في يد المشتري كي يأخذ منها بدل الثمن الذي دفعه له إذا تبيّن كون المبيع مستحقاً للغير، وذلك في ضمن عقد البيع أو عقد آخر لازم غيره؛ بل إنه يصح العدول عن الرهن في موارد جوازه إلى مثل هذا الإشتراط المؤدي إلى نفس النتيجة.
المبحث الرابع: في كيفية التصرف بالمرهون
وفيه مسائل:
مسألة 215: إن مقتضى إطلاق عقد الرهن هو استحقاق المرتهن جعل العين المرهونة تحت سلطته بالنحو المناسب لها، وذلك بمثل أخذه الكتاب أو الدابة فيما ينقل، أو بمثل أخذه مفتاح الدار أو التخلية بينه وبين العقار فيما لا ينقل؛ وعند تمام العقد يجب على الراهن تسليم المرهون إلى المرتهن، وإذا امتنع عنه أجبر عليه؛ إضافة إلى ذلك، فإن للمرتهن أن يشترط ذلك على الراهن، كما أن للراهن أن يشترط إبقاء العين عنده أو جعلَها عند ثالث.
مسألة 216: لا تخـرج العيـن المرهونـة ـ خــلال مـدة الرهـن ـ عن ملك مالكها، سواء كان المالك هو نفس الراهن أو غيره، غير أن تصرف المالك فيها مقيد بعدم منافاته لحق المرتهن المبتني على لزوم بقائها صالحة لوفاء دينه منها، وتفصيل ذلك كما يلي:
أولاً: يجوز للمالك أن يتصرف بالمرهون بما لا يوجب نقصاً في قيمته، ولا إتلافه، ولا نقله عن ملكه مجاناً أو بعوض؛ وذلك بمثل سكنى الدار وركوب السيارة ولبس الثوب والقراءة في الكتاب ونحو ذلك، سواء لنفسه أو لأهله وقرابته أو لأجنبي عنه؛ ولا يحق للمرتهن منعه من مثل هذه التصرّفات، لا سيما إذا كانت العين المرهونة ما تزال عند الراهن، بل وكذا في صورة ما لو كانت عند المرتهن، إذ إن وجودها عنده، أو كونها تحت سلطته، لا يمنع من أخذ المالك لها حين الإحتياج إليها ثم إرجاعها إليه.
ثانياً: لا يجوز للمالك أن يتصرف فيها بما ينافي حق المرتهن فيها إلا بإذنه، وحينئذ، فإن كان التصرف المأذون فيه موجباً لنقص في قيمتها لم يضر ذلك بالرهن، وإن كان موجباً لإتلاف العين أو لنقلها عن ملكه مجاناً صح تصرفه وبطل الرهن، وكذا إذا كان موجباً لنقلها عن ملكه بمثل البيع، إلا أن يشترط عليه جعل الثمن رهناً، فإنه ـ حينئذ ـ يصح البيع ويستمر الرهن في الثمن إذا وفى له الراهن بالشرط، فإن لم يف بالشرط بطل البيع وبقيت العين مرهونة.
ثالثاً: يملك المالك ـ خلال مدة الرهن ـ نماء العين المرهونة، سواءً منه ما كان متصلاً، كالسِّمن والطول، أو ما كان منفصلاً، كالصوف والولد والثمرة ونحوها، وسواءً منه ما كان موجوداً حين العقد أو ما يتجدد بعده. وكما أن له نماءها فإن عليه نفقتها خلال مدة وجودها عند المرتهن، وذلك حتى لو شرط المرتهن كون نمائها له، إلا أن يشترط عليه الراهن كون الإنفاق عليه.
مسألة 217: لا يجوز للمرتهن التصرف في العين المرهونة بدون إذن المالك، فإذا تصرف فيها بمثل الركوب والسكنى ونحوهما، أثم، ولزمته أجرة المثل على ما استوفاه من منافعها، وضمن ما يتلف منها خلال انتفاعه بها ولو مع حرصه عليها وعدم تفريطه بها، لأنه متعد في أصل التصرف؛ نعم، يجوز له أن يتصرف فيها بما يوجب حفظها، مثل سقايتها وإطعامها ورعيها، وما أشبهه. وإذا تصرف فيها بمثل البيع والإجارة ونحوهما كان العقد فضولياً، فإن أجازه المالك صح وإلا بطل؛ ولو فرض أن المالك ـ حيث يجوز له بيع المرهون ـ قد أذن للمرتهن ببيعه، لم يكن الثمن حينئذ رهناً بدل المبيع، إلا أن يُنشِئآ له عقداً جديداً.
مسألة 218: يجوز للراهن أن يشترط على المرتهن دفع أجرة ما يستوفيه من منافع العين المرهونة، وكذا يجوز للمرتهن ـ مـن حيث المبـدأ ـ أن يشترط على الراهن استيفاء منافع العين المرهونة عنده، مجاناً أو بأجرة أقل من أجرة المثل، إلا أن يقع هذا الشرط من المرتهن في عقد القرض صراحة أو ضمناً، فإنْ شَرَطَهُ فيه صح القرض والرهن وبطل الشرط لأنّه من الربا، فيما يحكم بجوازه وصحته في غير هاتين الحالتين، كأن يقع في عقد الرهن المستقل عن القرض، أو في أي عقد آخر لازم، كالبيع والزواج والإجارة وغيرها. هذا وكما لا يجوز للمرتهن أن يشترط على الراهن استيفاء منافع العين المرهونة مجاناً أو بأجرة أقل، في عقد القرض، فإنه لا يجوز ـ أيضـاً ـ اشتراطه عوضاً لتأجيل الدين أو لزيادة مدة ألاجل.
مسألة 219: الرهن أمانة في يد المرتهن لا يضمنه لو تلف أو تعيب من دون تعدٍّ ولا تفريط. وتفريعاً على ذلك لو فرض أن المرهون الموجود عند المرتهن هو ـ قبل رهنه ـ عين مغصوبة من قبله، وكان الراهن مديناً له بدين فجعل تلك العين المغصوبة رهناً على دينه، صارت يده عليها يد أمانة وسقط عن المرتهن ضمانها إلا مع التعدي أو التفريط.
مسألة 220: إذا كانت العين المرهونة موجودة عند المرتهن، وقد ظهرت عليه إمارات الموت، وجب عليه الاستيثاق من عدم ضياع حق مالكها فيها، ولو بالوصية بها وتعيين المرهون والراهن ونحو ذلك، فإن لم يفعل، فمات، كان مفرطاً، وعلى الوارث ضمانها عن الميت من أصل تركته إذا لم تصل إلى مالكها.
المبحث الخامس: في استيفاء الدين من الرهن
وفيه مسائل:
مسألة 221: إذا حلَّ أجل الدين ولم يف الراهن للمرتهن بدينه لم يكن له ـ ابتداءً ـ أن يستقل بالمبادرة إلى أخذ دينه من العين المرهونة الموجودة عنده ما لم يكن قد شرط ذلك لنفسه، بل يجب عليه مراجعة الراهن وطلب دينه منه، فإن وفى دينه من غير العين المرهونة كان خيراً ووجب على المرتهن إرجاع العين إليه، وإن باعها الراهن، أو وكَّل غيره في بيعها أو أذن للمرتهن بذلك فبيعت، وأدى دينه منها كان خيراً ـ أيضاً ـ وتحقّق المطلوب؛ ثم إنه إذا كان المرتهن قد شرط لنفسه أن يبيع المرهون حين الاستحقاق جاز له المبادرة إلى ذلك دون استئذان الراهن، أما إذا لم يكن قد شرط ذلك لنفسه، وراجع الراهن فلم يف له بدينه ولم يبع هو العين المرهونة ولا أذن له ببيعها، فإنَّ عليه ـ حينئذ ـ رفع أمره إلى الحاكم الشرعي، فيأمر الحاكم الراهن بالبيع، فإن أبى أجبره عليه، فإن لم يمكن، أخذ الحاكم منه العين وباعها ووفى دين المرتهن منها، فإن وجد الحاكم الشرعي ولكن لم يكن مبسوط اليد، جاز للمرتهن بيعها بعد استئذان الحاكم الشرعي واستيفاء دينه منها؛ وكذا يجوز له بيع العين بإذن الحاكم الشرعي في حال عدم إمكان الاستئذان من الراهن لغيبة أو إغماء أو نحوهما؛ فإن لم يوجد الحاكم الشرعي جاز له المبادرة إلى بيعها واستيفاء دينه.
مسألة 222: من ليس عنده بيّنة لإثبات دينه، وخاف أن ينكر الورثة كون مورثهم مديناً له، وكان للمديـن الميـت رهـن تحت يـده، جاز له ـ بعد استئذان الحاكم الشرعي ـ بيع الرهن واستيفاء دينه منه. وكذا لو خاف جحود الراهن وإنكاره للدين.
مسألة 223: حيث يجوز لغير الراهن بيع العين المرهونة فإنها إن نقصت عن الدين تبقى ذمة الراهن مشغولة للمدين بالباقي، وإن زادت عنه وجب على البائع (المرتهن أو الحاكم الشرعي) إرجاع الزائد إلى الراهن، وحيث يمكن بيع بعض العين ووفاء تمام الدين به لا يجوز بيع الكل، بل يجب الإكتفاء ببيع البعض وإرجاع الباقي إلى الراهن.
مسألة 224: إذا كان المرهون من الأعيان التي يحتاجها في معاشه، كدار سكناه وسيارته وعدة عمله، لم يؤثر ذلك في جواز بيعها لوفاءالدين منها، بل يجوز بيعها ـ رغم كونها كذلك ـ واستيفاء الدين منها.
مسألة 225: إذا كان المدين قبل موته قد أوصى المرتهن ببيع العين المرهونة وسداد دينه منها، وجب عليه ذلك بمقتضى الوصية، ولم يكن للوارث إلزامه بترك البيع وأخذ دينه من مال آخر.
مسألة 226: لا ينفك الرهن عن جميع العين ولا عن جزء منها إلا بأداء جميع الدين، نعم إذا شرط الراهن تجزأة الإنفكاك بنسبة ما يدفع إلى الدين صح الشرط ونفذ، كما يصح الشرط وينفذ لو شرط انفكاك الرهن عن المجموع بأداء جزء من الدين.
وإذا رهن اثنان عيناً مشتركة بينهما في دينين عليهما للمرتهن، بعقد واحد أو عقدين، ثم قضى أحدهما دينه، انفك الرهن عن العين بمقدار حصته وظل الباقي مرهوناً. لكنَّ هذا الحكم لا يجري في صورة ما لو طرأ الاشتراك بعد الرهن، وذلك كما لو أذن الوالد لولديه المدينين برهن عين له في دينهما، ثم مات الوالد عن هذين الولدين المدينين، فصـارا ـ بسبـب الوراثـة ـ شريكيـن في العين المرهونة، فإذا وفى أحد الوريثين حصته من الدين لم ينفك من رهن العين بمقدار حصته، بل تبقى العين بتمامها مرهونة حتى يفي الآخر حصته من الدين.
مسألة 227: إذا كان عنده عين لغيره، وشك في أنها وديعة له عنده أو أنها رهن له على دين، لم يحكم بكونها رهناً، لا سيما مع عدم العلم بكون صاحب العين مديناً لمن عنده العين، بل وكذا لو علم كونه مديناً له دون أن يتداعيا فيها، فإن تداعيا فيها، فادّعى الدائن كونها رهناً، وادّعى المدين كونها وديعة، قُدِّمَ قول مدعي الرهن مع يمينه، إلا أن يقيم المدين بيّنة تثبت أنها ليست رهناً، أو ـ على الأقل ـ تثبت أنه قد تسلم العين منه لا على وجه الرهن.
مسألة 228: إذا مات من كان عنده عين مرهونة، وعلم الورثة بعدم وجودهافي تركته، لم يجب عليهم تحمل شيء تجاه صاحبها، سواءً احتملوا أن مورثهم قد ردّها إلى صاحبها، أو باعها بدينه واستوفاه منها، أو احتملوا أنها قد تلفت عند مورثهم بتفريط منه أو بغير تفريط؛ بل وكذا لا يتحمل الوراث شيئاً إذا احتمل ـ مجرد احتمـال ـ وجـود العيـن في التركـة، دون أن يعلـم ـ جزمـاً ـ بوجودها فيها، إجمالاً ولا تفصيلاً.
مسألة 229: قد سبق منا القول في مبحث الفلس: «إن المرتهن أولى بالعين المرهونة من سائر الغرماء عند الحجر على المفلس، فيقدم حقه فيها ليستوفي منها تمام دينه، ثم يدفع الزائد عنه ـ إن وجد ـ إلى سائر الغرماء يشتركون فيه» (أنظر المسألة: 190).
الفصل الثاني
في الكفالة
المبحث الأول: في العقد والشروط
المبحث الثاني: في كيفية القيام بها
تمهيد:
(الكفالة) هي إحدى وسائل الاستيثاق من الدين، أو الحق بعامة، ويمكن تعريفها بأنها: (تعهد الكفيل بإحضار من عليه الحق ليؤدي ما عليه لصاحب الحق، أو تعهد الكفيل بأداء ما على المكفول من حق مالـي لصاحـب الحق حيـن عجزه عن الأداء)، والأُولـى ـ وهي التعهد بإحضار الشخص ـ سوف نصطلح عليها بـ (كفالـة النفـس)، فيما نصطلـح على الثانيـة ـ وهـي التعهـد بالأداء ـ بـ (كفالة المال). ويسمى المتعهِّد (كفيلاً)، والمتَعَهَّد بإحضاره أو الأداء عنه (مكفولاً)، وصاحب الحق (المكفول له)، وإن كنّا عازمين على استخدام تسميات أخرى غير تسمية (المكفول له) كتسميته، (صاحب الحق) أو نحو ذلك.
هذا، وإنه رغم ما في كفالة الغريم من خدمة وتضحية ومسؤولية فإنه قد ورد في بعض الأخبار ما يشعر بكراهتها، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (الكفالة خسارة غرامة ندامة)، ولعل كراهتها حيث لا يكون ثمة ضرورة، وحيث يكون الغريم قادراً على توثيق دينه بغير الكفالة، كالرهن ونحوه، وإلا فإن فيها تفريج كربة المؤمن، وهو في غاية الرجحان والاستحباب.
وفيما يلي تفصيل أحكامها في مبحثين:
المبحث الأول: في العقد والشروط
وفيه مسائل:
مسألة 230: لا بد في الكفالة من العقد المبرز لرضا الطرفين ـ وهما بخاصة: الكفيل وصاحب الحق ـ بمضمونها، والمشتمل على الإيجاب والقبول، والمتحقّق بكل لفظ يدل على مضمونهما أو بالفعل المفهم لهما، كغيره من العقود؛ وكلما كان العقد باللفظ الصريح المشتمل على جميع التفاصيل المرادة للمتعاقدين كان ذلك أولى وأفضل.
أما المكفول فإن رضاه ليس شرطاً في تحقّق الكفالة إجمالاً، وإن كان لرضاه أثر من جهات أخرى كما سيأتي، فيصح العقد وينفذ في كفالة النفس، حتى لو صرح بعدم الرضا، إذا كان الكفيل واثقاً من قدرته على إقناعه بالحضور، فضلاً عن صحته بدونه في كفالة المال؛ وإن كان الأحوط استحباباً اعتبار رضاه في كلتا الكفالتين، بل الأحوط منـه ـ استحبابـاً ـ جعله طرفاً ثانياً في القبول، بحيث يوجب الكفيل فيقبل المكفول وصاحب الحق معاً.
مسألة 231: يشترط في الكفيل جميع شروط الأهلية بالنحو المعتبر في غير الكفالة من العقود، ومنها عدم الحجر عليه لفلس، إلا في كفالة النفس إذا لم يترتب عليها دفع مال. وكذلك الأمر في المكفول له، بل والمكفول بناءً على اعتبار رضاه، وإلا لم يشترط فيه شيء من ذلك.
مسألة 232: كما تتحقّق الكفالـة بالعقد فإنها تتحقّق ـ أيضـاً ـ بالشرط في ضمن عقد لازم، فإذا اشترط البائع زيد في ضمن عقد البيع ـ مثلاً ـ على سعيد المشتري أن يكون كفيلاً لـه عند سميـر، أو أن يكـون كفيـلاً لغيـره ـ كجاره أو ولده ـ عند سمير، فقبل المشروط عليه صحت الكفالة ونفذت؛ نعم إذا كان الإشتراط بصيغة (أن يكفل) لا بصيغة (أن يكون كفيلاً) فإن تحقّق الكفالة ـ حينئذ ـ يحتاج إلى عقدها الخاص ليتحقّق به الشرط.
مسألة 233: لا تصح الكفالة إلا عند توفر أمور:
الأول: أن يكون الشيء المكفول لأجله حقاً مشروعاً للمكفول له على المكفول، فلو كان داعي الكفالة هو (الدَيْنُ)، وكان الدين نتاجَ ثمن الخمر أو من الربا أو جائزة على الظلم، أو كان داعي الكفالة هو إحضاره إلى الظالم لحبسه أو للشهادة عنده زوراً، أو نحو ذلك، لم تصح الكفالة، فيما تصح في كل مورد يكون الداعي فيه (حقاً) عدا كفالة المطلوب بحد أو تعزير فإنها غير صحيحة. وسيأتي بيان ذلك.
الثاني: أن يكون الحق على درجة من اللزوم موجبة لحضور من عليه الحق بنفسه أو وليه أو وكيله لأدائه إلى صاحبه، فلو كان الحق غير واجب بنفسه، كالتصدّق على الفقير أو زيارة الرحم أو نحو ذلك، لم تصح الكفالة فيه.
الثالث: أن يكون الكفيل قادراً على إحضار المكفول، ويكفي فيه عدم العلم بعجزه عن إحضاره؛ والمراد بالقدرة: قدرته على إحضاره بكل وسيلة ممكنة، ولو بإقناعه ليحضر هو بنفسه إذا طلب منه، أو بإجباره، أو غير ذلك؛ ولو ظن الكفيل قدرته على إحضاره فتبين عجزه عنه من الأول بطلت الكفالة من حين الإنكشاف لا من الأول.
مسألة 234: يجوز أن يكون الكفيل جهة أو مؤسسة، ومنها المصارف، فإنه يجوز للبنك أن يكون كفيلاً مالياً لزبائنه بالنحو الموافق لأحكام الكفالة المذكورة هنا، كذلك فإنه يجوز له أخذ مال من المكفول في قبال هذه الخدمة.
مسألة 235: قد أشرنا سابقاً إلى أن الكفالة تشرع في كل مورد يكون موجبها فيه حقاً، عدا كفالة المطلوب بحد أو تعزير، وتفصيل ذلك نبيّنه كما يلي:
أولاً: يجوز التكفل بإحضار الشخص لأداء ما عليه لصاحب الحق، سواءً في ذلك ما لو كان الداعي مالياً، كالدين وتسليم المبيع ورد العارية وأداء العمل المستأجر عليه وتسليم العين المستأجرة ونحو ذلك من (الحقوق المالية)، بما في ذلك دية الجناية على النفس أو الأعضاء؛ أو كان الداعي غير مالي، كالحضور لأداء الشهادة عند الحاكم الشرعي، أو للترافع عنده، أو للإقتصاص منه بجناية على النفس أو الأعضاء، أو لمساكنة الزوج، أو نحو ذلك، عدا المطلوب بحد أو تعزير.
وهذا هو الذي اصطلحنا عليه بـ (كفالة النفس)، أي: ما ابتنت فيه الكفالة على إحضار الشخص الذي عليه الحق.
ثانياً: يجوز التكفل لصاحب الحق بإيصال حقه إليه وأدائه له من ماله إذا لم يف المكفول؛ ولا يخفى اختصاصها بالأمور المالية دون غيرها، ديناً كان المال أو عيناً.
وهذه هي التي إصطلحنا عليها بـ (كفالة المال)، وهي المعمول بها كثيراً في زماننا، بل هي المعروفة والمتبادرة إلى الذهن عند الإطلاق.
ثالثاً: تصح الكفالة بقسميها ـ أي كفالة النفس وكفالـة المـال ـ في الأمور المالية مطلقاً، سواء في ذلك ما كان الحق ثابتاً قد اشتغلت به الذمة، كالديون التي هي نتاج المعاملات وعوض التالف وأرش الجناية ونحوها، أو ما كان سببه موجوداً ولما ينجز بعد، كتكفل الجَعْل في الجعالة قبل وجدان المجعول لأجله؛ بل تصح الكفالة قبل وجود السبب إذا كان متوقع الحصول، وذلك كأن يقول الكفيل: «بعه الدار وأنا كفيل لك بالثمن» أو: «دع باب دكانك مفتوحاً وأنا كفيل لك بما يسرق منه» ونحو ذلك؛ بل تصح ـ أيضاً ـ كفالة استرجاع الثمن أو الأجرة إذا ظهر للمشتري أو المستأجر كون العين مغصوبة، حيث يجوز للمكفول له الرجوع على الكفيل بما دفعه عوضاً للعين المغصوبة أو منفعتها، ومثله في الحكم ما أشبهه من الموارد.
مسألة 236: لا يشترط في صحة الكفالة العلم بمقدار المال المكفول، بل تصح كفالة (ما في ذمة الغير)، أو دية جنايته، أو غير ذلك دون معرفة الكفيل بمقدار المكفول.
مسألة 237: إذا كان الحق حالاًّ أو مؤجلاً صح إيقاع الكفالة حالّة أو مؤجلة، ومع إطلاق العقد تكون حالّة، ويجب في الأجل أن يكون مضبوطاً على نحو لا يختلف زيادة ولا نقصاً.
مسألة 238: تصح الكفالة بقسميها في الموارد التي يُطلب فيها المكفول ظلماً ليُحبَسَ أو ليُُؤَدي شهادة محرَّمة أو ليُسلب ماله قهراً، وذلك فيما لو ترتب على كفالته دفع ضرر أكبر عنه، فيجوز للمكلّف أن يتعهد للظالم بإحضار من يطلبه ليحبسه مثلاً، إذا كان إحضاره سبباً للتخفيف من مدة حبسه ومن الضرر الواقع عليه.
مسألة 239: يجوز أن يكفل الكفيلَ شخصٌ ثانٍ، والثانيَ ثالثٌ، وهو ما يسمى بـ (ترامي الكفالات)، كما يجوز أن يكفل الكفيلُ أكثرَ من شخص.
مسألة 240: الكفالة عقد لازم لا ينفسخ إلا بالإقالة أو بجعل الخيار له أو بسقوطها بما يوجبه مما سيأتي.
المبحث الثاني: في كيفية القيام بها
وفيه مسائل:
مسألة 241: رغم أنه يجب على المكفول أن يبادر إلى إبراء ذمته مما عليه لصاحب الحق عند استحقاقه ومطالبته به، فإنه حيث لا يبادر المكفول إلى الوفاء يجب على الكفيل التوسّل بكلّ وسيلة مشروعة من أجل تحقيق مضمون الكفالة، وذلك على النحو التالي:
أولاً: إذا كانت الكفالة تعهداً بالإحضار، وكان المكفول موجوداً في مكان التسليم، معلوم المكان، مستجيباً للكفيل، وجب على الكفيل إحضاره وجعله بين يدي صاحب الحق وتمكينه منه، فإذا أحضره بهذا النحو برأت ذمته وانحلت كفالته، وصار تحصيل الحق منه تكليفَ صاحب الحق لا الكفيل. وأما إذا امتنع الكفيل عن إحضاره مع قدرته عليه، كان لصاحب الحق أن يرفع أمره للحاكم الشرعي، فيحبس الحاكمُ الكفيلَ حتى يتعهد بإحضاره ويحضره، أو يدفع ما عليه من حق لصاحبه إن كان مما يمكن للغير دفعه عنه، كالحقوق المالية، فإذا دفع برأت ذمته وانحلت كفالته.
أما إذا سعى الكفيل لإحضاره فامتنع المكفول عن الاستجابة، جاز له ـ بل وجب عليه ـ إجباره مع القدرة، ولو بالاستعانة بالظالم إذالم يكن فيها مفسدة أعظم.
هذا إذا كان معلوم المكان، أما إذا كان غائباً عن بلده، منقطع الأخبار، ولا يُرجى الظفر به، لم يُلزم كفيلُ النفس بأداء ما عليه من مال، إلا أن يكون متمكناً من إحضاره ـ بعد المطالبة به ـ فتهاون في إحضاره حتى فُقد خبرُه، أو كان صاحبُ الحق قد شرط عليه الأداء عنه عند فقده.
ثانياً: إذا كانت الكفالة تعهداً بالدفع عنه عند عدم وفائه، وقد حلَّ أجل الوفاء بالحق على المكفول، فلم يف بما عليه عجزاً أو تمرداً، وجب على الكفيل أداء ما عليه من ماله، فإن لم يدفع كان لصاحب الحق إجباره على الدفع بكل وسيلة مشروعة، بما في ذلك الاستعانة بالظالم إذا انحصر أداء الحق به ولم يترتب عليها مفسدة أعظم.
مسألة 242: إذا أمسك الكفيلُ المكفول المتمنع لإحضاره إلى صاحب الحق، فجاء آخر فخلصه منه، وجب على المخلِّص العمل على الإمساك به وتسليمه، فإن خيف فوت المخلِّص جاز للكفيل أن يحبسه حتى يحضره أو يؤدي ما عليه من الحق؛ ولو فرض أن المكفول كان قاتـلاً عمـداً ـ والحالـة هذه ـ وجب على المخلِّص إحضاره ليُقتص منه، أو يحبس المخلِّص بالنحو المذكور آنفاً إلى أن يحضره، أو يرضى منه الولي بالدية؛ أما صاحب الحق فإن له في هاتين الحالتين أن يرجع على الكفيل، ثم يرجع الكفيل على المخلص. ويثبت نفس الحكم في صورة ما لو كان المُمْسِكُ به هو صاحب الحق نفسه فخلصه منه آخر، فإن لصاحب الحق أن يرجع على المخلِّص بالنحو الذي ذكر.
مسألة 243: إذا كان المكفول غائباً، واحتاج إحضاره إلى بذل مال، وجب على الكفيل تحمله من ماله دون أن يرجع به على المكفول أو على صاحب الحق، إلا أن يشترط الكفيلُ كونَه على أحدهما، أو يكون البذل بطلب من المكفول فيتحمله الطالب حينئذ.
مسألة 244: إذا لم يعين المتعاقدان بلد التسليم فمقتضى الإطلاق إحضاره إلى البلد الذي تم فيه التعاقد، فلا يكفي إحضاره إلى غيره إلا مع التعيين صريحاً أو مع القرينة الصارفة عن مقتضى الإطلاق.
مسألة 245: إذا لم يَحضر المكفولُ ـ تمرداً أو لغيْبة ـ فدفع عنه الكفيل ما كان عليه من حق مالي للمكفول له، وجب على المكفول تحمل ذلك في صورة ما لو كان قد رضي بكفالته له وبأدائه عنه، بل وفي صورة ما لو كان قد طلب منه الأداء عنه حين الاستحقاق دون أن يكون قد سبق منه الرضى بالكفالة؛ وأما إذا لم يكن قد طلب منه الأداء عنه حين الاستحقاق ـ سواءً كان قد طلب منه الكفالة قبل ذلك أو لـم يطلب ـ لم يتحمل المكفول ما بذله الكفيل إلا أن يكون طلبُه الكفالةَ مُتضمِّناً وظاهراً في تحمل وتعويض ما سيدفعه عنه الكفيل، فيلزم المكفول ـ حينئذ ـ بالتعويض على الكفيل، رغم أنه لم يكن قد طلب منه الأداء عنه.
مسألة 246: يجوز أن يجعل صاحب الحق على الكفيل شرطاً مالياً إذا لم يُحضر المكفول في حالات معينة، مثل كفالة المطلوب بحق غير مالي، كالمطلوب بقصاص ونحوه؛ وكذا يجوز أن يجعل الكفيل ذلك على نفسه، دون فرق بين أن يقول: «علي (كذا) إن لم أحضره» وبين أن يقول: «إذا لم أحضره فعلي (كذا)».
مسألة 247: يجوز للكفيل أن يأخذ مالاً من المكفول في قبال قيامه بهذه الخدمة، ويصح اعتبار طلب ذلك المال وقبول المكفول به على نحو الجعالة بينهما أو الإجارة، وذلك دون فرق بين ما لو كان الكفيل جهة أو مؤسسة مالية وبين ما لو كان شخصاً.
مسألة 248: تنحل الكفالة وتسقط بأمور:
الأول: بالقيام بمؤداها، وهو إحضار المكفول.
الثاني: ببراءة ذمة المكفول مما عليه من الحق، وذلك بأدائه، أو بإبرائه منه.
الثالث: بانتقال الحق من المكفول له إلى غيره، ببيع أو صلح أو حوالة أو غيرها، وذلك لأن الشخص الآخر المنتقل إليه الحق لا يقوم مقام المكفول له في استحقاق الكفالة، إلا أن يكون وارثاً فلا تنحل الكفالة ـ حينئذ ـ بموت صاحب الحق وانتقال الحق إلى ورثته.
الرابع: بموت المكفول أو سقوطه عن قابلية الإحضار بغياب عقله بمثل الجنون والإغماء الدائم ونحوهما. نعم إذا ابتنت الكفالة على أداء الكفيل للحق عند تعذر الإحضار فلا تبطل الكفالة حينئذ، بل يجب عليه أداء الحق إن تعذر أداؤه من ماله أو تركته.
الخامس: بموت الكفيل، فإن ورثته لا يتحملون عنه ما تكفل به مورثهم حال حياته.
السادس: بإسقاط المكفول له حقه في الكفالة.
الفصل الثالث
في الضمان
المبحث الأول: في العقد والشروط
المبحث الثاني: في كيفية الأداء
المبحث الثالث: في أحكام التنازع
تمهيد:
(الضَّمان) في اللغة هو: الكفالة والالتزام، من (ضمِنَ) أي: كفل غيره وإلتزم أن يؤدي عنه ما قد يُقصِّر في أدائه. وفي الإصطلاح هو: (الإتفاق على انتقال الدين من ذمة المدين إلى ذمة الضامن، وإبراء ذمة المدين منه)، فهو ـ إذن ـ يتقوم بأمرين:
الأول: ثبوت المال في ذمة المدين، ولو ثبوتاً متزلزلاً، كثمن المبيع في زمن الخيار، فلا يشمل ما لـم يثبت ـ بَعْدُ ـ في الذمة، سواءً تحقّق سببه، كالجعل في الجعالة قبل العمل، أم لم يتحقّق سببه، كثمن المبيع قبل البيع المتوقع حصوله؛ كما أنه لا يشمل الأعيان الخارجية، لأنها لما لم تكن من قبيل (الكلي في الذمة)، أي: إنها ليست حقـاً ذمِّيـاً، فإنهـا قـد خرجت ـ تلقائيـاً ـ بقيد (ثبوت المال في الذمة)، لذا لا يقع الضمان ـ بمعناه المصطلح هذا ـ في الأعيان الخارجية.
الثاني: إنتقال الدين بالضمان إلى ذمة الضامن بنحو يترتب عليه فراغ ذمة المدين من عهدة الدين للدائن، واشتغال ذمة الضامن به للدائن كأي دين آخر، بحيث لو مات الضامن أُخرج المضمونُ من أصل التركة كسائر ديونه.
فإذا اتضح تَقَوُّم الضمان بهذين العنصرين اتضح ـ معه ـ الفرق بينه وبين كفالة المال، إذ رغم أن الكفالة هي ضمان ما على المكفول من حق مالي لكنها ضمان (أداءٍ) معلقٌ على عجز المكفول عن الأداء، فلا ينتقل بها المال إلى ذمة الكفيل ولا تبرأ منه ذمة المكفول، كما أنه لو مات الكفيل أثناء الكفالة تبطل الكفالة من أصلها؛ فيما ينتقل الدين بالضمان إلى ذمة الضامن وتبرأ ذمة المدين منه ويُخرَجُ الدين من أصل تركة الضامن إذا مات قبل الأداء.
هذا من جهة أثرهما على الحق المضمون، وأما من جهة نوع الحق المضمون، فإن الكفالة تصح في الدين وتصح في الأعيان الخارجية، فيما لا يتحقّق الضمان بمعناه المصطلح إلا فيما كان ديناً ثابتاً في الذمة بالنحو المذكور في فقرة (الأول) الآنفة الذكر.
وعلى هذا الأساس، فإن ضمان أداء الدين عن المدين عند عجزه عن الأداء، وضمان الأعيان الخارجية، كالمبيع المعين المؤجل أو العين المستعارة أو المغصوبة، وضمان الدين المتوقع الحصول، كالثمن في بيع النسيئة المزمع على عقده، إن ضمان هذه الأمور وما أشبهها مما لا يتوفر فيه العنصران المقومان آنفا الذكر ليس ضماناً بالمعنى المصطلح حتى لو وقع عقده بلفظ الضمان، بل هو كفالة مشمولة لأحكام الكفالة التي سبق ذكرها، والتي اصطلحنا على تسميتها بـ (كفالة المال).
ثم إن المتعهِّد لدين الغير يقال له: «ضامناً»، والمدين يقال له: «المضمون عنه»، والدائن يقال له: «المضمون له»، والمعاملة كلها تسمَّى «ضماناً». وفيما يلي تفصيل أحكامها في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في العقد والشروط
وفيه مسائل:
مسألة 249: يتحقّق الضمان بالعقد المشتمل على الإيجاب والقبول، وهو ينعقد ـ كغيره من العقود ـ بكل لفظ يدل على صدور الإيجاب من الضامن والقبول من الدائن، وأكمله ما كان صريحاً فيه كلفظ (ضمنت) و(التزمت) و(تعهَّدت)؛ كما يقع بالفعل المفهم لذلك.
مسألة 250: لا بد في صحة العقد من القصد والاختيار وتوفر الأهلية في المتعاقدين بالعقل والرشد والبلوغ، فلا يصح عقد الصبي إلا بإذن الولي؛ أما عدم الحجر بالفلس فليس شرطاً من جهة الضامن، فيصح ضمان المفلِّس، لكن لا يدخل الدائن (المضمون له) في الغرماء، كما أنه ليس شرطاً في المضمون له إلا إذا كان تحول دينه من ذمة المدين إلى ذمة الضامن منافياً لحق الغرماء في أمواله التي من جملتها هذا الدين المضمون، وذلك كما لو كان الدين حالاًّ فقبل ضمانه مؤجلاً، بنحو فوّت على الغرماء فرصة أخذ الدين المضمون وتقاسمه.
مسألة 251: لا يشترط رضا المضمون عنه، كما لا يشترط فيه شيء من شروط الأهلية الآنفة الذكر، فيجوز الضمان عمن لم يأذن، وعن الصغير والمجنون ولو لم يأذن وليهما، وعن الميت أيضاً.
مسألة 252: يشترط في صحة الضمان، الفعلية، فلا ينعقد مع التعليق بمثل قوله: «أنا ضامن دين فلان إن أذن أبي»، أو: «... إذا لم يؤد ما عليه»، فلا ينتقل الدين إلى ذمة الضامن، كما أنه لا تفرغ منه ذمة المضمون عنه، نعم إذا علقه على عدم أدائه كـان ذلك كفالـة وضمـان أداء، ولزمـه ـ بموجـب تعهـده ـ أداء الدين عند عدم وفاء المدين، وهو أمر آخر غير الضمان بمعناه المصطلح.
مسألة 253: لا يشترط العلم بقدرة الضامن على الوفاء، فإذا رضي المضمون له بضمانه صح حتى مع علمه بعجزه عن الوفاء له، ولم يكن له فسخ العقد بعد ذلك؛ كذلك فإنه لو كان قـادراً حين العقـد فطـرأ العجـز عليـه، لـم يكن للمضمون لـه فسخ العقـد ـ أيضاً ـ، بل لو ابتنى رضاه على قدرته، وكان جاهلاً بعدم قدرته حين رضي بضمانه، لم يثبت له حق الفسخ.
مسألة 254: يشترط تعيين الدين المضمون إذا كان متعدداً، فلا يصح أن يقول ـ مثلاً ـ: «ضمنت عن زيد أحد ديونه التي عليه»، بل لا بد من تعيينه في فرد خاص منها، وكذا يشترط تعيين المضمون عنه ـ ولو إجمالاً ـ والمضمون له، فلا يصح ضمان دين واحد من ثلاثة مدينين مثلاً، ولا ضمان دين واحد من ثلاثة دائنين.
نعم لا يشترط علم الضامن بجنس الدين ولا مقداره، بل ولا علمه بشخص المضمون عنه، إذا كان الجنس والمقدار والشخص معلوماً في الواقع، فلو قال: «ضمنت الدين الذي على سعيد لأحمد»، ولم يكن يعلم أنه دينار أو درهم، أو أنه دينار أو ديناران، صح الضمان؛ وكذا يصح لو قال: «ضمنت دين واحد من هؤلاء العشرة» إذا كان فيهم مدين واحد فقط، أي: مدين متعين في الواقع وإن لم يعرفه بشخصه؛ أما المضمون له فلا بد من تعينه في الواقع وتعينه عند الضامن بشخصه، وذلك من جهة أنه طرف في العقد، فلا بد من حضوره بشخصه أو بمن يقوم مقامه.
مسألة 255: يجوز ترامي الضمان، وذلك بأن يضمن الضامنَ شخصٌ آخر، ثم يضمن الضامنَ الثانيَ ضامنٌ ثالثٌ، وهكذا مهما تعددوا، فتشتغل ـ بذلك ـ ذمة الأخير بالدين وتبرأ منه ذمة من عداه، وسيأتي مزيد بيان لذلك في المبحث الثاني. (أنظر المسألة: 266).
مسألة 256: يجوز أن يكون الضامن للدين أكثر من واحد على نحو الاشتراك، فيتحمل كل واحد منهم من الدين مقدار حصته وتنشغل به ذمته، أما ضمان أكثر من شخصٍ لديْن شخصٍ واحدٍ على نحو الاستقلال، بحيث يكون كل واحد منهما ـ مثلاً ـ ضامناً لتمام الدين، فهو غير صحيح. وسيأتي التعرض لهذه المسألة في المبحث الثاني. (أنظر المسألة: 267).
مسألة 257: يجوز في الضمان اشتراط أن يرهن الضامن شيئاً للمضمون له وثيقة له على دينه الذي اشتغلت به ذمة الضامن، سواءً في ذلك ما لو كان الرهن بعقد بعد عقد الضمان، أو كـان شرطـاً ـ صريحـاً أو ضمنيـاً ـ فـي عقد الضمان، فإن وفى به كان خيراً، وإن لم يف به لم يثبت له خيار تخلف الشرط إلا إذا كان الضمان والإشتراط بإذن المضمون عنه، كما سيأتي. (أنظر المسألة: 261).
ومن جهة أخرى، لو فرض وجود رهن على المدين فإنه ينفك عنه عند براءة ذمته من الدين بالضمان، إلا أن يشترط الضامن أو المضمون له بقاء الرهن فلا ينفك.
مسألة 258: لا يتحقّق الضمان إلا إذا تعهد الضامن بدفعه من خالص ماله، فلا يقع ضماناً لو كان قد تعهد بالوفاء عن المدين الفقير من الحق الشرعي من الخمس والزكاة أوْ ردّ المظالم، سواءً كانت ذمة الضامن مشغولة به فعلاً أم لا؛ كما أنه لا يلزم الضامن بمقتضى تعهده هذا بشيء، لا للمضمون له ولا للمضمون عنه، إلا إلزاماً أخلاقياً من حيث هو وعد ينبغي الوفاء به.
نعم، إذا كان الدين الثابت في الذمة خمساً أو زكاة أو نحوهما جاز ضمان ما عليه للحاكم الشرعي أو وكيله، فيصير ملزماً به وتبرأ منه ذمة المضمون عنه.
مسألة 259: رغم أن المدّعى به ـ حين التداعي ـ لا يكون ثابتاً على المدّعى عليه إلا بعد الحكم بثبوته عليه، فإنه يصح لثالث ضمان ذلك المال المدّعى به قبل ثبوته إذا رضي المدّعي، ويكون معنى الضمان وأثره انتقال الدين المدّعى به إلى ذمة الضامن على تقدير ثبوته، وحينئذ تسقط الدعوى عن المضمون عنه ويصير الضامن هو المدّعى عليه، فإذا أقام المدّعي البيّنة على الدين، أو كان المضمون عنه قد أقر قبل الضمان بالدين، لزم الأداء على الضامن، أما إذا أقر المضمون عنه بالدين بعد الضمان فلا يثبت الدين بإقـراره ـ حينئذ ـ، لأنه إقرار في حق الغير.
مسألة 260: الضمان من العقود اللازمة، فلا يجوز الرجوع فيه من أحدهما، بل إنه لا ينحل بالتقايل منهما، كما أنه لا يجري فيه شيء من الخيارات كما سيأتي، وذلك لأن مقتضى انفساخ العقد بالتقايل أو الخيار هو انشغال ذمة المدين بالدين بعد ما كانت قد فرغت منه بالضمان، وهو ما لا يتم إلا في صورة كون الضمان بإذن المضمون عنه ورضاه بالإقالة، فينفسخ عقد الضمان ـ حينئذ ـ ويرجع الدين على المدين، فتنشغل به ذمته مرة ثانية، وكذا الأمر في الفسخ بالخيار كما سيأتي.
مسألة 261: لا يجري الخيار في عقد الضمان، فلا يثبت فيه شرط الخيار، ولا خيار تخلف الشرط، بما في ذلك ما لو كان قد اشترط يسارَ الضامن فبان إعساره، ولا خيار تخلف الوصف، ولا غير ذلك من الخيارات؛ نعم إذا كان الضمان برضا المضمون عنه جرى فيه شرط الخيار، بل وكذا يجري فيه خيارا تخلف الشرط وتخلف الوصف إذا كان الإشتراط أو التوصيف بإذن المضمون عنه، وحينئذ يجوز لصاحب الحق أن يفسخ العقد، فيرجـع الدائن ـ بعد الفسخ ـ على المدين الذي انشغلت ذمته بالدين مرة ثانية.
المبحث الثاني: في كيفية الأداء
وفيه مسائل:
مسألة 262: إذا تحقّق الضمان الجامع لشروطه المعتبرة إنتقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وبرأت ذمة المضمون عنه من الدين بمجرد العقد حتى لو لم يف الضامن ـ فيما بعد ـ للمضمون له؛ فيجب على الضامن الوفاء للمضمون له بالنحو الذي تعهد به له، ويجري على الاستيفاء منه جميع الأحكام التي تقدمت في مبحثي الوفاء بالقرض والدين المتقدمين في بابي القرض والدين، لا سيما من جهة إجباره إذا امتنع، وإمهاله إذا أعسر، وجواز مقاصته، وأحكام التفليس.
مسألة 263: يجوز ضمان الدين الحالّ حالاًّ ومؤجلاً، وكذا يجوز ضمان الدين المؤجل حالاًّ ومؤجلاً، وحيث يكون الدين مؤجلاً وضمانه مؤجلاً أيضاً، فإنه يجوز أن يكون أجل الضمان أنقص من أجل الدين أو أزيد؛ ويظهر أثر ذلك كما يلي:
أولاً: إذا كان الدين حالاًّ وضمنه مؤجلاً، كان الأجل للضمان لا للدين، وحيث يبقى الدين حالاًّ فإنه لو أسقط الضامن الأجـل سقط، وجـاز ـ حينئذ ـ للمضمون له مطالبته بالدين الذي ما يزال حالاًّ؛ وهكذا الحال لو مات الضامن قبل انقضاء الأجل.
ثانياً: إذا كان الدين مؤجلاً، وضمنه شخص حالاًّ بإذن المضمون عنه، وحيث إنه بعد وفاء الضامـن الديـن ـ بل قبلـه أيضاً ـ يجوز له الرجوع على المضمون عنه إذا كان الضمان بإذنه كما سيأتي، فإن للضامن أن يرجع فوراً على المضمون عنه دون أن ينتظر حلول الأجل الذي كان بين الدائن وبين المدين المضمون عنه.
وكذلك الأمر فيما لو كان الضمان مؤجلاً إلى أجل أنقص من أجل الدين، فإن للضامن أن يرجع على المضمون عنه حين انقضاء الأجل الثاني (أي أجل الضمان) دون أن ينتظر حلول أجل الدين.
ثالثاً: إذا كان الدين مؤجلاً، وضمنه مؤجلاً بإذن المضمون عنه، فإذا أسقط الضامن الأجل ووفى الدين لم يكن للضامن مطالبة المضمون عنه به قبل حلول أجل الدين. وفي هذه الحالة إذا مات الضامن قبل انقضاء الأجل جاز للمضمون له المطالبة بأداء الدين حالاًّ، لكن ليس لورثة الضامن الرجوع على المضمون عنه قبل حلول أجل الدين.
وهكذا سائر الفروع التي صار حكمها معلوماً من خلال قاعدة الفصل بين آثار كون الدين حالاًّ أو مؤجلاً وآثار كون الضمان كذلك، فما يجري على الدين من هذه الجهة لا يجري على الضمان وما يجري على الضمان لا يجري على الدين.
مسألة 264: رغم أنه لا يشترط في صحة الضمان رضا المضمون عنه وإذنه به ـ كما ذكرنا سابقاً ـ، فإن لرضا المضمون عنه وعدمه أثراً في جواز رجوع الضامن عليه بما أداه عنه وعدمه، فإذا تبرع شخص بالضمان عن آخر بدون إذنه برأت ذمة المضمون عنه من الدين ولم يكن للضامن إلزامه بالتعويض عليه؛ أما إذا ضمنه بإذنه ورضاه فإن له الرجوع عليه بما ضمنه عنه ولو قبل أدائه، ويجبره عليه لو امتنع.
مسألة 265: لا يستحق الضامن على المضمون عنه إلا المقدار الذي يؤديه، فإذا أدى عنه جميع المقدار الذي كان عليه للدائن استحق عليه جميع المقدار، وإذا أدى بعضه وأبرأه الدائن من البعض الآخر لم يرجع عليه إلا بذلك البعض الذي أداه، بل إنه لو أبرأ الدائنُ الضامن من جميع المبلغ، أو تبرع به غير الضامن، لم يكن للضامن الرجوع بشيء على المضمون عنه. هذا، ولو أدى الضامن بغير جنس الدين لم يكن له إجبار المضمون عنه بالتعويض عليه بذلك الجنس الذي أدى به.
نعم إذا تملك الضامن الدين الذي عليه من المضمون له قبل أدائه له أو بعده، وذلك بمثل ما لو احتسبه عليه زكاة، أو خمساً بإذن الحاكم الشرعي، أو وهبه إياه بعدما استوفاه منه، أو ورثه منه بعد وفاته، أو نحو ذلك، فإن له في هذه الحالة أن يرجع على المضمون عنه ويطالبه بالتعويض عليه.
وإذا شرط الضامن لنفسه جعلاً على نفس قيامه بالضمان من المضمون عنه، جاز له ذلك، ولزم المضمون عنه الوفاء له بالجعل زيادة عما سيرجع به عليه الضامن مما وفَّاه عنه من الدين.
مسألة 266: إذا ترامى الضمان مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر، اشتغلت بالدين ذمة الأخير وبرأت ذمة من عداه منه، فإذا وفاه الأخير برأت ذمته منه حيئنذ؛ أما رجوع الضامن بعوض ما أداه فله صور:
الأولى: أن تكون جميع عقود الضمان بغير إذن من المضمون عنه، فلا يرجع فيها أحد على أحد.
الثانية: أن تكون جميعها بإذن المضمون عنه، فيرجع الضامن الأخير المؤدي للدين على من قبله، ويرجع الذي قبله على من قبله، وهكذا حتى يرجع إلى المدين، أي إلى المضمون عنه الأول؛ إلا أن يقبل المدين برجوع الضامن الأخير إليه مباشرة، فيُكتفى به حينئذ.
الثالثة: أن يكون بعضها مع الإذن وبعضها بدونه، وهي على نحوين:
1 ـ أن يكون الأخير بدون إذن، فلا يرجع أحد على أحد، ما دام الدافع غير مأذون ممن قبله، حتى لو كان من قبله مأذوناً ممن قبله.
2 ـ أن يكون الأخير مأذوناً ممن قبله فيرجع عليه، وهكذا يرجع كل لاحق على سابقه إذا كان بإذنه حتى يصل الأمر إلى من لم يأذن فينقطع به ويستقر التعويض على ذلك الآذن، سواءً كان الذي انقطع عنده الرجوع ـ لعدم إذنه ـ هو المدين أو غيره من الضامنين.
وهذه الصور تتضح بسهولة عند التأمل، ولا سيما عند تطبيقها على أمثلتها.
مسألة 267: إذا اشترك إثنان ـ مثلاً ـ في ضمان الدين برأت ذمة المضمون عنه من الدين واشتغلت ذمة كل واحد من الضامنين بالمقدار الذي التزم بوفائه من الدين؛ فإن أطلقا لزم كل واحد منهما النصف؛ وحينئذ فإن لكل منهما أداء ما عليه مستقلاً عن الآخر، وتبرأ ذمة المؤدي منهما ولو لم يكن الآخر قد أدى بعد؛ كذلك فإن للمضمون له مطالبة كل منهما بحصته أو إبراءَهما، أو مطالبة أحدهما وإبراء الآخر؛ وإذا كان الضامنان مأذونين من المضمون عنه، أو كان أحدهما مأذوناً دون الآخر، فإن للمأذون أن يرجع على المضمون عنه بعوض ما أداه عنه دون غير المأذون.
وهكذا الأمر في سائر ما ذكرناه سابقاً من أحكام الضامن، فإن ما قد يجري منها على أحد الشريكين لا يجري بالضرورة على الآخر، وذلك كما لو اشترط الرهن على أحدهما، وكما لو تملك الضامن الدين من المضمون له، وغير ذلك من الأحكام التي سبق بيانها.
هذا، ولا فرق في هذا الحكم بين ما لو كان ضمانهما بعقد واحد من خلال توكيلهما شخصاً واحداً بالضمان عنهما وبين ما لو كان الضمان بعقدين مستقلين، بحيث ضمن الأول نصف الدين مثلاً، فقبل المضمون عنه، ثم ضمن الثاني النصف الآخر بعقد آخر فقبل المضمون عنه.
مسألة 268: إذا مات الضامن قبل الوفاء للمضمون له وجب على ورثته الوفاء عنه من أصل التركة، بما في ذلك ما لو كان ضمانه وهو في مرض الموت، وبدون فرق فيه بين ما لو كان ضمانه هذا بإذن المضمون عنه أو بدون إذنه.
المبحث الثالث: في أحكام التنازع
وفيه مسائل:
مسألة 269: إذا اختلف الدائن والمدين في أصل الضمان، فادّعى المدين براءة ذمته من الدين لضمان فلان دينه عنه، فأنكر الدائن وجود الضمان، كان القول قول الدائن مع يمينه. ولو اتفقا على أصل الضمان واختلفا في مقدار المضمون من الدين، فادّعى المضمون عنه الضمان في تمام الدين، فأنكر المضمون له وقوع الضمان في بعض الدين، كان القول قول المضمون له ـ أيضاً ـ مع يمينه.
مسألة 270: إذا ادعى الدائن الضمان على أحد فأنكره، كان القول للمنكر مع يمينه. وإذا اتفقا على أصل الضمان واختلفا في مقدار الدين المضمون، أو كان الدين مؤجلاً فادعى الدائن كون الضمان حالاًّ، كان القول قول الضامن مع يمينه؛ وأما إذا كان الدين حالاًّ فادعى الضامن كون الضمان مؤجلاً، أو ادّعى الضامن وفاء الدين أو إبراء المضمون له منه فأنكر المضمون له، فإن القول ـ حينئذ ـ قول المضمون له مع يمينه.
ومن جهة أخرى، لو ادّعى الدائن الضمان على أحد فأنكره، فأقام الدائن بيّنة واستوفى منه دينه، فحيث يعتقد المدّعى عليه أنه مظلوم فيما أُخِذَ منه فليس له أن يرجع به على المدين.
مسألة 271: إذا اختلف الضامن والمضمون عنه في الإذن وعدمه، فادّعى الضامن الإذن فأنكره المضمون عنه، أو اختلفا في مقدار الدين، فادّعى الضامن مقداراً فأنكر المضمون عنه بعضه، أو ادّعى الضامن اشتراط شيء على المضمون عنه فأنكره، فالقول ـ في جميع ذلك ـ قول المضمون عنه مع يمينه.
تتمة:
وهي حول بعض المسائل التي لها نحو علاقة بموضوع الضمان، والتي نذكرها هنا للمناسبة، وذلك في مسألتين:
مسألة 272: إذا طلب المدين من شخص أداء دينه، فأداه استجابة لطلبه دون أن يُنشِأ ضماناً بينه وبين المضمون له، جاز للمؤدي أن يرجع على المدين بما دفعه عنه ما دام غير قاصد التبرع والمجانية حتى لو قصد الآمر المجانية.
مسألة 273: إذا طلب شخص من آخر إتـلاف مالـه قائـلاً ـ مثـلاً ـ: «إلق متاعك في البحر» أو: «مَزِّقْ ثوبك»، فإن كان من غير سبب وجيه ملزم بذلك، وكان عالماً بحرمة مثل هذا العمل، كان الإتلاف تبذيراً محرماً، ولا يضمنه الآمر حتى لو صرح له حين الأمر بضمانه له، وأما إذا كان الإتلاف واجباً على صاحب المال فأَمرَهُ بالإتلاف من باب الأمر بالمعروف، أو أمره به لوجود غرض راجح مخرج عن التبذير، ولو لم يصل إلى حد الوجوب، أو كان محرَّماً ولم يكن صاحب المال عالماً بالحرمة، فلا يضمنه الآمر في جميع هذه الحـالات ـ أيضاً ـ إلا أن يصرح للمأمور بضمانه له.
وكذلك حكم ما لو قال له: «تصدق على هذا الفقير بدينار».
الباب الثالث
في الحوالة
المبحث الأول: في العقد والشروط
المبحث الثاني: في أحكام الأداء والتنازع
تمهيد:
(الحَوالة) بفتح الحاء، وهي ـ لغة: إسم مأخوذ من فعل (أحَالَ) الغريمَ، إذا دفعه عنه إلى غريم آخر، واصطلاحاً هي: (الإتفاق على نقل المدين ما في ذمته من الدين إلى ذمة غيره، وإحالة الدائن عليه)، وعند إنشائها يصير المدين (مُحيلاً)، والدائن (مُحَالاً)، وذلك الغير الذي نُقل الدين إلى ذمته (مُحالاً عليه).
وهي بهذا المعنى المصطلح مبتنية ومتقومة باستلزامها اشتغال ذمة المحال عليه بالدين، وذلك في قبال معناها المستحدث المتداول في زماننا هذا، والذي هو: عبارة عن طلب المحيل من المحال عليه دفع المال عنه للمحال من دون أن تنشغل ذمة المحال عليه بشيء للمحال؛ فهي نوع من الخدمة المالية يؤديها المحال عليه لصالح المحيل.
ولما كانت ـ بكلا معنييهـا ـ متداولة في التعامل، وفي نطاق واسع، فإننا سوف نخصص مباحث هذا الباب لأحكام الحوالة بمعناها الفقهي المصطلح، ثم نتعرض في فرع خاص لأحكام الحوالة بمعناها المستحدث.
المبحث الأول: في العقد والشروط
وفيه مسائل:
مسألة 274: تتحقّق الحوالة بالعقد المشتمل على الإيجاب من المحيل والقبول من المحال، وكذا من المحال عليه إجمالاً كما سيأتي، ويكفي في الإيجاب والقبول فيها كل ما يدل عليهما من لفظ أو فعل أو كتابة؛ وبناءً عليه فإن الدائن غير ملزم بقبول الإحالة، حتى لو كان المحال عليه راضياً ومرحِّباً وغير مماطل في الأداء.
مسألة 275: لا يعتبر في عقد الحوالة صدور القبول من المحال عليه، إضافة إلى صدوره من المحال، إلا في الحالات التالية:
أ ـ إذا كان المحال عليه بريئاً، أي غير مشغول الذمة بدين للمحيل، وهي ما يعبر عنها الفقهاء بـ (الحوالة على البريء).
ب ـ إذا كان المال المحال به على المدين من غير جنس الدين الذي عليه للمحيل.
ج ـ إذا كان الدين الذي في ذمة المحال عليه مؤجلاً والدين المحال به معجلاً، أو مؤجلاً إلى وقت هو دون الأجل الأول.
مسألة 276: يعتبر في المحيل والمحال والمحال عليه البلوغ والعقل والقصد والاختيار والرشد، وذلك بالنحو الذي سبق ذكره في غير الحوالة من العقود؛ وكذلك يشترط فيهم عدم الحجر لفلس في كل مورد كانت الحوالة فيه منافية لحق الغرماء، وذلك كما في الحوالة المؤجلة، أو بغير جنس الدين، أو في الحوالة على البريء من دون ضمانها له من المحيل، ونحو ذلك من الأمور التي تظهر عند التأمل.
مسألة 277: يعتبر في الحوالة أن يكون الدين ثابتاً في ذمة المحيل بسبب من أسبابه، فلا تصح في ما لم يثبت بعد في الذمة وإن وجد سببه، كمال الجعالة قبل العمل، فضلاً عن ما لم يوجد سببه، كالحوالة بما سيقترضه، أو بثمن المبيع الذي سيشتريه، أو نحوهما.
مسألة 278: يعتبر أن يكون المال المحال به معيّناً غير مبهم ولا مردداً بين أمرين أو أكثر، فإذا كان الشخص مديناً بعشرة كيلوات من القمح وخمسة دنانير، فلا يصح أن يحيله على غيره بأحدهمـا من دون تعييـن؛ وكذلك فإنه ـ حيث لا يشترط قبول المحال عليه ـ لا بد أن يكون معلوماً ومعيناً، فلو حوله على أحد مدينيه الثلاثة ـ مثلاً ـ دون تعيين لم يصح، وإلا فلا حاجة لهذا الشرط بعد ما صار المحال عليه متعيناً بالقبول.
نعم لا يشترط في المال المحال به أن يكون عيناً في ذمة المحيل، بل تصح الإحالة من مشغول الذمة بخياطة ثوب أو عمل عبادي مستأجر عليه على بريء أو على من اشتغلت ذمته له بمثل ذلك؛ وكذا لا فرق بين كون العين مثلية، كالحنطة والشعير، وبين كونها قيمية، كالحيوان، فإذا اشتغلت ذمة المحيل بشاة موصوفة مثلاً ـ بسببٍ كبيع السلف ـ جاز له إحالتها على من كان له عليه شاة بذلك الوصف، أو على البريء.
مسألة 279: كما تصح الحوالة على المدين بمالٍ هو من جنس الدين ونوعه، كذلك تصح بما هو مختلف عنه جنساً ونوعاً، فمن كان له على غيره حنطة وكان عليه دنانير صح له أن يحيل دائنه بالدنانير على المدين له بالحنطة، فتنشغل ذمة المحال عليه ـ إن قَبل الحوالة ـ بالدنانير للمحال بدل الحنطة التي كانت مشغولة بها للمحيل، بل إنه يصح الإتفاق بين المحيل الذي عليه دنانير وبين المحال عليه المدين بالحنطة، على تحويل الدائن عليه بالدنانير مع بقاء الحنطة عليه، فإذا دفع المحال عليه الدنانير كان له أن يرجع بها على المحيل، فيما يبقى مديناً للمحيل بالحنطة بالنحو الذي كان عليه.
مسألة 280: إذا ابتنى حق أحد الأطراف في الحوالة على معاملة أخرى، كالبيع والزواج ونحوهما، ثم تبيّن بطلان تلك المعاملة وزوال الحق بزوالها، بطلت الحوالة ببطلانها، ومثال ذلك ما يلي:
أ ـ في البيع: أن يحيل البائع دائنه على المشتري منه نسيئة بالثمن الذي استحقه عليه بالبيع؛ أو أن يحيل المشتري البائع بالثمن على مدين له،فإذا تبين بطلان البيع في الموردين بطلت معه الحوالة.
ب ـ في الزواج: أن تحيل الزوجة دائنها على زوجها بمهرها الذي لها عليه؛ أو أن يحيل الزوج زوجته بمهرها على مدين له؛ ففي كلا الموردين تبطل الحوالة إذا تبيّن بطلان الزواج.
هذا إذا تبين بطلان المعاملة، أما إذا فسخت المعاملة بخيار أو تقايل، فيمكن بقاء الحوالة إذا تحقّق أمران مترتبان، الأول: أن يرضى المحال عليه، لأن الحوالة ـ بعد التغاء المعاملة ـ هي من نوع الحوالة على البرىء، فتتوقف على رضاه. الثاني: إضافة إلى رضا المحال عليه، فإنها قد تحتاج إلى رضا المحال وترك استخدام حقه في فسخ الحوالة، وذلك في صورة ما لو كان قبوله الأول بالحوالة مشروطاً صراحة أو ضمناً باستمرار المعاملة، وحيث إنها قد التغت فقد ثبت له خيار الفسخ بسبب تخلف الشرط.
مسألة 281: إذا تم العقد مستكملاً لشروطه وقع لازماً، فلا ينفسخ العقد بالتقايل من قبل الأطراف إلا أن يرضى المحال عليه، كما لا ينفسخ من قبل المحال عند إعسار المحال عليه بعدما كان موسراً حين الحوالة، بل وحتى لو كان معسراً حين الحوالة مع علم المحال بالأمر، فإن كان معسراً حينها، وكان المحال جاهلاً بالحال، جاز له الفسخ، إلا أن تتجدد القدرة على الوفاء قبل الاستحقاق، فإن بقاء حق الفسخ ـ حينئذ ـ محل إشكال.
نعم يثبت فيها خيار اشتراط الفسخ، وخيار تخلف الشرط أو الوصف، فينفسخ به العقد ويرجع المحال ـ حينئذ ـ بدينه على المحيل.
المبحث الثاني: في أحكام الأداء والتنازع
وفيه مسائل:
مسألة 282: إذا تم عقد الحوالة مستكملاً لشروطه انتقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبرأت ذمة المحيل منه، فإذا استحق وفاؤه وطالبه المحال وجب على المحال عليه أداؤه بالنحو الذي التزم به، ويجري عليه ـ حينئذ ـ جميع أحكام الوفاء التي سبق ذكرها في باب الدين، من حكم الإلزام بالوفاء إذا امتنع عنه مع قدرته عليه، وحكم المقاصة، وحكم التفليس والإعسار، وغير ذلك من الأحكام المناسبة. فإذا أدّى المحال عليه الدين بالنحو المطلوب برأت ذمته منه أيضاً، وكانت حاله مع المحيل ـ من هذه الجهة ـ على صور:
الأولى: أن يكون المحال عليه مديناً للمحيل، ويكون التحويل مبنياً على كونه أداءً في قبال ما عليه، ويكون ما أداه بمقدار الدين الذي عليه، فلا يرجع المحال عليه ـ في هذه الصورة ـ على المحيل بشيء.
الثانية: كالصورة الأولى، لكنَّ ما أداه المحال عليه أكثر مما عليه تارة وأنقص منه أخرى، فإن كان أكثر، وكان بذل الزائد مبنياً على أخذ البدل من المحيل، جاز له الرجوع على المحيل بالزائد، وإلا لم يرجع عليه به؛ وإن كان المؤدى أنقص من الدين جاز للمحيل مطالبة المحال عليه بما بقي له في ذمته.
الثالثة: كالصورة الأولى، لكنَّ ما أحال به عليه من غير الجنس، ولم تكن الحوالة مبنية على كون الأداء في مقابل الدين؛ ففي هذه الصورة يرجع المحال عليه على المحيل بما أداه عنه، كما أن المحيل يستحق على المحال عليه دينه الذي له في ذمته.
الرابعة: أن تكون الحوالة على البريء، فإن ابتنت الحوالة على المجانية لم يرجع المحال عليه بشيء على المحيل، وإن ابتنت على الرجوع على المحيل بالبدل جاز له الرجوع عليه، فإن رجع وكان الدين المحال به حالاًّ وجب على المحيل ضمانه ولو قبل أدائه، وإن كان مؤجلاً لم يكن للمحال عليه الرجوع على المحيل قبل حلول الأجل ولو كان قد أداه قبل ذلك.
مسألة 283: يجري في الحوالة من حُكْم رجوع المحال عليه ما سبق أَنْ قلناه في الضمان، وهو: «إنَّ ما يرجع بـه الضامـن ـ إذا كـان قـد أَدَّى من مالـه ـ هو مقدارُ ما أَدَّى»؛ وعلى هذا الأساس فإنه لو أبرأ المحالُ المحالَ عليه من جميع الدين، أو تبرع به عنه لم يكن له أن يرجع على المحيل بشيء، وإذا أبرأه من بعض الدين أو تبرع به عنه متبرع لم يكن له أن يرجع عليه ـ أيضاً ـ إلا بمقدار ما أدى؛ وإذا كان قد أدى بغير جنس الدين لم يكن له الرجوع إلا بجنس الدين؛ هذا في الإحالة على البريء، أما إذا كانت الإحالة على المدين، وتبرع متبرع عنه بجميع الدين أو ببعضه، أو أبرأه المحال، منه، فإنه ليس للمحيل أن يرجع بدينه عليه إذا ابتنت الحوالة على كون المحال به في قبال الدين الذي له على المحال عليه، وإلا جاز له الرجوع عليه بدينه لأنه ما يزال باقياً في ذمته، فيما لا يجوز للمحال عليه الرجوع بما أداه عن المحيل من الدين، لتبرع غير المحال عليه به عنه أو إبرائه منه.
مسألة 284: كما تبرأ ذمة المحال عليه بأدائه الدين المحال به عليه، فإنها تبرأ بأمرين آخرين هما:
1 ـ إبراء المحال ذمة المحال عليه من الدين.
2 ـ أداء المحيل للدين بعد إحالته على غيره، وتفصيل ذلك أنه إذا كانت الحوالة الأولى مبنية على المجانية، وكان المحال عليه مديناً للمحيل، وكان أداؤه بطلب من المحال عليه، جاز للمحيل أن يرجع عليه بما أداه عنه، إضافة إلى حقه في الرجوع عليه ثانية بدينه الذي له عليه؛ وإن كانت الحوالة غير مبتنية على المجانية، وكـان الأداء بطلب من المحـال عليـه، وكان المحـال عليـه ـ أيضاً ـ مدينـاً للمحيل، كان لكلٍ منهما أن يرجع على الآخر بما أداه عنه، حيث تكون النتيجة ـ عملياً ـ هي: رجوع أحدهما على الآخر بما رجع به الآخر عليه، وما ذلك إلا لأن طلب المحال عليه الأداء من المحيل لا يعد إقالة حتى تنفسخ به الحوالة، بل تتداخل الحوالتان بهذا النحو الذي ذكرناه؛ أما إذا لم يكن بطلب منه فليس للمحيل أن يرجع عليه إلا بدينه الذي له عليه، وكذا ليس له الرجوع عليه إذا لم يكن مديناً له، ما دام لا يستحق عليه شيئاً.
مسألة 285: إذا طالب المحالُ عليه المحيلَ بما أداه عنه، فأدعى المحيلُ أن له عليه ديناً بمقدار المحال به، وأن ما أداه عنه هو في قبال دينه الذي عليه، فأنكر المحال عليه، كان القول قول المحال عليه مع يمينه إذا لم يُقدِّم المحيل بيّنة تثبت كونه مديناً له.
مسألة 286: إذا اختلف الدائن والمدين في كون العقد الواقع بينهما حوالة أو وكالة، فمع عدم قيام البيّنة على واحدة منهما يقدم قول منكر الحوالة.
تفريع فيه مطلبان:
المطلب الأول: في أنواع أخرى من الحوالة
وذلك أننا قد قلنا في التمهيد لهذا الباب: «إن ثمة حوالة هي غير الحوالة المصطلحة تبتني على عدم اشتغال ذمة المحال عليه للمحال»، ولما كان لها أنواع متعددة فإننا نريد بيانها في هذا المطلب من هذا التفريع، وذلك على النحو التالي:
مسألة 287: قد شاع في زماننـا هذا قيـام المحـال عليـه ـ مجانـاً أو بعوض ـ بخدمات مالية للمحيل دون أن تبتني الحوالة بينهما على انشغال ذمة المحال عليه بالمحال به للمحال، وذلك بطرق مختلفة، ومن خلال أفراد أو مؤسسات مالية متخصصة؛ ومن أجل الإحاطة بها نذكرها في أنواع:
الأول: أن يحيل الدائن مدينه بدينه على وكيله أو أمين صندوقه أوْ وَدَعِي له، (الوَدَعـيُّ هـو: الشخـص ـ أو المؤسسة ـ الذي تستودعه مالك)، أو على بريء لا يستحق عليه شيئاً.
الثاني: حوالة من سيكون مديناً له، كالإحالة بثمن مبيع يريد شراءه، أو بمهر زوجة يريد التزوج منها، أو نحو ذلك مما لا يدخل في الحوالة المصطلحة لعدم كونه ديناً ثابتاً في الذمة حين الحوالة.
الثالث: حوالة غير المدين، كحوالة من يريد التبرع له بمال من الأشخاص أو الجهات على غيره من فرد أو مؤسسة.
الرابع: الحوالة المبتنية على بيع أو قرض، وهي: أن يدفع شخص إلى آخر ـ فرداً كان أو مؤسسة كالمصرف ـ مالاً ليأخذ بدله في بلد آخر؛ وسيأتي تفصيل أحكام هذا النوع وغيره في المسائل التالية.
مسألة 288: تصح الحوالة في النوع الأول والثاني وتنفذ ولو لم يرض بها المحال، إذ إن للمدين فيهما إلزام الدائن بأخذ دينه من المحال عليه إلا أن يكون مخالفاً لحقه في الاستيفاء نوعاً ومكاناً وزماناً، فيعتبر رضاه حينئذٍ؛ أما المحال عليه فيعتبر ـ أيضاً ـ رضاه بها ولو من جهة كونه ملزماً بها لشرط أو نذر وشبهه. وكذا تصح الحوالة في النوع الثالث إذا رضي بها المحال والمحال عليه.
أما النوع الرابع من الحوالة، وهي الحوالة المبتنية على بيع أو قرض، فتصحّ إذا كانت موافقة للعنوان الذي لوحظ فيها، وهي من هذه الجهة على صورتين:
الأولى: أن يكون المال المدفوع والمأخوذ بدلاً عنه من جنسين مختلفين، وذلك كأن يدفع له في الكويت ألف دينار كويتي على أن يأخذ بدله في لبنان ثلاثة آلاف دولار، فتصح هذه الحوالة بعنوان البيع دون إشكال، وكذا تصح قرضاً مع إشتراط الوفاء بغير الجنس إذا كانت قيمة الجنس الآخر مساوية لقيمة الدين، وإلا بطلت بعنوان القرض.
الثانية: أن يكونا متماثلين في الجنس، فإن تساويا في المقدار صحت المعاملة قرضاً بدون إشكال، وتصح بعنوان البيع مع مراعاة الأحكام الخاصة به من كونهما من النقدين أو من المكيل والموزون أو كونهما نقداً أو نسيئة أو غير ذلك مما قد يضر بالبيع من الأحكام الخاصة به. وإن اختلفا في المقدار فهنا حالتان:
أ ـ أن يكون المدفوع أقل من المأخوذ بدلاً منه، كأن يدفع له في بيروت ألف دولار ويأخذ بدله في دمشق ألفاً وخمسين دولاراً، فتبطل قرضاً وتصح بيعاً نقداً لأنه من المعدود وتبطل نسيئة على الأحوط لزوماً.
ب ـ أن يكون المدفوع أكثر من المأخوذ، أي عكس الحالة الأولى، فتصح قرضاً لأن الزيادة ـ حينئذ ـ تكون من الدائن (وهو الدافع) للمدين فلا تضر بالقرض، وتصح بيعاً بالتفصيل المتقدم في الحالة (أ).
المطلب الثاني: في الحوالات المصرفية
تقوم المؤسسات المالية ـ حكومية كانت أو أهليـة ـ بدور كبير وفاعل في خدمة عملائها، وأهم هذه الخدمات تحويل ما يحتاجونه من أموال من مكان إلى مكان بوسائل وطرق متعددة تضمن سرعة التبادل التجاري والأمان في انتقال أموالهم، وهو أمر نبيّن أحكامه على النحو التالي:
مسألة 289: يختلف تحويل المال عبر المصارف على صورتين:
الصورة الأولى: إحالة المصرف عملاءه
وذلك بأن يصدر المصرف (صكاً) لعميله على أحد فروعه في الداخل أو الخارج ليأخذ منه مبلغاً معيناً، فيكون المصرف محيلاً، والعميل محالاً، والفرع محالاً عليه، وحكمها يختلف على نحوين:
الأول: أن يكون للعميل الراغب في التحويل رصيد في المصرف، وحيث إن الإيداع في المصارف ـ في الحقيقة ـ إقراض لها من المودع مضمونٌ عليها، فإن إصدار الصك بأخذ العميل مبلغاً معيناً هو وفاءٌ من المصرف المدين لعميله الدائن، وحيث أن المدين غير ملزم بالوفاء إلا في بلد الإيداع فإن قبول المصرف بوفاء دينه في مكان آخر ـ من خلال تحويله على فرعه فيه ـ هو تنازل عن حقه في الامتناع عن الوفاء فيه، فيجوز له أخذ عمولة مقابل ذلك التحويل المتضمن لذلك التنازل.
الثاني: أن لا يكون للعميل الطالب للتحويل رصيد في المصرف، فيكون إصدار صك التحويل مبتنياً على ما يلي:
أ ـ قد أقرض المصرفُ الأُم عميلَه ذلك المبلغَ المطلوب.
ب ـ أحاله ـ بعد الإقراض ـ على فرعـه في مكان آخـر ـ بيـروت مثـلاً ـ ليدفعه الفرع إليه.
ج ـ حيث إن المصرف الأم يريد أخذ عمولة على هذا التحويل، وحيث لا يجوز له ذلك لأنه (نفع) زائد على القرض، فإن للمصرف تصحيحَ أخذ هذه العمولة بأن يوكِّل المقترضَ بأخذ المال من الفرع بعنوان القرض، وحيث إن في توكيل العميل تسهيلاً لمهمته، فإن للبنك أن يطلب عمولة منه على هذا التوكيل لا على نفس الإقراض، وذلك رغم كون توكيل المقترض غير ضروري بعد كون الفرع وكيلاً عن المصرف الأم وقادراً على القيام بنفسه بإقراض المحال؛ نعم، يمكن أن يكون ذلك التوكيل ضرورياً في صورة ما لو فرض كون المحال عليه مصرفاً آخر قد أَودعَ فيه المصرفُ المقرض أمواله، لا فرعاً له، فإن تصحيح أخذ العمولة يتوقّف ـ أيضاً ـ على توكيل المصرف المصدر للصك للمصرف الدافع بإقراض المحال المبلغ المطلوب من أموال المصرف الأول المودعة عنده، فتكون العمولة مأخوذة على التوكيل لا على الإقـراض. وذلك مـن دون فرق ـ في الفرضين ـ بين ما لو كان الإقراض والتحويل بعملتين من جنس واحد أو من جنسين مختلفين، لكنه حيث يكون التحويل بعملة أخرى من غير جنس العملة المقترضة فإنه يمكن تصحيح أخذ العمولة ـ إضافـة لما سبق ـ بأنها مقابل تنازل المصرف عن حقه في الاستيفاء بالعملة المقترضة وقبول وفاء المقترض لدينه بالعملة المغايرة لها جنساً، وذلك كأن يقرضه ألف دينار كويتي في الكويت على أن يقبض في بيروت ما يساوي قيمتها بالدولار الأمريكي، وهو حوالي ثلاثة آلاف دولار، وعلى أن يوفيها للمصرف المقرض بالدولار، فإنه يجوز للمصرف أخذ عوض عن قبوله استيفاء الدينار بالدولار.
الصورة الثانية: إحالة الدائن على المصرف
وهي: أن يحيل المدين دائنه على المصرف بصك ـ ونحوه ـ يطلب فيه قيام المصرف بتحويل مبلغ من المال لغريمه في بلد آخر، كبلد التاجر الذي استورد منه البضاعة، فيقوم المصرف بتحويل الدائن على فرعه في بلده ويدفع له فيه المبلغ المطلوب؛ وعند التأمل في هذه الصورة نجدها تنحل إلى حوالتين: الأولى: حوالة المدين دائنه على المصرف بحيث يصبح هو المدين. والثانية: حوالة المصرف دائنه (المحال) على فرعه في بلد الدائن ـ حسب الفرض ـ، وكلتا الحوالتين صحيحة.
وبناءً عليه، وعلى صعيد أخذ العمولة، فإنه إذا كان التحويل بطلب من العميل المدين يجوز للمصرف أن يأخذ عمولة عليه، وذلك عوضاً عن قيام المصرف المدين (المحال عليه الأول) بوفاء دينه في غير بلده (أي: في غير بلد المصرف المحال عليه الأول)، سواء كان للعميل المدين رصيد في المصرف أو لم يكن له رصيد فيه، بحيث كانت الحوالة منه على البريء (وهو المصرف)؛ إضافة إلى أنه ـ في الحوالة على البريء ـ يجوز له أخذ عوض عن قبول الحوالة عليه.
نعم، حيث يكون للعميل رصيد في المصرف، فأحال دائنه عليه لاستيفاء دينه منه في بلد المصرف ـ أي دون تحويل على الخارج ـ فليس للمصرف المحال عليه أخذ شيء على ذلك الوفاء.
ملحق
في أعمال البنوك
المطلب الأول: في شرعية العمل المصرفي
المطلب الثاني: في الإيداع
المطلب الثالث: في الإقراض
المطلب الرابع: في فتح الاعتماد
المطلب الخامس: في الوساطة في الأعمال التجارية
المطلب السادس: في تحصيل الكمبيالات وأداء الديون
المطلب السابع: في الكفالة
تمهيد:
تقوم المصارف في حركة الإنسان الاقتصادية في زماننا بدور مهم، فهي مستودع الأموال، وهي محور عمليات القرض، وهي العمدة في الكفالات والحوالات، وهي شريك كبير في الاستثمارات والمضاربات، وهي وكيل أو وسيط في كثير من المعاملات والصفقات، فهي ـ بحكم هذا الموقـع ـ مما يندر أن يستغني عنه تاجر أو صاحب مال من الأفراد والدول والجهات والمؤسسات، لذا فإن بيان أحكام ما تقوم به من أعمال ضروري للمكلف الذي لا غنى له عن التعامل معها أو العمل فيها أو بها، وذلك ضمن المطالب التالية:
المطلب الأول: في شرعية العمل المصرفي
وفيه مسائل:
مسألة 290: يجوز التكسب بالخدمات المصرفية في مجالاتها المتنوعة المتعارفة في زماننا، إذا كانت موافقة للأحكام الإسلامية، وبخاصة لجهة قيام مؤسسات مالية غير ربوية، فإن جميع أعمالها ومكاسبها جائزة ومحللة، مثلها في ذلك مثل سائر الأعمال الموافقة للشرع؛ دون فرق فيها بين ما يملكه الأفراد أو الجهات أو الدول، وأما ما لا يوافق الشرع منها فهو إما حرام أو فاسد، وهو شأن الكثير من معاملات المصارف والمؤسسات المالية القائمة على الربا، فلا يحل مكسبه من الربا إلا برضا المأخوذ منه، فإن أباحه وأذن له به ـ رغم علمه بعدم استحقاق الآخذ له ـ جاز له تملكه والتصرف فيه، وإلا لم يجز.
مسألة 291: يجوز ويصح التعامل مع كل مؤسسة مصرفية، لمسلم كانت أو كافر، وأهلية كانت أو حكومية، وربوية كانت أو غير ربوية، بجميع المعاملات الموافقة للشرع، والأموال المأخوذة منهم حلال، بما في ذلك هباتهم وجوائزهم، رغم العلم باشتمال أموالهم على بعض الأموال المحرمة، إلا أن يعلم أن هذا المال المعطى له هو بعينه من المال الحرام، فلا يجوز أخذه حينئذ.
مسألة 292: يجوز العمل في جميع المؤسسات المالية الربوية إذا كان العمل حلالاً، فيجوز العمل في مثل: إدارة شؤون الموظفين فيها، والعلاقات العامة، والدعاية لها، وتِعْداد أموالها، وتَسلُّم أمانة ومفاتيح خزائنها ومستودعاتها؛ إضافة إلى جميع أعمال الخدمات العادّية فيها، كالحراسة والنظافة والإنارة والنقل والصيانة؛ وإضافة إلى تأجيرها المباني ووسائط النقل ونحوها مما تحتاجه.
أما الحرام منها فهو الدخول في عقودها الربوية، بحيث يكون الموظف فيها ـ مديراً أو دونه ـ طرفاً في العقد الربوي المنشأ مع العميل، أو كاتباً للعقد أو شاهداً عليه أو محاسباً لما يُعطى أو يُؤخذ من الربا، نعم، حيث إن المصرف لا بد أن يعطي عميله فائدة بطيب خاطره، حتى لو لم يرض العميل بأخذها، أو لم يكن طالباً لها، فإنه يجوز للمحاسب دفع الفائدة المعطاة للعملاء، فيما لا يجوز له تسلُّم الفائدة التي يعطيها العميل للمصرف، لأنه لا يعطيها له على كل حال.
كذلك يحرم العمل في المصارف في غير الربا من المحرمات، كالاستثمارات في مجالات صناعة الخمر والمتاجرة بها، أو تمويل حفلات الغناء والرقص المحرَّمين، ونحو ذلك مما يكون العامل مشاركاً فيه.
المطلب الثاني: في الإيداع
مسألة 293: الأموال التي (يودعها) أصحابها في المصارف يلحقها حكم القروض لا الودائع، ذلك أن المودع ـ هنا ـ يجعل ماله في عهدة المصرف ليحفظه، ولكي يسهل عليه تداوله في معاملاته، ولكي يستثمره وينميه ويستربح به، وحيث إن عيـن المـال لا تبقـى ـ كما هو شـأن الوديعة ـ، وحيث إن المال مضمون على المصرف، فإن العلاقة بين المودع والمصرف ـ في الواقـع ـ هي نفس علاقة المقرض بالمقترض، وإن ما يتم بينهما هو قرض ولو لم يسمياه (قرضاً)؛ علماً أن المصطلحات الاقتصادية تسمي هذه الودائع (ديوناً). بل إن أحكام القرض تجري على هذه العلاقة حتى لو صرح العميل بأن هذا المال وديعة وأمانة، وأنه يجيز للمصرف أن يتصرف بها كما يشاء، بحيث تصبح مضمونة عليه.
وبناءً عليه فإنه لا يجوز ابتناء التعامـل بينهمـا ـ صراحـة أو ضمنـاً ـ على أساس ربوي، فلا يجوز للمصرف إعطاء زيادة على المال بعنوان الربا، ولا يجوز للمودع جعل هذه الزيادة على ماله المودَع عند إدإعه، وذلك بالنحو الذي مرَّ تفصيله في باب القرض والدين، وهو المصطلح عليه في زماننا بـ (الفائدة)، فإنها ربا محرم. فإن لم يبتن الإيـداع فيـه ـ ولـو من طـرف المـودع وحـده ـ على أخذ الفائدة، بحيث كان همُّه إيداع المال فيه لا الاسترباح منه، جاز له إيداعه وجاز ـ أيضاً ـ أخذ الفائدة عليه رغم علمه بأن هذا المصرف سوف يعطيها له، ويحل له صرفها في شؤونه إذا أحرز رضا دافعها بذلك على كل حال، أي: حتى مع علمه بعدم استحقاق الآخذ لها.
مسألة 294: لا فرق في حرمة أخذ (الفائدة) وإعطائها على الودائع بين المصارف الحكومية والأهلية والمشتركة؛ ولا بين المصارف العائدة إلى المسلمين ـ دولة أو أفراداً ـ أو تلك التي تعود إلى غير المسلمين، إذ إن الأحوط وجوباً ترك المراباة مع غير المسلم من الكفار أيضاً؛ كما أنه لا فرق بين الإيداع الثابت الذي لا يُلزم المصرف بتسليمه إلا بعد مضي المدة المتفق عليها، وهو المصطلح عليه بـ (الإدخار أو التوفير)، وبين الإيداع المتحرك الذي يُسَلَّم حين طلبه، والمصطلح عليه بـ (الحساب الجاري).
المطلب الثالث: في الإقراض
مسألة 295: لا يجوز للمصرف إقراض الأموال المودعة عنده، ولا أمواله الخاصة به، لعملائه بالفائدة، ولا يجوز للمكلَّف الاقتراض منـه ـ أو من غيـره ـ بالفائدة، إذا كان التعاقد بينهما مبتنياً على دفع الفائدة صراحة أو ضمناً؛ هذا، ولكنْ يكفي في تجويز الاقتراض قصد المقترض ـ حين التعاقد ـ عدم دفع الفائدة عند الاستحقاق إلا مُكْرَهاً، رغم أن صيغة التعاقد المتعارفة في البنوك مبتنية على دفع الفائدة صراحة، ورغم أن الطرفيـن ـ حيـن يتعاقـدان ـ يعيشان ذلك أمراً واقعاً لا مفر منه، لكنَّ المقتـرض حيث لم يلتـزم ـ في نفسـه ـ بالشرط المتضمن لدفع الفائدة، بحيث فَصَل بين الالتزام بالقرض، فقصده، وبين الالتزام بدفع الفائدة، فلم يقصده، فإنه يجوز له الاقتراض رغم علمه بعدم قدرته على التهرب عن الدفع حين الاستحقاق؛ وإن كان الأحوط استحباباً قصر الاقتراض الربوي مع قصد عدم الالتزام بالفائدة على صورة ما لو كان المقترض مضطراً لذلك بحد يتوقف عليه معاشه، أو محرجاً في تركه بما يشق عليه تحمله.
وحيث يحرم القرض الربوي فإنه لا فرق في الحرمة بين من له رصيد في المصرف ويحتاج إلى الاقتراض زيادة عليه وبين من ليس له رصيد فيه، كما لا فرق بين من يريده لشان تجاري، كالكفالة وفتح الاعتماد التجاري ونحوهما وبين من يريده لشأن شخصي كتزويج ولد أو شراء منزل أو نحوهما.
المطلب الرابع: في فتح الاعتماد
مسألة 296: فتح الاعتماد هو: طلب العميل من المصرف مساعدته في إنجاز صفقة تجارية قد عقدها مع غيره ومساهمته في تسديد ثمنها؛ ومن موارده: أن يتقدم من يريد استيراد بضاعة من مصدرهـا ـ وبخاصـة من الخـارج ـ بطلب (فتح اعتماد) يتعهد البنك بموجبه بتسلُّم مستندات البضاعة المستوردة وتسليمها إلى فاتح الإعتماد وتسديد ثمنها إلى المصدِّر، وذلك بعد تمام المعاملة بين المستورد والمصدِّر، مراسلةً أو بمراجعة الوكيل، وبعد إرسال القوائم المحددة لنوعية البضاعة المتفق عليها، وبعد قيام المستورد بدفع قسم من الثمن إلى المصرف؛ فإنه بعد هذه المراحل يقوم البنك بتسلُّم مستندات البضاعة من الجهة المصدِّرة وأداء ثمنها إليها. هذا، وإنه لا تقتصر صيغة (فتح الاعتماد) وتفاصيله على هذا المورد ـ أو هـذه الصـورة ـ بل إن ثمة صوراً وتفاصيل أخرى قد يتضمنها فتح الإعتماد مما لا يُخرج به عن جوهره الذي يقوم على كون العميل معتمداً على المصرف في تسهيل صفقاته التجارية بما يقرب مما ذكرناه.
مسألة 297: يجوز للمصرف فتح الإعتماد لعملائه بهذا النحو، وكذا يجوز له ـ بموجبه ـ أخذ مال إزاء قيامه بجميع الخدمات المتعلقة بمعاملاته التجارية؛ لكنه لا يجوز للعميل أن يقترض بالفائدة من المصرف ما يزيد عن رصيده ليتمم به ثمن البضاعة، كما لا يجوز للمصرف إقراضه إياه بالفائدة، إلا أن يتم التعاقد بينهما على أساس (ضمان الدين)، فتكون تغطية البنك لما يبقى من الثمن من باب ضمان دينه للمصدِّر لا من باب إقراضه، على أن يرجع المستوردُ للمصرف ما دفعه عنه، مشترطاً على نفسه له (جَعْلاً) بمقدار الفائدة على قيامه بـ (أداء) دينه وضمانه عنه. (أنظر المسألة: 265).
وكذا يمكن تصحيح أخذ الفائدة على فتح الاعتماد بالطريقة التالية:
يقوم البنك ببيع فاتح الإعتماد المقدار الذي يزيد عن رصيده من الثمن بالعملة الأجنبية في ذمته مع ربح عليه بمقدار الفائدة، حيث يجوز بيع المعدود (وهو العملة) نسيئة بأزيد منه مما يخالفه في الجنس؛ فتكون تغطية البنك لباقي ثمن البضاعة المستوردة من باب بيع العملة لا من باب القرض.
المطلب الخامس: في الوساطة في الأعمال التجارية
وهي أمور مرهونة في قلتها وكثرتها لمدى نشاط البنك ورغبته، ونذكر منها هنا ما هو معروف ومتداول، وذلك على النحو التالي:
1 ـ الاستثمار:
مسألة 298: يجوز للبنك أن يقوم باستثمار الأموال المودعة عنده وتوظيفها في شتى مجالات التجارة المحلَّلة، إما على قاعدة كونه وكيلاً عن المودع، بحيث تكون جميع الأرباح للمودع والخسائر عليه ويكون للبنك أجرة على وكالته، أو على قاعدة كونه عاملاً مضارباً للمودع، بحيث تشمله أحكام المضاربة؛ وفي كلتا الحالتين فإن المال الذي يأخذه البنك بإزاء ذلك حلال.
2 ـ بيع السلع والسهام:
مسألة 299: يجوز أن يقوم البنك بعرض البضائع المحلَّلة والتعريف عليها بمختلف وسائل العرض والتعريف المحلَّلة، كما يجوز أن يقوم ببيعها أو شرائها وخزنها وتوضيبها وشحنها لعملائه؛ ويجوز له أخذ أجرة على ذلك في إطار عقد الإجارة، أو أن يأخذ جَعْلاً على عمله في إطار الجعالة.
مسألة 300: كما يجوز أن يكون المصرف وسيطاً في بيع الأعيان فإنه يجوز أن يكون وسيطاً في بيع السهام التي تطرحها الشركات المساهمة للبيع، فحيث يجوز ويصح بيع تلك السهام وشراؤها فإنه يصح للمصرف أن يكون وسيطاً في معاملاتها بالنحو المذكور في المسألة السابقة. بل إن للبنك أن يكون وسيطاً في كل معاملة مستكملة لشروطها، وفي بيع كل ما يصح بيعه من الأعيان والمنافع والحقوق، دون فرق في ذلك بينه وبين غيره من الأفراد والجهات.
3 ـ بيع السندات:
مسألة 301: السندات: (صكوك تصدرها جهات مخولة قانوناً بقيمة إسمية معينة مؤجلة إلى مدة معلومة، فتعمد إلى بيعها بأقل من قيمتها الموضوعة لها نقداً على أن ترجع قيمتها الموضوعة بعد مدة)، وذلك بهدف الاستلاف من الناس وإغناء الخزينة لتغطية النفقات المترتبة عليها ثم إعادة الأموال إلى أصحابها تدريجاً مع الفائدة، بحيث إنها تعد ـ في الحقيقة ـ قرضاً بالفائدة بصورة بيع، وهي المعروفة في لبنان بإسم (سندات الخزينة). ومثال ذلك: أن تكون قيمة السند مئة ألف ليرة، فتبيعه الدولة بتسعين ألفاً مقبوضة حالاً، على أن ترجعها مئة ألف إلى حامله بعد ستة أشهر مثلاً؛ وهنا لا بد من ملاحظة ما يلي:
أ ـ إن استرجاع قيمة السند الإسمية، وهي المئة ألف، تتم على قاعدة أن حامل السند يبيعه للدولة فتشتريه هي منه.
ب ـ إن مشتري السند يمكنه خلال المهلة الموضوعة لاسترجاع قيمته من الدولة أن يبيعه لغيرها بقيمته الإسمية أو بأقل منها.
ج ـ إن حامل السند ـ سواء كان هـو المشتـري الأول أو غيـره ـ لا يمكنه استرجاع قيمته الإسمية من الدولة إلا بعد انتهاء المدة المحددة للاسترجاع.
وبناءً عليه، ورغم كون هذه المعاملة في ظاهرها بيعاً موافقاً لقواعد البيع الصحيح، فإن واقعها ليس كذلك، لأن السند هنا ـ في واقعه ـ ليس مبيعاً يبذل بإزائه ثمن، بل هو وثيقة على استحقاق حامله المبلغ المذكور فيه، وحينئذ إما أن نعتبر أن الجهة التي أصدرت السند قد اقترضت من حامله تسعين ألفاً يأخذها مئة ألف بعد ستة أشهر، وهو ربا محرم؛ أو نعتبر أن الجهة التي أصدرت السند قد باعت مئة ألف ليرة لحامله مؤجلة إلى ستة أشهر بتسعين ألفاً حالَّة، وهو بيع لا تخلو صحته من إشكال. وحيث لا مجال لتصحيح هذه المعاملة فإنه لا يجوز للبنك التوسط في بيع هذه السندات وشرائها، كما لا يجوز له أخذ العمولة عليها.
4 ـ خزن البضائع:
مسألة 302: إذا كان البنك وسيطاً في بعض المعاملات التجارية فقد يطلب منه ـ أو يضطر إلى ـ تخزين البضائع ريثما يتسلمها المستورد، وذلك على حساب المستورد أو المصدِّر بناءً لاتفاق واضح بين الأطراف؛ وفي هذه الحالة يجوز للبنك تولي مثل هذا العمل وأخذ الأجرة أو الجعل إزاء قيامه بعملية التخزين، فإن لم يطلب منه ذلك فخزنها، لم يكن له أخذ أجرة على نفس القيام به.
مسألة 303: إذا تخلف صاحب البضاعة عن تسلُّمها حين الاستحقاق، وتخلف ـ أيضاً ـ عن دفع المبالغ المستحقة عليه للمصرف، فإنه يجوز للمصرف بيع البضاعة المذكورة ـ كما يجوز للآخريـن شراؤهـا ـ إذا كان قد أعلمه بهذا الإجراء وأنذره به قبل الإقدام عليه؛ وذلك لأنه ـ بمقتضى الشرط الصريح أو الإرتكازي الموجود في أمثال هذه الموارد ـ وكيل عن أصحاب البضاعة في بيعها حينئذ.
المطلب السادس: في تحصيل الكمبيالات وأداء الديون
مسألة 304: يجوز للمصرف أن يقوم بخدمة دين عملائه، بدفعه عنهم أو تحصيله لهم، وذلك على وجوه:
1 ـ أن يقدم الدائـن صك الدين المثبت لحقه، وهو المصطلح عليه بـ (الكمبيالة)، إلى المصرف طالباً منه تحصيل دينه من المدين دون أن تكون محوَّلة عليه، على أن يكون له عمولة معينة على ذلك. وهنا يجوز للمصرف القيام بذلك وأخذ الأجرة أو الجعل على التوسط بين الدائن والمدين لاستيفاء حقه منه؛ نعم، لا يجـوز له تحصيل الفائـدة الربويـة ـ إن وجـدت ـ ولا أخذ الأجرة عليه إلا حيث يَعلم المصرفُ برضا المدين بدفعها على كل حال.
2 ـ أن تكون الكمبيالة محوَّلة على المصرف ليدفعها عن المدين الموقِّع عليها دون أن يكون له رصيد فيه، فهي من نوع الحوالة على البريء، فيجوز للبنك أن يأخذ عمولة على قبوله الحوالـة عليه؛ كما يجوز له أن يأخـذ ـ أيضاً ـ عمولة على وفائها بغير العملة المدين له بها، وذلك بالنحو الذي ذكر في أحكام الحوالة (أنظر المسألة: 289).
3 ـ أن تكون الكمبيالة محوَّلة على المصرف، ويكون لموقعها رصيد فيه، حيث تكون من نوع الحوالة على المدين (وهو المصـرف)؛ وهنـا ـ أيضـاً ـ يجوز للمصرف أخذ عمولة إزاء هذه الخدمة بالنحو الذي تقدم في باب الحوالة. (أنظر المسألة: 289).
المطلب السابع: في الكفالة
مسألة 305: تقوم المصارف عادة بكفالة المتعهد الذي يلتزم بإنجاز مشاريع مختلفة ذات كلفة كبيرة، كإنشاء المستشفيات والجسور، ومد شبكات الكهرباء أو الهاتف، وغير ذلك؛ ويقوم العقد بين الأطراف على أساس كفالة المصرف للمتعهد بأداء مبلغ من المال عنه للمتعهَّد له إذا لم يُنجز المشروع في المدة المحددة، وهي من نوع الكفالة المالية التي تقدم الكلام فيها في باب الكفالة في (المسألة: 235)، فتلحقها جميع أحكامها الواردة فيه، والتي من جملتها جواز أخذ الكفيل (وهو المصرف هنا) عمولة لقاء كفالته له هي من نوع الجعل (أنظر المسألة: 234).
المقصد الثالث
في مسؤولية صاحب اليد
عما بيده من مال الغير
الباب الأول: في الوديعة
الباب الثاني: في اللقطة
الباب الثالث: في العدوان على مال الغير
تمهيد:
لقد اهتم الإسلام بالتشريع لحماية ملكية الأموال والحقوق بقدر اهتمامه بالتشريع لأسبابها وطوارئها، وذلك نظراً منه لأهمية بقاء سلطة المالك على ماله في رعايته له وحرصه على تنميته وقدرته على الانتفاع به؛ فكان أن جعل (حرمة المال) إحدى حرمات ثلاث، هي ـ إضافة إلى حرمة المال ـ حرمة النفس والعرض، تأكيداً منه على دورها الحيوي في سعادة الفرد وازدهار المجتمع؛ وقد سلك في ذلك طريقين، الأول: تحديد الأسباب المشروعة للتملك، وذلك بنحو تكون (اليد) الموضوعة على عين ذلك الشيء أو منفعته من قبل مالكها موضوعةً بحق، ومن قبل غيره موضوعةً برضاً من المالك، طبقاً لأحكام واضحة رافعة للتنازع، فما هو (لك) أو (لغيرك) محدد ومعلوم. الثاني: تشديد النكير على من تجاوز الحد واخترق الحرمة واعتدى على ما لغيره من مال أو حق فظلمه فيه واغتصبه منه، وذلك في العديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي لا تكاد تخفى على أحد.
وقد اصطلح الفقهاء على تسمية حالة وجود المال المملوك لشخص عند غيره و(تحت يده) بسبب مشروع ورضاً من المالك (يد الأمانة)، وذلك في قبال حالة الوجود غير المشروع للمال التي أسموها (يد العدوان)؛ فبحثـوا ـ في ضوء هذين المصطلحين ـ مدى مسؤولية صاحب اليد، أمينة كانت أو عادية، عن المال الذي تحتها، في كلتا حالتي بقائه وتلفه، وذلك في مسائل عديدة بحثوها في باب الغصب، وربما تعرضـوا لبعض فروعهـا في هـذا البـاب أو ذاك؛ غير أننـا ـ بعد التأمل ـ وجدنا أن استحداث عنوان (مسؤولية اليد عن ما تحتها) يتيح لنا ـ منهجياً ـ فرصة جمع شتات تلك المسائل، بل وضم بعض الأبواب الأخرى التي لها علاقة بهذا العنوان إلى بـاب الغصب، بحيث نقـدر ـ وفي مقصد واحد ـ على استيعاب جميع ماله علاقة بهذا الموضوع. وقبل أن نبين ما تضمنه هذا المقصد من أبواب يجب أن نتعرض لبيان مرادهم بهذين المصطلحين في هذا التمهيد، لما له من الأثر في البحوث المقبلة، فنقول: تنقسم اليد إلى قسمين:
الأول: يد الأمانة، وهي: (التسلط المشروع على العين وحدها أو مع المنفعة)، وهي نوعان:
1 ـ الأمانة المالكية، وهي: (ما كان التسلط فيها باستئمان من المالك وإذنه)، وهي التي يراد منها تارة: نفسُ جعل المال عند الغير ليحفظه ويصونه ويجعله في أمانه، كالوديعة؛ وأخرى يراد بها: كل حالة يكون فيها جعله عند الغير تابعاً لتعهد المالك والتزامه بوضعه تحت يده بسبب شرط أو عقد، وذلك كما في الإجارة أو العارية أو التحبيس أو الرهن أو نحو ذلك من الأسباب التي يرضى المالك من أجلها بجعل ماله تحت يد الغير.
2 ـ الأمانة الشرعية، وهي: (ما كان التسلط فيها على العين بدون علم المالك مع إذن الشرع به ورضاه عنه). وهو التسلط الذي يحدث تارة: قهراً، كما إذا دخل الحيوان دار غير المالك، أو أطار الهواء الثوب فوقع عند الغير، ونحو ذلك؛ وتارة أخرى: يحدث بتسليم المالك له غفلة، كأن يعطيه البائعُ غيرَ ما اشتراه أو أزيد منه؛ وتارة ثالثة: برخصة من الشرع، كما في لقطة المال والحيوان، وكما لو رأى المكلَّف مالاً يعرف صاحبه في يد الغاصب فانتزعه منه ليرده إلى صاحبه من باب (الحسبة)؛ وكما في المال الذي يكون في معرض التلف فتأخذه لتحفظه من باب الحسبـة ـ أيضاً ـ، ثم تتعامل معه معاملة اللقطة أو مجهول المالك أو ترده إلى صاحبه إن كنت تعرفه؛ وكالمال المستعار أو المستأجر إذا عجز عن رده إلى مالكه لعذر مقبول، ونحو ذلك من الأسباب.
الثاني: يد العدوان، وهي: (التسلط على ما للغير بدون إذن من المالك ولا من الشرع)، وهي ـ أيضاً ـ على نوعين:
1 ـ يد الغصب، وهي: (التسلط المتعمد على ما للغير من مال أو حق مع علمه بعدم مشروعيته طغياناً وظلماً)، وهو واضح غير خفي.
2 ـ يد الغفلة، وهي: (التسلط على ما للغير من مال أو حق بتوهم أنه مشروع، أو بتوهم أنه ماله)، ومورده:
أ ـ ما يؤخذ بالعقد المعاوضي الفاسد، دون غير المعاوضي، كالمبيع عند المشتري والثمن عند البائع؛ ذلك أن مشروعية وجودهما عندهما سببها عقد البيع المبرز لرضا المالك بوجود ماله عند الآخر، فإذا تبين فساد البيع يتبين معه فقدان يدهما لمشروعية تسلطها؛ ومثل البيع في ذلك: الأجرةُ في الإجارة الفاسدة ومهر الزواج وعوض الخلع ونحوها.
ب ـ ما يأخذه بتوهّم أنه مالُه غفلةً واشتباهاً، كما إذا لبس حذاء غيره أو ثوبه اشتباهاً، أو نحو ذلك. أما إذا كان المالك هو الذي أعطاه شيئاً غفلة منه، كما لو أعطاه غير المبيع أو أزيد منه عند شرائه منه، فقد قلنا ـ آنفـاً ـ: (إن ذلك من موارد يد الأمانة الشرعية)، ويكون الفرق بين الموردين هو: إن أخذ مال الغير اشتباهاً يجعل يد الآخذ عليه يد عدوان عن غفلة، فيما يكون إعطاء المالك ماله لغيره اشتباهاً من موارد يد الأمانة الشرعية؛ فليلتفت إلى ذلك.
والمراد من هذه التقسيمات هو جعلها عنواناً ومُرتكزاً لتحديد مدى مسؤولية صاحب اليد عن ضمان العين التي تتلف عنده بالنحو الذي سوف نفصّله في الأبواب القادمة، والذي هو الأصل والمرجع لما سبق ذكره من موارد مسؤولية اليد بقسميها في بعض المعاملات من الجزء الثاني، وإلى ما ذكرنـاه ـ أو سنذكره ـ من مواردها في هذا الجزء في الأبواب السابقة واللاحقة.
انطلاقاً من ذلك، فإننا قد عقدنا هذا المقصد لبيان مدى مسؤولية صاحب اليد عن المال الذي تحت يده في أبواب ثلاثة، حيث نفصّل في الباب الأول أحكام اليد الموضوعة على المال بوصفها يد أمانة مالكية متمحضة في كون الهدف منها حفظَ المال وصيانتَه بوضعه (وديعة) عند الغير وفي عهدته؛ ونفصّل في الباب الثاني أحكام لقطة المال والحيوان بوصفها من موارد يد الأمانة الشرعية مع أمور أخرى تناسبها، كحكم الإعراض عن المال، ووجدان المال المجهول المالك؛ وذلك بعدما كنّا قد تعرضنا لعدد من موارد يد الأمانة الشرعية في بعض ما سبق ذكره من معاملات، كالإجارة وغيرها؛ أما الباب الثالث فقد جعلناه فصلين، الفصل الأول منهما مخصص لأحكام يد العدوان بنوعيها، أعني يد الغصب ويد الغفلة، فيما خصصنا الفصل الثاني لأحكام مسؤولية يد العدوان عن ضمان تلف العين المغصوبة أو إتلافها من قبل الغاصب، وأتممناه بضمان اليد لكل إتلاف يحصل منها مهما كان نوعها بما في ذلك يد الأمانة.
الباب الأول
في الوديعة
المبحث الأول: في العقد والمتعاقدين
المبحث الثاني: في أحكام الحفظ والرد
المبحث الثالث: في أحكام الضمان والتنازع
المبحث الأول: في العقد والمتعاقدين
وفيه مسائل:
مسألة 306: الوديعة: (عقد يتراضى فيه الطرفان على أن يكون مال أحدهما في عهدة الآخر وأمانه)، ويتحقّق الإيجاب من المودع بكل لفظ أو فعل يُفهم منه رغبته في إيداع ماله عند الآخر، ولو بمساعدة القرائن، كما يتحقّق القبول ممن يصطلح عليه بـ (الوَدَعي) أو (المستودع) بكل لفظ أو فعل يدل على رضاه بالاستيداع؛ وعليه فإنه لا يكفي في إلزام المكلف بحفظ مال الغير مجرد طلب إيداعه عنده وتركه في عهدته إذا لم يوافق عليه ولم يتسلمه منه، ولو تلف ـ حينئذ ـ لم يكن ضامناً؛ نعم قد يجب عليه ـ كفائياً ـ حفظه إذا كان في معرض التلف من باب وجوب حفظ المال المحترم وحرمة هدره وتضييعه.
مسألة 307: يعتبـر فـي المتعاقديـن ـ إضافـة إلى العقل والرشد والقصد والاختيار بالنحو الذي مـرّ في غيرهـا من العقود ـ إذن الولي به إذا كان أحد المتعاقدين أو كلاهما صبياً، ولو كان مميزاً، فإذا أودع الصبي ماله أو مال غيره بدون إذن وليه لم يجز للمودَع عنده تسلمه منه، ولو تسلمه منه ضمنه لمالكه إلا أن يخشى ببقائه في يد الطفل تلفَهُ، فيجوز أخذه منه من باب الحسبة، ويجب ـ حينئذ ـ رد المال إلى المالك؛ وكذا لا يصح الإيداع عند الصبي، فلو استودعه شخص فتلف المال عنده لم يضمنه ولو مع إهماله وتفريطه، نعم إذا أتلفه الصبي ضمنه ووجب دفع العوض من مال الصبي إن كان له مال، وإلا انتظر المجنيُّ عليه يسار الطفـل. ومن جهـة أخـرى فإنـه يجب علـى الولـي ـ بعد علمه بالوديعة وخشيته تلفها ـ تسلُّمها منه والمبادرة إلى ردها إلى مالكها.
كذلك فإنه يعتبر في الودعي قدرته على حفظها، فلو كان عاجزاً لم يجز له قبول الوديعة، إلا أن يكون المودع عارفاً به فيجوز ولا ضمان عليه.
مسألة 308: لا يعتبـر في المـودع ـ بل ولا في الودعـي ـ عدم الحجر عليه لفلس، فلو أودع شخص مالَه المحجورَ عليه صح منه ما لم يكن منافياً لحق الغرماء فيه عند رغبتهم في استيفائه، وإلا لم يجز الإيداع، وذلك كما لو كلفه إيداعُه بذلَ مال، أو اقتضى إحضارُه للغرماء مرورَ وقت طويل، أو نحو ذلك من وجوه المنافاة؛ وكذا لا يعتبر ذلك في الودعي إلا إذا ترتب على الوديعة بذل مال، كالإنفاق على الدابة، أو استئجار حرز لها، أو نحو ذلك مما ينافي حق الغرماء.
وكذلك لا يعتبر الإسلام في المودع، فتصح وديعة الكافر إذا كانت من الأموال المحترمة المشروعة، دون ما لو كانت من قبيل الخمر ونحوه من الأموال التي لا حرمة لها؛ ويجب على المسلم الوفاء له كما يفي لغيره من المسلمين، وتجري على وديعته جميع أحكام الوديعة الآتية.
مسألة 309: الوديعة من العقود الجائزة، فيجوز لكل من الطرفين فسخها متى شاء، إلا مع اشتراط عدم فسخها من أحدهما أو كليهما إلى مدة معينة، فيصح الشرط ويجب على المشروط عليه الوفاء حتى لو كان في ضمن عقد جائز، كالوديعة، لكنه لو عصى وخالف الشرط وفسخ العقد قبل المدة، أثم، والأحوط وجوباً للطرفين مراعاة آثار الإنفساخ وعدمه، والتراضي على ما يطال كل منهما من آثاره. وإذا فسخ الودعي العقد صارت يده على الوديعة يد أمانة شرعية بعد أن كانت مالكية، ووجب عليه الخروج من عهدتها إما بالمبادرة إلى إيصال المال إلى صاحبه أو وكيله أو وليه، أو بإخباره بالفسخ لتصير مسؤولية أخذها على المالك، فيبقيها عنده أمانة حتى يأخذها؛ فإن لم يوصلها، ولا أخبره بالفسخ، من دون عذر مقبول صارت يده عليها يد عدوان وضمنها إن تلفت ولو من دون تفريط.
مسألة 310: تبطل الوديعة إذا جن المالك المودع جنوناً إطباقياً، أو أغمي عليه إغماءً دائماً، أو مات؛ ويجب على الودعي عند علمه بذلك: إما أن يوصل الوديعة إلى ولي المجنون والمغمى عليه ووارث الميت، وإما أن يخبرهم بوجود الوديعة عنده ليأخذوها هم عندما يشاؤون أو عندما يَطلبُ منهم أخذها واسترجاعها؛ وإذا تعدد وارث الميت لم يكف إيصالها إلى واحد منهم أو إخباره، بل يجب إيصالها للمجموع أو أخبارهم بها. نعم إذا كان مآل العين المودعة بعد موت المالك إلى غير الوارث، كأن أوصى بصرفها في الخيرات، أو كانت العين مرهونة ومودعة عنده برضا المرتهن والراهن المودع، أو نحو ذلك، لزم الودعيَّ ـ حينئذ ـ أن يعمل فيها على مقتضى حالها، من دفعها إلى الوصي ليصرفها في الخيرات، أو إبقائها عنده حتى يفي الورثة بدين المرتهن، فيصير أمرها لهم، ونحو ذلك، فإذا لم يخرج الودعي من عهدتها بالنحو المذكور كانت مضمونة عليه.
وكما تبطل الوديعة بموت المودع أو جنونه أو إغمائه المطبقين، فإنها تبطل ـ كذلك ـ بموت الودعي وجنونه وإغمائه المطبقين، وحينئذ يجب على وارث الودعي ووليه إخبار المودع بالحال أو إيصال الوديعة إليه، فإن لم يفعل ضمن تلفها.
هذا، ولا تبطل الوديعة بجنون المودع أو الودعي وإغمائه الأدواريين.
المبحث الثاني: في أحكام الحفظ والرد
وفيه مسائل:
مسألة 311: إذا تم عقد الإيداع مستكملاً لشروطه وجب على الودعي حفظ الوديعة من التلف بآفة طبيعية أو بشرية، ومن فقدانها بالضياع والسرقة، ومن تعيبها بنقص أوهزال أو مرض أو نحوها، وذلك على النحو التالي:
أولاً: وضعها في المكان الذي يؤمن عليها فيه من العوادي الموجبة لتلفها أو تعيبها أو فقدها، وذلك بالنحو المناسب لها في عرف البلد المودع فيه؛ فمثل النقد والحلي والوثائق وما أشبهها من الأمور النفيسة يكون حفظها بوضعها في دُرْج مقفل، بحيث كلَّما عظمت نفاستُه لزمت المبالغة في صونه، من درج ذي قفل عادي، إلى درج ذي قفل معقَّد يصعب خلعه، إلى درج مقفل في داخل خزانة أو غرفة مقفلة، إلى خزانة حديدية مخصصة لأمثاله، ونحو ذلك مما يعتبر عدم وضعه فيه تفريطاً به وتضييعاً له. ومثل الدابة توضع في حظيرة مناسبة لها، شاة كانت أو بقرة أو دابة ركوب، بحيث لا تخرج منها فتهيم وتضيع، كما يؤمن عليها فيها من السباع وعوادي الطبيعة؛ وهكذا السيارة والثوب والكتاب وغيرها مما يختلف حفظه باختلاف نوعه.
ثانياً: تعهده بالعناية والرعاية الموجبة لاستمرار سلامته وبقائه، حيواناً كان أو غيره؛ فمثل الثوب والحَب تجب حمايته من الرطوبة والتعفن، كتعريضه بين آونة وأخرى للهواء والشمس؛ ومثل الحيوان تجب العناية بسلامته من موجبات المرض ولزوم معالجته إذا مرض، كما يجب تقديم الطعام أو الشراب بالنحو والمقدار المناسبين له لضمان بقائه حياً؛ وهكذا سائر الودائع.
مسألة 312: إذا عين المودع مكاناً خاصاً أو كيفية خاصة، فإن كان ذلك من جهة كونه أحد أمكنة أو كيفيات الحفظ من دون أن تكون له خصوصية مرادة بذاتها، جاز للودعي مخالفة رغبة المودع وحفظه بالنحو الذي يناسبه؛ وإن كان التعيين لخصوصية في المكان أو الكيفية لم يجز للودعي مخالفة رغبة المودع، إلا أن يعلم هو مسبقاً ـ أو في الأثناء ـ أن وجوده في هذا المكان أو بهذه الكيفية موجب لتلفه، فيجوز له مخالفة المودع والعمل بالنحو الذي يحفظ الوديعة ويصونها.
مسألة 313: لا يستحق الودعي أجراً على المودع بإزاء قيامه بعملية الإيداع مهما كانت شاقة عليه ومرهقة له، بل وموجبة لبذل المال من أجلها؛ نعم له أن يشترط عليه الأجرة بإزاء نفس الحفظ، أو تعويضَه ما يدفعه من مال لتحقيق الحرز المناسب للوديعة، كاستبدال أقفال جديدة ومتينة بأقفاله القديمة، أو ترميم سور الحظيرة وتدعيمه، أو شراء أجهزة إنذار لباب منزله، أو نحو ذلك مما لم يكن ليفعله لولا الوديعة، فإذا وافق المودع على الشرط استحق الودعي عليه الأجرة والعوض حينئذ. ومن ذلك ما لو لم يكن عنده حرز فاضطر لاستئجار حرز لها، فليس له مطالبة المودع بالأجرة إلا مع الإشتراط، حتى لو كان المودع عالماً بعدم وجود حرز عنده إلا بهذا النحو.
مسألة 314: إذا كانت الوديعة حيواناً، ولم يعطه المودع علفه، ولا أمكنه الإكتفاء بعلف مجاني كالحشيش النابت في البرية، أو ما يلقيه أهل المنزل من فضلات طعامهم وخضرواتهم، كما وأنه لم يكن قد اشترط عليه شيئاً بهذا الشأن، فإن تبرع بالانفاق عليه من ماله مجاناً كان خيراً، وإلا فإن أمكن مراجعة المودع والتوافق معه على أمر معين، وجب عليه ذلك، وإلا لزمه مراجعة الحاكم الشرعي، فإن أذن له باستثمار نمائه ومنافعه في الإنفاق عليه ولو ببيع بعضه ـ مع الإمكان ـ والإنفاق منه على الباقي كان خيراً، وإن أمره بالإنفاق عليه من ماله ثم الرجوع على المودع أنفق عليه ورجع به عليه؛ وإن تعذر عليه الرجوع إلى الحاكم أنفق عليه من نمائه بالنحو المذكور مع وجوده، وإلا أنفق عليه من ماله ورجع به على المودع إن كان قد نوى ـ حين الإنفاق ـ الرجوع به عليه.
مسألة 315: إذا تعرضت الوديعة لخطر المصادرة من الظالم وجب عليه حفظها عنه ومنعه منها بالنحو التالي:
أولاً: إذا أمكن دفعه بالوسائل السلميَّة المتعارفة في مثل هذه الحالة، كالمصانعة والمداهنة والكذب عليه، بل والحلف بالله كاذباً، وجب عليه ذلك مُرتِّباً بينها بحسب الضرورة.
ثانياً: لا يجب عليـه ـ من أجـل دفعـه عنهـا ـ تحمل الأذى الجسمانـي أو المعنوي، كالإهانة الشديدة، دون ما لو كان بمثل الكلام الخشن الذي لا يكون هاتكاً له بالمقارنة مع مقامه الإجتماعي.
ثالثاً: إذا كان يندفع بمقدار من المال من نفس الوديعة وجب بذل المقدار الذي لا يندفع إلا به، فإن أهمل فأخذها كلها ضمن منها الباقي عن المقدار الذي كان يجب الدفع به، وذلك كما لو كان يندفع بالثلث فلم يبذله الودعي فأخذها الظالم كلها ضمن الودعيُّ الثلثين؛ وكذا لو كان عنده وديعتان، وكان الظالم يندفع بواحدة منهما أو بإحداهما المعينة، وجب بذل ما يندفع به، فإن لم يبذله فأخذهما الظالم جميعاً، فإن كان الذي يندفع به هو واحدة منهما بعينها ضمن الأخرى، وإن كان ما يندفع به هو إحداهما غير المعينة، وكانت إحداهما أكثر قيمة من الأخرى، ضمن الأكثر قيمة.
أما إذا كان ما يندفع به من مال الودعي نفسه لم يجب عليه دفعه تبرعاً، وأما مع نية الرجوع به، فإن أَمكَنَهُ استئذان الحاكم الشرعي بالدفع عن المودع، استأذنه ودفع عنه ورجع عليه، وإن لم يمكن الاستئذان، وكان ترك الدفع تقصيراً عرفاً في حفظ الوديعة، وجب عليه الدفع ورجع به على المالك، وإلا لم يجب.
مسألة 316: إذا خاف على الوديعة من السرقة أو غصب الظالم لها أو تلفها أو تعيبها، رغم جعلها في حرزها وقيامه بحفظها، وجب عليه ردها وإيصالها إلى المالك أو وكيله أو وليه، أو إعلامه بالحال ليأخذها هو، فإن لم يمكن رجع إلى الحاكم الشرعي، فإن أخذها منه وأودعها عنده، أو أذن في إيداعها عند ثقة أمين، إكتفى به، وإلا أودعها هو عند الثقة الأمين مع عدم قدرته على مراجعة الحاكم الشرعي.
مسألة 317: إذا أحسَّ الودعي بإمارات الموت لم يجب عليه إيصالها إلى مالكها أو إعلامه بالحال ليأخذها هو، إلا أن يخشى من ضياعها بعده حتى مع الإيصاء بها والإشهاد عليها، وإلا كفاه الإيصاء بها أو إعلام الوارث بها أو نحو ذلك مما يحفظ حق المودع ويضمن أداءها له بعد موته.
مسألة 318: إذا لم يتوقف حفظ الوديعة على حضور الودعي جاز له السفر، كما يجوز له السفر مطلقاً إذا كان مأذوناً له بإيداعها عند أمين، وإلا لزمه إيصالها إلى مالكها أو إعلامه بالحال، فإن لم يقدر عليهما تخيّر بين أخذها معه في سفره مع الأمن عليها أو إيداعها عند الأمين، ومع عدم الأمن عليها في الطريق تعيّن عليه إيداعها عند الثقة الأمين.
مسألة 319: إذا طلب المودع وديعته غير الموقتة وجب دفعها إليه فور طلبه لها، وكذا إذا كانت موقتة فحلَّ أجلها وكان التوقيت من الودعي، أما إذا لم يحلَّ الأجل فلا يجب دفعها، نعم إذا كان التوقيت من المودع فطلبها قبل الأجل لزم دفعها إليه؛ ولا ينافي فورية الرد التأخر اليسير المتعارف، كمثل التأخر للإنتهاء من الطعام أو الصلاة، أو من أجل تحضير الوديعة وإخراجها من حرزها، ونحو ذلك؛ نعم إذا رخص المودع في التمهل مطلقاً أو لمدة محددة، لم يعد ثمة موجب للفورية حينئذ؛ هذا ولا فرق في وجوب الرد بين المودع المسلم والذمي والحربي.
ويتحقّق الرد بإحضار الوديعة أمامه والتخلية بينها وبينه، بل يكفي إحضار المالك إلى مكان الوديعة وتمكينه منها بفتح الدُرج أو باب الحظيرة ليأخذها، دون أن يجب عليه نقلها من مكان حرزها إلى المالك، قريباً كان منها أو بعيداً عنها.
هذا إذا كان المودع مالكاً، أما لو انكشف له كونه غاصباً لم يجز له ردها إليه إذا قدر على الإمتناع، فإن عرف صاحبها أوصلها إليه أو أعلمه بها، وإن جهله ورجا معرفته عرَّفَ عنه، فإن يئس تصدق بها عنه، والأحوط وجوباً استئذان الحاكم الشرعي بالتصدق، فإن تبيّن المالك بعد ذلك ولم يرض بالصدقة ضمنها له.
مسألة 320: إذا أقر الودعي بالوديعة ثم مات، فإن كان قد عينها بشخصها وجب على الورَّاث اخراجها من التركة وتمكين المودع منها إن عرفوه، وكذا لو عينها في نوع له في تركته أفراد عدة، كأن قال: «إن لزيد عندي نسخة من الكتاب الفلاني»، دون أن يميزه بشخصه بين عدة نسخ من نفس الكتاب، فإن عليهم ـ أيضاً ـ أن يمكنوا الودعي من أخذ ماله ما داموا يحتملون صدق المورِّث في إقراره، وذلك إما بالتصالح معه على فرد منها إن تراضوا، أو بالقرعة مع عدم التراضي. وأما إذا لم يعينها بأحد الوجهين المذكورين، بحيث لم يظهر من كلامه وجودها في تركته، ولا كان الوارث عالماً بوجودها، فإن ذكر جنسها، وكان له فرد واحد، وعُلم أنَّ مراده هذا الفرد، تعينت به ووجب على الورثة إخراجها من التركة، وأما إذا لم يُعلم أن مراده هذا الفرد، أو لم يكن قد ذكر الجنس أبداً، لم يُعتَدَّ بقوله ولم يُلزمهم قولُه بشيء. هذا، ولو عُلمت الوديعة بالنحو المذكور آنفاً ولكن جُهل المودعُ لزمهم التصدق بها عنه، ولكن بعد استئذان الحاكم الشرعي على الأحوط وجوباً.
المبحث الثالث: في أحكام الضمان والتنازع
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في أحكام الضمان
وفيه مسائل:
مسألة 321: لا يجوز للودعي أن يتصرف في الوديعة بأي نحو من التصرف، ولو كان يسيراً أو غير متعارف، وذلك كأن يستخدم الكتاب للتهوية، أو يتسلى بالكتابة على صندوق الوديعة أو كيسها التابع لها، ونحو ذلك، ولا تكفي نية التصرّف والعزم عليه في تحقّق الإثم أو ثبوت الضمان، بل لا بد من فعليّة التصرّف ووقوعه؛ نعم إذا أذن له المودع بالتصرف فيها بنحو معين، أو مطلقاً، جاز له التصرّف بالنحو المأذون فيه، بل لا ينافي الوديعة ما لو أذن له بالتصرف المتلف لها مع ضمانها عليه عند استردادها مثلاً أو قيمةً.
مسألة 322: إذا جرى الودعـي ـ خـلال مـدة الإيـداع ـ على ما تقتضيه أحكام الوديعة في العناية بها وحفظها وعدم التصرف بها بغير ما هو مأذون فيه كانت يده عليها يد أمانة، فلا يضمن ما يقع عليها من تلف بآفة طبيعية، كالحرق والغرق ولدغ الأفعى والموت حتف الأنف، ونحو ذلك، كما لا يضمن إتلاف الغير لها بِعُدوانٍ متعمد أو بحادث غير مقصود، ففي الحالة الأولى لا ضمان على أحد، وفي الحالة الثانية يرجع المودع بضمانها على المتلف مباشرة، دون أن يكون له حق الرجوع أولاً على الودعي ثم الودعي يرجع على المتلف. فإن لم يَجْر الودعي على مقتضى أحكام الوديعة، فـ (فَرَّطَ) في حفظها والقيام بأمرها إحرازاً وعلاجاً وإنفاقاً بالنحو الذي مرَّ تفصيله كان ذلك منه (تفريطاً) موجباً لضمان تعيبها أو تلفها؛ كما أنه إذا لم يلتزم بما يقتضيه العقد من عدم التصرف فيها بأزيد مما يستلزمه حفظها، أو لم يلتزم بالحد الذي أذن به المالك من التصرفات، فتصرف بها بما يعدّ خيانة منه و(تعديـاً) على مـال الغيـر، وجب عليـه ـ أيضاً ـ ضمان تعيبها أو تلفها، وهذا هو معنى (التعدي) و(التفريط) المتداولين كثيراً في البحوث الفقهية؛ نعم إذا اقتصر الودعي في تصرفه غير المأذون فيه على ما لا يُعدّ خيانة للاستيداع عند العرف، كمثل ما لو كتب بيتاً من الشعر على كيس الوديعة، لم يكن ذلك موجباً لضمانه رغم كونه آثماً به. فإذا تعدى الودعي أو فرّط بالنحو المذكور صارت يده على الوديعة يد عدوان وغصب، فيضمن ما يحدث عليها من تلف بآفة طبيعية أو إتلاف الغير المتعمد ـ أو غير المتعمـد ـ لها، بحيث يرجع المودع عليه بمثله أو قيمته، رغم أن التلف قد حصل بحادث طبيعي أو بإتلاف غيره له، نعم يحق للودعي في صورة ما لو كان الإتلاف بفعل بشري أن يرجع على المتلف بعد أن يرجع المودع عليه. وكما يضمن تلف العين مع التعدي والتفريط ـ فإنه ـ أيضاً ـ يضمن أرش تعيبها إذا تعيبت بما دون التلف، وكذا جميع منافعها المفوَّتة ولو لم تكن مستوفاة، بل والفائتة إذا استوفاها. (أنظر في المراد بالمنافع المفوتة والفائتة، المسألة: 392).
هذا كله إذا كان الإتلاف بفعل غير الودعي، أما إذا كان المتلف هو الودعي، سواء في ذلك مع التعدي أو التفريط أو بدونهما، وسواء كان واعياً قاصداً أو غير واع ولا قاصد، وسواء كان مأذوناً في الإتلاف المضمون عليه أو غير مأذون، فإن على الودعي ـ حينئذ ـ ضمان ما أتلف، ولو تسبيباً. (أنظر حول ما ورد في هذه المسألة المزيد من التفاصيل في فصلي الغصب والضمان).
مسألة 323: لا يخفى أن موارد التفريط والتعدي كثيرة، كما لا يخلو تشخيصها من دقة رغم أن المرجع فيها هو العـرف، والأفضـل ـ لا سيمـا عند التنازع ـ إيكال الأمر إلى الحاكم الشرعي، وفيما يلي بعض ماله علاقة بذلك:
1 ـ إذا نوى الودعي غَصْبَ ما تحت يده وقَصَد الاستيلاءَ عليه ومَنْعَهُ عن مالكه، صارت يده يد عدوان، وضمن العين ما دام على نيته، فإن عدل عنها وتاب عادت يده يد أمانة وارتفع عنه الضمان؛ نعم إذا كان غصبه لها مقترناً بجحوده لها وإنكار وجودها عنده ظلماً وبغياً لم يرتفع عنه الضمان إذا رجع عن جحوده وأقرَّ بها. وكذا لا يرتفع الضمان في ما لو طُلبَتْ منه فامتنع عن ردها ثم عاد عن امتناعه وبَذَلها.
2 ـ إذا كانت الوديعة أجزاءً مجتمعة، كالنقد والحَب ونحوهما، فإن كانت في وعاء واحد مختوم، كالكيس أو الصندوق، ففتحه وأخذ بعضه ضمن الجميع، بل إنه يضمن ما في الكيس بمجرد فتحه لغير ضرورة ولو لم يأخذ منه شيئاً، نعم، إذا كانت الأجزاء مجموعة في أكياس متعددة، فأخذ كيساً منها لم يضمن ما عداه من الأكياس الباقية. وأما إذا كانت في غير وعاء، أو في وعاء غير مختوم، فأخذ بعضها، فإن كان من قصده الإكتفاء به والاقتصار عليه ضمن ما أخذ دون الباقي، وإن كان من قصده أخذ الجميع شيئاً فشيئاً ضمن الجميع عند أخذه أول جزء منه.
3 ـ لا يُعدّ من التفريط تسليم الوديعة لمساعديه، كزوجته وولده وخادمه، ليحرزوها في غيبة منه عنهم، ما دام مطمئناً لأمانتهم في أمواله وأموال غيره، وما دام عمله مقبولاً عند العرف، وبخاصة لمن كان من أهل الجاه والشرف ممن يضطرون للاستعانة بغيرهم في الكثير من أعمالهم؛ فإن لم يكن الأمر كذلك، بحيث عُدّ تسليمها لهم تهاوناً منه في حفظها والعناية بها، ضمن تلفها. أما إذا كان ذلك في حضوره وإشرافه فلا شك في عدم كونه مفرطاً فيها ولا ضامناً لها.
مسألة 324: إذا فرّط أو تعدّى على الوديعة، ثم رجع عن تفريطه أو تعديه، ارتفع عنه الضمان، وذلك كما لو فتح كيس الوديعة المغلق أو صندوقها ثم أعاد إقفاله، أو لبس الثوب ثم نزعه وأعاده إلى حرزه، أو نحو ذلك من وجوه التعدي والتفريط.
المطلب الثاني: في أحكام التنازع
وفيه مسائل:
مسألة 325: إذا ادّعى الودعي رد الوديعة فأنكره المودع، كان القول قول المودع مع يمينه؛ وكذا لو رَدّها الودعي لكنه سلَّمها إلى غير المالك مدعياً كونه مأذوناً من قبله، فأنكر المالك الإذن، أو صدّقه في الإذن لكنه أنكر تسلم الآخر لها، فإن القول ـ في الموردين ـ قول المالك مع يمينه.
مسألة 326: إذا ادعى الودعي تلف الوديعة وكان مأموناً عند المودع، لم يكن له أن يطالبه بشيء، وإن لم يكن مأموناً جاز له رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، ويكون القول قول الودعي مع يمينه. ولو اتفقا على التلف، لكنهما اختلفا في كونه متعدياً أو مفرطاً أو ليس كذلك، فالقول ـ أيضـاً ـ قول الودعي مع يمينه، وكذا لو اتفقا على ضمان العين واختلفا في قيمتها بعد اختلافهما في خصوصياتها.
مسألة 327: إذا أنكر الوديعة وجحدها ثم أقرَّ بها، إما بسبب إقامة المالك البيّنة وظهور الحقيقة، أو لتوبته وصحوة ضميره، فإذا ادعى بعد ذلك تلفها، كان حكمه كما يلي:
أولاً: إذا ادّعى حدوث التلف بدون تعدٍ ولا تفريط قبل جحودها، حيث لا يكون ـ مع تصديقه ـ ضامناً لتلفها بعد أن كانت يده عليها يد أمانة، لم يقبل قوله بيمينه، بل يكلف بالبيّنة، فإن أقامها لم يطالب بشيء، وإلا حلف المالك على عدم التلف، فإن حلف ألزم الودعي بتسليمه الوديعة، إلا أن يتبين أنها تالفة فلا يكون له عليه شيء.
ثانياً: إذا ادّعى حدوث التلف بعد الإنكار، فإذا صدقه المودع كان له بدلها، وإذا لم يصدّقه وادّعى وجود العين عنده لزم الودعي البيّنة، فإذا أقامها لزمه ضمان البدل، وإلا حلف المالك، فإن حلف على عدم التلف ألزم الودعي بدفع الوديعة إلا أن يتبين تلفها فعلاً، فليس عليه حينئذ إلا البدل.
الباب الثاني
في اللقطة
المبحث الأول: في أحكام اللقيط
المبحث الثاني: في لقطة الحيوان
المبحث الثالث: في لقطة المال
تمهيد:
يراد بـ (اللُّقَطَة) في مصطلح الفقهاء: (المال الضائع الذي لا يد لأحد عليه من حيوان وغيره، وكذا الطفل الهائم الذي لا كافل له، إذا وجدهما واجد فالتقطهما).
وقد سمي المال المفقود إذا كان شيئاً بـ (الضائع)، وإذا كان حيواناً أعجماً بـ (الضالَّة)، فإذا وجدهما واجد سميا (لُقطة)، وإن كان أغلب استعمالها في الشيء إذا وجد؛ أما الطفل إذا وجد فهو (لقيط).
ثم إن لكل (مفقود) من هذه الثلاثة أحكاماً تخصه، وهو ما نستعرضه في مباحث ثلاثة على النحو التالي:
المبحث الأول: في أحكام اللقيط
وفيه مسائل:
مسألة 328: لا يكون الطفل لقيطاً ـ إذا وجده واجد ـ إلا بأمرين:
الأول: أن يكون غير قادر على الاستقلال بشؤونه، بحيث لا يقدر على السعي فيما يصلحه، ولا على دفع ما يضره أو يهلكه، وإن كان قد تجاوز طور الطفولة الأولى وصار مميزاً.
الثاني: أن يكون هائماً على وجهه لا يُعرَف له كافل يرعاه ويحميه، ولا متبرع ولا ولي أو وصيُّ وليٍّ، سواءً كان منبوذاً قد تخلى عنه أهله فطرحوه في شارع أو مسجد أو ميتم، أو لم يُعلم أنه كذلك، بل كان ضائعاً فاقداً لأهله.
أما إذا كان الضائع كبيراً لا يستقل بنفسه أيضاً، كالمجنون، فلا يُعدّ لقيطاً بالمعنى المصطلح ولا تترتب عليه أحكامه، بل يكون المرجع في أموره هو الحاكم الشرعي، فإنه ولي من لا ولي له، وإن كان يجب على واجده حفظه ورعايته إذا خيف عليه التلف ـ بل وكذا يستحب لـه ذلـك مع عـدم الخـوف عليـه ـ حتى يصل إلى الحاكم الشرعي ويرى رأيه فيه.
مسألة 329: يعتبر في ملتقط الصبي أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا تترتب أحكام الالتقاط إذا كان المُلتقِط صبياً أو مجنوناً، بل يبقى مَنْ التَقَطَاهُ ضائعاً لا كافل له، إلا أن يتعهده وليهُّما فيصير هو الملتقط، دونهما. وكذا يشترط فيه الإسلام إذا كان اللقيط محكوماً بالإسلام، فإن لم يكن الملتقطُ مسلماً بقي لقيطه ضائعاً، فيجوز للمسلم ـ مع القدرة ـ أخذه منه، بل يجب انتزاعه منه مع الخوف على دين الصبي منه؛ فيما يصح التقاط الكافر للّقيط المحكوم بالكفر، وتترتب عليه أحكام اللقيط، فضلاً عن التقاطه من قبل المسلم. هذا، والمعيار في كون اللقيط محكوماً بالإسلام أو بالكفر هو ما يكون عليه دين أهل المكان الذي التقط فيه، فإن كانت دارَ إسلام، أو دارَ كفر فيها مسلمون يحتمل تولده منهم، فاللقيط محكوم بالإسلام، وإلا فهو محكوم بالكفر.
مسألة 330: يجب أخذ الطفل الضائع أو المنبوذ ـ وجوباً كفائياً ـ إذا توقف حفظه في جسده ونفسه ودينه من الأخطار التي يخشى على مثله من الوقوع فيها، على أخذه وإيوائه، وإلا فإن كان مأموناً عليه، ولكن كان عيشه في ظل من يكفله أفضل من تركه منفرداً يغالب شؤونه، كان أخذه مستحباً، وكان لآخذه من الثواب ما يعادل ثواب كفالة اليتيم، إن لم يزد عليه.
مسألة 331: إذا تم الالتقاط مستكملاً لشروطه كان الملتقط أولى باللقيط، فلا يجوز لأحد أن ينتزعه منه، ولو كان من أقاربه وأرحامه الأقربين، كأخيه وعمه وخاله، بل يبقى في حضانته ورعايته حتى يتبين له أب أو أم أو جد أو جدة لأحدهما، بل أو قيِّم موصى له من قبل الأب أو الجد للأب بالقيمومة على القاصر من أبنائه، فيخرج بوجود أحدهم عن عنوان (اللقيط) بعد وجدان كافله الحقيقي، حتى لو كانوا قد نبذوه وتخلوا عنه، أو كان ولد سفاح؛ وحينئذ فإن طلبوا ولدهم من ملتقطه وجب عليه دفعه لهم، ويجبر عليه إذا امتنع، كما أنه لو تخلى عنه ملتقطه ودفعه إلى أهله المذكورين وجب عليهم أخذه، ويجبرون عليه مع الإمتناع.
مسألة 332: ما يكون مع اللقيط من مال ومتاع، محكومٌ بأنه ملكه، إلا أن يظهر من بعض القرائن خلاف ذلك، كأن يكون نوع المال أو كثرته قرينة على كونه لمن كان معه من أهل أو صحبة، ففقدوه بفقده وضياعه؛ أو كأن يظهر من القرينة أنَّ مَنْ تخلى عنه قد ترك معه ذلك المبلغ من المال ليُنفَقَ عليه؛ وحينئذ فلا بد من معاملة المال بما يوافق العنوان الذي ظهر من القرينة، وهو حسب الفرض الأول مجهول المالك وحسب الفرض الثاني يكون مالاً مأذوناً في إنفاقه عليه؛ وهكذا.
مسألة 333: حق اللقيط على ملتقطه أمران:
الأول: يجب عليه أن يعرِّف عنه حتى يحصل له اليأس من معرفة أهله، إذا علـم أنه غيـر منبـوذ من قبلهـم ـ لفقـر أو خـوف العـار أو نحوهمـا ـ واحتمل الوصول إليهم؛ فلا يدع الوسيلة الناجعة في التعريف عنه مهما طال الزمن حتى ييأس من معرفتهم؛ فإن احتاج التعريف إلى صرف مال صرف من مال الطفل إن وجد أو من مال نفسه، وذلك بالنحو الذي سنبينه لاحقاً عند التعرض لحكم الإنفاق عليه.
الثاني: يجب عليه أن يقوم بحضانته؛ وشؤون الحضانة تقتصر على العناية بصحته في نومه ولباسه وطعامه وشرابه وعلاجه ورد الأذى عنه، إضافة إلى العناية بشؤون نفسه في أخلاقه ودينه وحسن تأديبه وتوجيهه، ويختص الواجب من ذلك بالحد الأدنى الذي يحتاجه لرد المخاطر التي يعتد بها عن جسده ونفسه، سواء قام الملتقط بها بنفسه، أو أوكلها إلى غيره ممن يؤمن عليه، من مبرة أو مدرسة أو غيرهما من الأفراد والمؤسسات، وذلك حتى يبلغ.
أما ما عدا ذلك مما يدخل في شؤون (الولاية)، كالإنفاق عليه من ماله، وكحفظ أمواله واستثمارها، وشؤون معاملاته، ونحوها فإن المرجع فيها هو الحاكم الشرعي أو وكيله إن وجد وأمكنه التصدي، وإلا فعدول المؤمنين إذا لم يكن الملتقط منهم.
مسألة 334: إذا تبرع متبرع بنفقة اللقيط، أو أنفق عليه الحاكم من بيت المال بنفسه، أو كان مورداً للحق الشرعي فأنفق عليه الحاكم بنفسه منه فذلك خير، وإلا، فإن كان معه مال نقدي، أو متاع لا يحتاج إليه، كفراش أو غطاء زائدين، أو حلي أو نحو ذلك، جاز له صرفه في نفقته بعد استئذان الحاكم الشرعي أو وكيله إن وجد وأمكن استئذانه، أو استئذان العدل من المؤمنين عند فقده إذا لم يكن هو منهم؛ وإن لم يكن معه ما ينفقه عليه وجب أن ينفق عليه من مال نفسه.
مسألة 335: إذا أنفق الملتقط عليه من مال نفسه جاز له الرجوع عليه بما أنفق بعد بلوغه ويساره إذا لم يكن للّقيط مال ينفق منه عليه، ولا وجد متبرع أو حاكم ينفق عليه، وكان قد نوى الرجوع عليه به، وإلا لم يجز له الرجوع عليه بما أنفق ولو كان موسراً.
مسألة 336: لا يترتب بالالتقاط حق ولاءضمان جريرة الملتقط على اللقيط، ذلك أن وجوب ضمان جناية شخص وقيامه بدفع الدية عنه ووراثته له لا يكون إلا بعقد يتعهد فيه أحدهما أو كلاهما للآخر أن يضمن جنايته، حتى لو لم ينص فيه على وراثته له؛ فلا يكفي في وجوب الضمان وتحقّق الولاء بهذا النحو مجرد الإلتقاط، بل ولا يُلزَمُ اللقيط بعد بلوغه بإنشاء هذا العقد مع الملتقط، وله أن يجريه مع من يشاء، فإن مات اللقيط لم يرثه الملتقط، ولا هو يرث الملتقط لو مات، بدون أن يكون بينهما عقد ولاء ضمان الجريرة، بل يرثه الإمام حينئذ. (أنظر في ضمان الجريرة المسألة: 1086 وما بعدها).
مسألة 337: لا يجوز للملتقط أن يتبنى اللقيط، وذلك بأن ينسبه إلى نفسه كما لو كان قد ولده، وإن فعل ذلك أثم ولم تترتب عليه آثار البنوة وأحكامها، كالولاية والنسب والميراث، وأما (التبني) بمعنى كفالته ورعايته وعيشه مع عائلته كأنه ولد من أولاده في الإهتمام والمحبة، فهو أمر جائز، بل إنه من أفضل الأعمال، بل قد يكون واجباً كما سبق القول، لكن لا بد من رعاية وملاحظة كونه غريباً من جهة وجوب التستر منه على نسائه إن كان ذكراً، وتستره من أهل بيته الذكور إن كان أُنثى، وهكذا سائر الأحكام، إلا أن يكون رضيعاً حين التقاطه وقد أرضعته زوجة الملتقط الرضاع المُحرِّم، فيحل حينئذ على الملتقط وزوجته وسائر أفراد أسرته، لأنه يصير كالولد من النسب.
المبحث الثاني: في لقطة الحيوان
تختلف أحكام التقاط الضالة (أي: الحيوان الضائع) في برية لا عمران فيها عن أحكام التقاطها في مواضع العمران؛ والمراد بمواضع العمران: (ما حول القرى من المواضع التي تسرح فيها البهائم آمنة ـ عادة ـ من السباع). وتفصيل ذلك يقع في مسائل:
مسألة 338: لا يجوز التقاط الحيوان الضائع في كل موضع يؤمن عليه فيه من السباع، إما لكونه في مواضع العمران، أو في غيرها لكنَّه كان على حالة من القوة أو ضخامة الجسد أو سرعة العدو بحيث يحفظ نفسه من صغار السباع كالذئب والثعلب، مع ندرة السباع الخطرة التي يخشى عليه منهـا؛ وكان ـ إضافة إلى ذلك ـ بحيث لا يخشى عليه من التلف لمرض أو جوع أو تردٍ في بئر أو من شاهق. فإن لم يكن كذلك، بأن كان في برية لا عمران فيها ولا يحفظ نفسه من سباعها، أو كان في عمران لكنه كان مريضاً أو يفقد المرعى أو يخشى من ترديه في بئر أو نحو ذلك، جاز التقاطه على كراهة، إلا أن يكون في معرض التلف بحيث يعد تركه هدراً للمال وتضييعاً له فيجب التقاطه.
مسألة 339: يجب على من التقط الضالة أمور:
الأول: التعريف عنها، فإن كان الإلتقاط غير جائز له فالتقطها رغم ذلك، عرَّف عنها في الأماكن التي يرجى تعرف المالك عليها فيها حتى ييأس من معرفته فيتصدق بها ـ حينئذ ـ عن صاحبها، والأحوط وجوباً أن يكون بإذن الحاكم الشرعي، وكذا حكم ما لو وجب عليه الإلتقاط خشية التلف. وأما إن كان الالتقاط جائزاً ـ كما في الملتقط في البرية مع عدم امتناعه بنفسه، كالشاة ونحوها ـ عرَّف عنه في موضع الالتقاط إن كان فيه نُزَّال، فإن لم يَعرفْ المالك جاز له تملكه والتصرف فيه بالأكل أو البيع أو نحوهما، كما يجوز له إبقاؤه أمانة عنده إلى أن يعرف صاحبه ما دام لم ييأس من معرفته. هذا، وحيث يجوز له التقاطه، ويتوقف التعريف عنه على بذل مال، فإن وجد باذل متبرع وجب الاكتفاء به، ولم يجز معه بيعُ ما لَهُ من نماء ولا إجارةُ ما لَه من منافع مع وجودها، وإلا جاز له فعل ذلك والإنفاق عليه منه، فإن لم يكن له شيء من ذلك وجب عليه الإنفاق من ماله ثم الرجوع به على مالكه إن كان قد نوى الرجوع. أما إذا لم يكن التقاطه جائزاً فليس له الإنفاق عليه من منافعه، بل ينفق عليه من ماله دون أن يرجع به على المالك إن وجده حتى مع نية الرجوع عليه.
الثاني: يجب عليه حفظه ورعايته من التلف والتعيُّب وتقديم الماء والعلف والعلاج بالنحو الذي يحتاجه، وذلك حتى يتم التعريف عنه ويتحدد مصيره ما بين التصدّق به أو تملكه أو إبقائه أمانة عنده، سواء كان قد جاز له التقاطه أو لم يجز له فالتقطه عاصياً؛ وحينئذ فإن كان ثمة مصدر مجاني لحاجات الحيوان، كالحشيش النابت في البرية، أو وجد متبرع بها، فهو خير، وإلا فإن كان له نماء ومنافع يمكن بيعها أو إجارتها والإنفاق عليه منها، وكان التقاطه جائزاً، أنفق منها، وإلا وجب عليه الإنفاق من ماله، ثم إذا ظهر المالك جاز له الرجوع عليه بما أنفقه إن كان قد نوى الرجوع عليه وكان التقاطه جائزاً، وإلا لم يرجع عليه بشيء.
الثالث: ضمانه عليه، فإن لم يكن أَخْذُه جائزاً له كانت يده عليه يد عدوان، فيضمن منافعه المفوّتة ولو لم يستوفها ومنافعه الفائتة إذا استوفاها، كما يضمن تلفه أو تعيبه مطلقاً، ولا يرتفع عنه الضمان بإعادته إلى محل التقاطه، بل يجب عليه إيصاله إلى صاحبه إن عرفه، فإن تلف عنده قبل إيصاله إلى مالكه، أو قبل التصدق به بإذن الحاكم الشرعي إن لم يعرف مالكه، ضمنه ولو كان التلف بآفة طبيعية أو من أجنبي. وإن كان أخْذُه جائزاً له أو واجباً عليه لم يضمنه إذا تلف عنده بدون تعد منه ولا تفريط، نعم، إذا كان الملتقط هو المتلف، وذلك كما لو أتلفه من غير قصد، أو كما في صورة ما لو جاز له تملكه فأتلفه بمثل الأكل أو البيع ثم عرف صاحبه، فإنَّ عليه ضمان قيمته له يوم الأداء.
مسألة 340: ما يكون للحيوان من نماء منفصل خلال مدة التقاطه يختلف حكمه على نحوين:
الأول: ما إذا لم يجز له التقاطه. وحكمه أنه لا يجوز لملتقطه أخذ ما يبقى من نمائه المنفصل، كشعره وصوفه وولده ونحوها، لأن يده عليه يد عدوان، فيجب حفظه مع العين حتى يعرف صاحب الحيوان فيدفعه إليه مع نمائه، أو ييأس من معرفته فيتصدّق به مع الحيوان عن صاحبه بإذن الحاكم الشرعي، وأما ما يفسد من نمائه، بحيث لا يبقى حتى يصل إلى صاحبه، فإنه يجب عليه التصدّق به عنه بإذن الحاكم الشرعي قبل فساده. هذا حكم نمائه، أما منافعه فإنه لا يجوز لمن يده يد عدوان أن يستوفي شيئاً من منافعه، فإن استوفى منها شيئاً أثم، وعليه ضمان منافعه المفوّتة ولو لم يستوفها، وضمان منافعه الفائتة إذا استوفاها. هذا، ولا يحق له احتساب نمائه ومنافعه في الإنفاق عليه، لأن نفقته مضمونة عليه لا على المالك بعد كون يده يد عدوان.
الثاني: ما إذا جاز له التقاطه. وحكمه أنه يجوز له أخذ نمائه المنفصل وأكله أو بيعه خلال مدة التعريف، سواءً ما يُسرع إليه الفساد وغيره، فإن عرف مالكه بعد ذلك ضمن له ما أخذ بقيمته حين الأداء، إلا أن يكون قد احتسبه بإزاء ما أنفق من ماله على الحيوان على أساس قيمة كل منهما. وكذا حكم منافعه المستوفاة منه دون غير المستوفاة، مفوّتة كانت أو فائتة. هذا حكمه خلال فترة التعريف، أما حكمه بعد انقضاء فترة التعريف فإنه يتبع اختيار الملتقط، فإن تملكه تملك معه نماءه ومنافعه، وتكون مضمونة عليه بقيمتها يوم الأداء إن تبيّن صاحبه، إذا لم يكن قد احتسبها في نفقته، وكذا لو أبقاه عنده أمانة، وإن تصدّق به لم يكن عليه شيء.
مسألة 341: إذا تعمد صاحب الحيوان تركه في الطريق أو في خلاء من البرية، فإن عُلم بأنه قد أعرض عنه وأباح تملكه لآخذه صار كالمباحات الأصلية، فيجوز أخذه ويملكه آخذه دون أن يكون مضموناً عليه؛ وإن لم يعلم ذلك، بل عَلم ـ أو احتمل ـ أنه تركه للعجز عن الإنفاق عليه أو عن معالجته أو لعجز الحيوان عن السير وحاجته إلى الراحة أو نحو ذلك من الأسباب الداعية إلى تسريح الحيوان، فإن كان الحيوان قادراً على العيش في موضعه، ولا يخشى عليه فيه من التلف، لم يجز أخذه، ولو أخذه ضمنه بالنحو السابق، وإن لم يكن الموضع صالحاً لعيشه فيه، ولم يعلم نية المالك الرجوع لأخذه قبل ورود الخطر عليه، جاز لكل أحد أخذه دون ضمان.
مسألة 342: إذا دخل الحيوان دار الإنسان أو نحوها من الأماكن المحجوبة لم يصدق بذلك أنه أخذه ووضع يده عليه، ولا يكون ـ حينئذ ـ في ضمانه، وله إخراجه منها، بل يجب عليه إن احتمل عدم ضياعه من صاحبه، ولو علم ضياعه جرى عليه حكم الحيوان الملتقط في العمران الذي سبق ذكره، أي: عرَّفه من حوله فإن عرفه صاحبه دفعه إليه، وإن لم يعرفه أحد تصدق به عن صاحبه، والأحوط وجوباً أن يكون بإذن الحاكم الشرعي.
مسألة 343: إذا ملك الطائر جناحيه، كفرخ الحمام ونحوه، فطار عن مالكه ووقع في دار غيره، حل له أخذه، فإن عرف صاحبه وجب رده إليه، وإن لم يعرفه وادّعاه من يوثق بصدقه دفعه إليه، ومع عدم الأمرين يجوز لآخذه تملكه دون تعريف، فإن تبيّن صاحبه بعد ذلك دفعه إليه إن كان موجوداً أو عوّضَ عليه قيمته إن كان قد أتلفه.
المبحث الثالث: في لقطة المال
ونريد بها لقطة غير الحيوان من الأموال، وتفصيل أحكامها يقع في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في ما به تتحقّق اللقطة
وفيه مسائل:
مسألة 344: لا يكون المال لقطة إلا بأمرين:
الأول: ضياع المال من مالكه بعد ما كان تحت سلطانه، وإحراز الواجد له لضياعه ولو من خلال الظروف والملابسات التي يظهر منها ضياعه، كمثل كونه في غير حرز، وملقى على الطريق أو غيرها مبعثراً أو مكبوباً، أو نحو ذلك من القرائن التي تشير إلى غفلة صاحبه عنه وفقدانه له، مما يصطلح عليه بـ (شاهد الحال).
فلا يعدّ من اللقطة المال المأخوذ من يد الغاصب والسارق، ولا المال المستعار إذا نسي المستعيرُ صاحبَه وجهله، ولا الحذاء المتبدل بغيره، ولا مال غيره الذي يأخذه غفلة واشتباهاً، ولا ما أشبه ذلك من الحالات التي يكون فيها المال (مفقوداً) لا (ضائعاً)، إذ ليس كل مفقود ضائعاً، بل غير الضائع إذا جُهلَ مالكه صار مجهول المالك، وأخْتَصَّ بأحكام أخرى تختلف عن أحكام اللقطة.
الثاني: أن يتحقّق بفعله عنوان الأخذ والإلتقاط ولو لم ينو به تحقيق عنوان اللقطة؛ فتجري أحكام اللقطة على ما لو أَخذَ مالاً بتوهم أنه له فتبيّن كونه ضائعاً من غيره؛ وعلى ما لو وَجدَ المال الضائع فطلب من غيره أن يناوله إياه فأخذه المأمور لنفسه، فإن الملتقط هو المأمور لأنه هو الآخذ لا الآمر رغم أنه سبب معرفته به، بل يعتبر المأمور هو الملتقط حتى في صورة ما لو ناوله للآمر وأخذه الآمر منه؛ هذا، ولا يأثم المأمور إذا أخذه لنفسه، لعدم تعلق حقٍ به للآمر، كما أنه يصح له انتزاعه منه بعد مناولته إياه إن شاء.
وعليه، فإنه لا يكفي في اللقطة ما لو وَجَدَ المال الضائع ورآه فدلَّ غيره عليه فأخذه، بل يكون الملتقط هو الآخذ لا الدالّ. وكذا لا يكفي فيها ما لو رآه فقلَّبهُ بعصاه أو برجله ليتعرف عليه ثم تركه، أو نحَّاه من جانب إلى جانب آخر، لكنَّ المال في هذا الفرض الأخير ـ وإن لم يكن لقطة ـ مضمون عليه إذا حدث عليه تلف أو نقص بسبب هذه التنحيـة، وعليـه ـ علـى كـل حـال ـ إعادته إلى مكانه.
مسألة 345: يعتبر في اللقطة كون الملتقط بالغاً عاقلاً لترتيب آثارها على الملتقط نفسه، لكن لو التقط الصبي أو المجنون لزم الوليَّ حفظها وترتيب الأثر عليها، وليس له التحلل منها بإرجاعها إلى موضعها أو أمره بإرجاعها، بل يأثم بذلك ويضمن.
مسألة 346: كل مال مملوك غير (ضائع) بالمعنى المتقدم، إذا جُهلَ مالكه ولم يكن عليه يد لأحد، لا يجوز لأحد أخذه، فإن أخذه كان غاصباً له ومضموناً عليه، إلا أن يكون في معرض التلف فيجب عليه أخذه بقصد حفظه، ويكون ـ عندئذ ـ أمانة شرعية في يد آخذه، فلا يضمن إلا مع التعدي أو التفريط. ثم إنه إذا أخذه ـ حيث يجوز أخذه أو لا يجوز ـ وجب عليه الفحص عن مالكه إذا احتمل الوصول إليه، فإن يئس من معرفته تصدق به، والأحوط وجوباً استئذان الحاكم الشرعي بالتصدق؛ هذا إذا كانت عينه مما يبقى، فإن كانت مما يسرع إليه الفساد سقط وجوب الحفظ والتعريف ولزم التصدق به أو بثمنه بعد الاحتياط الوجوبي بمراجعة الحاكم الشرعي، ولو تبين المالك بعد التصدّق ولم يرض به ضمن المتصدق مثله أو قيمته ـ علـى الأحـوط وجوبــاً ـ حتى في مورد جواز الأخذ أو وجوبه. (أنظر ـ لمزيد من التفصيل ـ الجزء الأول، ص: 542).
مسألة 347: كما لا تجري أحكام اللقطة على المال المجهول مالكه إذا لم يكن لأحد يد عليه، كذلك فإنها لا تجري على المال المذخور في الأرض، بل إن له أحكاماً خاصة تقدم ذكرها في باب الخمس من الجزء الأول ص: 534. وأما ما يوجد مطروحاً على الأرض ونحوها في القرى الدارسة والبيوت الخربة مما ليس مدفوناً فيها: فإنْ عُلم من بعض القرائن أنه لأهل العصور القديمة، بحيث صار يعدّ ـ عرفاً ـ بدون مالك، جاز تملكه لواجده؛ وإن ظهر من بعض القرائن أنه لبعض أهل العصور المتأخرة القريبة من زمن الواجد، وأنه مما يحتمل معرفة من كان مالكاً له، وجب عليه أن يفحص عنه، فإن عرفه وعرف له وارثاً دفعه إليه بالنحو الموافق لأحكام الميراث، وإن لم يعرف مالكه كان مالاً مجهول المالك، فيتصدّق به بعد الاحتياط الوجوبي بمراجعة الحاكم الشرعي؛ وإن ظهر له من القرائن أنه لأهل زمن الواجد، فإن أحرز كونه ضائعاً عن مالكه فهو لقطة، وإلاَّ جرى عليه حكم مجهول المالك.
مسألة 348: إذا وجد مالاً في منزله، ولم يعلم أنه له أو لغيره، فهو على نحوين:
الأول: أن يجده في واحدة من غرف المنزل، وله صورتان:
الأولى: أن يكون المكان مما لا يدخله غيره، أو يدخله غيره قليلاً، كغرفة نومه الخاصة به أو غرفة جلوسه العائلية، فالمال الملتقط له.
الثانية: أن تكون من الغرف التي يدخلها أناس كثيرون، كغرفة استقبال ضيوفه، فالمال لقطة.
الثاني: أن يجده في درجه الخاص مثلاً، وله ـ أيضاً ـ صورتان:
الأولى: أن يكون خاصاً به بحيث لا يستخدمه غيره، فالمال له.
الثانية: أن يكون مما تمتد إليه أيدٍ أخرى، فهو على وجهين:
1 ـ أن يكون المشارك له في الدرج واحداً؛ وحكمه أن يعرِّفه عليه، فإن عرفه وادّعى أنه له دفعه له، وإن أنكره فالمال لصاحب الدُرج، وإن تحير فلم يدر أنه له أو لغيره، فإن تصالحا عليه فهو خير، وإلا اقترعا عليه، فمن خرجت القرعة باسمه فهو له.
2 ـ أن يكون المشارك له فيه متعدداً، وهو ـ أيضاً ـ على وجهين:
أ ـ أن يكون العدد محصوراً؛ وعليه أن يعرِّفهم عليه، فإن أنكروه جميعاً فهو لواجده، وإن إدّعاه واحد دون غيره دفعه إليه، وإن ادّعوه جميعاً وتصالحوا فيما بينهم فهو خير، وإن لم يتصالحوا رجعوا إلى الحاكم الشرعي، وإن تحير الجميع فلم يعرفوا إن كان لهم أو ليس لهم اقترعوا عليه.
ب ـ أن يكون العدد غير محصور، وعليه أن يتعامل معه معاملة المال المجهول مالكه.
نعم إذا ترجح عنده احتمال كونه له بنسبة يعتد بها، بحيث يخرج العدد غير المحصور عن إبهامه وتضيق دائرته لزمه التعاطي معه على النحو التالي:
إذا كانت نسبة الاحتمال ـ مثلاً ـ خمسة من مئة، فذلك يعني وجود آخرين يحتمل أنه لهم بعدد هذه النسبة إلى المئة، وهم عشرون، (أي: 100 ÷ 5 = 20)، فيجعل عشرين ورقة، ويكتب إسمه على واحدة منها ثم يقترع، فإن خرج إسمه فالمال له، وإن خرجت ورقةٌ بيضاءٌ فالمال ليس له، فيصير المالك مجهولاً؛ وهكذا نمضي على هذا النحو، فلو كانت نسبة كونه له هي عشرة من مئة، فعدد أوراق القرعة عشرة، وإن كانت ثلاثين فعدد الأوراق ثلاثة أو أربعة، وهكذا.
مسألة 349: إذا دخل داراً يسكنها غيره فوجد مالاً مطروحاً فيها بنحو يظهر منه أنه مفقود من صاحبه، فإذا التقطه عرَّفه ساكن الدار فإن ادّعاه أو تحير في أمره دفعه إليه بدون بيّنة حتى لو كان غاصباً للدار، وإن أنكره وكانت العين في موضع يدخله كثيرون فهو لقطة، وإلا فهو مال مجهول المالك. (أنظر في مجهول المالك المسألة: 346).
مسألة 350: لا يعتبر من اللقطة المال الذي يعرض عنه صاحبه، والإعراض هو: (العزم المقترن بالفعل على إخراج المالك شيئاً عن ملكه)، فيخرج بالإعراض عنه عن ملكه ويرجع إلى الإباحة، فإذا وجده واجد فأخذه ملكه، وليس للمالك ـ حينئذ ـ الرجوع به من آخذه؛ وذلك بدون فرق بين ما أعرض عنه اختياراً، كالأثاث الذي يستبدل غيره به فيستغني عنه ويجعله على قارعة الطريق ليأخذه من يرغب به، والسيارة التي يستهلكها صاحبها فيدعها، ونحو ذلك، وبين ما اضطُر للإعراض عنه، كالدابة التي تعجز عن المسير فيدعها المسافر، وكالسيارة التي تتحطم بحادث فتصير كلفة نقلها إلى محل إقامته أكثر من ثمنها، فيدعها ويعرض عنها، ونحو ذلك.
هذا، ولا بد من إحراز الواجد إعراض المالك عن المال، ولو من خلال القرائن الدالة على ذلك، ومنها وضعه في أماكن طرح النفايات، أو وجود السيارة المحطمة في برّية وقد تقادم عليها العهد، ونحو ذلك مما يختلف باختلاف الأشياء المُعرَض عنها.
مسألة 351: إذا كان المال مما تجري عليه أحكام اللقطة جاز لواجده التقاطه وأخذه، لكن يكره التقاط ما يكون له قيمة معتد بها ويطلبه صاحبه من أجلها، وتشتد الكراهة فيما يلتقط منها في مكة المكرمة وما جاورها من الأمكنة الداخلة في حد ما يصطلح عليه بـ (حرم مكة)، فإن كان المال من القلة بحيث يتضاءل احتمال طلب صاحبه له، ويعرض عنـه ـ عـادة ـ بعد ضياعـه، فلا كراهة في التقاطه ولو كان بمقدار الدرهم أو أكثر.
المطلب الثاني: في التعريف عنها
وفيه مسائل:
مسألة 352: يختلف حال اللقطة من حيث إمكان التعريف عنها وعدمه على حالتين:
الأولى: أن تكون للعين الملتقطة صفات تتميز بها عن أمثالها في النوع بنحو لو ذكر الملتقط بعضها لأمكن لمالكها ذكر سائرها مما يدل على معرفته بها وكونها له؛ فإذا بلغ مقدارها درهماً فما فوق وجب على الملتقط ـ هنا ـ تعريفها لمدة سنة وبكيفيّة خاصة، فيتخير بعدها بين ثلاثة أمور، على ما سنذكر تفصيله لاحقاً.
الثانية: أن لا يكون لها صفات تعرف بها، وذلك كمثل غالب المصنوعات في المصانع الحديثة مما يصعب معه تمييز أفراد أنواعه وأصنافه عن بعضها؛ فيجوز ـ في هذه الحال ـ أن يتملكها واجدها مهما كانت قيمتها أزيد من الدرهم، وإن كان الأحوط استحباباً التصدق بها عن صاحبها، وأحوط استحباباً منه أن يكون التصدّق بإذن الحاكم الشرعي.
مسألة 353: لا يجب تعريف ما له علامة من اللقطة إلا بتوفر أمور ثلاثة:
الأول: أن تكون قيمة اللقطة درهماً شرعياً فما زاد. والمراد بالدرهم ما يساوي وزنه من الفضة زنة اثنتي عشرة حبة من الحمص وستةً من عشرة أجزاء من الحبة، وهو ما قدَّره بعض الباحثين بالغرام المتعارف في زماننا بحوالي (5/2) أي: غرامان ونصف الغرام. والمعيار في قيمتها على مكان الإلتقاط وزمانه، لا على غيرهما من الأمكنة والأزمنة. فإن كانت قيمتها دون الدرهم لم يجب عليه تعريفها ولا الاحتفاظ بها، بل يجب عليه التصدق بها على الأحوط.
الثاني: أن يحتمل الواجد تحقّق فائدة من التعريف ويرجو به معرفة المالك، فلو اطمأن إلى عدم الفائدة منه، كما في الملتقط في البراري القفراء، أو في الطرقات العامة التي يسلكها المسافرون من شتى البلدان، أو في محطات السفر من المطارات ونحوها، مما يُحرز معه سفرُ مالكها إلى جهة غير معروفة لا يصله خبرها إنْ عرَّفها، سقط وجوب التعريف، ولزمـه ـ علـى الأحـوط وجوبـاً ـ أن يحتفظ بها حتى يحصل له اليأس من الوصول إليه، ولو لرجاء تصدي المالك بنفسه للسؤال عنها، وبخاصة إذا كانت غالية الثمن، فيتصدّق بها بعدئذ عن مالكها دون ضرورة لاستئذان الحاكم الشرعي؛ فإن تبيّن مالكها بعد التصدق ولم يرض به ضمن له قيمتها حين الأداء إن كانت قيمية، أو مثلها إن كانت مثلية.
الثالث: أن يكون في ظرف يأمن على نفسه خطر الإتهام بالسرقة، فلو خاف على نفسه التعرض لخطر التهمة بالسرقة، من هتك الحرمة أو الحبس، سقط عنه التعريف وكان حكمه كحكمه في الأمر الثاني.
مسألة 354: المعيار في التعريف الواجب، ذكر المال بنوعه أو صنفه أو بعض صفاته مع بقاء شيء منها مبهماً غير واضح، بنحو إذا سمعه المالك احتمل احتمالاً معتداً به أن يكون المال المعثور عليه له، فإذا ذكر سائر صفاته دل ذلك على كونه مالكه فيدفعه إليه؛ وإنما وجب الاقتصار على ذكر بعض الصفات لأنه لو ذكر في التعريف جميع صفات الشيء، أو أراه لكل راغب لأمكن ادّعاء غير الصادق ملكيته له، فلا يبقى مجال لمعرفة المالك. هذا، ويكفي في تعرّف المالك عليه ذكـر ما يلتفت إليـه المالـك ـ عـادة ـ منها، كلون الثوب وشكله، دون ضرورة لذكره ما لا يلتفت إليه، كعدد عرواته مثلاً. وكذا يكفي في كون الشيء مما له علامةٌ اشتماله على بعض خصوصيات خارجية، وإنْ كان في ذاته مما لا علامة له، فمثل المقدار من المال يمكن التعرُّف عليه بذكر صاحبه لعدد أوراقه أو قطعه، وبكونها موجودة في حافظة أو بدونها، ونحو ذلك.
مسألة 355: لمَّا كان الهدف من التعريف هو حصول الاطمئنان عند الواجد بملكية المتعرف على اللقطة لها، فإنه لو فرض اطّلاع شخص عليها فادعاها، وعُلم صدقه، كفى ذلك في سقوط التعريف، ووجب دفعها إليه؛ وكذا لو اطلعت البيّنة على اللقطة فشهدت بأنها لفلان وجب دفعها إليه. وذلك من دون فرق ـ في الموردين ـ بين ما لو كان الادّعاء قبل التعريف أم بعده أم في أثنائه. وبناءً عليه فإنه لا يكفي مجـرد الادّعـاء لهـا مـن قبـل العـارف بهـا ـ ولو لحضوره حين الالتقاط ـ في دفعها إليه بدون حصول الاطمئنان بصدقه أو قيام البيّنة على ملكيته لها.
مسألة 356: مدة التعريف سنة كاملة إذا كان يرجو وجدان المالك، والأحوط مراعاة التتابع فيها فلا يلفقها من عدة سنوات، كأن يعرفها في كل سنة ثلاثة أشهر مثلاً؛ نعم لو تعذر التعريف عنها في أثناء السنة انتظر ارتفاع العذر ثم تممها من حيث قطعها دون أن يستأنفها من جديد.
هذا إذا كان يحتمل وجدان المالك كما يحتمل عدمه، أما إذا علم بأنه لو زاد على السنة مقداراً يسيراً ـ شهراً أو شهرين ـ لوجده، وجب عليه الزيادة، كما أنه لو علم أثناء السنة بعدم وجدانه وحصل له اليأس منه سقط عنه التعريف، لكن ليس له خيارٌ إلا وجوب التصدّق بها دون ضرورة لاستئذان الحاكم الشرعي.
مسألة 357: تجب المبادرة إلى التعريف من حين الالتقاط، فإن لم يبادر إليه عصى إلا أن يكون معذوراً، وفي حالتي المعذورية والعصيان لا يسقط عنه التعريف، بل تلزمه المبادرة إليه حين التوبة أو حين ارتفاع العذر إلا أن يكون التأخير قد طال إلى زمن لا يرجى فيه العثور على المالك بعدها، وحيئنذ يسقط التعريف ويجب عليه التصدّق بها، مع الاحتياط الوجوبي باستئذان الحاكم الشرعي.
مسألة 358: لا يعتبر في التعريف كيفية خاصة، إذ المهم أن يصدق عرفاً على الطريقة التي يعتمدها أنها مؤثّرة في إمكان الوصول إلى المالك وتعرُّفِه على ماله الضائع بدرجة يعتد بها، سواءً من حيث مكان التعريف من البلدة أو عدد مرات التعريف أسبوعياً أو كونه بالنداء باللسان أو بكتابة ورقة ووضعها في أماكن تجمع الناس أو بإذاعتها في وسائل الإعلام المستحدثة كالراديو والصحف والتلفزيون وغير ذلك من الكيفيات.
نعم، لا بد أن يكون التعريف في المكان الذي يقوى فيه احتمال وصول خبرها للمالك، فلا يتعين في موضع الإلتقاط، ففي مثل ما لو التقطها في بلدٍ، وعلم أن مالكها مسافر، وقد غادرها إلى بلد آخر، بحيث لا يجدي تعريفها في بلد الالتقاط، يجب عليه تعريفها في البلد الثاني مع الإمكان؛ وكذا لو التقطها في البريّة أو في طريق خارجي عام وعلم أن مالكها قد دخل بلداً بعينه، فإنه يلزمه تعريفها في ذلك البلد مع الإمكان.
مسألة 359: لا تعتبر مباشرة الملتقط للتعريف، بل يجوز له الاستنابة فيه مجاناً أو بالأجرة، ولا يسقط عنه التعريف إلا بعد الاطمئنان بقيام النائب به، فيما يسقط عنه إذا تبرع به عنه غيره بمجرد تبرعه، وتبرأ ذمته منه ولو لم يف المتبرع به. وفي هذا الصدد، فإنه لو رغب بدفعها للحاكم الشرعي أو وكيله جاز له ذلك، ولكن لا يسقط عنه التعريف، بل تبقى اللقطة أمانة في يد الحاكم إلى حين انتهاء السنة وتحديد ما سوف يختاره في أمرها بعد قيامه بالتعريف المطلوب.
مسألة 360: لا يستحق الملتقط على المالك أجرة على نفس قيامه بالتعريف حتى لو استأجر من ينوب عنه فيه، نعم إذا احتاج التعريف إلى بذل مال زائد، كأجرة الإعلان عنه أو الإنتقال من بلده إلى بلد التعريف، ولم يوجد متبرع به، كما لم يوجد نماء للّقطة يمكن استثماره بعد الاحتياط الوجوبي باستئذان الحاكم الشرعي باستثمار نمائها ومنافعها، ولو ببيع بعضها والإنفاق على التعريف عن الباقي، وجب عليه الإنفاق عليه من ماله، وجاز له الرجوع به على المالك إن نوى الرجوع عليه.
مسألة 361: لا يسقط تعريف اللقطة بضياعها من الملتقط ولا بتلفها عنده، سواء قبل شروعه في التعريف أو أثناءه، وتفصيل ذلك كما يلي:
أولاً: إذا ضاعت منه اللقطة فالتقطها غيره، وعلم أنها لقطة، ولم يعرف الملتقط ولا المالك، وجب عليه أن يعرّفها سنة، إلا أن يعلم أن الملتقط الأول قد عرّفها بعض السنة فيتم ما بقي منها؛ ثم إن ظهر مالكها دفعها إليه، وكذا إذ ظهر الملتقط الأول أثناء السنة، واطمأن بقيامه بواجب التعريف عنها بقية السنة بعد احتساب ما عرَّفه الملتقط الثاني منها؛ وإن لم يظهر أحدهما حتى مضت السنة تخير في أمرها بما سيأتي.
ثانياً: إذا تلفت العين عند الملتقط قبل شروعه بالتعريف أو أثناءه، فإن كـان بغيـر تعـد ولا تفريط سقط عنـه التعريـف وليس للمالك ـ إن عرَفَهُ بعد ذلك ـ شيء؛ وإن كان مع التعدي أو التفريط، ومنه ما لو أخل بالمبادرة إلى التعريف، ضمن العين، ولزمه التعريف عنها حتى يتبين المالك بعد السنة فيعوض عليه مثلها أو قيمتها، وإلا تخير فيها بما يناسبه مما سيأتي.
مسألة 362: إذا كانت العين مما يعرض عليها الفساد قبل مضي السنة وجب على الملتقط ما يلي:
أولاً: يجب عليه الإحتفاظ بها إلى حين يخشى عليها بعده من التلف، ثم يبيعها لغيره أو يقوّمها على نفسه، ولكن بعد استئذان الحاكم الشرعي بالبيع والتقويم على الأحوط وجوباً، ويحتفظ بثمنها لمالكها، إضافة إلى ذلك فإنه يجب عليه ـ على الأحوط ـ أن يعرّف عنها منذ التقاطها وحتى بعد بيعها إلى مضي السنة، بأن يحفظ صفاتها بعد بيعها ويستمر في التعريف عنها؛ فإذا ظهر مالكها دفع إليه ثمنها إن كان قد باعها لغيره، أو دفع له بدلها من المثل أو القيمة إذا كان قد أخذها هو، وإن لم يعرف مالكها بعد مضي السنة تخير فيها بما يناسبه مما سيأتي.
ثانياً: إذا لم يتيسر له بيعها، ولا رغب هو في أخذها، وجب عليه التصدق بها، ولكن بعد استئذان الحاكم الشرعي على الأحوط وجوباً، ويسقط عنه التعريف بقية السنة بعدما يكون قد احتاط وجوباً في التعريف عنها منذ التقاطها وقبل التصدق بها؛ ولا يضمن بدلها لمالكها إن عرفه بعد ذلك.
مسألة 363: إذا التقط في موضع الغربة، فإن كان محطة للسفر، كالمطارات ونحوها، جاز له السفر بها والتعريف عنها ـ مع إمكانه ـ في بلد المسافرين، وإن لم يكن منطلقاً للمسافرين ومحطة لهم لم يجز له السفر بها، بل يجب عليه وضعها عند أمين واستنابة من يوثق به في التعريف عنها؛ وكذا لو وجدها في بلده وأراد السفر، فإن عليه وضعها عند أمين واستنابة من يعرف عنها.
مسألة 364: إذا عرّفها سنة بالنحو المطلوب، ولم يظفر بالمالك، فإن كانت اللقطة في مكة المعظمة وما حولها من الحرم وجب عليه أن يتصدق بها عن مالكها على الأحوط وجوباً، وإن كانت في غيرها تخير بين أمور ثلاث:
الأول: أن يتملكها ويتصرّف فيها كما يشاء، لكن لو تبيّن مالكها بعد ذلك لزمه ردها إليه إن كانت عينها باقية، ورد بدلها ـ مثلاً أو قيمة ـ إن كانت تالفة.
الثاني: أن يتصدق بها عن مالكها بدون حاجة لاستئذان الحاكم الشرعي، وإذا تبيّن المالك بعد ذلك ورضي بالتصدق كان له ثواب الصدقة، وإن لم يرض به لزم الملتقط أن يغرم له مثل العين أو قيمتها، وليس للمالك أن يطالب المتصدَّق عليه بالعين إن كانت موجودة، كما ليس له الرجوع بالمثل أو القيمة عليه إن كانت تالفة.
الثالث: أن يبقيها أمانة عنده ما شاء ذلك، فإن ظهر مالكها دفعها إليه إن كانت موجودة، ولا يضمنها له إن كانت تالفة بغير تفريط منه ولا تعدٍ. وحيث يبقيها أمانة عنده فإن له أن يعدل عن عزمه هذا إلى أحد الخيارين الآخرين، فله أن يتملكها أو يتصدق بها وتكون مضمونة عليه في الحالين.
مسألة 365: إذا التقط الصبيُّ أو المجنونُ ما لا علامة له مما لا يقبل التعريف كان الولي هو الذي ينوي تملكها عنهما لهما، وليس له أن يحتاط استحباباً بالتصدق بها عنهما. وأما إذا كان لها علامة، ولزمه التعريف عنها بعد أخذهما لها وصيرورتها في عهدته، وعرف عنها بالنحو المطلوب، كانت اللقطة له لا لهما، وصار مخيراً بين أن يتملكها لنفسه أو يتصدق بها أو يبقيها أمانة عنده بالنحو المذكور في المسألة السابقة.
مسألة 366: إذا التقط اثنان لقطة واحدة، فإن لم تكن لها علامة جاز لهما تملُّكُها بالسوية، وإن كان لها علامة، وبلغت قيمتها درهماً فما زاد، وجب عليهما تعريفها حتى لو بلغت حصة كل واحد منهما أقل من درهم، فإن تصدى للتعريف أحدهما أو توزعا الحول بينهما بالتساوي أو بالتفاضل أو تبرع به عنهما متبرع فقد تأدى الواجب، فإذا مضت السنة واتفقا على واحد من الخيارات الثلاثة فهو خير، وكانت بينهما بالتساوي إن اختارا تملكها، كما يشتركان في ضمانها في حال تملكاها أو تصدقا بها إذا ظهر المالك بعد ذلك، وإن لم يتوافقا فالأحوط وجوباً عدم انفراد أحدهما بواحد من الخيارات الثلاثة. هذا إذا عرّفا عنها، وأما إذا تركا التعريف بدون عذر ضمناها ولم يسقط التعريف عنهما.
المطلب الثالث: في أحكامها العامة
وفيه مسائل:
مسألة 367: إذا عَرَفَ الملتقط مالـكَ اللقطـة ـ قبل التعريف أو أثناءه أو بعده ـ ولم يمكن إيصال اللقطة إليه ولا إلى وكيله، إن كان حياً، ولا إلى وارثه إن كان ميتاً، كما لم يمكن الاستئذان من أحدهم في كيفيّة التصرّف بها، فاللازم حفظها ما دام يرجو الوصول إلى مالكها، فإن يئس تصدق بها، والأحوط وجوباً أن يكون بإذن الحاكم الشرعي.
مسألة 368: ما يحصل للعين من نماء متصل أو منفصل بعد الإلتقاط يدفع للمالك مع العين إن تبيّن المالك، وأما إذا لم يتبيّن حتى مضت السنة فالنماء المتصل يتبع العين فيما سيختاره الملتقط من مصير لها، فيملكه إن تملك العين، ويعطيه الفقير إن تصدق بها، ويحفظه معها إن أبقاها أمانة عنده؛ وأما النماء المنفصل، فحيث إنه لم يكن لقطة كما هي العين، فإن الأحوط وجوباً اعتباره مالاً مجهول المالك والتصدق به بعد الاحتياط الوجوبي باستئذان الحاكم الشرعي عند اليأس من الوصول إلى مالكه؛ ومثال ذلك ما لو كانت اللقطة غرساً موضوعاً في ظرف خاص، فتعهده بالسقاية والرعاية في ظرفه حتى نما وأثمر، ومثل ما لو انتفع شخص بالعين غصباً أو جهلاً فضمن منفعتها للملتقط، ونحو ذلك.
مسألة 369: إذا احتاج حفظ اللقطة إلى بذل مال، وذلك كالغرسة التي تحتاج إلى الماء والدواء، وكالمال النفيس الذي يحتاج إلى حرز لا يتوفر لأمثاله إلا في أماكن خاصة تستأجر لإيداعه فيها، وما أشبه ذلك، فإن كان لها نماء، أو أمكن بيع بعضها لحفظ الباقي، جاز له الإنفاق عليها منه بعد الاحتياط وجوباً باستئذان الحاكم الشرعي، وإلا أنفق عليها من ماله ورجع به على المالك إذا نوى الرجوع عليه.
مسألة 370: إذا مات الملتقط، وكانت اللقطة ما تزال عنده، فإن كان بعد التعريف عنها واختيار إبقائها أمانة عنده قام الوارث مقامه في حفظها حتى ييأس من الوصول إلى مالكها، فيتصدق بها حينئذ، والأحوط وجوباً أن يكون بإذن الحاكم الشرعي، دون أن يكون له تملكها؛ وإن كان موته قبل التعريف عنها أو في أثنائه فليس للوارث أن يضع يده عليها بعنوان اللقطة ويُتم التعريف عنها ويتخير فيها بعد مضي السنة كأنه هو الملتقط، بل يجري عليها حكم مجهول المالك على الأحوط وجوباً، وهو لزوم التصدق بها بعد الاحتياط الوجوبي باستئذان الحاكم الشرعي.
مسألة 371: اللقطة أمانة في يد الملتقط، فلا يضمنها إذا تلفت إلا مع التعدي أو التفريط، وذلك كأن يرجعها إلى موضع التقاطها، أو يخل بالمبادرة إلى التعريف عنهـا؛ كما يضمنها إذا تملكها ـ أو تصـدق بهـا ـ بعد التعريف عنها؛ هذا، ولا يجوز له التصرف بالعين والانتفاع بها، ولو بقصد إبقاء عوض تلك المنافع للمالك، بل تكون يده عليها يد عدوان، ويضمن العين ومنافعها لمالكها، نعم إذا أذن له الحاكم الشرعي بذلك بصفته ولي الغائب صح تصرفه وضمن المنافع للمالك، وبخاصة إذا علم أن مالك اللقطة صبي أو مجنون.
الباب الثالث
في العدوان على مال الغير
الفصل الأول: في أحكام الغصب
الفصل الثاني: في ضمان التالف
تمهيد:
لقد شجب التشريع الإسلامي الغصب والعدوان على ما للغير من أموال وحقوق بالقهر والغلبة والغيلة، واعتبره من الظلم الفاحش ومن كبائر المحرمات التي تَوعَّد فاعلها بالخلود في النار إلا أن يتوب قبل موته، وهو من الأمور المعلومة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وقد جرت عادة الفقهاء على بحث هذه المسائل تحت عنوان (الغصب) الذي رأينا أنه يقصر عن استيعاب حالات العدوان الأخرى، ذلك أن الغصب ـ حسب الإصطلاح الفقهي ـ هو: (الاستيلاء عدواناً على مال الغير أو حقه)، فلا يشمل حالة إتلاف المال ولو بالعدوان المباشر عليه ـ أو غير المباشـر ـ وفعل ما يوجب إتلافه، فهي ـ عندهم ـ معدودة من اللواحق، فرأينا أن نتدارك هذا القصور باعتماد عنوان أعم يتكفل باستيعاب الحالتين ويُظهر ما بينهما من توافق وانسجام، فاعتمدنا عنوان: (العدوان على مال الغير)، وجعلناه في فصلين، وأردنا بالفصل الأول بيان ما به يتحقّق الغصب في الأموال المختلفة، ثم وجوب رد العين المغصوبة إن كانت موجودة وممكنة الرد، ولزوم ضمانها إذا كانت تالفة كلياً أو جزئياً؛ وأردنا بالفصل الثاني بيان حكم العدوان على المال بإتلافه بنحو يَعُمُّ حكم كل تلف أو إتلاف واقع على ملك الغير. وذلك في مباحث متعددة بمقدار ما نوفق إليه في كل منهما.
الفصل الأول
في أحكام الغصب
المبحث الأول: في ما به يتحقّق الغصب
المبحث الثاني: في رد العين المغصوبة
المبحث الثالث: في ضمان المنافع والحقوق المفوَّتة بالغصب
المبحث الرابع: في أحكام التنازع
المبحث الأول: في ما به يتحقّق الغصب
وفيه مسائل:
مسألة 372: الغصب هو: (الاستيلاء عدواناً على حق أو مال من هو محترم المال أو الحق من المسلمين أو الكفار)؛ ولما كان الاستيلاء فعلاً خارجياً منظوراً فإن تحقّقه يختلف ـ في كيفيته ـ باختلاف الأموال المغصوبة، على أنحاء:
الأول: غصب الأعيان: وهو ـ من حيث المبدأ ـ يقع على العين والمنفعة معاً، كغصب كل عين غير مسلوبة المنفعة بإجارة أو هبة أو غيرهما، لكنه قد يقع على العين وحدها دون منفعتها، كما في العين المستأجرة إذا تسلط على العين غير مالكها وغير المستأجر، أو تسلط عليها المستأجر خلال مدة الإجارة بالنحو الذي يفهم منه تمرده على المالك وإنتزاعها منه، ونحو ذلك.
أما المنقولات من الأعيان فيتحقّق الاستيلاء عليها بأخذها باليد في مثل الثوب والإناء والكتاب والطعام ونحوها من الألبسة والأثاث والأواني والأطعمة والأشربة وغيرها، ويتأكد الاستيلاء عليها بعد أخذها باليد بنقلها إلى مواضع حفظها الخاصة بها، كالخزانة والدُرج والحقيبة وغرفة المؤن ونحوها؛ وفي البهائم يتحقّق الغصب بوضع اليد عليها والإمساك بزمامها بقصد الاستيلاء عليها ومدافعة غيره عنها، وهو الذي يتأكد بسوقها أو الركوب عليها، كما يتأكد أكثر بضمها إليه وإدخالها في حظيرته؛ وهكذا الأمر في سائر المنقولات كالسيارة ونحوها.
وأما غير المنقول، فيكفي في غصب الدار أن يأخذ مفتاحها من صاحبها قهراً ويتردد عليها ويتواجد فيها بالسكنى أو غيرها من التصرفات المناسبة لها، فضلاً عما لو اقتحمها فكسر قفلها وصار يتصرف بها بالنحو المذكور، بحيث ترافق ذلك التواجد مع طرد المالك منها، أو منعه من التواجد فيها، وانفراده بالسيطرة عليها؛ ومثل الدار في ذلك: الدكان والفندق والمستودع ونحوها من المنشآت والمباني، بل وما أشبه ذلك مما له سور وباب، كالبستان والملاعب والمنتزهات ونحوها، أما الأراضي التي ليس لها سور ولا باب فإنه يتحقّق غصبها بالتردد عليها والتواجد فيها بالزراعة وغيرها من الانتفاعات المناسبة بعد طرد المالك عنها ومنعه من التواجد عليها تواجد المالك لها.
الثاني: غصب المنافع: وهي نوعان: الأول: منافع الأشياء، ويتحقّق الغصب فيها ـ من حيث المبدأ، وبلحاظ المنفعة مجردةً عن العين ـ بانتزاع العين المؤجرة من المستأجر، فإذا كان الغاصب هو مالك العين ومؤجرها كان ذلك غصباً للمنفعة المجردة، وإذا كان الغاصب غيره كان ذلك غصباً للمنفعة من المستأجر وغصباً ـ في نفس الوقت ـ للعين من المالك. الثاني: منافع الإنسان، ويتحقّق الغصب فيها بإعاقته عن بذل جهده في الكسب الذي يحسنه إذا كان ممن يتكسب، بمثل حبسه أو تقييده، وسيأتي حكم ضمان منافعه. (أنظر المسألة: 392).
الثالث: غصب الحقوق، والحقوق ـ من حيث صدق الغصب المصطلح وعدمه ـ على أنواع:
1 ـ الحقوق التي لها تعلق بأعيان خارجية غير مملوكة، بحيث يكون التسلط على تلك العين غصباً مباشراً للحق المتعلق بها، وهي مثل: حق الاختصاص ببعض الأعيان النجسة، كالميتة والخمر والخنزير، وحق الأولوية بالأرض الخراجية، وحق التحجير في الأرض الموات، ونحو ذلك.
2 ـ الحقوق التي لها تعلق بأعيان خارجية مملوكة، بحيث يكون التسلط على العين بغير حق غصباً غير مباشر لما تعلق فيها من حقوق، كحق الرهانة في العين المرهونة، وحق المرور على ملك الغير، ونحوهما.
3 ـ الحقوق المرتكزة على علاقة معينة، كحق الحضانة، وحق الاستمتاع للزوجين، وحق النفقة للزوجة والأقارب، ونحو ذلك.
وجميع هذه الحقوق بأنواعها الثلاثة يحرم منعها عن أصحابها، وهو من الظلم المحرم، غير أن الغصب المبحوث فيه هنا هو ما يترتب عليه الضمان عند تلفه على أساس ما يصطلح عليه بـ (ضمان اليد)، وهو غير متحقّق إلا في النوع الأول من الحقوق، فإنَّ من غصب أرضاً مواتاً محجَّرة ضمنها لصاحبها، بردها له إن كانت موجودة وبدفع قيمتها إن كانت تالفة بمثل غرقها بالماء واندثارها؛ فيما لا يتحقّق الضمان بهذا المعنى في غصب حق المرور عند غصب الأرض التي يمر منها، فإنَّ غصْبها إنما هو لصاحبها، لا لصاحب حق المرور، وتلفُها مضمون لصاحبها لا لصاحب حق المرور، فلا يكون غصبها غصباً مباشراً لحق المرور، ولا موجباً لضمانه ضمان يد كما كان الأمر في حق التحجير؛ فيما يكون الأمر أوضح في غصب حق الحضانة من حيث عدم كونه غصباً بالمعنى المصطلح.
هذا، وسوف نتعرض لهذا الموضوع في المبحث الثالث، فأنظر فيه (المسألة: 395).
مسألة 373: كما يحرم العدوان على ما للغير من عين أو حق وأخذه منه بغير وجهٍ حق، فإنه يحرم (الحجز) ما بين المالك وأمواله بمنعه من التصرف فيها والاستفادة منها رغم بقائها عند مالكها، فلا يجوز منعه من دخول سيارته وركوبها، أو من سوق مواشيه ودوابه، أو من استعمال أثاثه، أو دخول داره، أو ما أشبه ذلك، فالغاصب ظالم في ذلك كله وآثم ولكنه لا يضمنها ضمان يد كما هو شأن المغصوب، وربما ضمنها ضمان تسبيب على ما سيأتي تفصيله.
مسألة 374: إذا تسلط الغاصب على العين مع وجودها تحت يد المالك، كالدار يسكنها مع مالكها، أو الدابة يقودها مع ركوب مالكها عليها، فإن حكمه على النحو التالي:
أولاً: إذا كانت العين داراً يسكنها أو دكاناً يتواجد فيه خلال عمله فيه، أو ما أشبههما من المنشآت، وكان المالك قادراً على دفعه عنها، فلم يفعل، كان الوافد غاصباً للمنفعة وحدها ـ دون العين ـ بالمقدار الذي يسيطر عليه منها كلياً أو جزئياً.
ثانياً: ما لو كان داراً أو دكاناً، ولكن كان المالك عاجزاً عن دفعه عنها فتواجد معه فيها وشاركه منافعها، فله صور:
الأولى: أن يستولي على تمام الدار استيلاءً تاماً، بحيث يخضع المالك في وجوده فيها لرغبة الغاصب، فيضعه في أي جانب منها دون أن يقدر على التمرد والإمتناع؛ فهنا يكون غاصباً لتمام الدار، فيضمن ما يحدث على العين، كما يضمن مقدار ما يستوفيه من المنفعة دون ما يستوفيه المالك منها.
الثانية: أن يستولي على تمام الدار، لكنه يُشْرك المالكَ معه في جميع مواضع الدار، بحيث لا يكون المالـك ـ في هـذه الصـورة ـ كمثل الرهينة التي يضعها الغاصب في أي موضع شاء، بل يكون شريكاً له في جميع التصرفات؛ وهنا لا شك في كونه غاصباً لمنفعة الدار وضامناً لها بتمامها رغم مشاركة المالك له، أما كونه غاصباً للعين وضامناً لها فهو محل إشكال.
الثالثة: أن يستولي الغاصب على قسم من الدار ويستقل به، فيما يستقل المالك بالقسم الآخر، فهنا يكون غاصباً لذلك القسم عيناً ومنفعة وضامناً له كذلك.
الرابعة: أن يزاحم المالك في السكن في موضع منه دون استقلال منه، بل يجعله المالك حيث يشاء من مواضع الدار وغرفه؛ فهنا يكون غاصباً لمنفعة ذلك المكان الذي شغله ـ فحسب ـ لا لعينه.
ثالثاً: ما لو كانت العين سيارة ـ أو دابة ـ فقادها ومالكها راكب فيها، فإن كان القائد هو المهيمن على المالك والقاهر له كان غاصباً لها بتمامها وضامناً لها عيناً ومنفعة ضمان يد، وإن لم يكن مهيمناً، بل كان الراكب قادراً على ردعه ومسيطراً على الوضع فإن كونه غاصباً للعين وضامناً لها لو تلفت حين قيادته لها محل إشكال إلا أن يكون هو سبباً في تلفها، أما المنفعة فهي مضمونة عليه بتمامها بمقدار ما استوفى منها كما سيأتي تفصيله.
مسألة 375: كما يكون الغاصب واحداً فإنه قد يكون متعدداً، فإذا بادر جماعة واشتركوا في الاستيلاء على جميع العين، كان كل واحد منهم غاصباً لجميع العين وضامناً لها بتمامها، بحيث يتخير المالك في الرجوع على أيهم شاء، سواءً كان بعضهم بحاجة إلى الآخر في إنجاز الاستيلاء على العين أو لم يكن بحاجة إليه؛ أما إذا لم يبادروا معاً إلى الغصب، بل غصب كل واحد منهم قسماً منها، كان كل واحد غاصباً وضامناً للمقدار الذي استقل به من العين، وكذا لما يوازيه من المنفعة بنسبته، حتى لو لم يستوفها أحد، أو استوفاها غيره.
مسألة 376: كما يتحقّق الغصب في الملك الطلق كذلك يتحقّق في الوقف بجميع أنواعه، فيضمن الغاصب الأعيان الموقوفة بالوقف الخاص مع منافعها، وكذا الأعيان الموقوفة بالوقف العام، مسجداً كان الموقوف المغصوب أو غيره، كالفندق والمستشفى والبستان، ونحو ذلك، فإذا استولى على المسجد واستخدمه لغير الصلاة من شؤونه الخاصة أو العامة، أو استولى على البستان الموقوف على الفقراء فصرف نتاجه على نفسه أوغيره من غير الفقراء، كان ضامناً للعين وللمنفعة معاً مدة الغصب. بل إن مَنْ تمرَّد على ولي الوقف الشرعي فتصدى لإدارة الوقف وصَرَفَ نتاجه فيما وُقِفَ عليه، يعتبر غاصباً وضامناً للعين وحدها ـ دون المنفعة ـ مدة غصبه لها.
مسألة 377: إذا أمر شخصٌ شخصاً بالغصب، وكان المأمور عالماً غير مكره، كان المأمور هو الغاصب وعليه يقع الضمان، حتى لو وضع المغصوبَ في حرز للآمر، وإلا كان الآمر هو الغاصبَ والضامنَ مع جهل المأمور بالحال، وكذا مع إكراهه عليه إذا لم يكن المال مضموناً على المأمور، وذلك بأن أكرهه على إتلاف مال ليس تحت يد المأمور، أو مال هو أمانة عند الآمر؛ وأما إذا كان المال مضموناً على المأمور، كما في صورة ما لو كان هو الذي غصب المال، فأمره الآمر بإتلافه، جاز للمالك الرجوع على أيهما شاء، فإن رجع على المتلف (وهو المكرَه) جاز له الرجوع على من أكرهه، وإن رجع على المكرِه لم يكن له الرجوع على المكرَه.
مسألة 378: إذا تعاقبت الأيدي الغاصبة على العين، بأن غصبها شخص من الغاصب وهكذا، كان الجميع آثمين وضامنين، وللمالك أن يرجع على أي واحد منهم إذا تلفت، كما أن له أن يرجع على جميعهم أو بعضهم موزعاً قيمة العين عليهم بالتساوي أو التفاضل.
أما حكم الغاصبين مع بعضهم بعد رجوع المالك عليهم، فإن كان قد رجع على من تلفت العين عنده فلا يرجع هو على غيره، وإن كان قد رجع على غيره رجع هو على من بعده، ومن بعده على من بعده حتى يصل إلى من أتلفها.
ويلحق بالأيدي الغاصبة في هذا الحكم الأيدي التي لا تعتبر يد أمانة، كما في المقبوض بالمعاملة المعاوضية الفاسدة والمأخوذ إشتباهاً أو جهلاً.
مسألة 379: إذا انتقلت العين المغصوبة بالشراء إلى غير الغاصب، فاستردها المالك منه وغرّمه قيمة ما استوفاه وما لم يستوفه من منافعها المفوّتة، جاز للمشتري الجاهل الرجوع بالثمن وبما غرمه على الغاصب، فيما لا يرجع عليه ـ مع علمه ـ إلا بالثمن لا بما غرمه من قيمة منافعها.
مسألة 380: إذا غصب طعاماً من شخص، فأطعمه غيرَ المالك على أنه مال المُطعِم، فأكله جهلاً منه بالحال، ضمن الغاصب لغصبه والآكل لمباشرته الإتلاف، وجاز للمالك الرجوع على أيهما شاء، لكنه إذا رجع على الآكل جاز له الرجوع على الغاصب بما غرمه للمالك.
مسألة 381: لا يشترط في تحقّق الغصب كون المال المغصوب معلومَ المالك، بل يتحقّق ـ أيضاً ـ في الأموال المجهولة المالك التي لا يد لأحد عليها، فلا يجوز أخذها، وإذا أخذها كان غاصباً وضامناً لها إلا إذا كانت في معرض التلف. (أنظر في ذلك المسألة: 346).
المبحث الثاني: في رد العين المغصوبة
ويراد به بيان ما يجب فعله على الغاصب إذا تاب وأراد إبراء ذمته من عهدة العين إذا كانت ما تزال موجودة عنده؛ وتفصيله يقع في مسائل:
مسألة 382: يجب على الغاصب رد العين المغصوبة إلى مالكها، وكذا يجب على غير الغاصب ردها إذا كانت تحت يده جهلاً بالغصب فعلم به، أو إكراهاً فارتفـع الإكـراه عنـه؛ ولا يختلف الحكـم بوجـوب الـرد ـ مع وجـود العيـن ـ باختلاف الحالة التي تكون عليها، فيجب ردها سالمة كانت أو معيبة، ومستقلة كانت في الوجود أو أنها صارت ضمن موجود آخر وجزءاً منه، كالخشبة في سقف البناء، أو الخيط في درز الثوب، أو الجلد بعد أن غُلِّف به الكتاب، ونحو ذلك؛ وحينئذ فإنْ طالبه المالك به، وكان ما يزال له مالية وقيمة، وجب على الغاصب ـ أو من هو في حكمه ممن يكون المغصوب تحت يده ولـو جهـلاً ـ نزع المغصوب من محله ولو مع تضرره به بمثل تهدم السقف أو انفراط أجزاء الثوب أو تمزق الكتاب أو نحوه؛ بل إن له ذلك حتى لو فقدت العينُ قيمتها بالنزع، كما أن له أن يرضى بالبدل على كل حال، وحيث يرضى بالبدل يصبح المغصوب مملوكاً للغاصب.
مسألة 383: إذا نزلت القيمة السوقية للعين المغصوبة خلال مدة وجودها عند الغاصب لم يضمن ذلك النقص ما دامت العين سالمة، بل يكفيه ردها ولا شيء عليه.
مسألة 384: إذا مزج الغاصب العين بغيرها، أو امتزجت بدون اختياره، فلذلك صور:
الأولى: أن يمتزج المغصوب بما يمكن تمييزه وفصله عنه ولكن مع المشقة، كامتزاج العدس بالقمح، فيجب على الغاصب فصله ورده إلى مالكه.
الثانية: أن يصير المزيج موجوداً واحداً لا يتميز بعضه من بعضه الآخر، وكان المزج بجنسه، وكانا متماثلين بالجودة أو الرداءة؛ كامتزاج الزيت بالزيت أو الطحين من القمح بمثله، فهنا يتشاركان فيه بنسبة ما لكل منهما، ويترتب على ذلك:
أ ـ لا يضمن الغاصب للمالك مثل المقدار المغصوب أو قيمته.
ب ـ لا يجوز لأحدهما التصرف بالمال المشترك إلا أن يأذن الآخر، أو يتقاسماه بينهما إذا طلب القسمة أحدهما.
الثالثة: كالصورة الثانية، لكن الخلط كان بالأجود أو الأردأ؛ فهنا يتخير المغصوب منه بين مطالبة الغاصب بالبدل أو المشاركة له بالنحو المذكور في الصورة الثانية؛ فإن اختار الاشتراك، وكان قد حدث نقص في قيمة المغصوب بسبب الخلط ضمن الغاصب ذلك النقص؛ ومثاله ما لو غصب ليتراً من الزيت الجيد قيمته عشرة دولارات، فخلطه بليتر من الزيت الرديء قيمته خمسة دولارات، وصارت قيمة الخليط إثني عشر، فإذا تقاسما فأخذ المالك حصته ـ وهي الثلثان، وقيمتها ثمانيـة دولارات بالخلـط ـ يكون قد نقص من قيمة حصته دولاران، فيضمنهما الغاصب له.
الرابعة: أن يمزج المغصوب بغير جنسه، بحيث يعدّ الخليط معه تالفاً، كمزج ماء الورد ـ أو الزيت ـ بالنفط؛ فيجب على الغاصب دفع البدل على قاعدة ضمان التلف التي سيأتي تفصيلها.
الخامسة: كالصورة الرابعة، لكنه يبقى للخليط قيمة ومالية، كخلط طحين القمح بطحين الشعير، أو الخل بالعسل، وحكمها كحكم الصورة الثالثة.
مسألة 385: إذا تصرف الغاصب في المغصوب بما يوجب زيادته عما كان عليه، فذلك على وجوه:
الأول: ما لو كانت الزيادة أثراً مُندكَّاً في العين لا جرم لها، كطحن القمح وخياطة الثوب وصياغة الفضة ونحوها؛ وحكمه ما يلي:
أ ـ يجب رد العين كما هي، دون أن يكون للغاصب شيء في قبال الزيادة ولا في قبال الأجرة على عملها.
ب ـ لا يحق للغاصب أن يطالب بإزالة الأثر عن العين مع إمكانها إلا أن يأذن المالك بها، كما أنه لا يحق له إبقاء الأثر إن طلب المالك إزالته، لكن تكون أجرة الإزالة على المالك.
ج ـ يضمن الغاصب النقص الذي يحدث في قيمة العين بسبب الزيادة أو بسبب إزالتها.
الثاني: ما لو كانت الزيادة أثراً مشوباً بالعينية، كالصبغ للثوب أو الدهان للباب؛ وحكمه أنه: إن كان الباقي من أثر الصبغ عرضاً لا جرم له عرفاً، كما هو الغالب في صبغ الأثواب ونحوها، رد الغاصب الثوب كما هو ولحقه حكم الوجه الأول بتمامه. وإن كان للباقي من أثر الصبغ جرم، فحكمه كما يلي:
أ ـ الأثر ملك للغاصب، فإن أمكنه إزالته ورغب فيها لم يكن للمالك منعه، وإن رغب المالك ببقائه لم يجب على الغاصب إجابته ولو بعوض، كما أنه لا يجب على المالك أن يملكه المغصوب بقيمته لو طلبه.
ب ـ إذا عرض نقص على قيمة العين بسبب إزالة الدهان ـ مثلاً ـ ضمنه الغاصب، حتى لو كانت الإزالة إستجابة لطلب المالك.
ج ـ إذا لـم يمكن إزالة الأثر، أو تراضيا على بقائه، فإن زادت قيمة المغصوب، فالظاهر اشتراكهما في مالية المغصوب بنسبة ما أحدثه الأثر من زيادة في قيمته، وإن بقيت القيمة كما هي لم يكن للغاصب شيء، وإن نقصت بسببها، ضمن الغاصب النقص.
الثالث: ما لو كانت الزيادة عينية، كما لو غصب أرضاً فغرسها أو زرعها أو بنى عليها، فإن كان الغرس أو الحَب أو أجزاء البناء مغصوبـة ـ أيضـاً ـ من مالك الأرض كان الكل للمغصوب منه، فيجب عليه إرجاع الأرض وما عليها من بناء وغرس وزرع للمالك، وليس له أن يطالب بأجرة ما عمل فيها ولا له أن يقلعه، وإذا رغب المالك بقلع ـ أو هدم ـ ما عليها وجبت إجابته، فإن امتنع ألزمه.
وأما إذا كان الغرس أو أجزاء البناء أو الزرع للغاصب نفسه، فكذلك يجب عليه رد الأرض إلى مالكها، كما يجب عليه إعادتها إلى ما كانت عليه، بقلع أو هدم ما عليها وطمر الحفر الناتجة عن إزالة التعدي إن لم يرض المالك ببقاء ما عليها مجاناً أو بعوض، كما يجب عليه ـ أيضاً ـ ضمان أجرة مثل الأرض خلال مدة انتفاعه بها في الزرع أو البناء، وضمان ما قد يحصل من نقص في قيمة الأرض؛ ومن جهة أخرى، لا يجب على الغاصب إبقاء الزرع أو البناء إذا بذل له المالك قيمته.
هذا إذا كان للزيادة العينية وجود منفصل يمكن معه نزعها من المغصوب وأخذها، أما إذا كانت خلاف ذلك، كالبئر يحفرها الغاصب في الأرض المغصوبة، فإن الغاصب لا يملك شيئاً فيها، فلو أراد ردمها لم يكن له ذلك إلا أن يطلبه المالك فيجب عليه حينئذ.
مسألة 386: إذا حدث في المغصوب صفة أوجبت زيادة قيمته السوقية ثم زالت، كأن كان مريضاً حين غَصْبه فبرىء وصار سليماً ثم عاد مريضاً؛ فإذا تاب الغاصب ورد العين إلى مالكها كما كانت حين الغصب، لم يضمن تلك الزيادة إن كانت قد حدثت بفعله، كأن عالج الحيوان واعتنى به حتى برأ، وإن كان ضمانها هو الأحوط استحباباً؛ وأما إن كانت الزيادة بغير فعله، فإن عليه ضمانها رغم زوالها.
وأمـا إذا وجدت الصفـة ثـم زالت ثم وجدت مرة ثانية، وذلك ـ كما في المثال السابق ـ بأن كان الحيوان مريضاً حين غصبه فبرىء ثم مرض ثم برىء، لم يضمن الغاصب حالة نقص قيمته بمرضه مرة ثانية بعد برئه إن كان حين ردِّه إلى صاحبه سليماً، إلا أن تصير قيمته حين برئه ثانية أقل من قيمته حين برئه الأول، فيضمن التفاوت بين القيمتين إن كان البرء بغير فعله. هذا إذا كانت نفس الصفة هي التي زالت ثم عادت، أما إذا كانت غيرها، بأن وجدت فيه صفة بغير فعل الغاصب فزالت، ثم وجدت فيه صفة أخرى أوجبت زيادة قيمته مرة ثانية، فإنه يضمن ما نقص من قيمته بزوال الصفة الأولى دون أن تجبره الزيادة الحاصلة من حدوث الصفة الثانية.
مسألة 387: إذا نما المغصوب عند الغاصب نماءً منفصلاً، كالولد واللبن والشعر والثمر ونحوها كان نماؤه لمالكه، فيجب على الغاصب رده إن كان باقياً أو دفع بدله إن كان تالفاً، وكذا يجب رد العين بنمائها المتصل كالسمن للشاة ونمو الغرس وصيرورته شجراً ونضوج الثمر ونحو ذلك، وليس للغاصب شيء في قبال ذلك ولو كان النمو بفعله؛ بل حتى لو أوجب النمو المتصل تغيراً في عنوان العين المغصوبة، كالحَبِّ يغصبه فيزرعه في أرضه فيصير زرعاً، أو البيض يستفرخه فيصير دجاجاً، إذ يتخيـر المغصـوب منـه ـ حينئـذ ـ بين أخذ الزرع والدجاج دون أن يعوض شيئاً على الغاصب وبين أخذ بدل الحب أو البيض الذي غصب منه.
مسألة 388: إذا حدث في المغصوب نقص أو عيب خلال مدة الغصب وجب على الغاصب ـ إضافة إلى رد العين ـ أرش النقصان، وهو الذي يعرف من التفاوت بين قيمة العين صحيحة وقيمتها معيبة؛ وذلك دون فرق بين ما لو كان العيب بفعل الغاصب أو بغير فعلـه، ودون فـرق ـ أيضاً ـ بين ما لو كان العيب محصوراً لا يسري إلى سائر أجزاء العين وبين ما لو كان سارياً وموجباً لفساد تمام العين، كالبلل في القمح الموجب لعفونته وتلفه؛ نعم إذا كان البلل ـ في المثال ـ قد حدث بتفريط أو تعد من الغاصب، ولم يكن المالك ـ بعد تسلمه للعين ـ قادراً على منع تفاقمه، ولا على بيعه للحصول على عوضه، فتلف عنده بسببه ضمن الغاصب تمام العين لا أرش النقصان بخاصة. وفي جميع حالات ضمان الغاصب للأرش ليس للمالك إلزامه بأخذ العين ودفع قيمتها صحيحة.
هذا إذا أوجب النقص أو العيب تلفاً في المادة والهيئة معاً، أما إذا حدث أن زالت هيئة العين المغصوبة وصنعتها وبقيت مادتها، كالكرسي يتفكك ويتكسر ويرجع خشباً أو حديداً، وجب على الغاصب رد مادة العين بالنحو الذي آلت إليه، وعليه ـ أيضاً ـ ضمان قيمة تلك الهيئة الزائلة إن كان لها قيمة، فتُقوَّم العين مصنوعة وتقوم بدون الصنعة ويُرى ما بينهما من تفاوت فيَدفعُه الغاصب؛ هذا وليس للمالك إجبار الغاصب على إعادة صنعة العين كما كانت، كما أنه ليس ملزماً بقبول ذلك لو عرضه الغاصب فراراً من دفع الأرش.
نعم إذا كانت العين على صنعة محرمة، كآلات اللهو، فتلفت هيئتها أو أتلفها الغاصب عمداً لم يضمنها، بل عليه إعادة مادتها إن كانت موجودة أو مثلُ مادتها أو قيمتُها إن تلفت.
مسألة 389: يجـب علـى مَـنْ بيـده العيـن المغصوبـة ـ ولو لـم يكن هو الغاصب ـ ردُّها إلى مالكها أو وكيله إن كان كاملاً، وإلى وليه إن كان قاصراً بصباً أو جنون، فلو ردها إلى غير مالكها الكامل أو إلى غير ولي القاصر لم يرتفع عنه الضمان، وبخاصة ما لو كانت العين تحت يد غير غاصبها جهلاً، فإنه لا يكفيه ـ بعد علمه بالحال ـ ردها إلى غاصبها، ولو فعل بقي ضامناً لها حتى تصل إلى صاحبها.
هذا إذا كانت العين المغصوبة مملوكة ملكاً طلقاً لشخص أو موقوفة وقفاً خاصاً على مثل الذرية المنحصرة في فرد أو أفراد بعينهم، أما إذا كان المغصوب منه هو النوع، وذلك كما في العين الموقوفة على عنوان عام كالفقراء، أو للانتفاع العام كالمسجد والمكتبة والفندق ونحوها، لم يكف في الموقوفة على العنوان العام ردها إلى بعض أفراده، بل لا بد من دفعها إلى ولي الوقف إن كان له ولي خاص، وإلا فإلى الحاكم الشرعي الذي هو الولي العام، فيما يكفي في رد الموقوف للانتفاع العام رفع اليد عنه وإبقاؤه على حاله.
مسألة 390: يجب على الغاصب ـ من حيث المبدأ ـ تسليم العين وردها إلى المكان الذي غصبها فيه، وبخاصة إذا كان المالك حاضراً فيه وكان الغاصب قد نقله عنه إلى مكان آخر، غير أن للمالك إلزامه بتسليمه له في بلد آخر غير مكان الغصب إذا كان المال موجوداً فيه وصادف وجود المالك فيه أيضاً، أما إذا كان المالك موجوداً في بلد آخر غير بلد الغصب وغير بلد وجود المال، فإن إلزام الغاصب بوجوب نقله إليه محل إشكال.
مسألة 391: إذا تعذر رد المغصوب إلى مالكه لسرقة أو ضياع أو نحوهما، فإذا يئس الغاصب من الحصول عليه لحِقَه حكم التالف، ووجب عليه دفع بدله مِثلاً أو قيمة؛ فيملك المغصوب منه ذلك البدل زيادة على بقاء ملكيته للعين المغصوبة المفقودة، فلو عاد المفقود كان حكمه كما يلي:
أ ـ يجب على كل منهما تسليم ما بيده للآخر، فيسلم المالك البدل للغاصب، ويتسلم منه المغصوب العائد.
ب ـ حيث يكون البدل مثلياً، فإن جميع منافعه ووجوه نمائه خلال مدة فقد المغصوب هي للمغصوب منه، نعم ما يكون فيه من النماء المتصل كسمن الشاة ونمو الشجرة تتبع البدل ويسترجعها الغاصب مع البدل دون أن يعطي لقاءها شيئاً للمغصوب منه ولو كانت بفعله.
وأما المبدل (أي: المغصوب العائد) فإنه لما كان ما يزال على ملك مالكه فإن نماءه المتصل أو المنفصل يكون جميعه لمالكه المغصوب منه، نعم ليس له مطالبة الغاصب بقيمة منافعه المفوّتة خلال مدة فقده بعد تسلمه بدله وانتفاعه به خلالها.
المبحث الثالث: في ضمان المنافع والحقوق المفوَّتة بالغصب
كنا قد ذكرنا في المبحث الثاني ـ إجمالاً ـ «إن الغصب يقـع علـى المنافع ـ منفردة ومع العين ـ وعلى الحقوق المتعلقة بالعين، مثلما يقع على العين، وإن ما يفوت منها مضمون ـ إجمالاً ـ على الغاصب»، وقد أجلّنا تفصيل ذلك إلى محله، وهو هنا في هذا المبحث؛ ذلك أنـه ـ إضافة إلى وجوب رد المغصوب إلى مالكه بالنحو الذي ذكرناه في المبحث السابق ـ لا تبرأ ذمة الغاصب ومن بحكمه من عهدة المغصوب إلا بضمان المنافع التي تفوت ويخسرها المالك خلال مدة الغصب، وهو أمر يجري ـ أيضاً ـ عند تلف العين وضمان الغاصب لمثلها أو قيمتها؛ وكذلك الأمر ـ إجمالاً ـ في الحقوق؛ وتفصيل ذلك يقع في مطلبين:
المطلب الأول: في ضمان المنافع
مسألة 392: المنافع المضمونة ثلاث:
الأولى: المنفعة المملوكة بمثل الإجارة أو العارية أو نحوهما، فيغتصبها غاصب مع العين أو بدونها، ومع انتفاع مالكها (أي: المستأجر والمستعير) بها أو عدمه، بحيث يكون المنظور إليه هنا هو نفس المنفعة المغتصبة من مالكها مهما كانت، لا المنفعة التي تفوت تبعاً لغصب العين؛ فيضمن الغاصب قيمة تلك المنفعة مقدرة بأجرة مثل العين المغصوبة في مدة الغصب، سواءً زادت عن الأجرة المسماة للمغصوب منه أو نقصت عنها، وسواءً كانت المنفعة المغتصبة متعارفة في مثل العين، كالسكنى للدار والركوب للسيارة، أو كانت غير متعارفة، كجعل الدار معرضاً للرسوم أو التحف الأثرية وجعل السيارة حقلاً لتعليم كيفية صنعها أو نحو ذلك.
الثانية: المنفعة التي تفوت تبعاً لغصب العين، وهي اثنتان:
1 ـ المنفعة المفوَّتة، وهي: (المنفعة التي يبذل بإزائها المال، متعارفة كانت أو غير متعارفة)؛ ولا يضمن الغاصب منها إلا المنفعة المتعارفة، فمثل الدار التي تستخدم في منافع متعددة يُهتم بها ويُبذل المال بإزائها، لا يضمن الغاصب من منافعها إلا السكنى لأنها هي المتعارفة، دون سائر المنافع المفوَّتة على المالك ولو كانت أعلى قيمة من المتعارفة، سواء استوفاها الغاصب بنفسه أو بغيره أو تركها معطلة.
2 ـ المنفعة الفائتة، وهي: (المنفعة التي لا يبذل المال بإزائها)، كالاستظلال في الشجرة، والقراءة في الكتاب، ونحو ذلك، وهذه المنافع غير مضمونة على الغاصب إلا إذا استوفاها من العين واستخدمها فيها بنفسه أو بغيره.
الثالثة: منفعة الإنسان، وهي المنفعة التي يتحقّق غصبها بحبس الإنسان الكسوب وإعاقته عن بذل جهده في الكسب الذي يحسنه. فإذا كان المحبوس ممن يعمل لحسابه الخاص، ضمن الغاصب أجرة مثل عمله الذي منعه من القيام به؛ وإذا كان أجيراً لشخص، فمنعه من القيام له بما استؤجر عليه، ضمن للمستأجر ما فاته من منفعة الأجير؛ وإذا أجبره الغاصب على أن يعمل له: فإن كان في عمله الذي يحسنه ضمن له أجرة مثل عمله، وإن كان في غير ما يحسنه، ضمن له أجرة مثل ما عمل له، وأيضاً أجرة مثل ما فات من عمله الذي يحسنه. هذا إذا كان كسوباً، أما إذا لم يكن كسوباً، فليس له منفعة كي تفوت بحبسه، لكنَّ حبسه ـ رغم ذلك ـ هو من الظلم المعدود من كبائر المحرمات؛ كما أنّ الحابس يضمن ما يقع على المحبوس من تلف في النفس أو الأعضاء إذا كان وقوعه عليه بسبب ذلك الحبس.
مسألة 393: إذا تعددت منافع العين المفوَّتة المتعارفة، كبعض العقارات التي يتعارف استخدامها موقفاً للسيارات تارة وملعباً رياضياً تارة أخرى، ضمن الغاصب منفعةً واحدةً منها، سواء استوفاها جميعاً أو لم يستوفها كذلك، أو اقتصر في الاستيفاء على بعضها دون الآخر، فإن تساوت أجرة مثل تلك المنافع دفع قيمة إحداها واكتفى بها، وإن لم تتساوَ أجرتها دفع قيمة أعلاها ولو لم تكن هي التي استوفاها، ومثال ذلك ما لو كانت أجرة العقار ملعباً أو موقفاً في اليوم عشرة دولارات، لزمه دفع عشرة، وإذا كانت أجرته ملعباً عشرة وأجرته موقفاً خمسة عشر لزمه دفع الخمسة عشر، حتى لو كان قد استخدمه ملعباً أو كان قد تركه معطلاً دون استخدام.
مسألة 394: إذا استخدم الغاصب العين في منفعة مفوَّتة غير متعارفة، كفاه ضمان المنفعة المتعارفة غير المستوفاة حتى لو كانت أقل قيمة من المنفعة المستوفاة غير المتعارفة.
المطلب الثاني: في ضمان الحقوق
مسألة 395: يجب على مغتصب كل حق مهما كان نوعه رده إلى صاحبه والتخلية بينه وبينه، فمَنْ مَنَع غيره من حقه في المرور في ملكه ليصل ذلك الغير إلى عقاره أو داره، وجب عليه تمكينه من المرور وإزالة المانع منه، وكذا يجب على مَنْ منع أمَّ ولدٍ من حضانته، أو منع السابقَ إلى مكان عام من التواجد فيه، تمكينُ الأم من ولدها وصاحبِ المكان من التواجد فيه، وهكذا أشباهه.
أما ضمانُها (ضمانَ يدٍ) عند تلف أعيان متعلقاتها فإنه لا يُضمن بهذا النحو من الحقوق المغتصبة إلا ما كان له شَبَهٌ بالملك، بحيث يفقد صاحبه بغصبه شيئاً يخصه، فمن غصب الميتة أو الخنزير من المسلم لزمه ضمانه برده له إن كان ما يزال موجوداً أو بدفع قيمته إن كان تالفاً، وكذا من حجَّر مكاناً قاصداً إحياءه فغصبه منه غاصب وجب عليه رده برفع يده عنه وتخليته له، فإن عرض عليه ـ وهو تحت يده ـ ما أوجب تلفه وبطلان الانتفاع به، كأن أغرقه الماء، ضمن له الغاصب قيمته محجرَّاً إن كانت له قيمة عند العرف؛ وهكذا أشباه ذلك.
أما ما لا شَبَهَ له بالملك، كالعين المرهونة، فإنَّ غَصْبَ حقِّ الرهانة فيها يكون بمنع المرتهن من أخذ دينه منها، ولو كان الغاصب لها بهذا النحو هو الراهن أو المالك، فلو تلفت العين ـ حينئذ ـ فإنها تتلف على صاحبها لا على المرتهن لتكون مضمونة له، فيما يبقى الراهن مشغول الذمة له بالدين. (أنظر فقرة «الثالث» من المسألة: 372).
المبحث الرابع: في أحكام التنازع
وفيه مسائل:
مسألة 396: يجوز لمالك العين المغصوبة انتزاعها من الغاصب ولو قهراً؛ وإذا توقف أخذها على دخول داره ـ مثلاً ـ بدون إذنه جاز دخولها مع امتناعه عن ردها؛ وكذا لو توقف أخذها على إتلاف شيء، ككسر الباب الذي يحرزها خلفه أو قطع الحبل الذي يربطها به، لكنه يضمن له ما أتلفه؛ وإذا انحصر استنقاذ ماله بالاستعانة بالجائر جاز له ذلك.
مسألة 397: إذا بذل المالك مالاً من أجل الوصول إلى المغصوب واستنقاذه من غاصبه، كأجرة الطريق ونفقات السفر للوصول إلى مكانه، أو ما يدفعه للظالم من أجل معاونته عليه، أو ما يدفعه من نفقات التحاكم عنده، أو ما أشبه ذلك، لم يضمن الغاصب شيئاً من ذلك.
مسألة 398: إذا وقع في يده مال للغاصب ـ بأي سبب من الأسباب ـ جاز له أخذه (مقاصة) وذلك بالنحو الذي فصّلناه في مباحث الدين (أنظر ص: 128).
مسألة 399: إذا كان مع العين المغصوبة توابع لها، كالأثاث في المنزل ونحوه، فادّعى الغاصب أنها له وادّعى المغصوب منه خلافه، ولم يكن بيّنة لأحدهما، فالقول قول الغاصب مع يمينه.
فائدة في حكم تلف المغصوب:
مسألة 400: تعتبر يد الغاصب على المغصوب يد عدوان، فإذا تلف عنده ضمن مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان قيمياً، بدون فرق في التلف بين ما كان منه أو من أجنبي أو بسبب طبيعي، وبدون فرق في إتلافه له بين المباشرة والتسبيب ولا بين التعمد والغفلة. كذلك فإنه يضمـن ـ إضافـة إلى ذلك ـ جميع منافعه المفوَّتة، سواء استوفاها أو لم يستوفها، وجميع منافعه الفائتة إذا استوفاها؛ وذلك إلى حين تلف العين، كما يضمن ما يتجدد في المغصوب من صفات موجبة لزيادة قيمته إذا زالت بعد تجددها وقبل تلف العين؛ إذ إن ضمان مثل العين أو قيمتها لا يعفي الغاصب من ضمان منافعها التي فاتت خلال مدة غصبها قبل تلفها، نعم لا يضمن ما يفوت من منافعها في فترة ما بين تلفها وبين التعويض على مالكها بالمثل أو القيمة ولو طالت. (أنظر في ضمان المنافع المسألة: 392).
هذا، ولما كانت أحكام تلف المغصوب لا تختلف عن أحكام تلف غيره فإننا سوف نستعرض أحكام التلف في الفصل الثاني من هذا الباب، ونتعرض فيه لأحكام ضمان التالف مغصوباً كان أو غيره.
تتمة في حكم المأخوذ بالعقد الفاسد ونحوه:
ونريد بها بيان ما يُلحق بالمأخوذ غصباً من الأموال المأخوذة بأسباب أخرى، وذلك في مسألتين:
مسألة 401: إذا وقع مال إنسان تحت يد آخر بغير الغصب والعدوان من الأسباب العاديَّة، ثم تبيّن عدم تمامية ذلك السبب في إحداث ملكية واضع اليد للعين التي تحت يده، كان حكمُ المكلَّف مع ذلك المال نفسَ حكمه مع المال المغصوب، وتفصيل ذلك يستدعي تقسيم هذه الأموال من حيث الأسباب الموجبة لوضع اليد عليها إلى أقسام:
الأول: المقبوض بالمعاملة المعاوَضيَّة الفاسدة، كالمبيع الذي يأخذه المشتري ـ أو الثمن الذي يأخذه البائع ـ بالبيع الفاسد، وكالأجرة التي يأخذها المؤجر ـ أو العين المستأجرة التي يأخذها المستأجر ـ في الإجارة الفاسدة؛ وكذا المقبوض بغير المعاملة المعاوضية مما يشبهها من العقود والإيقاعات التي يأخذ فيها أحد الطرفين مالاً من الآخر، كالمهر في الزواج الفاسد، وعوض الخلع في الطلاق الخلعي، والجَعْل في الجعالة، ونحو ذلك مما يجمعه كون الأخذ فيه غيرَ مبني على التبرع.
الثاني: المقبوض بمعاملة فاسدة غير معاوضية، كالموهوب إذا تبيّن بطلان الهبة، والموصى به في الوصية الفاسدة، والموقوف في الوقف الفاسد، ونحو ذلك.
الثالث: ما وُضعتْ اليدُ عليه بسبب الجهل والإشتباه، كما إذا أخذ المشتري غير المبيع، أو انتفع المستأجر بعين أخرى غير العين المستأجرة، أو لبس حذاء أو ثوب غيره اشتباهاً، أو نحو ذلك.
فإذا تبيّن عدم استحقاق صاحب اليد لما تحت يده من المال المأخوذ بسبب من الأسباب المذكورة في القسمين الأول والثالث، وجب عليه رد العين إلى مالكها بعد علمـه بفسـاد المعاملـة ـ أو بالاشتبـاه ـ ووجوب الرد، ويأثم إن لم يفعل، إلا أن يحرز رضاه بإبقاء ما تحت يده عنده؛ كما أنه يضمن جميع منافع العين المفوَّتة، المستوفاة وغيرها، وكذا المنافع الفائتة إذا استوفاها، حتى في فترة جهله بكونه غير مالك لما تحت يـده؛ كمـا أنـه يضمـن العيـن ـ ولو مع جهله بالحال ـ إذا تلفت العين عنده ولو بآفة طبيعية ومن دون تعد منه ولا تفريط.
وأما المقبوض بسبب من أسبـاب القسـم الثانـي، فإن على الآخذ ـ بعد علمه بفساد المعاملة ـ أن يبادر إلى رد العين إلى الواهب ولو كانت الهبة غير معوضة، وإلى الموصي والواقف، لكنه لا يضمن منافعها ولا مثل عينها أو قيمتَها إذا تلفت خلال فترة جهله، فإن علم بالفساد فتهاون في الرد صارت يدُه يدَ عدوان وضمن منافعها، وكذا يضمن مثل عينها أو قيمتَها إذا تلفت.
مسألة 402: إذا تبدل حذاء شخص ـ مثلاً ـ بحذاء غيره، فإن عرف صاحبه وجب عليه رده إليه، فإن لم يفعل كان غاصباً له وجرى عليه حكم الغاصب تكليفاً ووضعاً بالنحو الذي تقدم؛ وإن جهل صاحبه جاز له التصرف بحذائه بالنحو الذي يحرز رضا صاحبه به، فلو كان الحذاء غير مخصص للعب كرة القدم فاستخدمه فيه حيث لا يحرز رضاه بمثله لم يجز له ذلك، وإلا جاز، نعم إذا علم أن الآخر قد تعمد تبديل حذائه بحذائه ظلماً وعدواناً جاز له أن يعتبر حذاءه الذي تحت يده عوضاً وبدلاً عن حذائه المغتصب، وحينئذ لا يكون تصرفه فيه مقيداً بما يحرز رضاه به، بل له حرية التصرف فيه كما يشاء، لكن إذا كانت قيمة حذاء الغاصب أكثر لزمه التعامل مع الزائد من قيمته كمالٍ مجهولِ المالك. هذا، ويجري حكم البَدَلِيَّة الآنف الذكر في صورة ما لو كان الآخر قد اشتبه أوَّلاً، ثم تسامح وتهاون في رده بعد علمه بالحال.
الفصل الثاني
في ضمان التالف
المبحث الأول: في التلف الموجب للضمان
المبحث الثاني: في كيفية الضمان
تمهيد:
بعدما استعرضنا في الفصل السابق أحكام العدوان على المال بالغصب، وبخاصة لجهة ضمان المغصوب برده ـ مع وجـوده ـ إلى مالكه وحكم ما ألحق بالغصب مما أُخذ بغير حق من معاملة فاسدة أو اشتباه وخطأ؛ كان لا بد من تخصيص هذا الفصل لبحث أحكام عروض التلف على المال بأسبابه المختلفة بما يعم حالة كون المتلف غاصباً أو غير غاصب، وبحث كيفية الضمان والأحكام المتعلّقة بها، وبحث بعض أحكام التنازع؛ وتفصيل ذلك في مبحثين.
المبحث الأول: في التلف الموجب للضمان
وفيه مسائل:
مسألة 403: التلف هو: (حدوث ما يوجب خروج العين بمادتها وهيئتها عن ما يخصها من وجوه الانتفاع المعتد به)؛ مما يختلف في مظهره وتشكله اختلافاً كبيراً تبعاً لطبيعة الأشياء وهيئات صنعها، إذ إن تلف الكرسي يختلف عن تلف الطحين أو الكتاب أو الثوب أو الزيت أو غيرها مما لا يحصى كثرة. فإن تلفت الهيئة وبقيت المادة لم يعتبر ذلك تلفاً موجباً لضمان المثل أو القيمة بالنحو الذي هو مورد الكلام، بل إنه يكون مـن فـروع رد العين المغصوبـة التي ذكرناهـا سابقاً فـي محلها (أنظـر المسألـة: 388).
مسألة 404: ينبغي تقسيم التلف ـ من جهة الفاعل ـ إلى قسمين:
الأول: التلف، وهو الذي يحدث على الشيء بأسبابه الطبيعية من دون قيام إنسان به، كموت الحيوان حتف أنفه، وفساد الفاكهة أو اهتراء الثوب بتقادم العهد ومرور الزمن، والحرق والغرق والسقوط من شاهق وافتراس الوحش ولدغ الحشرات السامة، وغير ذلك مما لا يكاد يحصى.
الثاني: الإتلاف، وهو: (قيام فاعل بشري بعمل يؤدي إلى التلف مباشرة أو يكون موجداً لسبب يؤدي إلى التلف)، وهو ما قد يكون عن وعي وقصد واختيار، كالإتلاف الحادث من المكلف العاقل الملتفت المختار، أو يكون عن إكراه، أو عن غفلة وعدم التفات، كمثل ما يصدر عن الصبي أو النائم أو المجنون المطبق أو السائر في الظلمة ونحوها؛ والإتلاف نوعان:
1 ـ إتلاف المباشرة: وهو: (قيام الفاعل بالعمل المتلف للعين، ولو بعد حين) كذبح الشاة أو تمزيق الثوب أو محو كلمات الكتاب أو هدم المنزل بآلة الهدم، ونحو ذلك.
2 ـ إتلاف التسبيب: وهو: (قيام الفاعل بإيجاد مقدمات ما به يكون التلف)، وذلك مثلُ: بلِّ القمح بالماء المؤدي إلى تعفنه، أو إجراء الماء قرب أساس المنزل المؤدي إلى خسف التراب تحته وتهدمه، أو رش الماء على الطريق بما يؤدي إلى إنزلاق المارة به، ونحو ذلك.
مسألة 405: تتحدد مسؤولية من تلفت العين عنده، أو أتلفها هو حال وجودها عنده، أو مطلقاً، على النحو التالي:
أولاً: يضمن المتسلط على العين (أي: من كانت العين تحت يده) تلف المال الحادث عنده بأي سبب طبيعي، فضـلاً عـن ضمانـه له بإتلافه ـ أو إتلاف أجنبي له ـ مباشرة أو تسبيباً، في كل حالة يكون التسلط فيها على العين بغير وجهٍ حق، كالمأخوذ غصباً أو بالمعاملة المعاوضية الفاسدة أو اشتباهاً وجهلاً، وهو التسلط الذي يصطلح عليه بـ (يد العدوان)، وذلك بالمعنى الذي يشمل الغصب وما يلحق به مما لا عدوان فيه.
ثانياً: لا يُضمن كل تلف بسبب طبيعي واقع على العين عند المتسلط عليها بوجه حق، وهو ما يصطلح عليه بـ(يد الأمانة)، وهي تشمل حالة ما لو وُجد المال عنده بوكالة أو رهن أو عارية أو وديعة، أو معاملة معاوضية صحيحة إذا فسخت بالإقالة أو الخيار ولزم بسببه رد العين إلى صاحبها.
ثالثاً: يضمن كلُّ من (أتلف) مال غيره، سواءً في ذلك ما لو كان بقصد أو بدونه، وما لو كانت العين تحت يده أو لم تكن، ويد عدوان كانت أو يد أمانة، وبالمباشرة أتلفها أو بالتسبيب.
مسألة 406: إذا اشترك اثنان ـ أو أكثر ـ في إتلاف العين، فذلك على أنحاء:
الأول: ما إذا قاما معاً بإحداث الإتلاف، بحيث اشتركا في إتلاف كل جزء من أجزاء العين، وذلك كما لو أمسكا بالسكين فذبحا بها الحيوان، أو أشعلا النار في الثوب أو الشجرة في وقت واحد فأحرقاه، أو دفعا شيئاً بحركة واحدة من يديهما فتحطم، أو نحو ذلك؛ وهنا يكون الضمان موزعاً على الشركاء بالتساوي بنسبة عددهم، مناصفة إن كان الشركاء اثنين، وأثلاثاً إن كانوا ثلاثة، وهكذا؛ وذلك من دون فرق بين ما لو كان الإتلاف منهم بالمباشرة أو التسبيب.
الثاني: ما إذا اشتركا في إتلاف جميع العين، ولكن بفعل من أحدهما بالمباشرة ومن الآخر بالتسبيب، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بـ (اجتماع المباشر والسبب)؛ وهنا يكون الضمان على من كان أقوى أثراً في الإتلاف، ففي مثل ما لو أوجد أحدهما السبب بحفر البئر، فقام الآخر بمباشرة دفعه في البئر، كان الضمان على الدافع لأنه أقوى أثراً من الحافر؛ وفي مثل ما لو وضع شخص قارورة تحت رجلي النائم فتحرك فكسرها يضمن واضع القارورة لأنه أقوى في الإتلاف من المباشر النائم؛ ومنه ما لو ترك الباب مفتوحاً فسرق المال، أو دل السارق على المال فسرقه، فالضمان على السارق لا على الدال ولا على فاتح الباب.
الثالث: ما إذا أنجز كل واحد منهما إتلاف قسم من العين بعمل مستقل، كما لو أحرق أحدهما اليوم جزءاً من الدار، ثم أحرق الثاني في اليوم الثاني الجزء الآخر منها؛ فهنا يضمن كل واحد منهما الجزء الذي أتلفه، سواء كانا مباشرين أو مسببين أو كان أحدهما مباشراً والآخر مسبباً.
هذا هو حكم الاشتراك من حيث المبدأ، لكنه قد يعرض على بعض موارده ما يوجب اختلافاً في حكمه، وذلك كما لو كانا ـ إضافـة إلى اشتراكهما في إتلاف جميع العين ـ قد اشتركا قبل الإتلاف في غصب جميع العين، فيجب ـ بذلك ـ على كل واحد منهما ضمان تمام العين، وجاز للمالك الرجوع على أيهما شاء (أنظر المسألة: 375).
ثم إنه ـ نظـراً لتشعـب فـروع هـذه المسألـة ـ ينبغي الرجوع إلى الحاكـم الشرعي وأهل الخبرة لتحديد مدى مسؤولية كل واحد من الشركاء، ولا سيما في حالات التسبيب وحالات اجتماع السبب والمباشر.
مسألة 407: إذا غصب مأكولاً، فأطعمه المالك مع جهله بالحال، كما لو قدمه له بعنوان الضيافة؛ أو غصب شاة وطلب من مالكها ذبحها على أنها مال الغاصب فذبحها جاهلاً بالحال ـ أيضاً ـ، ضمن الغاصب الطعام والشاة رغم أن مباشر الإتلاف هو المالك، لأن سببية الغاصب في الإتلاف أقوى من المباشر؛ نعم لو دخل المالك دار الغاصب فوجد طعاماً فأكله دون أن يدري أنه مغصوب منه لم يضمن الغاصب ما تلف من الطعام.
مسألة 408: كل حيوان يكون عند مقتنيه ـ مالكاً كان أو غيره، كالمستأجر والمستعير ـ فيجني على مال غيره من زرع أو متاع فيفسده، فإن كان مقتنيه معه، راكباً أو سائقاً أو قائداً أو مصاحباً، ضمن ما أفسده، وإن لم يكن معه، بأن خرج من حظيرته وسرحَ فأفسد زرعاً أو متاعاً لم يضمن مقتنيه جنايته إلا أن يكون قد قصّر في حفظه برباط أو بإغلاق باب الحظيرة إن كان ذلك من شأنه عرفاً، ومن ذلك ما لو انسلّ ليلاً فأفسد زرع جاره، أما إذا انسلَّ نهاراً فأفسد الزرع لم يضمن مقتنيه جنايته لأن صاحب الزرع مقصر في حفظه من العوادي بترك حراسته له أو نحوها مما هو متعارف في مثله؛ ومن موارد هذه المسألة ما لو جعل متاعه في الطريق فأتلفه الحيوان الذي قصّر صاحبه في ربطه. هذا، وحيث يكون الضمان على المقتني غير المالك، كالمستأجر والراعي والمستعير فإنه ليس للمجني عليه أن يرجع على مالك الحيوان، فضلاً عن أنه ليس للمقتني الرجوع على المالك بعد رجوع المجني عليه على المقتني.
نعم، إذا كان الحيوان طائراً، فَفُتح بابُ قفصه فكَسَر بخروجه قارورةً أو أراق ما فيها، ضمن فاتح القفص ما أفسده حتى لو كان ذلك لضيق القفص واضطرابه عند خروجه منه.
مسألة 409: إذا وشى شخص على آخر إلى الظالم، أو اشتكى عليه عنده بحق أو بغير حق، فأخذ الظالم منه مالاً بغير حق، لم يضمن الواشي والشاكي ما خسره، بل الضمان على آخذ المال، نعم يأثم الواشي أو الشاكي حيث لا يكون محقاً، أو محقاً دون أن ينحصر استنقاذ الحق بالظالم.
مسألة 410: إذا انهـار جدار شخـص ـ أو انقلعـت شجرتـه ـ فوقع على حيوان شخص آخر أو متاعه أو زرعه أو نحو ذلك فأتلفه، لم يضمن صاحب الجدار إلا عند توفر ما يلي:
أ ـ أن يعلم بأن الجدار ـ أو الشجرة ـ في معرض السقوط، ويدع إصلاحه وتدعيمه أو هدمه.
ب ـ أن يجهل صاحب المال التالف بحال الجدار فيجعل حيوانه أو متاعه أو زرعه قرب الجدار.
وإلا فإن جهل صاحب الجدار بحاله، أو علم صاحب المال التالف بتصدع الجدار، لم يضمن صاحب الجدار ما تلف بانهياره.
مسألة 411: إذا تصرف شخص في ملكه بما هو مشروع له، فتلف بسببه مال غيره، لم يضمن المتصرف إلا إذا كان من شأن ذلك العمل الإضرار بالغير عند إهماله وترك التحرز منه، وذلك في مثل الحالات التالية:
أ ـ من وضع إناء زهور أو إبريق ماء على حائطه، وكان في معرض السقوط، فأهمله فسقط على حيوان الغير أو متاعه فأتلفه.
ب ـ من أشعل ناراً في ملكه من شأنها السراية إلى زرع غيره، فلم يتحرز من سرايتها فسرت إليه وأحرقته.
ج ـ من أرسل الماء في ملكه، وكان من شأنها التعدي إلى ملك جاره والإضرار به، فلم يتحرز من تعديها فتعدت إليه وأتلفته.
أما إذا لم يكن الإبريق في معرض السقوط، ولا النار أو الماء في معرض السراية والتعدي، فاتفق إضرارها بالغير، لم يضمن صاحب الإبريق والأرض ما تلف.
مسألة 412: إذا كان السبب ـ بذاته ـ غير كاف في إحداث التلف إلا إذا وقع في ظرف معين، ضَمِنَ المُسبِّبُ ما يتلف به إذا صادف ذلك الظرف ولو دون قصد أو علم منه، وذلك في مثل الحالات التالية:
أ ـ حَبَسَ الشاة المرضعة عن وليدها، وكان غذاؤه منحصراً بها، فمات.
ب ـ حَبَسَ الراعي عن ماشيته، وكانت في محل فيه سباع لا يحميها منها إلا الراعي، فقتل السبع بعضها.
ج ـ فَتَحَ غطاء إناء فيه زيت في مجال عصف الريح أو تقافز الطيور، فوقعت وأهريق زيتها فتلف.
أما إذا فعل ذلك في ظرف عادي، فصادف موت الوليد أو افتراس السبع لبعض الشياه أو وقوع إناء الزيت، لم يضمن ما تلف.
مسألة 413: إذا أسند شخص حمله إلى جدار الغير ليستريح، فانهار الجدار تحت ثقله، فإن كان ذلك بإذن صاحب الجدار لم يضمن الحمَّال الجدار ولا ما يتلف بوقوع الجدار عليه، وإلا ضمنهما. ولو وقع نفس الحمل على شيء فأفسده، فإن وقع أثناء حمله له ضمن ما تلف بوقوعه، وإن وقع بعدما وضعه من يده لم يضمن إلا إذا قصر في وضعه بالطريقة المناسبة.
مسألة 414: من أضر بالطريق كان ضامناً لما يحدث بسببه من تلف في مال الغير، وذلك كأن أجرى عليها بالماء أو النفط فانزلقت به سيارة أو حيوان فتلف، أو حفر حفرة ولم يتحرز من وقوع الغير فيها بغطاء ونحوه، أو نحو ذلك من التصرفات المنافية لحق المارة.
المبحث الثاني: في كيفية الضمان
قد سبق منا القول: (إن المغصوب وما ألحق به إذا تلفت عينه ضمنها المتلف أو الغاصب بمثلها إن كانت مثلية وبقيمتها إن كانت قيمية)، وبعدما بيّنا القاعدة التي يرتكز عليها الضمان وفصّلنا أحكامها في المبحث السابق كان لزاماً علينا بيان كيفية الضمان في هذا المبحث، وذلك في مطلبين:
المطلب الأول: في ضمان المثل
وفيه مسائل:
مسألة 415: (المثلي) في مصطلح الفقهاء هو: (ما يكثر وجود مثله في الصفات التي تختلف باختلافها الرغبات)، أو هو: (ما يراد لنوعه وصنفه لا لشخصه)، فحيث تكثر أفراد الشيء وتتماثل في صفاتها الأساسية يكون الشيء (مثلياً)، وذلك كالقمح والعدس ونحوهما من الحبوب، وكالمصنوعات المعمولة في المصانع المستحدثة، من آلات وأدوية وأقمشة وحلي وساعات وأطعمة معلبة ونحوها مما ينطبق عليه التعريف المذكور.
وحيث يتحد النوع وتختلف الأصناف، كالقمح الذي له أصناف متعددة تختلف باختلافها الرغبات، فإن الضمان يكون بمثله في الصنف، فمن أتلف مقداراً من القمح «البلدي» لم تبرأ ذمته إلا بدفع نفس المقدار من نفس الصنف لا من قمح غيره، وكذ الأمر في العنب والزبيب، والتمر والرطب، فإنه لا يغني العنب عن الزبيب، ولا صنف من العنب عن صنف آخر منه، وهكذا أشباهها.
مسألة 416: لا تغني القيمة عن المثل في المثلي إلا إذا رضي المضمون له، ويجب عليه المبادرة إلى دفعه وترك المماطلة فيه، وإذا لم يكن المثل عند الضامن وجب عليه إيجاده ولو بشرائه بأزيد من ثمن المثل، إلا أن تكون الزيادة كثيرة بحيث يعد ـ عرفاً ـ متعذراً، فيسقط المثْلُ ـ حينئذ ـ ويُضمن بقيمته.
مسألة 417: إذا فُقِد المثلُ في البلد وما حوله من الأمكنة التي يُنقل ـ عادة ـ منها إليها، أو كان موجوداً فيها بسعر يزيد كثيراً عن ثمن المثل، سقط ضمانه بمثله وكفاه ضمان قيمته التي يكون عليها حين دفعها إلى المضمون له مهما كان مقدارها زيادة أو نقصاً عن مقدارها قبله. ومن موارد تعذر المثل ما لو أتلف المسلم للذمي خمراً أو خنزيراً، فإنه مضمون على المسلم بقيمته لعجزه عن المثل بسبب عدم صحة تملكه له بالشراء ونحوه؛ نعم إذا وجد عند المسلم بسبب صحيح، كالميراث من الذمي أو لانقلاب الخـل خمـراً عنـده، جـاز ـ بل وجب ـ دفع المثل حينئذ.
مسألة 418: حيث يجب دفع المثل يكتفى به بقيمته التي هو عليها حين الدفع، فلا يعتد بقيمته التي كان عليها ـ زيادة أو نقصاً ـ قبله، وليس للمضمون له الامتناع عن أخذه انتظاراً لزيادة قيمته؛ نعم لو سقط المثل عن المالية، كما لو كان التالف نقداً مستحدثاً فبطل استعماله وألغي من التداول، أو فاكهة في غير موسمها فلما كثرت في موسمها فقدت ماليتها وصارت تبذل مجاناً، أو ماءً عزيز الوجود ثم وجد بكثرة فَقَدَ معها ماليَّتَهُ، فإذا سقط عن المالية بهذا النحو لم تبرأ ذمة المتلف بدفع المثل الذي لم تعد له مالية إذا لم يرض المضمون له، كما أنه إذا لم يرض المتلف بالتريث حتى ترتفع قيمة المثل فيدفعه حين الإرتفاع، جاز له دفع قيمته التي كان عليها قبل انعدامها إذا لم تختلف قيمته خلال تلك الفترة، وإلا كفاه دفع قيمته عند فقده لا عند تلفه ولا عند غصبه.
المطلب الثاني: في ضمان القيمة
وفيه مسائل:
مسألة 419: (القيمي) في مصطلح الفقهاء هو: (ما لا مثل له يشابهه في صفاته الأساسية)، أو هو: (ما يراد لشخصه لا لنوعه أو صنفه). ويشمل مثل الحيوان والأطعمة والمصنوعات اليدوية كالرسوم والنسيج وغير ذلك.
مسألة 420: لا يغني المثل عن القيمة في القيميات إلا أن يرضى المضمون له بأي فرد من نوع التالف؛ ويجب عليه المبادرة إلى دفعها وترك المماطلة، فإذا اتحدت قيمته السوقية على مدى الفترة الواقعة بين غصبة أو تلفه وبين التعويض عنه فذلك خير، وإن اختلفت قيمته السوقية ـ على أساس اختلاف الرغبات والعرض والطلب ـ خلالها لزمه دفع قيمته يوم الأداء لا يوم التلف. هذا، وكنا قد ذكرنا سابقاً حكم اختلاف القيمة بسبب زيادة صفة بفعل المتلف أو بغير فعله، فانظر في ذلك (المسألة: 386). وأما إذا كان اختلاف القيم لا لاختلاف الزمان ولا لتغير صفة فيه بل لاختلاف المكان، فكانت قيمته في مكان غصبه عشرة مثلاً، وفي مكان تلفه خمسة، وفي مكان التعويض عنه سبعة، أو نحو ذلك، كان ضمانه بقيمته في مكان تلفه.
مسألة 421: تقدر قيمة العين التالفة بثمنها بالنقد الرائج في بلد التلف لا في بلد الغصب ولا في بلد الأداء إذا اختلف النقد بين بلد التلف وبين غيره؛ كذلك فإنه يقدر بالنقد الرائج في زمن الأداء لا في زمن الغصب ولا في زمن التلف إذا كان النقد الرائج فيه جديداً ومستبدلاً به ما كان رائجاً في غيره من الأزمنة مع اتحاد قيمة النقد.
وأما إذا تغيرت قيمة النقد، سواء بهبوط قيمة نفس العملة أو ارتفاع قيمتها أو بتبدلها بعملة أخرى أكثر أو أقل قيمة من العملة الأولى، لزم احتسابها على قيمة يوم الأداء، سواءً كانت أكثر قيمةً يوم التلف أو أقل.
مسألة 422: إذا تلف أحد جزأي الشيء الذي تنقص قيمة كل جزء منه إذا انفرد عن الآخر، كمصراعي الباب وفردتي الحذاء وأشباههما بعدما كانا معاً تحت يده، فإن كان مثلياً دفع مثل ذلك الجزء التالف ورد الجزء الباقي؛ وإن كان قيمياً ـ أو مثلياً متعذراً ـ ضمن الجزء التالف بقيمته مجتمعاً مع الجزء الآخر، ورد الجزء الباقي مع أرش نقصان قيمته بالإنفراد، وذلك كما لو كانت قيمة فَرْدَيْهِ مجتمعين عشرة، وقيمة كل منهما منفرداً ثلاثة، فيعطى المالك خمسة عن الفرد التالف وإثنان أرش نقصان الفرد الباقي لانفرداه، فيكون المجموع سبعة مع رد الفرد الباقي.
هذا حكم ما إذا كان الفردان معاً تحت يده بغصب ونحوه فتلف أحدهما، وكذا حكم ما إذا كان أحد الفردين تحت يده دون الآخر فتلف، فإنه يضمن التالف بقيمته مجتمعاً، وهو خمسة حسب المثال السابق، وكذا يضمن النقص الوارد على الفرد الباقي رغم وجوده عند المالك، وهو إثنان من خمسة.
المقصد الرابع
في أبواب متفرقة
الباب الأول: في الوكالة
الباب الثاني: في الإقرار
الباب الثالث: في اليمين والنذر والعهد
الباب الرابع: في الكفارات
الباب الخامس: في الأطعمة والأشربة
تمهيد:
يشتمل هذا المقصد على بحوث في الوكالة، والإقرار، والأيمان وشبهها، والكفارات، والأطعمة والأشربة، أما الأوّلان فهما أقرب إلى موضوع هذا الجزء ـ وهو عوارض التملك ـ من غيرهما، من جهة أن أكثر ما يحتاج إليهما في عالم الأموال ومعاملاتها، وأما الأبواب الثلاثة الأخرى فهي تندرج في إطار شؤون الفرد الخاصة مما يرجع إلى عالم (الأحكام) لا العقود ولا الإيقاعات، بل إن المكلف فيها لا علاقة له بطرف آخر حتى يمكن إلحاقها ببعض ما سبق من المعاملات، على غرار أحكام الغصب وضمان التلف التي ألحقنا بابها بمقصد (مسؤولية اليد عن ما أخذت)؛ كذلك فإنه ليس لهذه الثلاثة جامع يجمعها حتى نفردها بمقصد مستقل، فكان لا بد من مقصد يجمع هذه الأبواب الخمسة على ما بينها من تباعد، فكان هذا المقصد بعنوانه الذي يشير إلى اختلافها.
الباب الأول
في الوكالة
المبحث الأول: في التعريف والعقد والمتعاقدين
المبحث الثاني: في ما يصح التوكيل فيه
المبحث الثالث: في كيفية قيام الوكيل بعمله
المبحث الأول: في التعريف والعقد والمتعاقدين
وتفصيل ذلك يقع في مطلبين:
المطلب الأول: في التعريف
وفيه مسائل:
مسألة 423: (الوكالة) ـ في اللغة ـ إسم على وزن (فعالة) بالفتح والكسر، وأصله من: (وَكَلَ) إليه الأمر وَكْلاً ووُكُولاً، أي: فوضه إليه واكتفى به. وفي الإصطلاح هي: (عقد يقتضي تفويض شخص لآخر القيام مقامه بإنجاز ما يصح قيام الغير به من عقد أو إيقاع أو عمل).
وكون الوكالة (عقداً) يجعلها متميزة عما يشبه الوكالة في الأثر، وهما (الإذن) و(النيابة)، أما الإذن فيتميز عن الوكالة بأمور:
الأول: إن الإذن إيقاع فلا يحتاج إلى قبول المأذون.
الثاني: لا يبطل الإذن برفضه من قبل المأذون، سواءً قَبْلَ العمل أو في الأثناء، ما لم يرفعه الآذن، أما الوكالة فإنها تنفسخ بفسخ الوكيل.
الثالث: عدم نفوذ تصرف المأذون إذا تبين رجوع الآذن عنه قبل وقوع العمل، فيما ينفذ عمل الوكيل إذا لم يبلغه عزل الموكِّل له قبل العمل.
الرابع: حيث لا يكون المأذون قائماً مقام الآذن فإنه غير ملزم بالآثار الواجبة للعمل المأذون به، في حين يجب ذلك على الوكيل، فمن أُذنَ له ببيع كتاب لغيره لم يجب عليه تسليم الكتاب بعد بيعه، بل له أن يحيله في التسلُّم على الآذن، وأما الوكيل فإنه ملزم بذلك لكونه بمنزلة الأصيل وقائماً مقامه، وهكذا ما يشبهه.
وأما النيابة فهي تتميز بأمرين:
الأول: إن النيابة ليست عقداً ولا إيقاعاً، بل هي حالة اعتبارية يكون عليها الشخص، وتخوله القيام بعمل معين لصالح شخص آخر، وذلك إما بتبرع من النائب؛ أو بجعل من المنوب عنه فيما له الحق في جعله، كنيابة الحاكم الشرعي عن المعصوم؛ أو كمتعلق لعقد أو شرط، والأول: كما لو استأجره للنيابة عن غيره في أمر معين، والثاني: كما لو اشترط عليه ذلك في عقد لازم أو جائز؛ في حين تقتصر الوكالة في وجودها على توافق الطرفين، فلا تتحقّق بالجعل من أحدهما مع عدم موافقة الآخر، كما هو حال بعض موارد النيابة، ولا تتحقّق بالتبرع من الفاعل دون موافقة الموكِّل وإنشائه.
الثاني: إن العمل الصادر من النائب لا يعدُّ عملاً للمنوب عنه، ولا يُنْسب إليه، فلا يقال: «حجَّ زيد» عند قيام نائبه بالحج عنه وإن برأت به ذمته؛ فيما يعدُّ فعلُ الوكيل فعلاً للموكِّل وتصح نسبته إليه، فيقال: «باع زيد داره» وإن كان المباشر للبيع وكيله.
هذا، وسوف يتبين المراد من سائر عناصر التعريف خلال حديثنا عن الشروط المعتبرة في الوكالة في المبحث الثاني من هذا الباب، فانظر المراد من قولنا في التعريف: «ما يصح قيام الغير به» في الشرط الثاني من (المسألة: 431)، وانظر المراد بقولنا: «من عقد أو إيقاع أو عمل» في (المسألة: 433).
المطلب الثاني: في العقد والمتعاقدين
وفيه مسائل:
مسألة 424: الوكالة من العقود، فلا بد فيها من الإيجاب والقبول بكل ما يدل عليهما من لفظ أو كتابة أو معاطاة، فلو دفع إلى شخص ماله بقصد أن يتوكل عنه في بيعه، فأخذه الآخر قاصداً التوكل عنه، تحقّقت به الوكالة.
وهي من العقود الجائزة من الطرفين، فللوكيل أن يعزل نفسه ويخرج من عهدة الوكالة ساعة يشاء، سواءً مع حضور الموكل وعلمه أو مع غيبته وجهله؛ وكذا يحق للموكِّل أن يعزله ـ أيضاً ـ بنفس النحو، لكنَّ فِعْليَّة الانعزال مشروطة بعلم الوكيل بها، فلو أنشأ عزله دون أن يبلغ الوكيل، وتصرف الوكيل خلال ذلك بالنحو الذي كان موكلاً به، صح ما وقع منه ولم يكن للموكِّل الرجوع فيه إن كان لازماً.
نعم، إذا اشترط أحدهما على الآخر عدم فسخ الوكالة دائماً أو إلى مدة معينة، وجب الوفاء بالشرط، فإن خالف الموكِّلُ الشرط ففسخ الوكالة، أو خالف الوكيلُ شرط الموكِّل فاعتزل العمل وفسخ الوكالة، أثم المخالف على كل حال، ولكن انفساخ الوكالة محل إشكال، فلا يترك الاحتياط بلزوم مراعاة آثار الانعزال وعدمه من قبل الطرفين. وهذا النحو من الاشتراط يصطلح عليه بــ(شرط الفعل)، وحكمه الذي تقدم لا يقتصر على الوكالة، بل يجري في كل عقد جائز اشتُرط عدم فسخه، سواءً ضمن عقد جائز أو لازم. غير أن ثمة نوعاً آخر من الاشتراط يصطلح عليه بــ (شرط النتيجة)، وذلك كما لو قالت المرأة: «زوجتك نفسي بشرط أن أكون وكيلة عنك في طلاق نفسي»، فإن الوكالة تكون لازمة إذا قبل الرجل.
مسألة 425: تنفسخ الوكالـة وتبطـل ـ إضافة لفسخها اختياراً من قبل أحدهما ـ بأمور:
الأول: بموت الوكيل أو الموكل؛ وكذا بموت أحد الوكيلين المنضمين (أنظر المسألة: 430).
الثاني: بغياب عقل أحدهما غياباً دائماً بالجنون أو الإغماء، وكذا لو كان الغياب لمدة طويلة تقدر بالأشهر والسنين؛ أما إذا كان أدوارياً، واقتصرت مدة غيابه على الأيام والأسابيع، فالأقوى عدم البطلان.
الثالث: بتلف موضوع المعاملة الموكَّل بها، كأنْ وكَّله بشراء كتاب فتلف، أو بتزوج امرأة فماتت. أما لو وكله بقبض دينه من شخص، أو مخاصمته عند الحاكم بحق له عنده، فمات المدين أو الخصم، بطلت الوكالة ما لم يكن قد نص على توكيله بقبضه من ورثته أو مخاصمتهم.
الرابع: بقيام الموكِّل بتصرف مخالف لمضمون الوكالة الخاصة، كأن يوكله ببيع داره فيوقفها الموكِّل أو يهبها؛ وكذا تبطل الوكالة بإنجاز الموكل ما وكله بفعله، كأن يوكله ببيع داره فيبيعها هو قبل أن يبيعها الوكيل، فإن حدث ذلك صحت معاملة الموكِّل ما دامت هي السابقة إضافة إلى بطلان الوكالة بها، أما إذا كان بيع الوكيل هو السابق فإنه يصح عمله وينفذ دون بيع الموكِّل، وينتهي بذلك دوره كوكيل خاص تلقائياً؛ ولو فرض أنهما قد أوقعا المعاملة في وقت واحد، بطلتا معاً، وبطلت بها وكالة الوكيل، ولزم الموكِّل إنشاءُ معاملة البيع مرة ثانية.
هذا إضافة إلى ما سنذكره من موارد بطلان الوكالة في مواضعها المناسبة، وذلك كبطلانها بعروض السفه على الموكِّل، وبمخالفة الوكيل مقتضيات مَوْقعه في المرافعة لصالح وكيله وانقلابه ضده. (أنظر المسألة: 440).
مسألة 426: لا تثبت الوكالة عند الاختلاف إلا بإقامة مدّعي الوكالة البيّنة على مدّعاه، فإن لم تكن له بينة كان القول للمنكر مع يمينه. نعم إذا تقدم شخص بدعوى على غيره مدّعياً وكالته عن المدعي دون أن تكون معه بيّنة على مدّعاه، وأحضر معه خصماً يُصدِّقه على ادعاء الوكالة، لزم الحاكم سماعُه والنظرُ في دعواه رغم عدم ثبوت وكالته عن المدعي، وذلك دون أن يثبت باستماع الحاكم له كونه وكيلاً عمن يدعي وكالته، ولا أن يحتـج به ـ فيما بعد ـ على الموكل لو أنكر توكيله؛ فإذا كانت نتيجة المرافعة ثبوت حق على المدّعى عليه لزمه أداؤه بعدما كان قد صدّق مدعي الوكالة وقبِلَ بمخاصمته، وأما إذا ثبت الحقُّ للمدعى عليه عند مدعي الوكالة، ومن خلاله عند موكِّله، رَجَعَ الأمر إلى (الموكِّل)، فإن صدّقه في وكالته لزمه الحكم الصادر لصالح المدّعى عليه، وإن لم يصدقه، وحلف على عدم توكيله له، مضى مدعي الوكالة ولا شيء عليه؛ ولكن رغم تَنْحية مدّعي الوكالة وسقوط ادعائه الوكالة عن (الموكِّل، ولْنُسمِّه: زيداً)، وهو الذي صدر الحكم عليه لصالح المدعى عليه، فإن القضية المتداعى بها تظل قائمة إذا أخذ زيد صفة المدعي بدلاً عن الوكيل المُنَحَّى، وكان عليه إثبات حقه بالبينة، فإن لم يقدم بيّنة على إثبات حقه عند المدعى عليه، والمفروض أن المدعى عليه كان قد أثبت عدمه بالبينة أو بالحلف، مضى المدّعى عليه دون أن يكون عليه شيء للمدعي.
مسألة 427: يعتبر في المتعاقدين أمور نذكرها كما يلي:
أولاً: يعتبر فيهما العقل والقصد والاختيار.
ثانياً: يعتبر في الموكِّل إذنُ الولي إذا كان صبياً مميِّزاً، فيما لا يعتبر ذلك في الوكيل بل يصح توكيل الصبي المميز بدون إذن وليه، وتنفذ تصرفاته وتصح في جميع ما وُكِّل فيه.
ثالثاً: يعتبر في الموكِّل عدم الحجر بسفه إذا كانت الوكالة في الماليات، فإذا وكَّل السفيهُ لم تصح الوكالة، بل ولا يصح تصرف الوكيل من قبله حتى لو وقع التصرف بعدما ارتفع سفه الموكِّل، ولزمه إنشاء وكالة جديدة. في حين تصح وكالة المحجور عليه لفلس في أمواله المحجور عليها لكن لا ينفذ تصرف الوكيل خلال فترة الحجر، فإذا زال صح تصرف الوكيل ونفذ.
أما الوكيل فلا يعتبر فيه عدم الحجر بفلس أو سفه ما دام الموكل غير محجور عليه، لاختصاص مانعيتهما بأموال المفلِّس والسفيه لا بأموال غيرهما.
رابعاً: يعتبر أن يكون الوكيل قادراً على مباشرة ما وَكِّل فيه، فلا يصح ـ بل يحرم ـ توكيل المُحْرم بما يَحرُمُ عليه فعله حال إحرامه، حتى لو كان التوكيل بلحاظ فعله بعد الإحلال من إحرامه، مثل توكيله بشراء الصيد أو قبض ما اشتراه منه أو إنشاء عقد النكاح، ومثل ما لو وكَّلَ الحائض بكنس المسجد عنه، ونحو ذلك.
مسألة 428: لا يشتـرط الإسـلام فـي الوكيـل، فيصح توكُّـل الكافـر ـ بل والمرتد عن فطرة ـ عن المسلم، بما في ذلك توكيله باستيفاء حق هذا المسلم من مسلم آخر، أو مخاصمته فيه.
مسألة 429: لا يعتبر التنجيز في الوكالة، بل يجوز تعليقها على أمر آخر، كأن يجعله وكيلاً إذا قدم زيد من السفر، أو إذا حل رأس الشهر؛ فضلاً عن أنه يجوز تعليق ما وكله القيام به، كأن يجعله وكيلاً في بيع داره إذا ارتفع سعرها، أو في الوقت الفلاني، فإنه يكون وكيلاً عنه ولكن لا ينفذ تصرفه إلا بتحقّق ما علقه عليه.
مسألة 430: يجوز أن يتوكل إثنان فصاعداً عن واحد في أمر واحد، فإن فُهم من كلام الموكل جعل كل منهما وكيلاً منفرداً عنه، ساغ لكل منهما أن يبادر إلى فعل ما وكَّله فيه دون مراجعة الآخر؛ وإن لم يُفهم ذلك منه، بل صَرَّح بالإنضمام أو أطلق التوكيل، كأن قال: «وكلتكما» لم يجز تصرف أحدهما دون موافقة الآخر أو مشاركته؛ ويترتب على ذلك أنه مع الإنفراد لا تبطل وكالة أحدهما بموت الآخر، فيما تبطل وكالته بموته مع الإطلاق أو التصريح بالانضمام. وكذا يجوز أن يتوكل شخص واحد عن اثنين أو أكثر في عمل واحد، كشراء شيء لهم على نحو الاشتراك، أو في أعمال مختلفة، وذلك ما عدا الترافع في مخاصمة، فإنه لا يصح أن يتوكل في قضية واحدة عن كلا المترافعين معاً، فيما يصح أن يتوكل في أكثر من قضية عن طرف واحد في كل قضية.
المبحث الثاني: في ما يصح التوكيل فيه
وفيه مسائل:
مسألة 431: يعتبر في العمل الذي تعلقت به الوكالة أمور:
الأول: أن يكون أمراً سائغاً شرعاً، فلا تصح الوكالة في المعاملات الفاسدة، كالبيع الربوي، أو بيع الوقف من دون مسوغ له، أو الطلاق الفاقد للشروط، أو نحو ذلك مما هو غير سائغ شرعاً، إما لحرمته أو لفساده.
الثاني: أن يكون العمل مما يصح قيام غيره به نيابة عنه، فلا تصح الوكالة فيما أناطت الشريعة تحقّقه بمباشرة المكلف له بنفسه، وذلك مثل الإقرار والشهادة وأداء اليمين واللعان، ونحوها، فإن لم يوجد نص شرعي على لزوم مباشرة المكلف له بنفسه، لُوحظ فيه عُرفُ المؤمنين المتدينين، ثم عُرفُ عامة الناس، فإن التزموا في أمرٍ بمباشرة المكلف له بنفسه وعدم توكيل الغير فيه لم تصح الوكالة فيه ـ حينئذ ـ أيضاً.
الثالث: أن يكون الموكَّل به واضحاً ومعيناً، ولو كان عاماً أو مطلقاً، فلا يصح أن يقول له: «وكلتك»، أو: «وكلتك في أمر من الأمور» دون أن تُعلم حدود الوكالة ومتعلقها، فيما يصح أن يوكله في جميع أموره، أو معاملاته، أو نحو ذلك من التوكيل العام، وكذا يصح أن يوكله في بيع داره كيف كان، فإن العموم أو الإطلاق نوع من التعيين ورافع للإبهام.
مسألة 432: لا يعتبر في الأمر الموكَّل فيه أن يكون متحقّق الموضوع حين الوكالة، فلو وكله في الإنفاق على امرأة بعدما تصير زوجة له، صحت الوكالة فيه رغم أنه لمَّا يتزوج بها بَعْدُ، ومثله ما لو وكله في شراء سيارة لم تصنع بعد، أو في بيع شيء لم يشتره، ونحو ذلك، وذلك دون فرق بين ما لو وكله في السبب والنتيجة معاً، كما لو وكله في التزويج والإنفاق على الزوجة، وبين ما لو وكله في النتيجة وحدها مع رجاء حصول السبب، كما لو وكله في بيع الدار التي سيشتريها، فإن الوكالة صحيحة في الموردين.
مسألة 433: إذا خلا متعلق الوكالة من موانع التوكيل التي ذكرناها في (المسألة: 431) صح التوكيل به، وقد سبق منا ذكر العديد من الموارد التي يصح التوكيل فيها في أبواب الفقه المختلفة التي عرضنا لها في هذا الجزء وفي الجزء الثاني، ولكن رغم ذلك فإنه لا بد من ذكر أمور جامعة، مع ذكر بعض الأمور التي قد لا نذكرها لاحقاً، مما ينفع ذكره هنا على كل حال، وذلك على النحو التالي:
أولاً: يصح التوكيل في جميع العقود، كالبيع والهبة والإجارة والصلح والعارية والوديعة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض والرهن والشركة والضمان والحوالة والكفالة والوكالة والنكاح، إيجاباً وقبولاً في الجميع. وكذا تصح الوكالة في الوصية والوقف والطلاق والإبراء والأخذ بالشفعة وإسقاطها وفسخ العقد في موارد ثبوت الخيار وإسقاطه.
ثانياً: يصح التوكيل فيما هو من توابع العقد ولوازمه، كقبض الثمن وإقباض المثمن، سواءً في المعاملات التي يجب فيها الإقباض، كما في القرض وبيع الصرف والسلف، أو في المعاملات التي لا يجب فيها ذلك، فإنَّ قَبْضَ الوكيل أو إقباضه في مثل هذه الموارد هو بمنزلة قبض الموكِّل وإقباضه، بل يترتب الأثر على فعل الوكيل حتى في حالة عجز الموكِّل عن القبض خارجاً.
ثالثاً: يصح التوكيل في الخصومة والمرافعة، وذلك بأن يعمد كل واحد من المترافعين إلى توكيل شخص واحد أو أكثر ليقوم مقامه في متابعة مجريات الدعوى؛ بل يكره لذوي المروءات أن يتولوا المنازعة والمرافعة بأنفسهم، وبخاصة إذا كان الطرف الآخر بذيء اللسان؛ فإنْ جَعَلَ أحدُهما وكيلاً عنه لم يكن لصاحبه الإمتناع عن الترافع معه.
مسألة 434: لا يصح استقلال الوكيل بتوكيل غيره للقيام بما وُكِّل فيه، لا عن الوكيل نفسه ولا عن الموكِّل، ما لم يكن بإذن الموكل، فإن أَذِنَ له وعَيَّن كونه وكيلاً عن الموكل أو عن الوكيل، أو فَوَّضَ الوكيل ليُعينه عن أحدهما فَعَيَّنه، مضى الثاني في وكالته بالنحو الذي حُدِّد له في الإذن، وكذا لو لم يُصرِّح بالتعيين بل فهم من كلام الموكِّل بالقرينة الحالية أو المقالية؛ وأما مع إجمال كلامه وإبهامه فإنه لا بد من الرجوع ـ لاحقاً ـ إلى الموكِّل كي يحدد كون الوكيل الثاني وكيلاً عنه أو عن الوكيل الأول.
ويظهر أثر تحديد كونه عن أيهما في أنه إذا كان وكيلاً ثانياً عن الموكِّل كان أمْرُ عَزْله وعدمُه في يد الموكل، إضافة إلى أنه يجري عليهما من حيث انفراد أحدهما بالعمل أو قيامهما معاً به ما سبق ذكره في (المسألة: 430)، وأما إذا كان وكيلاً عن الوكيل فإنه ينعزل ـ أيضاً ـ بعزل الموكِّل له مباشرة، وتبعاً لعزله الوكيل الأوَّل، كما أنه ينعزل بعزل الوكيل الأول له مباشرة، وتبعاً لاعتزاله أو موته.
مسألة 435: يجوز للولي على الصغير والمجنون والسفيه، وهو الأب أو الجد للأب أو الوصي من قبل أحدهما أو الحاكم الشرعي أو العدل من المؤمنين، يجوز لهم أن يوكلوا شخصاً غيرهم ليقوم عنهم بما ينبغي لهم القيام به من شؤون المولَّى عليه، كشراء حاجاته واستنماء أمواله ونحو ذلك من أموره؛ ومن ذلك ما لو حصلت منازعة بينه وبين غيره، فيصح من الولي أن يتخذ له وكيلاً ليدافع عن حقه أمامه.
مسألة 436: تنقسم الوكالة من حيث التصرفات المناطة بالوكيل إلى قسمين:
القسم الأول: الوكالة العامة، ويراد بها: (ما لو كان التصرف الموكَّل به وحده، أو متعلق ذلك التصرف وحده، أو كلٌ من التصرف ومتعلقه، عاماً لجميع أفراد عنوانه)، وذلك على وجوه ثلاثة:
الأول: ما كان التصرف فيها عاماً ومتعلقه عاماً، مثل ما لو قال له: «أنت وكيل عني بإجراء كل معاملة احتاجها في كل شأن من شؤوني»، فالتصرف هنا عام، وهو (المعاملة) الشاملة لجميع العقود والإيقاعات، ومتعلقه ـ أيضاً ـ عام، وهو: (ما تقع عليه) المعاملة من شؤونه، والشامل لمثل المرأة التي يريد تزوجها والدار التي يريد إجارتها والكتاب الذي يريد إعارته، والأرض التي يريد مزارعتها وغير ذلك من متعلقات معاملاته. ويمكن الإصطلاح على تسمية هذه الوكالة بـ (الوكالة العامة المحضة).
الثاني: ما كان التصرّف فيها عاماً ومتعلقه خاصاً، ونريد بـ (الخاص): (حصة خاصة من أفراد العنوان العام، فرداً واحداً منه أو أكثر)؛ وذلك مثل أن يقول له: «أنت وكيل عني بأن تتصرف بداري هذه بكل تصرف مناسب»، فيعم التصرف إعارتها وإجارتها ورهنها وحبسها وترميمها ونحو ذلك، فيما يكون محور هذه التصرفات ومتعلقها هو خصوص (هذه) الدار من بين أملاكه.
الثالث: ما كان التصرف فيها خاصاً والمتعلق عاماً، وذلك بأن يقول له: «أنت وكيل عني ببيع جميـع أملاكـي»، فالتصـرّف ـ هنـا ـ خاص بالبيـع، فيما متعلقه عام يشمل جميع أملاكه.
القسم الثاني: الوكالة الخاصة، وهي على عكس الوكالة العامة، ويراد بها: (ما كان أحد طرفي الموكَّل به فيها، أو كلاهما، خاصاً ببعض أفراد العنوان العام)، لكنَّ اختلاف الوجوه فيها يرجع إلى أن الفرد الخاص فيها تارة يكون معيناً ومحدداً وأخرى يكون مجملاً غير محدد، أي: (مطلقاً)، فهنا وجوه أربعة:
الأول: ما كان التصرف فيها ومتعلقه خاصّين معيّنين، وذلك كأن يقول له: «أنت وكيل عني ببيع داري هذه»، فالتصرف خاص معين وهو البيع، والمتعلق خاص معين وهو الدار.
ويمكن الاصطلاح عليها بـ (الوكالة الخاصة المحضة).
الثاني: ما كان التصرف فيها ومتعلقه مجملين؛ بحيث كانت رغبة الموكِّل غير معينة في فردٍ من أفراد العام، بل كان بحيث يكفيه إيقاع الوكيل لفرد واحد من أفراد التصرف والمتعلق مطلقاً، وذلك كأن يقول له: «أنت وكيلي في إنشاء أية معاملة تشاء على أية قطعة من أثاث داري»، فالمعاملة الموكل بها (خاصة) أي فرد من أفراد المعاملات، لكنها مطلقة، أي غير محددة ولا مسماة؛ وكذا حال قطعة الأثاث؛ فإذا بادر الوكيل إلى بيع الكرسي من أثاثه فإنه يكون قد أنجز ما عليه ووقع تصرفه صحيحاً.
ويمكن الاصطلاح على هذا الوجه من وجوه الوكالة الخاصة بـ (الوكالة المطلقة المحضة)، وذلك في قبال ما يكون فيه أحد طرفي الموكَّل به مطلقاً دون الآخر، وهما الوجهان الآتيان.
الثالث: ما كان التصرف فيها معيناً ومتعلقه مطلقاً، كأن يقول له: «أنت وكيلي في بيع أية قطعة من أثاث داري هذه».
الرابع: ما كان التصرف فيها مطلقاً ومتعلقه معيناً، وذلك كأن يقول له: «أنت وكيل عني في إجراء أية معاملة تريد على داري هذه».
المبحث الثالث: في كيفية قيام الوكيل بعمله
وفيه مسائل:
مسألة 437: يقتصر الوكيل في تصرفه على ما شمله عقد الوكالة صريحاً أو بمساعدة القرائن اللفظية أو الحالية، أو ما ابتنى عليه العقد ضمناً من الحدود التي جرت العادة عليها في بعض التصرفات، بحيث يكون تعارفُها وحضورُها في ذهن المتعاقدين مغنيين عن التصريح بها؛ فإن لم يبين له الموكِّل جميع التفاصيل المتعلقة ببعض التصرفات التي وكله بها، وكان لها إطلاقات تقف بها عند حد معين لزم الوكيلَ ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه، وسنذكر فيما يلي من مسائل بعض هذه الموارد.
مسألة 438: يختلف حال الوكيل في معاملةٍ ـ من حيث مدى الوكالة سعة وضيقاً ـ على نحوين:
الأول: أن يجعله وكيلاً في مجرد إجراء صيغة العقد؛ وحينئذ لا يحق له القيام بأي شيء آخر عداه.
الثاني: ما لو فوضه إجراء معاملة، كالبيع مثلاً، فتشمل عند إطلاقها الأمور الداخلة في مفهومها دون ما يعد من توابعها، ويكون حكمه فيها حكم المالك المباشر للعقد، فيَرجِعُ عليه البائع بالثمن ويدفع إليه المبيع، ويرجع عليه المشتري بالمثمن ويدفع إليه الثمن، ويثبت له الخيار عند تحقّق موجبه، أما توابعها، كالفسخ أو الإمضاء إذا كان له الخيار، أو أخذه للعين إذا ردها الطرف الآخر بالغبن أو العيب وإعطائه العوض، ونحو ذلك مما هو من توابع المعاملة، فإنْ نصَّ الموكِّلُ على توليه لها تولاَّها وإلا لم تدخل في ما وكله به بمجرد إطلاق المعاملة.
من جهة أخرى، فإن إطلاق توكيله بالبيع يقتضي ـ أيضـاً ـ أن يبيع بيعاً حالاًّ لا مؤجلاً، وبالثمن المتعارف، وبنقد البلد؛ وكذا الأمر في توكيله بالشراء، مع ملاحظة أن الشراء لا بد أن يكون بالثمن المتعارف أو الأنقص، وأن للوكيل أن يرد المعيب لصالح الموكِّل؛ كذلك فإن مقتضى الإطلاق أن يبيع ما وُكِّل في بيعه لنفسه أو لغيره، وهو بخلاف مالو وكلته امرأة في تزويجها، فإن الإطلاق لا يشمل تزويجها من نفسه إلا مع التصريح ولو من خلال عموم الإذن.
وهكذا يلاحظ في كل لفظ مفاد إطلاقه لغوياً، أو بمعونة القرائن الحالية أو المقالية أو العرفية.
مسألة 439: وظيفة الوكيـل في المرافعة عن المدعـي ـ عنـد إطلاقها ـ هي: السعي إلى إحكام الإدعاء على الخصم بإقامة البيّنة، وإثبات عدالة الشهود، وطلب إحلاف المنكر، وطلب إصدار الحكم عليه. ووظيفة الوكيل عن المدّعى عليه هي: إنكار المدّعى، والطعن على الشهود وإثبات موجبات الطعن إن كانوا غير أهل للشهادة، وطلب استماع الحاكم إلى بيّنة الطعن والحكم بموجبها. وباختصار: فإن وظيفة وكيل المدعي هي بذل جهده في إثبات المدعى، فيما وظيفة وكيل المدّعى عليه هي بذل الجهد في إنكار المدّعى. أما الحلف عن أحدهما، فقد سبق القول: «إنه ليس مقبولاً من الوكيل» لأنه من الأمور التي لا بد من مباشرة المكلف لها بنفسه. (أنظر المسألة: 431). كذلك فإنه ليس للوكيل أن يتصدّى خلال المرافعة لإجراء صلح عن الحق المكلف بالدفاع عنه، ولا أن يبرىء خصمه منه، ولا أن يقبض ما يُحكَم لموكله به، إلا أن ينص الموكِّل على توكيله به.
مسألة 440: لا بد لاستمرار وكالة الوكيل في المرافعة من كونه معتقداً بصحة وعدالة قضية موكله، فلو تغير حاله أثناء ذلك، فأقر بما ينافي قضية موكله لم يقبل إقراره، وانعزل عن الوكالة وحكم ببطلانها، وبقيت الخصومة بين المترافعين على ما هي عليه دون أن يقوى ـ بذلك ـ موقع أحدهما على الآخر؛ وذلك كأن يقر وكيل المدعي لمالٍ على غيره بقبض موكله لذلك المال، أو إبرائه منه، أو قبول حوالته له على غيره؛ أو بأن يقوم الوكيل بالطعن بالشهود الذين أحضروا للشهادة لصالح موكله، أو نحو ذلك مما ينافي موقعه كمدافع عن حق المدعي. أو كأن يقر وكيل المدّعى عليه بأحقية المدّعي بما يدعيه بما يشبه ما سبق ذكره في انقلاب وكيل المدعي. هذا، ولا فرق في بطلان الوكالة في هذا المورد بين ما لو كان إقراره في مجلس الحكم أو في غيره.
مسألة 441: لو وكله في استيفاء حق له على غيره، فطالبه الوكيل به فأنكره لم يكن للوكيل مخاصمته والمرافعة معه وتثبيت الحق عليه، إلا أن ينص الموكِّل على توكيله في المخاصمة.
مسألة 442: لو ادّعى منكر الدين ـ مثلاً ـ أثناء مرافعة وكيله ومدافعته عنه أداء الدين أو إبراء الدائن له منه انقلب المنكر مدعياً، وصارت وظيفة وكيله إقامة البيّنة على هذه الدعوى، وصارت وظيفة وكيل خصمه الذي صار منكراً بعد أن كان مدعياً الإنكار والطعن في الشهود وغير ذلك.
مسألة 443: إذا خالف عملُ الوكيل ما كان قد عينه له الموكِّل فحكمه على نحوين:
الأول: ما إذا كان مبايناً لمضمون الوكالة، كأن وكله ببيع الدار فأجرها أو وهبها أو نحو ذلك، فإن كان مما تجري فيه الفضولية، كالعقود، توقفت صحته على إجازة الموكِّل، فإن أجازه صح ونفذ وإلا بطل، وإن كان مما لا تجري فيه الفضولية كإبراء المدين أو طلاق الزوجة ونحوهما بطل تصرفه من أصله ولم ينفع فيه رضا الموكِّل، ولزمه إنشاء إيقاع جديد.
الثاني: ما إذا كان تصرفه المخالف غير مباين لمضمون الوكالة، بل لبعض خصوصياتها، كما لو طلب منه البيع نقداً فباع نسيئة، أو أن يبيع بخيار فباع بدونه، فإن صحة المعاملة تتوقّف ـ أيضاً ـ على إجازته لها ورضاه بها دون أن يضر ذلك بصحة وكالته واستمرارها. نعم يستثنى من ذلك ما لو كان ذكْرُ بعض الخصوصيات غير مقصود لذاته بل من باب أنه أحد أبرز أفراد العنوان، فلا تضر مخالفته ـ حينئذ ـ، وذلك كما لو طلب منه بيع ماشيته في سوق بعينه لا لخصوصية فيه بل لأنه الأبرز، ولأن هدفه الإسراع ببيعه وبالثمن المطلوب، ففي أي مكان تم ذلك يكون مقبولاً منه؛ ومثله ما لو طلب منه بيعه بمقدار معين فباعه بالأزيد، إذ إن المفهوم منه ـ عرفـاً ـ أن التعيين هو في مقابل النقيصة لا الزيادة.
مسألة 444: لا يجوز للوكيل أن ينتفع بالعين الموكَّل ببيعها أو إجارتها أو بغيرهما من المعاملات، انتفاعاً لا يضر بمضمون الوكالة بدون إذن الموكل، كأن يسكن الدار أو يلبس الثوب أو يركب الدابة؛ فلو فعل ذلك أثم ولم تبطل وكالته، وصح منه ما وُكِّل به ونَفَذَ، رغم صدور ذلك التصرف منه.
مسألة 445: يجب على الوكيل تسليم ما في يده من أموال الموكِّل إليه، وذلك بعد إنجاز مهمته، أو عند حلول الأجل إن عَيَّنا له أجلاً، أو حين طلب الموكِّل ذلك ولو قبل حلول الأجل في المؤجل. ولو اختلفا في الرد وعدمه كان القول قول الموكِّل مع يمينه إن لم تكن بيّنة للوكيل.
مسألة 446: الوكيل أمين على ما تحت يده من مال الموكِّل، فلا يضمن شيئاً منه إذا تلف عنده دون تفريط في حفظه ولا تعدٍ عمَّا رسمه له الموكِّل من حدود، فإن فرّط أو تعدى ضمن تلفه عنده ولو لم يكن بفعله، وذلك بالنحو المقرر في مباحث (ضمان التالف) المتقدمة، ومن موارد هذه المسألة ما لو وكله في إيداع شيء من أمواله عند غيره مع الإشهاد عليه، فأودعه دون أن يشهد عليه، أو وكله في قضاء دينه مع الإشهاد عليه فقضاه دون أن يشهد عليه، ونحو ذلك من موارد الإثبات بالإشهاد، فإن جحد صاحبُ الحق وصول حقه إليه، أو جحد الودعي وجود مالٍ عنده للمودع، كان الوكيل مقصراً ولزمه ضمانه للموكل أو عنه؛ وأما إذا لم يطلب منه الإشهاد صريحاً أو بالقرينة، ولم يكن الإشهاد مطلوباً منه ضمناً لجريان العادة به، فلا يضمن شيئاً عند جحود الطرف الآخر.
مسألة 447: يجوز أن يتقاضى الوكيل مالاً على قيامه بما وكِّل به وذلك بالنحو الذي يتفقان عليه، فإن لم يتفقا على وقت استحقاق الوكيل الجعل لم يكن له المطالبة به إلا بعد إنجاز العمل المطلوب، وليس للموكل الإمتناع عن دفعه إليه ـ حينئذ ـ ولو قبل تسلمه ماله منه.
مسألة 448: إذا اختلفا في التلف أو في تقصير الوكيل أو في صدور العزل من الموكل أو في علم الوكيل به بعد صدوره أو في كيفية التصرف، فالقول في جميع ذلك هو قول الوكيل مع يمينه. أما إذا ادّعى الوكيل صدور الإذن من الموكِّل ببيع السلعة بالثمن الذي بيعت به، وأنكر الموكِّل ذلك، كان الحلف على الموكِّل، فإذا حلف لزم الوكيل استرداد العين إن كانت موجودة، أو إعطاء مثلها أو قيمتها إن كانت متعذرة أو تالفة.
تتمة في مهنة المحاماة:
وفيها مسألتان:
مسألة 449: يجوز للمكلف دراسة القوانين الوضعية ولو كانت منافية لأحكام الفقه الإسلامي، وبخاصة إذا كان الهدف منها معرفة كيفية التعامل من خلالها مع غير المسلمين على شتى الصعد التي يحتاجها الفرد والأمة في علاقتهم بهم، أو رد شبهاتهم، أو الاستفادة مما لا يتنافى منها مع الأحكام الإسلامية، أو نحو ذلك من الأهداف النبيلة. وكنا قد ذكرنا سابقاً أنه لا يجوز تبني ما ينافي الإسلام منها ولا إصدار الأحكام القضائية المستوحاة منها. (أنظر في ذلك: فقرة «الثاني» من المسألة: 166 من الجزء الثاني).
مسألة 450: لما كان الهدف من مهنة المحاماة المستحدثة في زماننا هو المساعدة على معرفة القوانين التي يحتاجها المكلف في شتى أحواله، سواءً في إطار معاملاته العادية أو مرافعاته القضائية، فإنَّ منها ما لا يجوز القيام به، ومنها ما يجوز، ونكتفي هنا بذكر ما لا يجوز ليتبين منه ما يجوز على النحو التالي:
أولاً: لا يجوز تقديم النصح القانوني لمن يريد القيام بعمل مخالف للشرع الإسلامي من المسلمين، ولا لمن يريد اغتصاب حق غيره وظلمه، مسلماً كان أو غير مسلم، ولا لمن يريد مخالفة شيء من القوانين الموضوعة لحفظ النظام العام في دولة إسلامية أو غير إسلامية، وذلك كما في قوانين المحافظة على البيئة وتنظيم المرور والجوار والشؤون البلدية ونحوها.
ثانياً: لا يجوز أن يكون وكيلاً عن المسلم ولا عن غيره في إنجاز معاملات محرمة من المسلم، كبيع الخمر والخنزير والميتة والربا وإشادة صروح الكفر والغناء المحرم والبغاء والغصب ونحوها. (أنظر في ذلك، ص: 160 وما بعدها، من الجزء الثاني).
ثالثاً: لا يجوز أن يتوكل في الترافع في القضايا التي لا يكون فيها الموكِّل صاحب حق شرعاً، بل وفي القضايا التي له فيها حق إن لم ينحصر تحصيله بالتقاضي عند الجائر.
رابعاً: لا يجوز للمحامي أن يتوسل إلى نصرة موكِّله المحق بالوسائل المحرمة شرعاً، كالكذب والتزوير وشهادة الزور والرشوة ونحو ذلك، حتى لو توقف عليها تحصيل الحق؛ كما لا يجوز له القيام بذلك لدفع الأذى عنه وتخليصه من الظالم إلا مع وجود مفسدة أعظم وعجز المظلوم عن الدفع عن نفسه.
هذا، وحيث يجوز له العمل من خلال مهنة المحاماة هذه بالنحو الذي ذكرناه فإنه يجوز له أخذ الأجرة على عمله، سواءً كان بإزاء كونه وكيلاً أو أجيراً، أو مجعولاً له.
الباب الثاني
في الإقرار
المبحث الأول: في صيغة الإقرار وطبيعته
المبحث الثاني: في شروط المُقر والمُقَر له
المبحث الثالث: في المُقَر به
المبحث الأول: في صيغة الإقرار وطبيعته
وفيه مسائل:
مسألة 451: الإقرار هو: «إخبار المكلف عن حق ثابت عليه لغيره أو عن عُلْقة يترتب عليها ـ غالباً ـ حق عليه لغيره، أو إخباره عن نفي حق له على غيره، وذلك بنحو لا يُسمع منه الدعوى على خلافه، ويُقدَّم على جميع الحجج حتى البيّنة»؛ فالإخبار عن الحق مثل: أن يعترف بوجود دين عليه، أو بصدور الزنا أو السرقة منه، أو نحو ذلك، والإخبار عن العلقة مثل: أن يقر بزوجيته لفلانة فيترتب عليه الإنفاق عليها، أو نحو ذلك، والإخبار عن نفي الحق مثل: أن يقر بأن زيداً غير مدين له، أو عن نفي العلقة مثل: أن يقر بأن فلانة ليست زوجة له فيترتب عليه نفي حقه عليها بالاستمتاع، أو نحو ذلك، هذا وسوف نعرض لسائر عناصر التعريف لاحقاً. (أنظر المسألة: 457، وفقرة «الثاني» من المسألة: 465).
مسألة 452: الإقرار ليس عقداً، فلا يحتاج في نفوذه إلى قبول الآخر وتصديقه به، بل ينفذ ويترتب عليه الأثر من جانب المقر حتى مع عدم تصديق الآخر، وسيأتي بيان ماله علاقة بذلك لاحقاً. كذلك فإن الإقرار ليس إيقاعاً، لأن الإيقاع إحداث لأمر غير موجود، كالإبراء والطلاق ونحوهما، أما الإقرار فإنه إخبار عن أمر موجود وتأكيد له بحسب اعتقاد المقر.
مسألة 453: لا يرتبط الإقرار بحالة التنازع ولا المرافعة، فلا يُشترط في نفوذه صدورُه أمام الحاكم الشرعي، وذلك رغم أن الحاجة إليه كبيرة في تلك الحالة، فإذا أقر الخصم بما يُدّعى عليه به انحسم النزاع وارتفع التخاصم، وأغنى إقراره عن البيّنة، ولم تسمع منه الدعوى على خلافه. وكثيراً ما يكون الهدف من مبادرة المقر إلى الإقرار في غير حالة التنازع هو حرص المقر على إثبات حق الغير عنده وإبراء ذمته منه عند خفائه، إما حيث لا يعلمُ به غيرُه، أو حيث يَخْشى إنكار ورثته له، أو نحو ذلك من الأسباب والدوافع.
مسألة 454: لا يشترط في الإقرار صيغة خاصة، بل يكفي فيه كل ما يدل على ثبوت الحق عليه أو نفي حقه عن غيره؛ كما أنه لا يشترط أن تكون الألفاظ صريحة في إفادتها معناها، بل يكفي ظهورها في معانيها ولو بمساعدة القرائن الحالية والمقالية بالنحو الذي يرفع الغموض والإبهام؛ ومن ذلك كفاية الإعتراف باللازم في ثبوت الملزوم، فإذا ادّعى رجل على آخر مالاً، فقابله المدّعى عليه بادعاء الوفاء، كان ذلك إقراراً منه بثبوت مالٍ عليه للمدعي رغم أنه لم يقر به صريحاً. لكن لا بد في كفاية اللازم في الإقرار بالملزوم من كون إفادته للملزوم صريحة وحاسمة لا تحتمل التأويل، ففي مثل ما لو رأى في يد شخص كتاباً ـ مثلاً ـ، فطلب منه بيعه إياه، لم يكن طلب البيع إقراراً من الطالب بملكية المطلوب منه للكتاب (واقعاً) على قاعدة أنه لو لم يكن ملكه لما طلب منه بيعه إياه، وذلك لاحتمال أن يكون طلبه على قاعدة ملكيته الظاهرية له لكونه تحت يده؛ الأمر الذي يتيح له ـ لاحقـاً ـ التراجع عن إقراره وادعاء ملكيته للكتاب ومطالبته به. نعم لا يشترط في صحة الإقرار غير المباشر من خلال الملازمة عِلْمُ المقر بالملازمة والتفاته إليها، فلو نفى كلَّ سبب من أسباب تملكه للعين التي تحت يده واحداً بعد واحد كان ذلك إقراراً منه بعدم ملكيته لها بالملازمة، ولو مع جهله بها وغفلته عنها. هذا، وكما يتحقّق الإقرار باللفظ فإنه يتحقّق ـ أيضاً ـ بمثل الإشارة والكتابة من الأمور التي تدل على مضمونها دلالة واضحة.
مسألة 455: إذا كان لكلام المقر ظهور في معنى معين من خلال إطلاق الكلام أو القرائن الحالية أو المقالية المقترنة به، لم يُقبل منه صرفُ إقراره عن ظاهره إلا أن يَثْبُتَ أن هذا هو مراده من الأول؛ وذلك كما لو أقر شخص بأن لزيد في ذمته ألف دينار، وفُهم من ظاهر كلامه أن مراده به دينار بلد الإقرار، فإذا ادعى بعد ذلك بأن مراده دينار بلد آخر لم يقبل منه ذلك الإدعاء المخالف لظاهر إقراره، إلا أن يصدقه المقَرُّ له بإقراره بأن سبب الاستحقاق ـ مثلاً ـ هو عقد يتضمن النص على أن العملة المطلوبة منه هي عملة بلد آخر؛ ومثله ما لو ادعى المقر وجود قرينة صارفة لكلامه عن ظهوره، فإنه يعتد بهذه الدعوى إذا أثبتها، وإلا جرى إقراره على ظاهره.
مسألة 456: يعتبر في الإقرار الجزم بمضمونه، فلو اشتمل على الشك والترديد، بمثل قوله: «أظن أو احتمل أن لك علي كذا» لم يكن ذلك إقراراً.
مسألة 457: إذا تحقّق الإقـرار بشروطـه المعتبـرة ـ التي سنذكرهـا لاحقـاً ـ صار حجة في حق كل أحد، وهو من نوع الحجج الظاهرية التي لا تعتبر نافذة ومؤثرة لأثرها إلا مع احتمال صدقها، فلو عُلم كذب المقر لم يكن لإقراره أثر، مثله في ذلك مثل سائر الحجج، كالبيّنة واليد والأصل؛ ولكن ـ رغم ذلك ـ فإن الإقرار مقدم على غيره من الحجج عند معارضتها له، فمن أقر بدين عليه لزيد، ثم قامت البيّنة على عدمه، أخذ بإقراره ولم يُستمع إلى البيّنة، وهذا هو الإقرار بمعناه المصطلح الذي عقد من أجله هذا البحث، وذلك في قبال بعض الموارد التي لا ينفذ فيها إقرار المقر مع مخالفته لحجة أخرى، مما لا يعدّ إقراراً بالمعنى المصطلح، وهو ما كنّا أشرنا إليه في التعريف ووعدنا ببيانه فيما بعد، وهذا هو محل بيانه فنقول:
إن الإقرار المعقود له هذا الباب مختص بما يبتني قبوله على الإعتراف بحق على المقر أو نفي حق له على غيره، مع وعي المقر لما يترتب على اعترافه من أثر، وهو: ترك استجلاب النفع والعزم على حرمان النفس منه والالتزام ببذله للمُقَرّ له، ويكون في كاشفتيه عن الواقع على درجة من الحُجِّية لا يُقبل معها تراجعُه عنه، ولا تقبل البيِّنَة فيه على خلافه، وذلك مثل: الإقرار بالزوجية، وبالدين للغير، وبثبوت الخيار عليه أو حق الشفعة أو المرور عليه لشريكه أو جاره، أو نفي أن يكون له دين على غيره أو حقُّ خيار أو شفعة أو مرور، أو الإعتراف بزناً أو سرقة أو نحوهما من موجبات الحد أو التعزير أو الضمان للمال أو النفس، وما أشبه ذلك؛ وذلك في قبال موارد أخرى لا يشملها هذا التوصيف للإقرار بالمعنى المصطلح عليه، وإن عُبِّرَ عنها في لغة الفقه بالإقرار مراعاة لشبهها بموارد الإقرار المصطلح وانسياقاً مع المعنى اللغوي، وهذه الموارد كثيرة ومبثوثة في أبواب الفقه، نذكر منها ثلاثة:
الأول: ما يكون من الأموال النقدية أو العينية تحت يد الإنسان لغيره، بوقف أو إجارة أو حق شرعي أو عارية أو وديعة؛ فإذا أَقرَّ به قُبل منه وأُلزم بإقراره، إلا أن يكذبه المقر له فيقدم قوله على قول المقر، أو تقومَ البيّنة أو غيرها من الحجج على خلاف إقراره فتقدم الحجة عليه. وإنما اختلفت هذه عن موارد الإقرار المصطلح من حيث إن بذلها لا يتضرر منه المقر، فلا يتوفر في الإقرار بها من قوة الحجة ما يُفقد البينة اعتبارَها فيها.
الثاني: ما يكون من أفعال مَنْ له سلطةٌ على إنسان أو شيء، فإذا فعل شيئاً في نطاق سلطته وأخبر عنه، قبل منه، وسمي ذلك عند الفقهاء إقراراً، واستخرجوا منه قاعدة مفادها: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)، وذلك مثل: إخبار الأجير بتفريغ ذمة المنوب عنه من العمل المستأجر عليه، ومثل: إخبار الزوج بطلاق زوجته، والولي أو الوكيل بالقيام بالعمل المولَّى عليه أو الموكَّل فيه.
ولا يخفى اختلاف هذه الموارد عن موارد الإقرار المصطلح لخلوها من الإقرار بحقٍ عليه لغيره أو نفي حق له على غيره، ولإمكان رفع اليد عن مضمونها بقيام البينة المخالفة.
الثالث: موارد الإقرار بالنسب، فإنه حيث يُقبـلُ فـي بعض مـوارده ـ كما سيأتي في مباحث النكاح ـ يترتب عليه نفع للمقر ولغيره في باب التوارث، وهو على خلاف توصيفنا للإقرار المصطلح.
وهكذا سائر الموارد.
مسألة 458: إذا أقر بشيء لشخص كفى في نفوذ إقراره عدم تكذيبه من قبل المقرَّ له، فضلاً عما لو صدّقه، فإن كذبه ونفى أن يكون له شيء عند المقرِّ تعارض الإقراران وتساقطا، وحينئذ يمكنهما الرجوع إلى الحجـج الأخـرى ـ إن وجدت ـ لإثبات أحد الأمرين وتكون هي المعول عليها، إلا أن يَرجِعَ المُقَر له عن إنكاره في الموارد التي يقبل منه الرجوع فيها ـ كما سنبينـه في المسألة التالية ـ فيؤخذ بإقرار المقر ويؤثر أثره.
ومن جهة أخرى، فإنه لو فرض عند تساقط الإقرارين عدم وجود حجة أخرى في يد المقر لإقناع المقر له بأخذ ماله منـه لـزم المقـر ـ فيما بينه وبين الله تعالى ـ تفريغ ذمته من الدين وتخليص نفسه من العين بالإيصال إلى المالك، وإن كان بمثل دَسِّه في أمواله أو بما أشبهه مما يناسب المقام.
مسألة 459: إذا صدر منه الإقرار المصطلح ثم تراجع عنه لم يُقبَل منه تراجعه إلا أن يُثبت أن ذلك قد كان لخلل في شروط الإقرار، بأن ادّعى الإكراه أو الاضطرار أو الغلط أو نحو ذلك مما يعذر فيه المقر؛ أمّا إذا تراجع عنه تكذيباً لنفسه لم يقبل رجوعه عنه، ومنه ما إذا أقـر بالبيـع ـ أو بقبـض الثمـن ـ وأشهد على إقراره، ثم ادّعى أن إقراره شكلي، وأنه كان قد اتفق مع الطرف الآخر على ذلك من أجل تسهيل معاملة رسمية تعنيهما أو تعني أحدهما دون أن يكون لها تحقّق في الواقع؛ فإنَّ تعارُفَ ذلك بين الناس وكَثْرةَ وُقوعه لا يكفي في سماع مثل هذه الدعوى بعد رجوعها إلى تكذيب الإقرار، إلا أن تقوم البينة على تصديقة في مدعاه، أو يحلف المشتري على أنه أقبضه الثمن، وأن البائع غير صادق في ادعاء المواطاة ونفي ما أقرَّ به من قبض الثمن.
هذا إذا كان الإقرار موافقاً لما هو المصطلح، أي: كان من قوة الحجة بدرجة لا يقبل معها دعوىً على خلافه، أما إذا كان على خلاف ذلك، كأن أقر بأن هذا المال وديعة لزيد، أو أقر بإتيان الصلاة المستأجَر عليها نيابة عن المنوب عنه، ثم عدل عن إقراره، سُمع منه العدول ولو لم يُثبته، فضلاً عما لو أقام البينة على المعدول إليه.
المبحث الثاني: في شروط المُقر والمُقَر له
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في المُقِر
مسألة 460: يعتبر في المقر توفر أمور:
الأول: العقل، فلا يقبل الإقرار من السكران ولا من النائم ولا من المجنون المطبق ويقبل من الأدواري حال عقله.
الثاني: الرشد، فلا يقبل إقرار السفيه في الأموال، كأن يقر بمال في ذمته أو بأن المال الذي تحت يده هو لغيره، ويقبل في غيرها إذا لم يستلزم بذل مال، كأن يقر بالطلاق أو الخلع أو الزنا أو نحو ذلك، فإن كان المقَر به مستلزماً لبذل المال، كالإقرار بالزوجية أو بالسرقة، نفذ إقراره في السبب وثبتت به الزوجية والسرقة، ولم ينفذ في المُسَبَّب المالي فلا يُكلَّف بذلَ المهر ولا ضمانَ المسروق.
الثالث: القصد، فلا يقبل إقرار الساهي والهازل والغافل؛ وإذا رجع المقر عن إقراره مدّعياً عدم القصد، فإن أثبته قُبل منه وإلا لم يقبل.
الرابع: الاختيار، فلا يقبل الإقرار من المكره والمضطر، وإذا رجع المقر عن إقراره مدّعياً عدم الاختيار قُبل منه إذا أثبته وإلا لم يقبل. (أنظر في المراد من الضرر والحرج والاضطرار والإكراه: الجزء الأول، المسألة: 1183 وما بعدها، والجزء الثاني، ص: 446، فقرة «الثالث»).
الخامس: عدم الحجر عليه لفلس، فلا ينفذ إقرار المُفلِّس بماله الذي حجر عليه وينفذ فيما عداه من أمواله التي لم يشملها الحجر، كدار سكناه وأثاثه ونحوهما. وكذا ينفذ إقراره بالدين، أو بما يستلزم بذل مال، كالسرقة، ولكن المُقَر له لا يدخل مع الغرماء في المطالبة بماله، سواءً كان دَيْنه سابقاً على الحجر أو لاحقاً له، ما دام الإقرار بعد الحجر عليه.
مسألة 461: لا يشترط البلوغ في المُقِر، فيصح إقرار الصبي المميز إذا كان رشيداً في جميع ما يصح فيه إقرار البالغ. وكذا لا يشترط كونه في غير مرض الموت، فيصح إقرار المريض في مرض موته، كالصحيح.
المطلب الثاني: في المقر له
مسألة 462: لا يشترط شيء من شروط الأهلية في المقر له بالبداهة، فيصح الإقرار بحقٍ لكل إنسان كائناً من كان، بل يصح الإقرار لغير الإنسان، كالمسجد أو المشهد المشرف أو نحوهما من الأماكن والجهات التي يبذل لها، ويكون المقصود به الإخبار عن اشتغال ذمته لها بشيء من موقوفاتها، أو بمال منذور لها، أو موصىً به لمصالحها، أو ضماناً لما أتلفه من أثاثها وأجزائها، أو ما أشبه ذلك.
مسألة 463: لا يضر في نفوذ الإقرار جهالة المقر له وإبهامه، فلو قال: «في ذمتي دين لأحد وَلَدَيْ زيد» قُبِلَ إقراره وكان لهما إلزامه بالتعيين إن كان عالماً به، فمن عينه كان هو صاحب الحق دون الآخر، ثم إنْ صَدَّقه الآخر كان خيراً، وإن لم يصدقه كان له أن يخاصم المقر له بالنحو المناسب، فإن أقام البينة على أنه هو صاحب الحق أخذه منه، وإن لم تكن له بيّنة حلف المقر له على أنه هو صاحب الحق دون صاحبه؛ وإذا ادّعى المُقِرُّ جهلَه بصاحب الحق منهما وصدّقاه في ذلك لجآ إلى القرعة. هذا إذا كان الإبهام في عدد محصور، أما إذا كان في عدد غير محصور فهو من المال المجهول مالكه، فيتصدق به عنه بعد الاحتياط وجوباً باستئذان الحاكم الشرعي.
مسألة 464: إذا أقر بشيء لشخص ثم عدل عنه وأقر به لغيره، وذلك عن غير خطأ منه ولا نسيان، حكم به للأول، ولزمه أن يغرم قيمته للثاني.
المبحث الثالث: في المُقَر به
وفيه مسائل:
مسألة 465: يعتبر في المُقَر به أمران:
الأول: أن يكون مما يمكن تملكه أو القيام به لكلا الطرفين ليتأتى إلزامه به، وهو كل مال أو عمل أو حق، فلا يشمل ما لو كان المال مما لا يملكه المسلم، كالخمر، فلا ينفذ الإقرار به ولا بثمنه إلا إذا كان المقر والمقر له ذمِّييْن، كما لا يشمل ما لو كان العمل المُقَر بأجرته أو ثمنه حراماً، كالغناء والزنا ونشر البدع ونحوها، فلا ينفذ الإقرار بشيء منها إلا أن يكون الطرفان كافرين مستحلين لها.
الثاني: أن يكون المقر به أمراً يرهق المُقرَّ بَذْلُه وتؤذيه تبعته، كالإقرار بمال أو عين أو حق لغيره عليه، أو نفيه أن يكون له شيء منها على غيره، أو الاعتراف بما يوجب الحد أو التعزير كالزنا والسرقة؛ فلا يقبل الإقرار بشيء منها على غيره مما يعود نفعه لغيره، كأن يقر بأن لزيد في ذمة سعيد ألف دينار، أو بأنه قد زنى أو ما أشبه ذلك إلا من باب الشهادة إذا تمت شروطها، وهو أمر آخر كما لا يخفى؛ وكذا لا يقبل منه الإقرار بما يعود نفعه على نفسه إذا لم يصدقه الغير، كالإقرار بزوجية امرأة، فإن إقراره هذا لا يُلزم المرأة بتمكينه من نفسها إلا أن تصدقه في مدّعاه، فيما يجب عليه ترتيب الأثر على إقراره في الجوانب الأخرى، كحرمة تزوجه من أمها ـ مثلاً ـ ونحو ذلك. (أنظر المسألتين: 451، 457).
مسألة 466: لا يعتبر التعيين في جنس المقر به ولا في مقداره، فيصح الإقرار بشيء مبهم من حيث النوع والجنس، كأن يقر بأن لزيد عنده شيئاً من أثاث المنزل أو من الأدوات الكهربائية أو مالاً أو شيئاً أو نحو ذلك؛ فإن كان المقر عارفاً به وعينه بما يناسب المبهم لغة وعرفاً أُلزم به المُقَر له إن صدَّقه، وإلا كان له أن يخاصمه عند الحاكم الشرعي، فإن قدم المُقِر بيّنة يثبت فيها نوع ما أقر به أُلزم بها المُقر له، وإلا كان للمقر له أن يحلفه، ويُلزَم بما حلف عليه. وأما إذا كان المقر غير عارف به لزمهما أن يتصالحا عليه مع الإمكان، وإلا اقترعا.
مسألة 467: إذا أقر بشيء ثم عقَّبه بما يضادُّه وينافيه، بأن قال: «لزيد عليَّ عشرة، لا بل تسعـة» سـواءً كان ذلك في كـلام واحـد ـ كما فـي المثال ـ أو في كلامين منفصلين، فإن ادعى أنَّ إقراره الأول كان عن خطأ أو نسيان أو نحوهما وأثبته قُبِلَ منه إقراره الثاني، وإلا ألزم بإقراره الأول.
مسألة 468: إذا أقر بنوع من النقد أو الوزن أو الكيل، وكان مما يختلف العرف أو البلدان في تقديره، أخذ بما هو المتعارف في بلد الإقرار إذا كانت هي بلد المقر والمقر له، واتحد فيها العرف، وإلا فمع اختلاف العرف في البلد الواحد أو البلدان المتعددة، ولم يكونوا من بلد واحد، لزم الرجوع إلى المقر في تفسير مراده، فإن صدَّقه المقر له ألزم به، وإن لم يصدقه خاصمه عند الحاكم الشرعي بالنحو المناسب.
مسألة 469: إذا أقر بما هو مردد بين الأقل والأكثر لم يكن للمُقر له مطالبتُه بغير الأقل؛ وإذا أقر بدين مؤجل لم يكن له مطالبته بالدين قبل الأجل؛ هذا إذا صدّقه المقر له في الموردين، وإلا خاصمه في كونه أكثر وفي كونه حالاًّ، وجريا في خصومتهما طبقاً لموازين القضاء.
مسألة 470: إذا أقر بانتساب شخص آخر له، ولداً أو أخاً أو عمّاً أو نحو ذلك، نفذ إقراره مع احتمال صدقه في جميع ما يترتب على المقر تجاه المقر له، من وجوب النفقة وحرمة النكاح وإشراكه في المال الذي ورثه إذا كان ممن يرث معه. أما ثبوت النسب به وعدمه فأنظر فيه (المسألة: 800 وما بعدها).
الباب الثالث
في اليمين والنذر والعهد
المبحث الأول: في التعريف والصيغة والأقسام
المبحث الثاني: في شروط الحالف والناذر والمعاهد
المبحث الثالث: في متعلق اليمين والنذر والعهد
المبحث الرابع: في أحكام الوفاء والحنث
تمهيد:
تَشغَلُ العقيدة من قلب المؤمن مكاناً رحباً وتقع فيه موقعاً عميقاً، وبخاصة إيمانُه بالله تعالى وإجلاله له وتعظيمه إياه، ويظل المؤمن حريصاً على هذا الإجلال حتى لو كان في سلوكه مجافياً لما فرضه ـ عـز وجل ـ عليه ومخالفاً له، فلا يفعل ـ غالباً ـ ما يعد تجرؤاً صارخاً وخروجاً على مقام القداسة والعظمة مهما كان الحال. ونظراً لذلك فإن المؤمن قد رغب في ربط بعض أعماله التي يريد أن يُلزم نفسه بها إلزاماً شديداً بالله تعالى كي لا يسهل عليه التحلل منها والخروج عليها؛ فوُجد في المجتمعات المتدينة منذ القدم ظاهرة (اليمين) و(النذر) كتجسيد لهذه الرغبة، واستفاد منها المؤمنون في علاقاتهم فاستخدموا اليمين في آدابهم ولياقاتهم، وهي المعروفة بـ (يمين المناشدة) كما سنبينه لاحقاً، واستخدموها في مرافعاتهم القضائية وأمورهم العادية تأكيداً على صدق أقوالهم؛ وجميع ذلك ظاهرة حسنة وسنة نافعة. فأيدها الإسلام وشرّع لها وعظّم شأنها موجباً الكفارة على مخالفتها والحنث بها، كما أن الفقهاء المسلمين ذكروا مع اليمين والنذر ما يصطلح عليه بـ (العهد)، لاشتراكه معهما في ذلك الجامع. هذا، ولا يقتصر الاشتراك بين هذه الثلاثة على ما ذكرناه جامعاً لها، بل هي تشتـرك ـ إضافـة إلـى ذلك ـ بالكثير من الأحكام رغم اختلافها في الهدف والصيغة والأقسام وبعض الأحكام، الأمر الذي يستدعي جَمْعَها بالبيان في أربعة مباحث، على النحو التالي:
المبحث الأول: في التعريف والصيغة والأقسام
وتفصيله يقع في مطالب ثلاثة:
المطلب الأول: في تعريف اليمين وصيغته وأقسامه
وفيه مسائل:
مسألة 471: اليمين: (صيغة تتضمن القسم بالله تعالى تأكيداً على صدق الإخبار بوقوع شيء أو عدم وقوعه، أو على العزم على ترك شيء أو فعله من قبل الغير أو النفس). والهدف منه هو: إشهاد الله تعالى شأنه على صدق المتحدث فيما يخبر عنه، أو إشهاده تعالى على صحة عزم الحالف على فعل شيء أو تركه، أو جعله تعالى وسيطاً وشفيعاً في حث المطلوب منه على فعل شيء أو تركه. وكما يقال له «اليمين» فإنه يقال له: «القسم» و«الحلف» و«الإيلاء». هذا، وسوف تتبين عناصر التعريف فيما يلي من مسائل.
مسألة 472: لا تنعقد اليمين إلا بصيغة يتوفر فيها عنصران:
الأول: أن تتضمن الصيغة كلمةَ (القسم) أو ما يرادفها من الكلمات، أو ما يقوم مقامها من الأحرف المجعولة لذلك، وذلك بنحو يفيد إنشاءه من قبل الحالف، سواءً في ذلك الإسم أو الفعل، وسواءً الفعل الماضي أو المضارع، إضافة إلى الحرف؛ فيصح أن تقول: «أُقْسمُ» أو: «أقْسَمْت» أو: «قسماً»، ومثل: (حلفت) أو (آليت) وما يشتق منهما، ومثل: «بالله» ونحوها من حروف القسم وأسمائه، وهي: التاء والواو ـ إضافة إلى الباء ـ من الحروف، ومثل: «أيْمُ الله» و«أيْمُنُ الله» من الأسماء.
الثاني: أن يكون المحلوف به هو الله تعالى دون غيره من المقدسات وأهل المقامات العظيمة من الإنس والملائكة. فيصح القسم وينعقد بكل إسم من أسماء الله تعالى، كالله والإله والرب ونحوها، وكذا بكل صفة من صفاته الخاصة مثل: القيوم وفالق الحب وبارىء النسمة، أو المشتركة التي تنصرف إليه تعالى: مثل الخالق والرحمن والرحيم ونحوها، بل ويصح بما لا ينصرف إليه تعالى من الصفات إذا قصده بها، كالسميع والبصير ونحوهما؛ وكذا ينعقد بمثل قوله: «لعمرو الله» أو «بحق الله» إذا كان القصد منهما ذات الله تعالى. فيما لا ينعقد الحلف بغير الله تعالى، كالحلف بالقرآن الكريم أو الكعبة الشريفة، أو الحلف بنبي أو وصي أو ملك مقرَّب، نعم ينبغي ترك الحلف بها مع قصد عدم الوفاء، تنزيهاً لمقام المقدس عن الإمتهان؛ وكذا لا ينعقد بالحلف بما لَهُ حرمتُه عند الحالف، كالحلف بولده الوحيد أو بشرفه أو بغير ذلك مما هو متداول على ألسنة الناس. وبناءً عليه، فإنه لا تنعقد اليمين بواحد من ذينك العنصرين دون الآخر، فكما لا تنعقد بلفظ أقسم دون إضافة إسم الله تعالى إليه واقترانه به، فإنها لا تنعقد ـ أيضاً ـ بلفظ إسم الله تعالى مجرداً عن ما يدل على القسم به تعالى.
كذلك فإن اليمين كما تنعقد باللغة العربية بالنحو الذي ذكرناه فإنها تنعقد ـ أيضاً ـ بغير العربية من اللغات شرط توفر العنصرين المذكورين بما يناسب قواعد اللغة المحلوف بها.
مسألة 473: لا يعتبر من اليمين ما لو كان حلفه بصيغة البراءة من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو من دينه أو من الأئمة عليهم السلام أو غير ذلك مما يجب الإعتقاد به ولا يجوز التبرؤ منه من العقائد والمقدسات، وذلك كأن يقول: «أبرأ من الله تعالى إن فعلت كذا» أو: «إن تركت كذا»، فإن قال ذلك لم ينعقد يميناً، بل هو قول مُحرَّمٌ يأثم قائله، وعليه ـ استحباباً ـ كفارةٌ إطعام عشرة مساكين إن حنث بيمين البراءة من الله تعالى ورسوله، دون ما لو كان بالبراءة من الأئمة عليه السلام فحنث به. وكما يأثم بيمين (العقـد) بالبـراءة، فإنـه يأثـم ـ أيضـاً ـ بالحلف بالبراءة على صدقه في الإخبار بوقوع أمر أو عدم وقوعه، دون فرق بين ما لو كان صادقاً في خبره أو كاذباً، وهي التي يقال لها يمين (التحقّق). (أنظر في المراد بــ «يمين العقد» و«يمين التحقّق» المسألة: 475).
مسألة 474: لا بد في انعقاد اليمين بما ذكرناه من كون الالتزام بالوفاء منجَّزاً ومطلقاً، فلا تنعقد اليمين إذا علقها على شيء آخر، كعودة زيد من السفر أو رضاه به أو إذا شفي ولده، بل لا يصح تعليق اليمين على مشيئة الله تعالى بنحو يكون التزامه بما أقسم عليه دائراً في وجوده وعدمه مدار تحقّق الشرط وعدم تحقّقه، نعم إذا علق الوفاء بيمينه على مشيئة الله تعالى من باب التبرك، وعلى أساس ربط أعماله به تعالى وإحالة كل شيء إليه مع توفر قصد جدي للوفاء بيمينه، انعقدت يمينه ولزمه الوفاء بها.
مسألة 475: تنقسم اليمين المشروعة إلى قسمين:
الأول: يمين التحقّق، وهي: (اليمين التي تقع لتأكيد الإخبار بوقوع شيء أو نفيه في الماضي أو الحاضر، أو لتأكيد حدوثه أو عدم حدوثه في المستقبل).
واليمين الصادقة مكروهة، إذ يحسن بالمؤمن أن لا يجعل الله تعالى عرضة لأيمانه ومضغة في لسانه، إلا ما يكون منها في مقام الموعظة كأسلوب بلاغي يراد به زيادة التأكيد عند ذكر الحقائق الدينية مجاراة للقرآن الكريم وأحاديث المعصومين عليهم السلام في ذلك، وإلا ما يكون منها لغرض راجح لا يتأدى إلا بالحلف، كدفع التهمة عن نفسه أو عن غيره من المؤمنين، أو لدفع مظلمة عن نفسه أو عن غيره كذلك، أو لتحصيل حق لا يتهاون العقلاء بمثله في الأهمية والخطر، أو لنحو ذلك من الأغراض الراجحة في الدين والدنيا.
أما اليمين الكاذبة فهي محرمة، بل هي من كبائر الذنوب، وتسمى (اليمين الغموس) أو: الفاجرة إذا كانت في مقام فصل الدعوى؛ ويجوز منهـا ـ بل قد يجب ـ ما كان لدفع الظلم عن نفسه أو غيره من المؤمنين إذا توقف عليه الدفع، وكان الظلم على درجة يهتم العقلاء بدفعه عن أنفسهم وعن غيرهم، فلا يشمل مثل ظلمه بمال يسير أو بلطمة خفيفة أو خدشة طفيفة. ورغم أن اليمين الكاذبة محرمة فإنه لا كفارة عليها.
وهذا القسم من اليمين (أي: يمين التحقّق) هو الذي يُطلب من المدّعى عليه في المنازعات عند عدم البيّنة لنفي حق المدعي، أو يطلب من المدعي لإثبات حقه عند امتناع المدّعى عليه من الحلف على نفيه؛ وهو أمر موكول إلى مباحث القضاء.
الثاني: يمين العَقْد، وهي: (ما تقع لتأكيد عزم الحالف على إلزام نفسه بفعل شيء أو تركه)، ولعله من أجل ذلك سميت (عقداً) من قولهم: «عقد عزمه على كذا» بمعنى: القصد المؤكد والوثيق؛ وهذا القسم هو محل البحث وعليه مدار مسائله، من وجوب الوفاء به وحرمة الحنث به ووجوب الكفارة على مخالفته وغير ذلك من الأحكام التي سيأتي تفصيلها والتي يشترك فيها مع النذر والعهد.
وإنما قلنا في تعريف هذا القسم: «... على إلزام نفسه.. إلخ» لإخراج ما يسمى بـ (يمين المناشدة)، وهي التي تقع لتأكيد عزم الحالف على إلزام غيره بفعل شيء أو تركه، كأن تقول عند دعوة الغير إلى طعامك: «والله لتأكلن من طعامي»، وذلك بهدف حثه على إجابة دعوتك وإظهار إصرارك عليه؛ فهي وإن كانت من أفراد يمين العقد ومصاديقها لكن لا يجب على الغير الالتزام بها، ولا يأثم الحالف بها، ولا تلزمه الكفارة إذا لم يستجب له المحلوف عليه، بل هو من عبارات المجاملة التي لا بأس باستعمالها في الآداب واللياقات الاجتماعية. ومنه ما لو حلف الولي على القيام بأمر يتعلق بالمولَّى عليه في أمور لا ولاية له عليه فيها، كأن حلف على تزويج إبنه البالغ الرشيد، أو نحو ذلك من الأمور، فإن اليمين لا تنعقد، نعم يصح منه الحلف في مثل هذه الحالة قبل أهليته بالبلوغ والرشد إذا كان في ذلك مصلحة له، فإذا بلغ رشيداً ولم يكن قد زوَّجه انحلت يمينه، ولم يكن عليه ـ ولا على ولده ـ إثم ولا كفارة إذا خالفاه.
المطلب الثاني: في تعريف النذر وصيغته وأقسامه
وفيه مسائل:
مسألة 476: (النَذْرُ) لغة: الوعد بخير أو شر، مع الشرط وبدونه. وأصله يدل على التخويف، ومنه (الإنذار)، أي: إخبار فيه تخويف؛ و(النذير) هو: المخبر بالخبر المخيف.
والنذر في الفقه هو: (صيغة يلتزم فيها الناذر بترك شيء أو فعله، لله تعالى)، فلا ينعقد بالنية المجردة عن اللفظ؛ كما أنه لا يشترط في الصيغة لفظ خاص، بل تصح بكل ما يفيد جعل فعلٍ أو تركٍ على ذمته لله تعالى إذا توفر فيها أمران:
الأول: جعل العمل على النفس لا على الغير، فلو جعله على غيره بمثل قوله: «لله على ولدي زيد أن يزور البيت الحرام إذا شفي من مرضه» كان لغواً لا يُلزِمُ الناذرَ ولا المنذورَ عنه بشيء، إلا أن يكون على من له الولاية عليه وبالنحو الذي تقدم في اليمين. (أنظر آخر فقرة «الثاني» من المسألة السابقة).
الثاني: أن يكون التزامه لله تعالى، فلو خلت الصيغة منه فاقتصر على قوله: «نذر علي أن أفعل كذا) كان لغواً لا يُلزمه بشيء؛ وكذا لا يجب الوفاء بما لو نذر لغير الله تعالى من الأنبياء والأوصياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، كما لو قال: «لك عليّ يا رسول الله أن أصلي ركعتين شكراً لله تعالى إذا تركت التدخين»، أو نحو ذلك.
فالصيغة المطلوبة في انعقاد النذر هي التي تشتمل على ذينك الأمرين، ويكفي فيها أن يقول: «لله عليّ صلاة ركعتين إن وصلت سالماً»، باللغة العربية أو بغيرها ولو لمن يحسن العربية، وباللهجة الفصحى أو العامية من العربية، وبأية طريقة رَكَّبَ بها الصيغة. بل يتحقّق النذر بما لو زاد على تلك الصيغة كلمة (نذر) ومشتقاتها، كأن يقول: «نذرت لله تعالى... إلخ»، أو: «نذر لله عليّ...»، أو ما أشبه ذلك.
مسألة 477: لا يشترط في الصيغة ذكر لفظ الجلالة بخاصة، بل يصح بكل ما دل عليه من الأسماء والصفات الخاصة به، أو المشتركة إذا قصد بها الله تعالى.
مسألة 478: الأصل في النذر أن يكون الوفاء بالمنذور معلقاً ومشروطاً بحدوث أمر معين، وذلـك علـى خـلاف اليميـن، لكنـه يصـح ـ أيضاً ـ إذا كان منجزاً ومطلقاً، ويسمى (نذر التبرع)، كأن يقول: «لله علي أن أصوم يوم الخميس» دون تعليقه على شيء، فإنه ينعقد ويجب الوفاء به، وحينئذٍ فإنه يفيد فائدة اليمين ويغني عنها، ويكون الفرق بينهما أن الحالف في اليمين يشهد الله تعالى على التزامه دون أن يقصد بنفس حلفه التوجه إلى الله تعالى وإن كان المحلوف عليه طاعة وعبادة، فيما يرتكز الالتزام من الناذر على التوجه بنفس التزامه ونذره إلى الله تعالى سواء كان المنذور عبادة أو غيرها، وبعبارة مختصرة: (نفس الحلف ليس طاعة فيما لا يكون النذر بذاته إلا طاعة).
مسألة 479: ينقسم النذر المعلـق ـ من حيث طبيعة الشرط الذي علق عليه ـ إلى قسمين:
الأول: نذر بِرٍ: وهو ما كان الهدف منه حث النفس ـ أو الغيـر ـ وبعثها إلى أعمال الخير والبر ولو من خلال ما يكون شكراً لله تعالى على ما وفق إليه من أعمال أو أفاض من نعم، فإن في نفس الشكر على ذلك ما يزيد النفس انبعاثاً إلى الخير؛ ولذا صح أن يكون بهذا اللحاظ على نحوين:
1 ـ نذر شكر لله تعالى على إيجاد الشرط، سواءً لنفسه أو لغيره، كأن يعلق نذر الصيام على شفائه أو شفاء ولده، أو على توفيقه لزيارة الإمام الحسين عليه السلام أو بناء بيته أو أداء فريضة الحج، أو غير ذلك من أمور الدين والدنيا من مصلحة حلت أو مفسدة اندفعت.
2 ـ نذر بعث لغيره من أجل فعل الخير، كأن يقول لولده: «إن حفظت القرآن الكريم فلله عليّ أن أبذل لك نفقة حجك»، ونحو ذلك مما يكون من قبيل الجائزة لفاعل الشرط على قيامه به.
أما مورد نذر البر بنَحوَيْه فهو ما إذا كان الشرط أمراً وجودياً أو عدمياً مرغوباً فيه للناذر، سواءً كان مِنْ فعله أو فعل غيره، ويعتبر أن يكون مما يَحسُن به تمنيه ويسوغ له طلبه من الله تعالى، إما لكونه طاعة لله تعالى، كفعل واجب أو مستحب أو ترك حرام أو مكروه، وإما لكونه انقياداً له تعالى بفعل ما يحتمل محبوبيته له وترك ما يحتمل مبغوضيته عنده، أما المباح المحض كالمشي والنوم ونحو ذلك فإن الظاهر فيه ـ أيضاً ـ جواز تعليق النذر عليه. وهنا لا بد من إلفات النظر إلى وجود فرق بين اشتراط النذر أو العهد وتعليقهما على المباح، وبين ما لو كان متعلق النذر أو العهد هو المباح، فالأول، وهو المذكور آنفاً، جائز، مثل أن يقول: «إن شربت الماء فللَّه عليّ أن أتصدق» والثاني غير سائغ، وهو مثل أن يقول: «إن شفيت من مرضي فللَّه عليّ أن أشرب الماء»، وهو الذي سيأتي بيانه في فقرة (الأول) من المسألة: 487.
فإن كان الشرط مما لا يحسن تمنيه، كما لو علق نذر الشكر على فعل الحرام أو المكروه أو ما يحتمل مبغوضيته، أو علقه على ترك الواجب أو المستحب أو ما يحتمل محبوبيته، أو علقه على ما فيه ضرر وأذى للإنسان أو غير الإنسان من الشرور والكوارث، لم ينعقد النذر، بل يأثم الناذر في بعض موارده، كمثل نذر الشكر على المعصية وعلى وقوع الأذى على المسلم.
الثاني: نذر الزجر، وهو ما يراد به ردع النفس عن فعل ما لا يحسن تمنيه، وذلك تشويقاً لها للطاعة وتزهيداً لها بالمعصية. ويكون إما: على ترك الواجب أو المستحب أو ما يحتمل أنه محبوب لله تعالى من كريم الأعمال، وإما: على فعل محرم أو مكروه أو ما يحتمل مبغوضيته من منافيات المروءة؛ وذلك كأن يقول: «لله عليّ أن أتصدق بألف دينار إن تركت الصلاة» قاصداً بذلك زجر نفسه عن ترك الصلاة، وهكذا سائر الموارد التي يجمعها كون الشرط من الأعمال الاختيارية للناذر. ولكن ينبغي الالتفات إلى أن هذه الموارد كما هي صالحة لأن تكون نذر بر زجراً للنفس عما لا يحبه الله تعالى فإنها صالحة ـ أيضاً ـ لأن تكون نذر شكر على المعصية، والمائز بينهما ـ حينئذ ـ هو القصد، فإذا قصد الناذر بها الشكر على المعصية أثم ولم ينعقد النذر.
مسألة 480: إذا علَّق النذر على أمر راجح ثم عرض عليه ما جعله مرجوحاً انحل النذر المعلق عليه.
مسألة 481: إذا تم النذر بالصيغة التي ذكرناها، وكان مستكملاً لسائر الشروط المعتبرة فيه مما سنذكره لاحقاً، انعقد ولزم الناذر الوفاء به وحرمت مخالفته ووجبت الكفارة على المخالفة، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث خاص لاحقاً.
المطلب الثالث: في تعريف العهد وصيغته وأقسامه
وفيه مسائل:
مسألة 482: العهد: (صيغة يعاهد فيها المؤمن ربه على الالتزام بفعل شيء أو تركه)؛ وهو أشبه باليمين في كونه لإشهاد الله تعالى على الالتزام بالعمل دون أن يكون بذاته طاعة لله تعالى، وإن اختلفا في كون الالتزام في العهد مرتكزاً ومُبرَزاً بلفظ عاهدت وما أشبهه، فيما الالتزام في اليمين مرتكز على القسم بالله تعالى، حتى كأن العهد نوع من الترقي في تشديد الالتزام من كون المؤمن معتمداً في اليمين على مجرد ذكر الإسم الأعظم إلى كونه في العهد ينشىء عقداً مع الله تعالى ليشهد على الالتزام ويحاسب عليه، فهو أوثق في الإرتباط وأعلى في الالتزام. أما ما يختلف به عن النذر فهو أن النذر بنفسه طاعة لله تعالى ولو لم يكن المنذور طاعة، فيما العهد بنفسه ليس طاعة حتى لو كان المعاهَد عليه طاعة، وهو نفس الفرق الذي سبق ذكره بين اليمين والنذر. (أنظر المسألة: 478).
مسألة 483: لا ينعقد العهد بمجرد النية، بل لا بد فيه من اللفظ، ويكفي فيه كل ما يدل على التعاهد مع الله تعالى شأنه، مثل أن يقول: «عاهدت الله على أن أفعل كذا» أو: «علي عهد الله...»، أو: «عاهدتك يا رب..»؛ وهو كما يصح بلفظ: (عاهدت) ومشتقاتها، وبلفظ إسم الجلالة، فإنه ينعقد بما يرادف لفظ العهد، كالعقد والميثاق والذمة، كأن يقول: «عليَّ ميثاق الله تعالى...»، أو: «عليَّ ذمة الله تعالى...»، أو: «عاقدتُ الله تعالى...»، ونحو ذلك؛ كما أنه يكفي فيه كل ما يدل على الذات المقدسة من الأسماء والصفات بالنحو الذي تقدم في اليمين والنذر. وكما يصح باللغة العربية الفصحى والعامية فإنه يصح بغير العربية حتى لمن يحسنها.
مسألة 484: العهد كالنذر في الإنعقاد مع الشرط وبدونه، فكما يصح قولك: «عاهدت الله على أن أصلي ركعتين شكراً لله تعالى» يصح قولك: «عاهدت الله على أن أصلي ركعتين إن شفي ولدي»؛ وحينئذ فإنه يمكن تقسيمه ـ كالنذر ـ إلى عهد منجز، وهو (عهد التطوع)، وإلى عهد معلق، وهو الذي ينقسم إلى عهد بر، شكراً لله أو بعثاً للغير نحو الخير، وإلى عهد زجر؛ كذلك فإنه يشترط في عهد البر أن يكون المعلق عليه مما يحسن تمنيه، وإلا لم ينعقد، تماماً كما مر في أقسام النذر. (أنظر المسألة: 479).
المبحث الثاني: في شروط الحالف والناذر والمعاهد
وهي أمور يشترك هؤلاء الثلاثة في معظمها، وهو ما نفصله في هذا المبحث على النحو التالي:
مسألة 485: لا يصح اليمين ولا النذر ولا العهد إلا ممن توفرت فيه أمور:
الأول: البلوغ، فلا ينعقد واحد من تلك الثلاث من غير البالغ حتى لو كان رشيداً ومميزاً ومأذوناً من قبل الولي.
الثاني: كمال العقل، فلا ينعقد شيء منها من المجنون المطبق ولا الأدواري حال جنونه، وكذا لا تنعقد من السفيه إذا تعلقت بشيء من أمواله، وإلا صحت منه حتى لو ترتب عليها عند الحنث بها بذل مال للكفارة، فيصح من السفيه أن ينذر أو يعاهد على الصوم والصلاة أو نحوهما من الأمور غير المالية دون أن يضر بذلك احتمال استلزامه لبذل مال بسبب الحنث ووجوب الكفارة عليه عند المخالفة.
الثالث: القصد، فلا ينعقد اليمين ولا النذر ولا العهد من الساهي والغالط والنائم والسكران، بل ولا ممن اشتد غضبه إلى حد سلبه القصد والإرادة الجدية، بحيث لو كان ذلك الإنسان في حالته المعتادة ما كان قد صدر منه اليمين أو النذر أو العهد البتة، أو كان قد صدر منه ولكن على نحو مختلف عما صدر عنه حال غضبه؛ كما لا تنعقد اليمين ممن يجري الحلفُ على لسانه بحكم العادة دون قصد جدي منه لذلك، وذلك على ما هو حال كثير من الناس.
الرابع: الاختيار، فلا تنعقد مع الإكراه ممن يتوعده على فعل ما يُؤذيه ويضره، ولا مع التحرج من مخالفة من يهمه استرضاؤه عند إصراره على أن يصدر منه واحد من تلك الأمور الثلاثة، كالأب والأم والزوجة ونحوهم ممن لا مفر له من إجابته والخضوع لرغبته في الظروف العصيبة والحرجة، وذلك بنحو لو لم يكن على تلـك الحالـة لما صدرت منه؛ نعم لا يضـر بالاختيـار مـا لو رغب الحالف ـ دون ضغط عليه ـ بمداراة من ذكرناهم تحبباً إليهم ومراعاة لمزاجهم، فحلف بملء إرادته بالنحو الـذي يرضيهـم، فإنـه ـ حينئـذ ـ يصح منه ويلزمه العمل به.
الخامس: عدم الحجر عليه لفلس إذا كان متعلق النذر أو العهد أو اليمين شيئاً من المال المحجور عليه، إلا أن يأذن له أصحاب الحق من الغرماء قبل صدورها منه، بل أو بعد صدورها.
السادس: إذن الأب والزوج، ويختلف الحكم فيه في الثلاثة على النحو التالي:
أولاً: لا يشترط في انعقاد يمين الولد إذن أبيه، ولا في انعقاد يمين الزوجة إذن زوجها، لكن يمين الولد يبطل وينحل إذا نهاه والده عنه إذا كان متعلقه من الأمور العادية، فضلاً عما لو كان من موارد الأوامر الإشفاقية التي ينطلق فيها نهي الأب من موقع إشفاقه على ولده مما يراه من مخاطر عليه. وكذا ينحل يمين الزوجة مع نهي الزوج إذا كان متعلقه من الأمور العادية، فضلاً عما لو كان منافياً لحقه الواجب عليها تجاهه.
ثانياً: لا يشترط في انعقاد النذر والعهد إذن الوالد لولده ولا الزوج لزوجته، بل يصحان منهما ويلزمان عليهما ولو مع نهيهما عنهما، إلا فيما ينهى عنه الأب ولده إشفاقاً، وينهى عنه الزوج زوجته لمنافاته لحقه الواجب عليها، فيبطلان حينئذ. نعم ما يكون من الزوجة قبل الزواج من عهد أو نذر منافياً لحق الزوج فهو غير مشمول لهذا الاستثناء، فلا ينحل بنهي الزوج عنه ويبقى لازماً عليها رغم ما فيه من منافاة لحقه؛ لكنه قد ينحل من غير جهة إذن الزوج وعدمه، وذلك كما لو لزم منه الوقوع في الحرج، أو صار متعلق النذر أو العهد ـ بعد زواجها ـ مرجوحاً.
هذا، ولا يقوم الجد للأب مقام الأب في حل ما عقده الولد منها في الموارد التي يسوغ له فيها حلُّها.
مسألة 486: لا يشترط الإسلام في الناذر والحالف والمعاهد، بل يصح اليمين والنذر والعهد ممن يؤمن بالله تعالى من أهل الكتاب وغيرهم، فإن خالفها حال كفره حنث وانحلت ولكن لا تجب عليه الكفارة، وإن بقي على وفائه بها حتى أسلم، لزمت ووجب عليه الاستمرار بالوفاء بها، فإذا خالفها حنث وانحلت ووجبت عليه الكفارة كغيره من المسلمين.
المبحث الثالث: في متعلق اليمين والنذر والعهد
ويراد به بحث ما يعتبر في الفعل أو الترك الذي التزمه الناذر والحالف والمعاهد، وهو الذي يقال له اختصاراً: «المتعلَّق»، أي: ما تعلق به النذر والحلف والعهد، وهو ما نفصله كما يلي:
مسألة 487: لا ينعقد اليمين وشبهه من النذر والعهد بدون التصريح بذكر المتعلق، فلو قال: «نذر لله عليّ» دون أن يذكر الفعل أو الترك الذي يريد الالتزام به كان نذره لغواً لا معنى له، كما وأنه لا تنعقد هذه الثلاثة بكل متعلق، بل لا بد فيه من توفر أمور:
الأول: أن يكون متعلقها من الأعمال والتروك الراجحة التي يحسن تمنيها لما في فعلها أو تركها من مصالح، سواءً كان رجحانها شرعياً، كفعل الواجب والمستحب وترك الحرام والمكروه، أو كان رجحانها عرفياً أو شخصياً، كما في الكثير من المباحات التي يستحسن العقلاء فعلها أو تركها لما تشتمل عليه من مصالح أو مفاسد دنيوية خبروها في تجاربهم، أو التي يترجح فعلها أو تركها لأسباب وظروف خاصة بشخص معين، ولو لم تكن كذلك عند العقلاء؛ فإن لم يكن راجحاً شرعاً ولا عرفاً، بل كان إما مرجوحاً لا ينبغي فعله أو تركه، وإما من المباحات المحضة التي يتساوى فيها الفعل والترك، كشرب الماء مع عدم الحاجة، لم ينعقد به يمين ولا نذر ولا عهد.
ولو فرض أن المتعلق صار مرجوحاً بعدما كان راجحاً بطل اليمين وشبهه حتى لو كانت مرجوحية ما كان راجحاً شرعاً ترجع إلى أمر دنيوي، فضلاً عما لو كان العكس، إذ إن انعقادها على ما هو راجح دنيوياً ينتقض ـ حتماً ـ بما لو طرأ عليه ما جعله مرجوحاً شرعاً.
الثاني: أن يكون متعلقها مقدوراً عليه حين وجوب الوفاء عليه لا حين إنشائها وعقدها، فلو نذر ما ليس مقدوراً له من الأول، كما لو نذر المُقْعَدُ أن يصلي من قيام، لم ينعقد نذره البتة، وكذا لو نذر ما يعتقد قدرته عليه فظهر عجزه عنه من الأول؛ وأما إذا كان قادراً ثم طرأ العجز، فإن كان وقت الوفاء موسعاً، أو لم يكن له وقت، وكانت قد ظهرت أمارات العجز خلال تلك المدة وجبت عليه المبادرة إلى الأداء ما دام قادراً، فإن فَرَّط عامداً حتى عجز عنه كان حانثاً ووجبت عليه الكفارة، وإلا فإن لم يكن مفرطاً في التأخير، أو كان قد فاجأه العجز على غير توقع، لم يأثم، ولزمه التريث، فإن تجددت القدرة بعد العجز خلال مدة الوفاء وجب الإتيان بما التزمه في نذره وشبهه، وإن استمر العجز بطل نذره أو شبهه ولم يكن عليه شيء إلا إذا كان المنذور صوماً، فالأحوط وجوباً أن يكفر عن كل يوم بمد من الطعام يدفعه لمسكين، أو يعطيه مدين ليصوم المسكين نيابة عنه إن رضي به.
وإذا كان المتعلق مقيداً فعجز المكلف عن القيد دون المقيد، فإن كان للقيد دخالة في أصل الالتزام ومقوماً لمتعلقه عرفاً، كما لو حلف أن يعتمر في رجب أو أن يزور الإمام الحسين عليه السلام في عرفة أو نحو ذلك، فعجز عن العمرة في رجب مع قدرته عليها في غيره من الأزمنة، إنحل يمينه بالعجز وسقط عنه، وإن لم يكن مقوماً للمتعلق عرفاً، كما لو حلف أن يزور المعصوم عليه السلام أو أن يحج بيت الله تعالى ماشياً، فالأحوط وجوباً عدم انحلال اليمين بالعجز عن المشي مع قدرته على القيام بالمحلوف عليه راكباً، ولو عجز عن المشي في بعض الطريق دون بعضها الآخر فالأحوط وجوباً أن يمشي حيث يقدر ويركب حيث يعجز؛ إلا أن يكون المشي بخصوصيته مقصوداً له لسبب أو لآخر، فلا يجب عليه الإتيان بالمنذور ـ حينئذ ـ مع العجز عنه.
الثالث: أن لا يكون المتعلق مبهماً، فلا ينعقد بمثل قوله: «نذر لله علي أن أقوم بعملٍ»، ويكفي في رفع الإبهام الاقتصار على ذكر الجنس أو النوع دون ذكر المقدار والوقت ونحوهما، كأن يقول: «والله لأتصدقن» أو: «... لأصلينّ صلاة مستحبة» أو نحو ذلك، فإن اقتصر عليه كفاه ـ عند الوفاء ـ فعلُ ما يحقق العنوان، فمن نذر ـ مثلاً ـ طاعة كفاه القيام بأي عمل يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى من صوم أو صلاة أو صدقة أو أمر بمعروف أو جهاد ومرابطة، ونحو ذلك، وإن نذر التصدق كفى دفع أي شيء مما يَصْدُقُ عليه إسم الصدقة، وإن نذر الصيام أو الصلاة المستحبة كفاه الاقتصار على صوم يومٍ واحدٍ وعلى صلاة مُفْردةِ الوَتْرِ من صلاة الليل، وهكذا. هذا إذا لم يكن قد قصد في ذهنه حين إنشاء الالتزام كيفية معينة أو مقداراً خاصاً، فإن تلفظ بالعنوان ـ كالصوم مثلاً ـ لكنه قصد في ذهنه أن يكون صوم ثلاثة أيام، لزمه الوفاء بما قصده رغم عدم تصريحه به.
مسألة 488: إذا تـردد المتعلــق ـ بسبـب الإجمـال أو النسيـان ـ بين الأقل والأكثر كفاه الأقل. وإذا تردد بين المتباينين، كأن لم يدر أنه نذر إطعام الفقراء أو كسوتهم، أو أنه نذر التصدق على الفقير أو قراءة مجلس عزاء، أو نحو ذلك، وجب فعلهما جميعاً، إلا أن يكون فيه ضرر مهم، أو عسر أو حرج، فيرجع إلى القرعة ويلزمه ما خرج فيها.
مسألة 489: إذا كان متعلق الالتزام معلقاً على شيء، ثم انكشف حدوث ذلك الشيء المعلق به قبل الالتزام لم ينعقد، فإذا حلف أن يصلي ركعتين إن قدم ولده من السفر، وبعد الحلف تبين قدومه قبله، انكشف بذلك عدم انعقاد اليمين من الأول، إلا أن تكون يمينه مطلقة من هذه الناحية فليزمه الإتيان بها حينئذ.
المبحث الرابع: في أحكام الوفاء والحنث
وفيه مسائل:
مسألة 490: إذا انعقد النذر وشبهه مستكملاً لشروطه المعتبرة فيه، ولم يطرأ عليه ما يوجب انحلاله، كان الوفاء به وحنثه على النحو التالي:
أولاً: إذا كان متعلق الالتزام في هذه الثلاثة هو من الأفعال لا من التروك، وكان منجزاً غير معلق، أو كان ـ في خصوص النذر والعهد ـ معلقاً على شرط وقد تحقّق ذلك الشرط، كان الوفاء به بالإتيان به في وقته الذي عيّنه له إن كان مؤقتاً، وبنفس الكيفية التي نص عليها أو قصدها في نفسه حين الالتزام؛ فإن لم يأت به في وقته حتى مضى، أو أتى به على غير الكيفية التي التزمها دون أن يعيده بما يوافقها حتى مضى الوقت، كان حانثاً، ولم ينفعه الإتيان به بعده إلا إذا وجب قضاؤه، كما سيأتي. ومما يعد من المؤقت ما لو كان له ـ بحسب طبيعته أو بالتعارف ـ مدى زمني تقريبي، بحيث يكون ما بعده خارجاً حتماً عن محط النظر، فيجب الوفاء به في داخل ذلك المدى، كالمؤقت، وذلك كما لو نذر التصدق على فلان اليتيم، فإن التصدق يجب أن يتم قبل بلوغ ذلك اليتيم سن التكليف رغم أنه لم يوقت الوفاء به، لأنه بالبلوغ يخرج عن عنوان اليتم الملحوظ في النذر؛ ومنه ـ أيضاً ـ ما لو قصد الإتيان به فوراً، فإن الوفاء به يكون بإتيانه في أول أزمنة الإمكان، والحنث بترك الإتيان به فيه.
وفي قبال هذا المؤقت ما لم يكن لمتعلقه وقت معين بالنحو الذي ذكرناه آنفاً، فإنَّ الوفاء به يمتد مع العمر، وساعة يشاء، والحنث بتركه حتى نهاية العمر، لكن لا يجوز له التأخير إلى حد يعدّ معه متساهلاً ومتهاوناً في أداء الواجب، إذ يعتبر عدم الوفاء به حينئذٍ معصية، رغم عدم كونه حانثاً به.
ثانياً: إذا كان متعلق الالتزام هو الترك في وقت محدد، أو في مدى زمني تقريبي يقتضيه التعارف أو طبيعة الشيء، كان الوفاء به بترك إيجاده البتة في ذلك الوقت، والحنثُ به بإيجاده ـ ولو مرة واحدة ـ فيه؛ فإن لم يكن مؤقتاً كان وفاؤه بتركه مدى العمر وحنثه بإيجاده ولو مرة على مدى العمر؛ سواءً ما كان من هذه الثلاثة منجزاً أو معلقاً وقد تحقّق شرطه.
مسألة 491: لا يتحقّق الحنث إلا بالمخالفة المتعمدة، فلو خالف ما التزمه بنذر أو عهد أو يمين نسياناً أو خطأ أو اضطراراً أو إكراهاً أو جهلاً يعذر فيه ـ كما لو حدث الجهل عن قصور أو عن اعتقاد خاطىء، بالحكـم أو الموضوع ـ لم يحنث به ووجب عليه الاستمرار عليه بالنحو الذي التزمه.
مسألة 492: إذا حنث عمداً وجبـت عليه الكفـارة، ووجب عليه ـ إضافة إليها ـ قضاء الصوم والصلاة إذا جعل لهما وقتاً ولم يأت بهما فيه بالنحو الذي حلف عليه أو نذره أو عاهد عليه، أما غير الصلاة والصوم من الأعمال التي يلتزمها ويحنث بها، كالصدقة وعيادة المريض والمرابطة ونحوها، فإنه لا يجب عليه قضاؤها إذا مضى وقتها ولم يأت بها؛ هذا، وكما يجب قضاء الصوم والصلاة عند تعمد المخالفة فإنه يجب ـ أيضاً ـ مع عدم الإتيان بهما في وقتهما لا عن عمد.
مسألة 493: تختلف الكفارة الواجبة عند الحنث على النحو التالي:
أولاً: كفارة مخالفة اليمين والنذر: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيام متتابعة.
ثانياً: كفارة مخالفة العهد مثل كفارة الإفطار عمداً في شهر رمضان، أي إنه يتخير بين عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً.
مسألة 494: إذا التزم ـ بنذر أو شبهه ـ التصدق بعين شخصية من بين أمواله، نقداً كانت أو عَروضاً، فحكم جواز التصرف فيها وعدمه يختلف في موردين:
الأول: ما يكون منها قبل لزوم الوفاء بها، فيجوز في هذا المورد أن يتصرف بالعين المنذورة ـ مثلاً ـ في حاجاته مع بقائها، بل يجوز التصرف بها بما يوجب إتلافها أو نقلها عن ملكه إلا أن يعلم بتحقّق نذره فيما بعد، أو يكون نذره مشتملاً على ما يفيد الالتزام بإبقاء العين إلى أن يتبين له تحقّق المعلق عليه، فلا يجوز له التصرف فيها حينئذ؛ فإذا تصرف بها تصرفاً ناقلاً أو متلفاً حيث يجوز له ذلك كان حانثاً ولا كفارة عليه، وإن تصرف بها كذلك حيث لا يجوز، فإن كان تصرفاً ناقلاً وأمكن استرجاعها وجب ووفى بها، وإن لم يمكن استرجاعهـا ـ أو كان التصرّف متلفاً ـ كان حانثاً وعليه الكفارة.
الثاني: ما يكون منها بعد لزوم الوفاء بها، وذلك إما لأنه معلق وقد تحقّق شرطه أو لأنه نذر منجز قد لزم الوفاء به؛ وهنا ـ أيضاً ـ يجوز له التصرف فيها في حاجاته ـ ولو بدون ضرورة ـ مع بقاء العين، فيما لا يجوز له منها ما يوجب إتلاف العين المنذورة أو نقلها عن ملكه أو تبديلها بعين غيرها، فلو نقلها عن ملكه بطل النقل ووجب استرجاعها، وإن بدّلها بغيرها لم يغن البديل عنها ووجب استرجاع المبدل منه، فإن لم يمكن استرجاعها في هذين الفرضين، أو كان قد أتلفها عن عمد، كان حنثاً بنذره ولزمته الكفارة؛ وأما إن حدث شيء من ذلك بدون تعمد فينحل النذر ولا شيء عليه، كما أنه في حالتي تلفها أو إتلافها لا ضمان على الناذر.
مسألة 495: إذا كان متعلق النذر وشبهه هو التصدق على شخص معين لزم دفع المال إليه حتى لو أبرأه المنذور له منه، وإن كان لا يجب على المنذور له قبوله، فإن دفعه إليه فلم يقبله منه بطل النذر، وإذا عاد فقبله بعد امتناعه وجب دفعه إليه إذا كان النذر مطلقاً أو مؤقتاً ولم يخرج وقته بعد.
وإذا مات المنذور له قبل تحقّق النذر أو شبهه بطل النذر وانحل، وإذا مات بعد تحقّقه وقبل الوفاء به دفعه إلى وارثه تركة بينهم.
مسألة 496: إذا التزم بالنذر وشبهه دَفْعَ مبلغ من المال لمشهد مشرَّف أو مسجد أو نحوهما من الأماكن المشرفة أو الأماكن ذات المنفعة العامة، كالمبرات والمدارس والمستشفيات والمكتبات والحدائق والملاعب ونحوها، ولم يقصد الناذر جهة خاصة من جهات الصرف المتعلقة بشؤون ذلك المقام أو المكان، ولو لعدم وجود عرف يَحْصُر الصرفَ بجهة خاصة، وجب صرف المال بالدرجة الأولى في شؤون ذلك المكان ككيان له احتياجاته في إطار العنوان المنشأ لأجله، مثل عمارته وترميمه وصيانة تجهيزاته وتجديدها وإنارته وأجور العاملين فيه ونحو ذلك، فإن لم يكن بحاجة إلى شيء من ذلك، ولو مستقبلاً ليُدَّخر المال من أجله، جاز صرف المال في معونة زواره ممن قصرت نفقتهم وانقطع بهم الطريق أو معالجة المرضى منهم، أو نحو ذلك من الأمور الضرورية، ومن ذلك مساعدة تلامذة المدرسة المنذور لها أو المبرة، أو رواد المستشفى أو المكتبة العامة، وذلك لما في الصرف على زواره وتلامذته ورواده من تعزيز لحرمة ودور ذلك المكان المشرَّف أو المرفق الحيوي الهام. هذا، ولو كان المنذور متاعاً للمشهد، وكان مستغنياً عن عينه أو لم يمكن الاستفادة منه فيه، جاز بيعه وصرف ثمنه في مصالحه بالترتيب المذكور.
مسألة 497: إذا نذر مالاً للنبي w أو لبعض الأئمة الأطهار i أو لبعض أعاظم الماضين من العلماء والصالحين، فإن لم يكن قد قصد جهة صرف خاصة ولو لكونها متعارفة، وجب صرفه فيما يرجع إلى المنذور له من جهات الصرف، فيتخير بين صرفه على شؤون مقامه المختلفة، أو على نفقة المحتاجين من زواره، أو على إعلاء شأنه وإحياء ذكره بإقامة المجالس في ذكرى مولده ووفاته، ونشر علومه وفضائله، ونحو ذلك؛ وإذا لم يمكن إيصال المال إلى مقامه، أو كانت الجهة المشرفة على المقام غير مؤتمنة عليه، ولم يمكن صرفه عليه إلا من خلالها، وكانت قد استنفدت جوانب إحياء ذكره ونشر علومه وفضائله بحيث فضل عنها مال كثير، جاز التصدق بذلك المال على الفقراء عن ذلك المعصوم y أو الولي.
هذا، وينبغي الالتفات إلى أن بعض الناس قد ينذرون مالاً لنفس القفص الموضوع حول ضريح المعصوم عليه السلام لا إلى صاحب الضريح، فإنْ نَذَرَ كذلك كان باطلاً لا يجب الوفاء به، وبخاصة إذا كان المشرفون على المقام غير مؤتمنين عليه أو كانوا من حكام الجور الغاشمين.
مسألة 498: يستحسن الوفاء بما جعله الإنسان على نفسه من الخير من دون أن يضيفه إلى الله تعالى، كأن قال: «نذر عليّ.. أو عهد عليّ أن أفعل كذا»، وكذا يحسن الوفاء بما لو كان النذر أو العهد لغير الله تعالى، كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، فإنه وعد منه لهم بما هم عليه من رفعة المقام وعلو الشأن، بحيث يجدر منه الوفاء بوعده لهم كما لو كان قد واعدهم حال حياتهم رعايةً لعظيم حقهم عنده.
مسألة 499: إذا التزم المكلف بدفع شيء من ماله بنذر أو شبهه ولزمه الوفاء به فمات قبل الوفاء به، أخرج من ثلث الميت إن كان قد أوصى به، لا من أصل التركة.
مسألة 500: إذا التزم صوم شهر أجزأه صوم ما بين الهلالين من شهر قمري ولو كان تسعة وعشرين يوماً، إلا أن يشرع فيه أثناء الشهر، فإذا أتمه من الشهر الثاني وجب احتسابه ثلاثين يوماً. هذا إذا أطلق أو نص على كونه شهراً قمرياً، أما إذا نص على كونه شهراً شمسياً كفاه أي شهر منه ولو كان ناقصاً إذا شرع فيه من أوله.
مسألة 501: إذا التزم صوم سنة معينة استثنى منها يومي عيد الفطر والأضحى، فيفطر فيهما ولا قضاء عليه، أما إذا التزم صوم كل خميس فصادف بعضها أحد العيدين، أفطر فيه وعليه قضاؤه فيما بعد؛ وكما يصح الإفطار ـ بل يجب ـ لمصادفة يوم العيد لمن التزم صوم سنة معينة أو صوم يوم معين من كل أسبوع أو شهر، فإنه يجوز له الإفطار لغير ذلك من الأعذار، كالمرض والحيض والسفر، ويجب عليه ـ أيضاً ـ قضاؤه فيما بعد.
إلفات:
قد ذكرنا عدداً من أحكام الصوم الواجب بالنذر في مباحث الصوم من الجزء الأول من رسالتنا هذه (فقه الشريعة)، وهو كما يصلح مورداً لما وجب بالنذر فإنه يصلح مورداً لما وجب باليمين أو العهد، لذا فإننا قد اقتصرنا هنا على ذكر ما لم نذكره هناك من فروع الصوم الواجب بالنذر وشبهه. (أنظر من الجزء الأول المسائل: 948، 959، 960، 961، 962، 979، 996، 1005، 1006، 1009).
الباب الرابع
في الكفّارات
المبحث الأول: في موجبات الكفارة وخصالها
المبحث الثاني: في كيفية القيام بكل خصلة
تمهيد:
(الكَفَّارة) في اللغة: إسم من (فَعَّالة) من صيغ المبالغة، تجمع على: كفارات، جمع مؤنث سالماً، وهي في الشرع: «إسم لما يستغفر به الآثم أو المخطىء من صدقة أو صوم أو نحوهما). ولعلها مأخوذة من: (كَفَر) الشَّيءَ، أي: ستره وغطاه، فكأنَّ ما يقدِّمُه المذنبُ من صدقة أو صوم ساتر لذنبه ومساعد على زواله أو التخفيف من آثاره.
ثم إنها لما كانت واجبة في بعض المعاصي دون بعضها الآخر، وواجبة على بعض الأفعال الخاطئة مما لا إثم عليه، كقتل الخطأ، دون بعضها الآخر، فالظاهر أن الهدف منها هو تشديد الروادع عن بعض المعاصي التي يهتم الشارع المقدس بعدم فعلها، كما في القتل عمداً والإفطار في الصوم الواجب، وكما في مخالفة اليمين وشبهه؛ وكذا تشديد التحذير والتأنيب على بعض الأخطاء التي لا يصح للمكلف التورط فيها ولو عن عذر، كقتل الخطأ، وذلك حرصاً من الشارع على عدم تكراره من الفاعل ولزوم تَنَبُّهه وترك الاستهانة بأرواح العباد. ولعل اختلاف الكفارات فيما بينها في الأمور التي يجب التكفير بها وفي كيفية القيام بها ناشيء من مدى عظم الفعل الموجب لها وخطورته. وفيما يلي سوف نستعرض أنواع الكفارات وموجباتها وأحكام الخصال الواجبة فيها في مبحثين:
المبحث الأول: في موجبات الكفارة وخصالها
وفيه مسائل:
مسألة 502: تجب الكفارة عند قيام المكلف بأمور:
الأول: الإفطار في نهار الصيام الواجب، وله موردان:
1 ـ الإفطار عمداً ـ ولو على محرم ـ في نهار شهر رمضان من غير عذر، ويتخير المكلف في كفارته بين: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، يفعل أيها يشاء منها ويختار، فإن عجز عنها تخير بين صيام ثمانية عشر يوماً والتصدق بما يطيق، فإن عجز استغفر الله تعالى.
2 ـ الإفطار عمداً بعد الزوال في نهار صوم القضاء الواجب عن النفس لما فات من شهر رمضان. وكفارته: إطعام عشرة مساكين، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام، فإن عجز عنه لزمه الاستغفار.
الثاني: قتل النفس المحترمة، وله موردان:
1 ـ قتل العمد، ويجب في كفارته الجمع بين عتق الرقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً، مقدِّماً أيها شاء منها، فإن عجز عن بعضها استغفر الله تعالى بدلاً عنه وأتى ببقية الخصال، وإن عجز عن الجميع كفاه استغفار واحد عنها.
2 ـ قتل الخطأ المحض أو الشبيه بالعمد، ويجب في كفارته عتق رقبة، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكيناً، فإن عجز عنه صام ثمانية عشر يوماً مع الاستغفار، فإن عجز عن الصوم كفاه الاستغفار.
هذا، وتجب الكفارة في قتل العمد حتى لو كان المقتول ممن ثبت عليه حد القتل لردة أو لواط أو زناً مع إحصان، إذا قتله بدون إذن الحاكم الشرعي. كما أنه لو اشترك جماعة في قتل شخص ـ عمـداً أو خطـأً ـ وجب على كل واحد منهم كفارة.
الثالث: إفساد الاعتكاف بالجماع ليلاً، والأحوط وجوباً كون كفارته مثل كفارة القتل الخطأ، أي يجب عليه أولاً عتق رقبة، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكيناً، فإن عجز عنه صام ثمانية عشر يوماً مع ضم الاستغفار إليه، فإن عجز عن الصوم اكتفى بالاستغفار.
الرابع: مظاهرة الزوجة، وكفارتها هي نفس كفارة قتل الخطأ إضافة إلى أن الأقوى فيها عند العجز عن الإطعام صيام ثمانية عشر يوماً، فإن عجز عنه استغفر الله تعالى بدلاً عنه.
الخامس: الحنث باليمين وشبهه، وموارده يختلف التكفير عنها على النحو التالي:
1 ـ على حنث اليمين، ومنه الحلف على ترك معاشرة الزوجة جنسياً المصطلح عليه بـ (الإيلاء)، وكذا على حنث النذر، ومنه الحنث بنذر الصوم في يوم معين، كفارة: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيام، فإن عجز كفاه الاستغفار بدلاً عنه.
2 ـ على حنث العهد كفارة مثل كفارة الإفطار عمداً في صيام يوم من شهر رمضان، بما في ذلك حكم العجز عنها.
السادس: العجز عن الصيام المنذور، والأحوط وجوباً في كفارته أن يتصدق عن كل يوم بمد من الطعام على مسكين، أو أن يعطيه مدين ليصوم نيابة عنه إن رضي المسكين بذلك.
السابع: ارتكاب بعض ما يحرم من المُحْرِمِ للحج أو العمرة، أو ارتكاب بعض ما يحرم في الحرم ولو من المُحِلِّ، وهي أمور عديدة ذكرْنا المهمَّ منها في كتابنا (دليل مناسك الحج).
مسألة 503: يستحب التكفير للمكلَّف في الحالات التالية:
1 ـ إذا جزّت المرأة شعرها في المصاب فالأحوط استحباباً أن تؤدي كفارة الإفطار عمداً في شهر رمضان.
2 ـ إذا نتفت شعرها في المصاب، أو خدشت وجهها فأدمته، وكذا لو شق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته، فعليهما كفارة الحنث باليمين على الأحوط استحباباً.
3 ـ إذا نام عن صلاة العشاء حتى طلع الفجر فكفارته أن يصبح صائماً على الأحوط استحباباً.
4 ـ إذا تزوج امرأة ذات بعـل أو في العـدة الرجعيـة ـ عمـداً أو جهـلاً ـ جرى عليه حكم الحالة التي يكون عليها من حيث بطلان العقد وحرمتها مؤبداً ونحو ذلك، كما أن الأحوط استحباباً أن يكفر بحوالي خمسة عشر مداً من الطحين ينفقها على الفقراء.
5 ـ قد عدّ من الكفارات المستحبة ما روي عن مولانا الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه من أن كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان. وكفارة المجالس أن تُردِّد عند قيامك منهاقوله تعالى: ﮋﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ * ﰁ ﰂ ﰃ * ﰅ ﰆ ﰇ ﰈﮊ [الصافات: 180 ـ 182]. وكفارة الضحك أن يقول: (اللهم لا تمقتني). وكفارة الإغتياب أن يستغفر للمغتاب. وكفارة التطيُّر وظنِّ النُّحوسة من الأشياء والأزمنة أن يتوكل المتخوف من ذلك على الله تعالى. وكفارة اللطم على الخدود الاستغفار والتوبة.
6 ـ إذا حنث بيمين البراءة من الله تعالى ورسوله w بخاصة، فكفارته إطعام عشرة مساكين.
مسألة 504: لقد صنّف الفقهاء الكفارات الواجبة الآنفة الذكر إلى أربعة أصناف:
الأول: ما اصطلحوا على تسميته بـ (كفارة الجمع)، ومرادهم بها: ما وجب فيها الخصال الثلاثة، أي: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً؛ ولها مورد واحد هو: قتل العمد. أما الإفطار في شهر رمضان على محرم فقد قلنا باستحباب كفارة الجمع فيه احتياطاً.
الثاني: ما اصطلحوا على تسميته بـ (الكفارة المرتَّبة)، ومرادهم بها: ما كانت الخصال فيها مرتبة على نحوٍ لا تجب الثانية فيها إلا بعد العجز عن الأولى، ولا الثالثة إلا بعد العجز عن الثانية. وموردها: كفارة الظهار، وإفساد الاعتكاف بالجماع ليلاً على الأحوط وجوباً، وقتل الخطأ، والإفطار عمداً في قضاء شهر رمضان.
الثالث: ما اصطلحوا على تسميته بـ (الكفارة المُخيَّرة) ومرادهم بها: ما كان المكلف مخيراً بين خصالها، وموردها: الإفطار عمداً في شهر رمضان، ومخالفة العهد.
الرابع: ما اصطلحوا عليه بقولهم: (ما اجتمع فيه التخيير والترتيب)، ومرادهم بها ما كان المكلف في بعض خصالها مخيراً وفي بعضها الآخر ملزماً بالترتيب، وموردها: كفارة الحنث باليمين أو بالنذر، ومعهما الإيلاء، فإن التخيير فيها بين عتق الرقبة وبين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، والترتيب فيها من جهة أنه إن عجز عن هذه الثلاثة لزمه صيام ثلاثة أيام.
وإنما ذكرناها لاحتياجنا أحياناً إلى استخدام التسمية العامة لبعض هذه الأصناف في بعض مسائل هذا الباب.
مسألة 505: لا يخفى أن الكفـارة إنمـا تجب في مواردهـا المختلفة ـ ما عدا القتل ـ إذا صدر موجبها من فاعله العالم العامد المختار، فلا تجب مع السهو والغفلة والإكراه والاضطرار والجهل بحرمة الفعل، وهو ما ذكرناه في بعض موارده. (أنظر المسألة: 985 من الجزء الأول، والمسألة: 491 من هذا الجزء). أما القتل فإن الكفارة تجب فيه مع العمد والخطأ وإن اختلفت شدة الكفارة بينهما بالنحـو الـذي سبق ذكـره في بدايـة هـذا المبحث، كمـا أنهـا تجب ـ على الأحوط ـ عند العجز عن صوم النذر رغم كونه معذوراً فيه.
مسألة 506: لا تجب المبادرة إلى أداء الكفارة، لا في الإفطار عمداً في صوم شهر رمضان أو قضائه، ولا في الحنث باليمين وشبهه من النذر والعهد، كما ذكرنا في محله من مباحث الصوم ومباحث النذر وأخويه، بل ولا في غير ذلك من موارد وجوب الكفارة سوى في القتل عمداً تغليظاً لكفارته مع القدرة ولو على بعضها؛ نعم لا يجوز تأخير ما لا تجب المبادرة فيه إلى زمن يعدّ ترك إتيانها فيه تهاوناً في أداء الواجب، فإن أخّرها إليه أثم ولزمته المبادرة.
المبحث الثاني: في كيفية القيام بكل خصلة
والهدف من عقد هذا المبحث هو ذكر كل عمل وجب الإتيان به كفارة، مستقلاً عن غيره من الأعمال الأخرى، وبيان الأحكام المتعلقة به لجهة كيفية أدائه أو العجز عنه ونحوهما، وهي تلك الأعمال التي يصطلح عليها الفقهاء بـ(خصال الكفارة)، وهو ما سوف نستعرضه في ستة مطالب على النحو التالي:
المطلب الأول: في عتق الرقبة
مسألة 507: المراد من الرقبة العبد المملوك ذكراً أو أنثى؛ ولا يخفى أنها غير متيسرة في هذا الزمان، كما أنه قد كان لهذه الخصلة من الكفارات دور مهم في تحرير العبيد وفي إظهار مدى عناية التشريع الإسلامي في القضاء على ظاهرة الرق تدريجياً.
وحيث يكون المكلف مخيراً بينها وبين غيرها من الخصال فإن له أن يختار غيرها حتى مع توفرها، وحيث تكون واجبة عليه بعينها كما في كفارة الجمع فيعجز عنها ـ كما في زماننا ـ فإن عليه أن يستغفر الله تعالى بدلاً عنها كما سلف القول في المبحث الأول، ثم يأتي ببقية الخصال الواجبة، وحيث يكون لها بديل عند العجز عنها ـ كما في كفارة قتل الخطأ ـ فإنه يأتي ببديلها، وهكذا.
ولما لم تَعُد موضع ابتلاء المكلف فإنه لا ضرورة لذكر ما لَها من أحكام وفروع.
المطلب الثاني: في صيام الكفارة
مسألة 508: يجب صوم شهرين متتابعين تعييناً في كفارة قتل العمد؛ ويجب عند العجز عن العتق في كفارة قتل الخطأ وإفساد الاعتكاف بالجماع ليلاً ومظاهرة الزوجة؛ ويجب على نحو التخيير بينه وبين الإطعام في كفارة الإفطار عمداً في شهر رمضان وفي الحنث بالعهد، كما أنه يستحب مخيَّراً بينه وبين غيره من الخصال في كفارة جز المرأة شعرها في المصاب.
ويجب صيام ثمانية عشر يوماً تعييناً عند العجز عن إطعام ستين مسكيناً في كفارة قتل الخطأ وإفساد الاعتكاف بالجماع ليلاً ومظاهرة الزوجة، ويجب مخيراً بينه وبين التصدق بما يطيق في حال العجز عن الإطعام وعن صيام الشهرين في كفارة الإفطار عمداً في شهر رمضان وفي الحنث بالعهد.
ويجب صوم ثلاثة أيام عند العجز عن إطعام عشرة مساكين في إفطار صوم قضاء شهر رمضان، وعند العجز عن عتق الرقبة وعن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم في حنث اليمين أو النذر.
ويستحب صوم ثلاثة أيام عند نتف المرأة شعرها أو خدش وجهها مع الإدماء، في المصاب، وعند شق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته، وذلك عند عجزهما عن التكفير استحباباً بعتق الرقبة أو بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم؛ كما يستحب احتياطاً صيام اليوم التالي لمن نام عن صلاة العشاء.
مسألة 509: لا يختلف الصوم الواجب كفارة في وقته عن غيره من أنواع الصوم، فيجب فيه الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وليس له وقت معين في الأيام والشهور إلا في كفارة قتل العمد أو الخطأ إذا وقع منه القتل في الأشهر الحرم، فإنه يجب عليه صيام كفارته في الأشهر الحرم، وحيث إنه في كفارة العمد يجب أن يتابع بين الأيام الستين حتى نهايتها ـ بما في ذلك صوم يوم العيد الذي سيقع ضمنها حتماً ـ فإنه يختص من الأشهر الحرم بذي القعدة وذي الحجة ومحرم، وحينئذ فإن عليه أن يبدأ صيام كفارة العمد بذي القعدة وينهيه في آخر ذي الحجة، أو يبدأه في أول ذي الحجة وينهيه في آخر محرم، أما في القتل الخطأ، وحيث يكفيه في التتابع أن يصوم شهراً ويوماً أو يومين من الشهر الثاني، فإنَّ بإمكانه أن يصوم يوماً أو يومين من آخر ذي الحجة وتمام شهر محرم ويكمل ما بقي في شهر رجب.
ثم إنه لما كان وقت نية صوم الكفارة ممتداً إلى ما قبل الزوال ـ كما سنبيّنه في المسألة التالية ـ فإن معنى ذلك أنه يجوز لمن أصبح صائماً كفارة أن يعدل عن صومه ويتناول المفطر قبل الظهر لا بعده، إلا أن يكون الصوم متتابعاً فلا يجوز له الإفطار ـ حينئذ ـ ولو قبل الظهر، غير أنه إذا أفطر حيث لا يجوز له، أثمَ ولا كفارة عليه، ولغى ما صامه من أيام التتابع.
مسألة 510: يجب في صوم الكفارة ـ كغيره من أنواع الصيام ـ نية التقرب به إلى الله تعالى؛ ويمتدّ وقتها إلى ما قبل الظهر، والأحوط وجوباً عدم الاكتفاء بها لو صدرت منه بعد الظهـر. كمـا يجب فيه ـ إضافـة إلى قصد التقرّب ـ قصد كونه كفارة إذا كان في ذمته صومٌ واجبٌ غيرها، كالنذر ونحوه، نعم لو علم إجمالاً أن في ذمته صوم شهرين متتابعين ـ مثلاً ـ دون أن يعلم أنه واجب بالنذر أو الكفارة، كفاه قصد ما في ذمته إجمالاً، فيصح عن الكفارة حتى لو تبين فيما بعد أنه كفارة فعلاً. هذا، ويجب قصد نوع الكفارة عند وجوب أكثر من كفارة عليه بأسباب مختلفة إذا اختلفت في المقدار، كما في كفارة الحنث بالعهد والحنث باليمين، فإن تساوت في المقدار لم يجب قصد النوع إلا حيث يكون للكفارة خصوصية قصدية مأخوذة في متعلقها، وذلك كما في كفارة الظهار من جهة كونها مُحلِّلَةً لوطىء الزوجة ومراجعتها؛ فإذا كان عليه كفارة أخرى مثلها، ككفارة قتل الخطأ، لزمه حين الصوم عن كفارة الظهار، قصد كونه عنها بخصوصها.
مسألة 511: يجب التتابع في صيام الشهرين، ويكفي فيه التتابع في أيام الشهر الأول مع يوم من الشهر الثاني دون ما عداه من أيامه، فيصح أن يأتي بها غير متتابعة إلا في كفارة قتل العمد التي يجب فيها التتابع بين الأيام الستين بتمامها، تشديداً في العقوبة، كما أن الأحوط وجوباً التتابع في صيام الأيام الثلاثة؛ أما صيام الأيام الثماني عشرة، التي يؤتى بها عند العجز عن الإطعام في بعض الحالات التي تقدمت فلا يجب التوالي فيه.
هذا، وكنا قد ذكرنا بقية أحكام التتابع في مباحث الصوم (أنظر في ذلك المسائل: 1004، 1007، 1008).
مسألة 512: يجوز الشروع في صوم الشهرين المتتابعين أثناء الشهر، وحينئذ يلزمه صيام ستين يوماً على الأحوط وجوباً، فيوالي بين واحد وثلاثين يوماً في غير كفارة قتل العمد، وله أن يفرق باقي الأيام بالنحو الذي يشاء، فيما يوالي بين الأيام الستين بتمامها في قتل العمد.
مسألة 513: المراد بالشهرين في صوم الكفارة الشهران القمريان، ناقصين كانا أو تامين، فإذا شرع بالصيام من أول الشهر جرى معه حتى يتمه واكتفى به ولو كان ناقصاً، وأما إذا شرع فيه في أثنائه فإنه لا يكفيه احتسابه ناقصاً بل لا بد من إتمامه ثلاثين يوماً، كما ذكرنا في المسألة السابقة.
المطلب الثالث: في الإطعام
مسألة 514: يجب إطعام ستين مسكيناً تعييناً في كفارة الجمع، ويجب عند العجز عن الصيام في كفارة الظهار وقتل الخطأ وإفساد الاعتكاف بالجماع ليلاً، ويجب على نحو التخيير في كفارة الإفطار في شهر رمضان والحنث بالعهد، ويستحب في جز المرأة شعرها في المصاب تخييراً. ويجب إطعام عشرة مساكين تعييناً في إفطار قضاء شهر رمضان، ومخيراً بينه وبين كسوتهم وبين عتق الرقبة في الحنث باليمين أو النذر أو الإيلاء، ويستحب في نتف المرأة شعرها أو إدماء وجهها بالخمش في المصاب، وكذا في شق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته، وذلك على نحو التخيير في الجميع.كما أنه يستحب إطعام عشرة مساكين عند الحنث بيمين البراءة من الله تعالى ورسوله w.
مسألة 515: لا بد حين الإطعام من نية قصد التقرب به إلى الله تعالى، وأنه كفارة، وأن سببها ـ مع اختلاف المقدار ـ هو الإفطار عمداً في شهر رمضان أو في قضائه، أو غير ذلك. وكنا قد ذكرنا أحكام الإطعام تفصيلياً في مباحث الصوم، وهي لا تختلف عما هو واجب في غير الإفطار عمداً من الأمور الموجبة للكفارة، سوى أنه لا بد من الالتفات إلى أنه يجزي في الإطعام كل ما يعدّ قوتاً من الحبوب واللحوم ونحوهما، وذلك في جميع الكفارات عدا كفارة اليمين والنذر والإيلاء فإن الأحوط وجوباً فيها الاقتصار على الحنطة ودقيقها. (أنظر من الجزء الأول المسائل: 997 وما بعدها إلى المسألة: 1003).
مسألة 516: لا يجب تخصيص الإطعام بفقراء البلد الذي دفعت فيه ولا بفقراء بلد الدافع، بل يجوز صرفها على فقراء أي بلد، وإذا رغب الدافع بصرفها على فقراء بلده فنقصوا عن الستين أو عن العشرة لم يكن ذلك مُبرِّراً لتكرار الدفع لهم حتى يكتمل العدد، بل يجب عليه إكمال العدد من بلد آخر، فإذا تعذر توزيعها على العدد المطلـوب ـ ولـو من بلـد آخـر ـ لم يجب الإنتظار حتى يكتمل العدد بل يجوز له ـ حينئذ ـ إعادة توزيع ما تبقى على الموجودين حتى يستوفي المطلوب منه، كما يجوز له ـ مع السعة ـ أن ينتظر اكتمال العدد.
مسألة 517: يجوز لغير الهاشمي إعطاء كفارة الإطعام للهاشمي. كذلك فإنه لا يشترط فيها كون الفقير مؤمناً إلا على نحو الاحتياط الاستحبابي.
مسألة 518: لا يملك الفقير ـ عند دعوته إلى الطعام لإشباعـه ـ ما يوضع أمامه من طعام على المائدة، بل إن عليه أن يتناول منه مقدار حاجته، فإذا شبع قام عنه؛ فيما يملك الفقير الطعام الذي يُسلَّم إليه، مما هو من القوت الذي يعطى له، وتبرأ ذمة المكلف بمجرد ذلك دون أن تتوقف البراءة على أكله الطعام، بل يجوز له بيع مثل القمح أو التمر أو غيرهما وأخذ ثمنه، سواءً باعه لنفس المكفِّر أو لغيره.
مسألة 519: يتساوى الصغير والكبير في صدق عنوان الفقير على كل منهما إن كان الإطعام بنحو التسليم، فيعطي الصغير مداً من الطعام كما يعطي الكبير، رغم أنه يجب في الصغير التسليم لوليه؛ وأما إن كان الإطعام بنحو الإشباع فاللازم احتساب الإثنين من الصغار بواحد إن كان جميع المدعوين صغاراً، وهو الأحوط وجوباً إن اجتمع الصغار مع الكبار. ثم إنه لا يعتبر في دعوة الصغير إلى الطعام إذن من له الولاية عليه إلا أن يكون في دعوته منافاة لحق الولي، وذلك كما لو لزم من خروج الصغير إلى المائدة الإخلال بمقتضيات المحافظة على صحته أو أمنه أو كرامته أو نحوها، فيلزم إذنه حينئذ.
المطلب الرابع: في الكسوة
مسألة 520: تجب كسوة الفقير مخيراً بينها وبين عتق الرقبة والإطعام في كفارة اليمين والنذر والإيلاء دون غيرها من الكفارات، وهي مختصة بعشرة مساكين لا أكثر، وتستحب مخيراً في نتف المرأة شعرها في المصاب أو إدماء وجهها بالخمش، وكذا في شق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته. ورغم أنها أكثر قيمة من الإطعام ـ إجمالاً ـ فإنها لا تغني عن الإطعام في غير هذه الموارد الثلاثة.
مسألة 521: يعتبر في الكسوة أمور:
الأول: أن تكون بما يعدّ ـ من الثياب ـ لباساً عرفاً، وحَدُّه أن يكون الثوب ساتراً لما يتعارف ستره من جسد الرجل عند قيامه بشؤونه العادية، وكذا من جسد المرأة ولو حين تبذلها في بيتها، فضلاً عما لو ستر جميع بدنها عند خروجها للناس، فلا يكتفى بمثل الجورب والقلنسوة، ولا ما أشبههما من الملابس الداخلية القصيرة المتعارفة في زماننا. هذا، ولا يخفى أن شكل وعدد قطع اللباس تختلف ما بين المجتمعات والأزمنة، فمع التعارف قد يكتفى بالمئزر وقد لا يكتفى إلا بقطعتين كالقميص والسروال وهكذا.
الثاني: أن يكون سليماً من الثقوب والرثاثة، ولو لم يكن جديداً.
الثالث: أن يكون مخيطاً أو ما بحكمه كالملبد والمنسوج، فلا يُجزي تسليم قماشٍ غير مخيط إلا أن يَدْفعَ معه أجرة الخياطة لمن يحرز قيامه بذلك.
الرابع: أن يكون اللباس موافقاً لجنس الفقير وعمره، فلا يجزي لباس الذكر للأنثى، أو لباس الكبير للصغير، ولا العكس.
هذا، ولا فرق في جنس الثوب بين كونه من صوف أو كتان أو غيرهما، بل وكذا لو كان من الحرير للنساء، وفي إجزائه للرجال إشكال. كما لا فرق في دفع ما يلبس في الشتاء في الصيف أو العكس. كما وأنه لا يعتبر فيه أن يكون مما يقي من البرد أو مما يمكن البروز فيه للناس، بل يكفي مثل الألبسة القطنية الداخلية الساترة رغم كونها مما تلبس تحت الثياب.
مسألة 522: يكتفى في الكسوة بثوب واحد لكل فقير، كالدشداشة أو القميص مع السروال، ويستحب إكساؤه ثوبين، بل هو الأحوط إستحباباً مع القدرة. وكما ذكرنا في الإطعام فإنه لا تجزي قيمة الكسوة عن دفعها بعينها، كما وأنه لا بد من إعطاء كل فقير ثوباً، فلا يجزي توزيع عشرة أثواب على أقل من عشرة فقراء. كما وأنه لا بد من نية القربة ومن توفر الشروط المعتبرة في الفقير ونحو ذلك مما مر ذكره. نعم يختلف الإكساء عن الإطعام في مورد واحد هو أنه عند تعذر العدد المطلوب في البلد وخارجه لا يكفي في الكسوة تكرار الإعطاء للموجودين منهم، بل يجب الإنتظار حتى يتمكن من باقي العدد فيكسوهم، فيما يكتفى بالتكرار في الإطعام.
المطلب الخامس: في الاستغفار
مسألة 523: يجب الاستغفار عند العجز عن الخصال الأساسية وعن بديل بعضها وهو صيام الثماني عشرة يوماً بما فيها كفارة الجمع، وتختص كفارة الجمع بأنه يجب فيها الاستغفار عوضاً عن كل خصلة يعجز عنها، ولكن، إذا عجز عن الجميع كفاه استغفار واحد؛ وجميع ذلك بالنحو الذي قد مرَّ تفصيله (أنظر المسألة: 502). ولا تعتبر فيه صيغة خاصة، بل يكفي قول: «أستغفر الله» وكلما حَسَّن استغفاره كان أفضل. ولا بد فيه من نية القربة، ومن قصد كونه كفارة؛ نعم لا يعتبر فيه قصد البدلية.
المطلب السادس: في ما به يتحقّق العجز عن كل خصلة
مسألة 524: يتحقّق العجز عن الصيام الموجب لتعيُّن الإطعام بتضرره من الصيام بما يوجب حدوث مرض أو زيادته أو شدة ألمه أو طول مدة الشفاء منه، وكذا يتحقّق بكون الصوم شاقّاً عليه مشقة لا تتحمل، ومنه ما لو استلزم تعطله عن عمله اللازم لمعاشه مع انحصاره به.
وكنا قد ذكرنا في الحديث عن التتابع أن طروء الحيض أو النفاس أو السفر لا يضر بالتتابع، ومعه لا يكون عاجزاً عن الصيام حتى يجوز له العدول إلى الإطعام.
أما العجز عن الإطعام أو الإكساء الموجب للإنتقال إلى البديل الأصلي، كما في الصيام في حنث اليمين، أو البديل الاستثنائي، كما في صيام ثمانية عشر يوماً أو الاستغفار في الإفطار عمداً في شهر رمضان، فيتحقّق بعدم تيسر الطعام أو الكسوة عنده، إما لعدم قدرته على تحصيله أو لعدم وجود ثمنه أو لحاجته إليه في نفقته، كما يتحقّق بفقدان المسكين المستحق لهما.
مسألة 525: المعتبر في العجز والقدرة هو حالة المكلف حين رغبته في أداء الكفارة، لا حاله حين وجوبها عليه، فمن وجبت عليه كفارة مرتبة، وكان حينها قادراً على الصوم، فلما أراد التكفير وجد نفسه عاجزاً عنه، كفاه الإطعام وصح منه ولم يستقر الصوم في ذمته لعجزه عنه بعد القدرة.
كما أنه يكفي في تحقّق العجز عن الصوم ما لو كان السبب طارئاً يرجى زواله مستقبلاً، كالمرض، فإنه يجوز معه الإنتقال إلى الإطعام رغم ذلك ولا يجب عليه الانتظار حتى يشفى ويتمكن من الصوم، إلا أن يكون العجز لفترة قصيرة لا تتعدى بضعة أيام كالأسبوع ونحوه. وإذا أخَّر الإتيان بالبديل عند تحقّق العجز حتى صار قادراً على المبدل منه وجب عليه المبدل منه حينئذ.
مسألة 526: إذا تجددت قدرة المكلف على المبدل منه بعدما كان قد شرع في البديل لم يجب عليه العود إلى المبدل منه وأجزأه إتمام البديل، فمن عجز عن الصيام في كفارة القتل الخطأ ثم قدر عليه بعدما كان قد شرع في الإطعام اجتزأ بإتمام الإطعام؛ ومثله ما لو عجز عن الإطعام والإكساء في كفارة حنث اليمين ثم قدر عليهما ـ أو على أحدهما ـ بعدما كان قد شرع في الصيام، فإنه يجتزأ بإتمام الصيام، إلا أن يعرض عليه أثناء صيامه ما يوجب بطلان التتابع واستئناف الصوم، فيتعين عليه ـ حينئذ ـ إتيان المبدل منه.
مسألة 527: إذا كان المكلف قادراً على أداء ما عليه من الكفارة أثناء حياته فمات دون أن يؤديها، أو فاجأه الموت قبل أدائها، لم يجب على الوارث ـ ولو كان هو ولده الأكبر ـ أداء الكفارة البدنية عنه، أي: الصيام، بل ولا يجب عليه إخراجها ولا إخراج الكفارة المالية، كالعتق والإطعام، من أصل التركة، بل تخرج من الثلث إن أوصى بها ووسعها الثلث، وإن لم يسعْها أخرج منها بمقدار الثلث إلا أن يرضى غير القاصر من الورثة بإخراج الزائد من حصته؛ فيما لا يجب إخراجها من ثلث التركة ولا من غيره إذا لم يكن قد أوصى بها، إلا أن يتراضى غير القاصر من الورثة على إخراجها من نصيبهم.
مسألة 528: يجوز التوكيل في أداء الكفارات المالية من مال الموكِّل، وحينئذ فإنه تجزي نية الموكل حين التوكيل بأن يقصد التكفير متقرباً إلى الله تعالى بالعمل الصادر من الوكيل المنتسب إليه بموجب وكالته.
مسألة 529: يجوز التبرع بأداء الكفارة عن الميت صياماً وغيره، كالإطعام والعتق، وكذا عن الحي في الإطعام والعتق دون الصيام.
الباب الخامس
في الأطعمة والأشربة
المبحث الأول: في ما يحرم تناوله من الأطعمة والأشربة
المبحث الثاني: في ما يحل تناوله عند الاضطرار
تمهيد:
لا شك أن للتغذي بالطعام والشراب أثراً حاسماً في سلامة الجسد وبقائه، بل وفي قيامه بوظائفه الأساسية، بما في ذلك الجانب النفسي والروحي الفاعلان في سعادة الإنسان ونجاحه في الدنيا والآخرة؛ ولذا فإن عناية الشريعة بهذا الجانب من نشاط المكلف ـ رغم كونه شأنـاً غريزيـاً خاصـاً بالفـرد ـ يُظهر مدى حرصها على تحقيق الفوائد ودفع المفاسد المعنوية التي تنتج عن الغذاء، ولا سيما منه ما يعجز الإنسان عن اكتشاف مضاره ومنافعه دائماً أو في المدى المنظور من عمر جيل أو أجيال؛ وهي أمور سوف تظهر خلف كل حكم شرَّعه الإسلام في هذا الجانب عند أدنى تأمل.
وكما سائر مجالات الحلال والحرام من أفعال الإنسان، فإن مجال الحلال من الطعام والشراب أوسع من مجال الحرام، وكنا قد تعرضنا لبيان ما يحل وما يحرم من الحيوان في (مسألة 67، وما بعدها) من الجزء الثاني، وذلك في إطار حديثنا عن الثروة الحيوانية وكيفية الاستفادة منها، وهو بعض ما ينبغي ذكره من أحكام الأطعمة والأشربة، فلم يكن بد من عقد باب خاص لها نتناول فيه سائر أحكامها في أكثر من مبحث متكلين على الله تعالى.
ولكن قبل الشروع في ذلك لا بد من التعرض لبيان المراد من عنوان (الأطعمة والأشربة) فنقول: (الأطعمة) جمع الطعام، و(الطعام): إسم لكل ما يؤكل وبه قوام البدن، مأخوذ من (طَعِمَ) أي: أكل أو ذاق. و(الأشربة) جمع الشراب، و(الشراب) إسم لكل ما شرب، ماءً كان أو غيره، مأخوذ من (شَرب) أي: جرع. والمبحوث عنه هنا لا يقتصر على ما يؤكل ويشرب بالنحو المعتاد من خلال الفم، كما هو المستفاد من معناه اللغـوي، بل يـراد به ـ في الفقه ـ ما يعم ذلك مما يدخل إلى الجوف عن طريق الفم بالطعام والشراب وما يدخل إليه من خلال الأنف أو الحلقوم في الحالات الاستثنائية، بل يراد به في بعض موارده ما يشمل استنشاقه وتدخينه وإدخاله في الجسد في العروق، وهي الأمور التي يجمعها لفظ (التناول)، فمثل (الدم) من الأعيان النجسة لا يحرم وضعه في العروق وإدخاله في الجسد، فيما يحرم شربه بالفم أو إدخاله في الجوف عبر الأنف أو الحلقوم؛ ومثل المخدرات يكون تناولها مختلفاً باختلاف أنواعها، وهكذا.
كذلك فإن ما يحرم تناوله منها لا يقتصر على ما هو تكليف الإنسان تجاه نفسه، بل يعم تكليفه تجاه غيره ممن هو مولَّى عليهم، كالأطفال، وعلى من يعتمدون عليه في تقديم الطعام الطاهر، كضيوفه، وهو أمر قد عرضنا له في (المسألتين: 56، 57) من الجزء الأول، ونزيد عليه هنا فنقول:
إن ما يحرم تناولـه على المكلـف من الأطعمـة والأشربـة، يحرم ـ أيضـاً ـ تسببه بتناول الغير له ممن لا يستحله إذا كان جاهلاً بالموضوع أو الحكم، وبخاصة إذا كان معتمداً عليه في تقديم ما هو حلال من الطعام والشراب؛ بل إنه يحرم تقديم بعضها حتى لمن يستحله، كالخمر، فيما يجوز تقديم البعض الآخر، كلحم الخنزير والميتة. (أنظر المسألة: 197 وما بعدها من الجزء الثاني).
وكذا يحرم استخدام أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويشمل ذلك ما يُوضع فيه الطعام أو الشراب من الأواني، كالصحون والكؤوس والقدور، ويشمل أيضاً ما يُتناول به الطعام كالملاعق والمغرفة ونحوهما.
ولا يحرم من الأواني ما هو مصنوع من معدن آخر غير الذهب والفضّة لكنّه مطلي بهما.
كذلك فإنّه لا يحرم استخدام أواني الذهب والفضّة في غير الأكل والشرب، كمثل استخدامها في أمور طبيّة، أو للزينة، وما أشبه.
ولو استخدمها المُكلَّف في الأكل والشرب أثم ولكن لم يحرم نفس الطعام أو الشراب ذاتاً بل يبقى حلالاً.
المبحث الأول: في ما يحرم تناوله من الأطعمة والأشربة
ونريد به بيان الأمور التي حرمها الإسلام من الجوامد والمائعات من غير الحيوان وميتته مما بحثناه في باب سابق في الجزء الثاني، وهي أمور عديدة نذكرها على النحو التالي:
الأول: الأعيان النجسة
مسألة 530: يحرم تناول الأعيان النجسة الجامدة أو المائعة بأكلها أو شربها لغير ضرورة، والأعيان النجسة هي: البول والغائط والدم والمني، إضافة إلى ما سبق ذكره من الحيوانات ذات الأعيان النجسة بالأصل أو بالعارض، والتي هي: الكلب والخنزير البريان، والحيوان الجلال، والحيوان الموطوء، والجدي الذي ارتضع من لبن خنزيرة. (أنظر مسألة: 67 وما بعدها من الجزء الثاني). وأيضاً ميتة كل ذي نفس سائلة من الحيوان المحلل الأكل فضلاً عما هو محرم الأكل، ما عدا الأنفحة واللبن المتبقي في الضرع من ميتة محلل الأكل. (أنظر المسألة: 71، من الجزء الأول).
مسألة 531: يحرم تناول الأعيان المحللة الأكل والشرب بالأصل إذا عرضت عليها النجاسة فنجستها، أثناء تنجسها بها وقبل تطهيرها منها؛ وقد سبق ذكر كيفية التنجس في مباحث الطهارة والنجاسة من الجزء الأول، وكذا يحرم تناول ميتة ما لا نفس سائلة له، كالسمك والجراد الذي يموت حتف أنفه، رغم كون ميتته طاهرة.
الثاني: المسكرات
مسألة 532: رغم كون المسكرات المائعة طاهرة ـ حسب رأينـا ـ فإنه يحرم شربها، وذلك بدون فرق بين أصنافها الكثيرة المتخذة من مصادر نباتية شتى، بما في ذلك (الفقاع) المتخذ من الشعير، وهو المعروف في زماننا بإسم (البيرة). والأصل في الحرمة ليست كمية ما يشرب منه، ولا حدوث السكر منه فعلاً، بل تصنيع عصيره بالطرق المتعارفة التي تجعل فيه قابلية الإسكار بدرجات متفاوتة الفعالية، وحينئذ فإن ما يسكر كثيره يحرم تناول كثيره وقليله ولو مقدار ملعقة صغيرة منه. وكما يحرم المائع إذا صار مسكراً بالتخمير فإنه يحرم منه ما كان بطبعه مسكراً من السوائل الكيميائية أو الطبيعية التي يعرفها أهل الخبرة. (أنظر حول ذلك ص: 45 ـ 46 من الجزء الأول).
مسألة 533: لقد تشددت الشريعة المطهرة في النهي عن شرب الخمر والوعيد على شاربها في الكثير من الأحاديث الشريفة، وذلك إضافة إلى الآيات الكريمة التي صرحت بكونه رجساً من عمل الشيطان، بل إنه لم يقتصر النهي والعقاب فيها على شربها، بل شمل غيره من شؤونها، ففي الحديث: (لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر عشرة: غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمول إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها)؛ بل ذُكرتْ في كبائر الذنوب والفواحش.
مسألة 534: يحرم ـ على الأحوط وجوباً ـ تنـاول العصير العنبي ـ بخاصة ـ من بين سائر أنواع الفواكه المعتصرة إذا غلى بالنار ولم يكن قد ذهب ثلثاه، فإن ذهب ثلثاه حل أكله أو شربه. أما عصير غير العنب من الفواكه الأخرى، كالتمر والتفاح، بل والزبيب المذوب، فإن غليانه بالنار لا يوجب حرمته، بل يجوز تناوله ولو قبل ذهاب ثلثيه.
هذا إذا غلى بالنار، أما إذا غلى العصير العنبي وغيره من عصير سائر الفواكه ـ أو تهيأ للغليان ـ بغير النار من الأسباب، كوضعه في الشمس أو بمرور الزمان، بحيث صار خمراً مسكراً فإنه يحرم حينئذ من أجل ذلك حتماً، وحينئذ لا يحلله ذهاب ثلثيه ما دام خمراً إلا أن ينقلب خلاً.
(أنظر في ذلك المسائل: 77 ـ 162 ـ 163 من الجزء الأول).
مسألة 535: لا يضر في احتساب ذهاب الثلثين ما لو أضيف مقدار من الماء على العصير العنبي، وحينئذ يكتفى بذهاب ثلثي ما اشتمل عليه القدر من الماء والعصير. كما وأنه لا بد من ذهـاب ثلثـي ما اشتمل عليـه القـدر ـ أيضاً ـ فيما لو صُبَّ مقدار من العصير العنبي قد ذهب ثلثه ـ مثلاً ـ على عصير آخر لم يكن قد ذهب منه شيء من ذلك، دون أن يؤخذ ما كان قد نقص من القسم الأول بالحسبان، بل لا بد من غليان المجموع حتى يذهب ثلثاه ليحل تناوله.
مسألة 536: يثبت ذهاب ثلثي العصير المغلي بالعلم أو الاطمئنان، وبشهادة البيّنة، وبإخبار ذي اليد المسلم إذا لم يكن ممن يشربه قبل ذهاب ثلثيه، وبإخبار العدل الواحد، بل الثقة أيضاً.
مسألة 537: يحرم تناول المسكرات الجامدة، وهو ما يعرف في زماننا بإسم (المخدرات)، سواءً بتدخينها أو تنشقها أو مضغها أو زرقها بالأبر، وذلك بغض النظر عن درجة تأثيرها في ذهاب العقل والإسكار، وبخاصة بعدما ثبت الضرر البالغ الذي تحدثه في نفس المدمن وجسده وتوازن شخصيته.
وكما يحرم تناولها تحرم زراعتها والإتجار بها.
الثالث: ما يوجب الضرر
مسألة 538: يحرم تناول ما يوجب الضرر على النفس أو الجسد بالحد الذي يعتد به العقلاء ويسعون لدفعه عنهم، ولو لم يكن بليغاً، فيحرم تناول ما يوجب الهلاك والموت، كتناول السموم القاتلة وكشرب الحامل ما يوجب سقوط الجنين ونحو ذلك مما يؤدي تناوله بالأكل أو الشرب أو بوضعه في الجوف بأي طريقة من الطرق المعتادة أو غير المعتادة إلى الهلاك؛ وكذا يحرم تناول ما يوجب إيقاع النفس أو الجسد بالضرر البليغ، كالشلل والجنون والعمى ونحوها، وكذا ما هو دونها في الخطر، كالعور والعرج وتعطل كليته ونحوها، وكذا ما هو دون ذلك مما يحرص العقلاء على عدم الوقوع فيه من الأمراض والأضرار، بما في ذلك تناول المادة المعروفة بـ (التبغ)، سواءً بتدخينها أو بمضغها، نظراً لما ثبت عند أهل الخبرة من أضرار عديدة ناتجة عنها.
مسألة 539: لا فرق في حرمة استعمال المضر بالحد المتقدم بين ما يكون ضرره معلوماً ومقطوعاً به وبين ما يكون مظنوناً، بل ومحتملاً ـ أيضـاً ـ إذا كان احتماله معتداً به عند العقلاء بالنحو الذي يوجب الخوف عندهم؛ وكذا لا فرق بين ما كان الضرر المترتب عليه فعلياً وعاجلاً وبين ما كان موجباً لوجود قابلية الجسد لحدوث الضرر فيه بعد مدة؛ كما وأنه لا فرق ـ أيضاً ـ بين تناول الكثير من ذلك المضر أو القليل منه إذا كان موجباً للضرر بهذا النحو، فإن خلا قليله من الضرر لم يحرم تناوله.
الرابع: في أمور شتى
ونريد به ما حُكم بحرمته من الأشياء التي لا تدخل تحت واحد من العناوين المتقدمة، وهي أمور:
1 ـ الطين:
مسألة 540: يحرم أكل التراب الممتزج بالماء والمسمى بـ (الطين)، سواءً حال بِلَّتِهِ بالماء أو بعد يَبَسهِ وصيرورته مدراً، بل يحرم ـ على الأحـوط وجوبـاً ـ تناول التراب الصرف والرمل، وذلك بغض النظر عن كونه مضراً أو غير مضر. أما غير ذلك من الجمادات، كالأحجار والأخشاب وجميع أنواع المعادن، فهي حلال إلا أن يترتب عليها الضرر المعتد به فتحرم.
مسألة 541: لا يحرم من الطين ما يختلط بالحبوب فيطحن معها مما يستهلك فيها، وكذا الماء المتوحل بقدر يسير من التراب إذا بقي على إطلاقه.
2 ـ الدم والفضلات الطاهرة:
مسألة 542: كما يحرم تناول بول الحيوان المحكوم بحرمة الأكل من حيث كونه من الأعيان النجسة فإنه يحرم بول ما يؤكل لحمه من الحيوانات، رغم كونه محكوماً بالطهارة، بما في ذلك بول الإبل على الأحوط وجوباً. وكما يحرم الغائط من الحيوان المحرم أكله فإنه يحرم تناول رَوْث ما عداه من الحيوانات المحللة الأكل، وكذا روث الطيور وغيرها من الكائنات الحية بعد إنفصاله عنها، رغم كونه محكوماً بالطهارة، نعم يحل منها فضلة دودة الفاكهة الملتصقة بأجواف الفواكه، وكذا ما في جوف السمك والجراد ـ دون غيرهما ـ إذا أُكل معهما.
مسألة 543: كما يحرم دم ذي النفس السائلة من حيث كونه من الأعيان النجسة فإنه يحرم تناول دم ما حكم بطهارة دمه، كالدم المتخلف في الذبيحة، بل والدم الموجود في عروق قطع اللحم بعد خروجه بالقَطْع إذ كان معتداً به، كالموجود في الكبد والقلب ونحوهما، دون ما لا يعتد به مما تتلوث به قطع اللحم تلوثاً يسيراً، ودون ما يستهلك منها في مرق الغلي أو زيت القلي. وكذا يحرم دم ما ليس له نفس سائلة مما حرم أكل لحمه، كالأفاعي والضب والضفدع والخفاش ونحوها من الزواحف والحشرات، أما دم ما حل أكله منه، كالسمك، ففي حليته إشكال؛ وإن كان لا يبعد حلية ما في جوفه من دم متخلف، بل حلية جميع دمه إذا أكل السمك بدمه.
مسألة 544: يحرم شرب حليب الحيوان المحرم أكله بالأصل أو بالعارض، وكذا مشتقات حليبه المصنوعة منه، كاللبن الرائب والجبن وغيرهما؛ فيما يحل حليب الحيوان المحلل أكله، وكذا حليب المرأة لغير الطفل الرضيع، سواءً كان من محارمها أو من غيرهم، وسواءً الذكر والأنثى.
مسألة 545: يحرم تناول القيح والبلغم وسائر الإفرازات الطاهرة لجسد الإنسان أو الحيوان إذا أضرت به ضرراً معتداً به، فيما لا يحرم بلع الإنسان لنخامته وأخلاطه الصدرية الصاعدة إلى فضاء الفم.
3 ـ مال الغير:
مسألة 546: يحرم تناول مال الغير ـ أكلاً أو شرباً ـ من دون رضاه، حتى لو كان المالك كافراً محترم المال، وهو ما سبق ذكره ضمن مباحث (مسؤولية اليد) في هذا الجزء.
المبحث الثاني: في ما يحل تناوله عند الاضطرار
ونريد به بيان الحالات التي يحل فيها تناول ما حكم بحرمته من الأطعمة والأشربة، وهو ما سوف نستعرض أحكامه في مسائل:
مسألة 547: يباح تناول ما حكمت الشريعة بحرمة تناوله عند عروض ما يوجب خوف الوقوع في الأذى الذي يحرص العقلاء على تجنبه، أو من أجل العلاج مما هو موجود منه، كما في حالة المرض إذا توقف تجنبه أو رفعه على تناول شيء من الأطعمة أو الأشربة المحرمة، وذلك في الموارد التالية:
الأول: حفظ النفس من الهلاك جوعاً أو عطشاً.
الثاني: حفظ النفس من الوقوع في الضعف المانع من قيام الإنسان بحاجاته الإعتيادية، وهي تلك الحاجات التي يوجب إهمالُها الوقوعَ في الحرج أو المشقة التي لا تتحمل عادة.
الثالث: حفظ النفس من عروض المرض بالحد الذي لا يجوز إيقاع النفس فيه مما تقدم ذكره في المسألة: (538). أو خوف تمادي المرض الموجود وتفاقمه وطول مدة شفائه أو صعوبة علاجه.
الرابع: ما يتوقف عليه التداوي من المرض إذا كان الأذى الناتج منه مما يعتني العقلاء بدفعه عن أنفسهم، فلا يشمل الأوجاع البسيطة العارضة مما لا يشق تحمله، كالصداع العارض أو الحكة العابرة أو المغص أو نحو ذلك من العوارض الصحية التي لا يعتد بها كثيراً.
هذا وكما يباح في هذه الموارد الأربعة تناول المحرم خوفاً على النفس فإنه يباح تناوله فيها خوفاً على نفس محترمة منوط أمرها بالمكلف، كخوف الحامل على جنينها والمرضعة على طفلها.
الخامس: ما يتوقف عليه الأمْنُ مما يخافه ـ في حالتي الإكراه أو التقية ـ على نفسه أو عرضه أو ماله المعتد به، أو على نفس محترمة يهمه أمرها، كأزواجه وأبنائه وأرحامه وخدمه ممن يكون في ترك المحافظة عليه حرج بالغ لا يتحمل، وكذا على عرض من يهمه أمره وماله المعتد به، بل أو يكون التهديد لنفس أو مال أو عرض أي شخص من سائر المسلمين والمؤمنين إذا كان وجوب حفظه عليه أهم من حرمة تناول المحرم أو مساوياً له.
مسألة 548: لا يباح ارتكاب المحرم في الموارد الثلاثة الأولى، وهي ما يندرج تحت عنوان (الاضطرار)، إلا في حال الاضطرار له قهراً عنه، فلو أوقع نفسه فيما يخاف منه بمحض اختياره لم تَحُلَّ له تلك المحرمات إلا بعد توبته وعزمه على عدم التورط بمثله والإنابة إلى الله تعالى.
كذلك فإنه لا يباح ارتكاب هذه المحرمات لمن وقع في الاضطرار حال بغيه على الإمام المعصوم عليه السلام أو نائبه الخاص أو العام، ولا لمن كان قاطعاً لطريق المسلمين ومعتدياً على أمنهم العام، إلا بعد توبته.
مسألة 549: في كل مورد يترتب فيه الضرر المعتد به على المكلف يجب عليه دفعه عن نفسه ولو بارتكاب ما يتوقف عليه دفعه من المحرمات، فلا يجوز له ـ والحالة هذه ـ أن يوقع نفسه في الأذى تنزهاً عن ارتكاب المحرم، سواء ما لو كان الضرر فيه على حد هلاك النفس أو دونه، وسواء كان المحرم بشناعة شرب الخمر وأكل الميتة أو دونهما.
مسألة 550: إنما يجوز ارتكاب المحرم للتداوي من المرض عند انحصار الدواء أو العلاج به، إلا في شرب بول الأنعام الثلاثة للاستشفاء، والأنعام الثلاثة هي: الإبل والبقر والغنم بأصنافها المتعددة، فإنه يجوز شرب أبوالها للتداوي ولو مع وجود دواء غيرها، وإلا ما سيأتي ذكره في التداوي بالتراب في المسألة التالية. وهنا أمران:
الأول: يجوز للمريض أن يتداوى بما يحتمل فيه الضرر المعتد به ولو كان بليغاً، بل إذا كان مظنوناً أو مقطوعاً به، إذا كان ما يندفع به أعظم ضرراً وأشد خطراً، كقطع بعض الأطراف دفعاً لسراية المرض المؤدي إلى الهـلاك؛ وكـذا يجوز العـلاج بما يحتمل ـ أو يعلم ـ فيه الضرر في كل مورد يستصوبه الطبيب الموثوق بخبرته بعد موازنته بين درجتي النفع والضرر بالنحو الموافق لقواعد علم الصحة.
الثاني: لا فرق فيما ينحصر به العلاج بالمحرم بين الخمرة وغيرها من المحرمات، نعم لا يخفى شدة أمر الخمرة، فلا ينبغي أن يبادر المريض إلى التداوي بها إلا بعد التدقيق والتأمل الزائدين، وترك اللجوء إليها إلاّ في الحالات الصعبة.
مسألة 551: لا يجوز التداوي بالتراب، فضلاً عن الطين والمدر، إلا عند انحصار العلاج به، بما في ذلك الطين الأرمني والداغستاني، ويستثنى من ذلك تراب قبر الإمام الحسين عليه السلام، دون غيره من تراب قبور سائر المعصومين من الأئمة والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإنه يجوز أخذ شيء منه للاستشفاء ولو لم ينحصر به العلاج؛ ولكن يجب الاقتصار فيه على حالة الاستشفاء دون غيرها، وعلى ما كان منه بقدر حبة الحمُّص، وعلى ما أخذ من القبر الشريف وما يقرب منه مما يلحق به عرفاً على الأحوط وجوباً، كما أنه لا بد لمن لم يأخذه بنفسه من موضعه، من قيام الحجة المعتبرة على كونه من ذلك الموضع المقدس، ويكفي فيها البينة، بل قول العدل الواحد أو الثقة.
مسألة 552: حيث يجوز ـ عند الاضطرار ـ تناول مال الغير دون إذنه، فإنه لا بد من ضمان ما أخذه منه بالنحو الذي فصلّناه في مباحث ضمان التلف. (أنظر في ذلك مسألة: 403 وما بعدها).
مسألة 553: يجب الاقتصار في تناول المحرم عند الضرورة على مقدار ما ترتفع به الضرورة، مما يختلف باختلاف الأشخاص والموارد.
خاتمة في أحكام المائدة والآداب:
وفيها مسألتان:
مسألة 554: يحرم الأكل من مائدة يشرب عليها شيء من الخمر، بل يحرم الجلوس عليها ـ أيضاً ـ على الأحوط.
مسألة 555: قد ذكر أهل العلم من آداب الطعام والشراب أموراً نفصّلها على النحو التالي:
أولاً: ما ذكر من آداب الطعام، وهي أمور:
1 ـ أن لا يكثر من عدد الأكلات ويَقْصُرَها على أكلتين، أكلة في الغداة وأكلة في العشي، وأن لا يكون أكله على الشبع.
2 ـ أن يغسل يديه قبل الطعام، وكذا بعد الطعام، ويتنشف بالمنديل.
3 ـ أن لا ينتظر بعد وضع الخبز على السفرة غيره من الأطعمة، بل يشرع بالموجود منها عليها؛ وأن لا يضع الخبز تحت إناء الطعام؛ وأن لا يقطعه بالسكين.
4 ـ أن يبدأ صاحب الطعام بالأكل قبل الجميع وأن يمتنع بعد الجميع، إن كان على مائدته ضيوف.
5 ـ أن يبدأ بالملح ويختم به مع الأمن من الضرر.
6 ـ التسمية عند الشروع في الطعام، بل على كل لون منه عند تعدد الأطعمة.
7 ـ أن يأكل مما يليه إن كان معه آخرون، وأن يدع الأكل من الطعام وهو حار، وأن يتناوله بيده اليمنى، وأن لا ينظر في وجوه الآكلين معه.
8 ـ أن يصغر اللقمة، ويجيد المضغ، وأن يطيل الجلوس على الطعام، وأن لا يتملى من الطعام، وأن لا ينظف العظم من اللحم الملتصق به، بل يبقي عليه شيئاً.
9 ـ أن يحمد الله تعالى بعد الإنتهاء من الطعام، وأن يغسل يديه، وأن ينظف أسنانه ويزيل بقايا الطعام منها.
10 ـ أن يلتقط ما يتساقط من فتات الخبز وأجزاء الطعام حول المائدة ويأكله، إلا في البراري والصحاري، فإنه يستحب فيها أن يدع الطعام المتساقط حولها للحيوانات والطيور.
11 ـ أن يستلقي بعد الطعام على ظهره ويجعل رجله اليمنى على اليسرى.
12 ـ ثم إن أراد أن يتحلى بشيء من الفاكهة فعليه أن يغسلها بالماء قبل أكلها، وأن لا يقشِّر الثمار التي تؤكل بقشورها، وأن لا يرمي الثمرة قبل أن يستقصي أكلها.
ثانياً: ما ذكر من آداب الشرب، وهي أمور:
1 ـ أن لا يكثر من شرب الماء. وأن لا يشرب الماء على الأغذية الدسمة، وأن لا يشرب بيساره.
2 ـ أن يشرب الماء عن رغبة وتلذذ، وأن يكون شربه في الليل حال جلوسه وفي النهار حال قيامه، وأن يشرب الماء مصاً لا عبّاً. وأن يشربه بثلاثة أنفاس، أي: على ثلاث دفعات. وأن يسمي قبل البدء به ويحمد الله تعالى حين الانتهاء. وأن يذكر مصيبة الإمام الحسين y.
القسم الثاني
في أحكام الزواج والأسرة
مدخل في أحكام العلاقة بين الرجل والمرأة
الباب الأول: في الزواج
الباب الثاني: في الطلاق
الباب الثالث: في الميراث
تمهيد:
يتوجَّه الإنسان إلى إشباع غريزة الجنس المودَعة فيه مثلما يتوجه إلى إشباع أية غريزة أخرى دون أن يشعر ـ ابتداءً ـ بأية مسؤولية تستتبع ذلك الإشباع، ولولا أن الوحي الإلهي وما رافقه من تشريع حكيم قد رافق مسيرة الإنسان منذ وجوده على الأرض، ونظَّم له حياته عليها، ودلَّه على ما فيه صلاحه وفساده، لما قامت (الأسرة) التي استوعبت هذه الغريزة وحَدَّتْ من غلوائها ونَظَّمتْ فُوضاها؛ بما اشتملت عليه من ركني الأبوة والأمومة وبما بيّنت من دور لكل واحد منهما تتحدّد على أساسه مسؤولية الرجل والمرأة فيها بوصفهما زوجين أولاً، ثم بوصفهما أبوين فيما بعد.
وفي الوقت الذي قَبِلَ فيه الإسلام إشباع غريزة الجنس، بل وحثَّ على إشباعها، فإنه اعتبر الزواج عملاً مهماً أشبه بالعبادة منه بقضاء الوطر، وذلك لأنه يُخرج الإنسان من لهو الحياة الفردية وتَرسُّلها إلى جد الحياة الزوجية وانضباطها، ويجعل الإنسان في مواقع المسؤولية التي تتعاظَم يوماً بعد يوم، فتنصقل بها قوى الإنسان وقابلياته ويَحسُن بها أداؤه لوظيفته في شتى المجالات التي يجب ـ أو يَحسُنُ ـ أن يتواجد فيها ليقوم بدوره المطلوب منه، إن حسن قيام الإنسان بواجبه تجاه زوجته وأولاده أمر مطلوب وضروري، وهو لا يقف عند حدود حياة المرء ومكابدته فيها، بل يستمر ذلك الدور وتلك المسؤولية لما بعد الموت ليكون جهد الإنسان الأخلاقي متمثلاً في ذرية صالحة، وليكون جهده المادي زاداً وعدة لتلك الذرية ترث ثمرته مالاً وعمراناً لتستأنف مسيرة الوالد بخطوات واثقة وتجربة واعية، فتستمر دورة الحياة في كل جيل، ويكون ذلك الجيل هو المسؤول عن مستقبل التجربة الإنسانية في نجاحها وفشلها إلى أن يرث الله تعالى الأرض وما عليها.
إننا ـ بعد أن أنجزنا في الجزء الثاني من فقه الشريعة وفي القسم الأول من هذا الجزء بيان أحكام أسباب التملك وعوارض الملكية ـ نريد أن نبيّن في هذا القسم الثاني أحكام الأسرة التي تبدأ بالزواج وما يلحقه من حقوق وواجبات وما يعرض عليه من مشاكل قد تؤدي إلى الطلاق، وتنتهي بالميراث، وهي من المباحث المهمة للمكلف لأنها تُشرِّع لنشاط حيوي من أنشطة الإنسان وتوضح له ما يكثر ابتلاؤه به وتساؤله عنه. وفيما يلي سوف نستعرض هذه الأحكام في مدخل نبيّن فيه علاقة الرجل بالمرأة في إطارها العام، ثم نبيّن في الباب الأول أحكام الزواج وما يناسبه، وفي الباب الثاني أحكام الطلاق وما يلحق به، وفي الباب الثالث أحكام الميراث، متّكلين على الله تعالى.
مدخل
في أحكام العلاقة بين الرجل والمرأة
المطلب الأول: في ما يحرم على الرجل من الرجل
المطلب الثاني: في ما يحرم على المرأة من المرأة
المطلب الثالث: في ما يحرم على الرجل والمرأة من الآخر
المطلب الرابع: في ما يحرم على المكلف من نفسه
مدخل في أحكام العلاقة بين الرجل والمرأة
تقضي غريزة الجنس المودعة في كل من الرجل والمرأة أن يميل أحدهما إلى الآخر مَيْلاً طبيعياً ويرغب فيه ويقضي وطره معه، كما أنها قد تلح عليه فيميل إلى مماثله ميلاً شاذاً. وبعدما قبل الإسلام هذه الغريزة واعترف بها وسمح بإشباعها، حصر موضوع الإشباع بالمختلفيْن في الجنس، ومنع قيام علاقة جنسيّة بين رجلين أو امرأتين، ووضع عليها عقوبة مؤلمة أو قاتلة، ثم حصر العلاقة بين الرجل والمرأة بالزواج، مع غض النظر عن ملك اليمين، وشرَّع لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بينهما قبل الزواج، وهو الذي من أجل بيانه عقدنا هذا المبحث ليكون مدخلاً لأحكام الزواج التي عقدنا لها باباً مستقلاً ذا فصول متعدّدة، وفيما يلي نستعرض أحكام هذا المدخل في أربعة مطالب على النحو التالي:
المطلب الأول: في ما يحرم على الرجل من الرجل
مسألة 556: يحرم اللواط على الرجل، ويتحقّق بدخول العضو أو شيء منه في دبر ذَكَرٍ آخر، سواءً كان الملوط به بالغاً أو غير بالغ، راضياً بذلك أو مكرهاً عليه، حياً أو ميتاً، عاقلاً أو مجنوناً، محصناً أو غير محصن، وسواءً كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً؛ ويقـام الحد ـ وهو القتـل ـ على الفاعل والمفعول به مع توفر الشروط المعتبرة فيه.
مسألة 557: يحرم التفخيذ، ويراد به استمتاع الرجل بمثله بإدخال عضوه بين فخذيه من دون إيلاج، سواء مع القذف أو بدونه، وهو ليس لواطاً لكنه محرم، وعلى الفاعل والمفعول به الحدُّ مئة جلدة، مسلمين كانا أو مختلفين، ومحصنين أو غير محصنين، كما لا فرق في المفخَّذ معه بين البالغ وغير البالغ، والعاقل والمجنون، والحي والميت.
مسألة 558: يحرم على الرجل أن ينام مع رجل آخر تحت لحاف واحد بدون حاجز بينهما إذا كانا عاريين بدون ضرورة موجبة لذلك، سواء مع التلذذ أو بدونه، وعليهما التعزير بما قد يصل مقداره إلى تسع وتسعين جلدة.
مسألة 559: يحرم على الرجل من الرجل أن ينظر أو يمس مع التلذذ والشهوة بكل عضو منه كل عضو من الآخر، كمثل التقبيل واللمس والنظر ونحوها، سواء كان العضو عورة أو غيرها، وعلى من قبَّل غيرَ البالغ بشهوة مئة سوط إن كان الفاعل في حالة الإحرام للحج أو العمرة، وإن لم يكن مُحرماً يعزره الحاكم بما يراه مناسباً. أما مع عدم التلذذ فلا يحرم إلا النظر إلى العورة ولمسها، من فوق الثياب أو بدونها. (أنظر ما يناسب ذلك في مبحث أحكام التخلي، من الجزء الأول من فقه الشريعة، ص:80).
مسألة 560: نريد بمصطلح (التلذذ والشهوة)، الوارد في المسألة السابقة، والذي سيرد كثيراً في المسائل اللاحقة: تَسبُّبُ اللمس أو النظر بفوران الغريزة الجنسية وتحرّكها في داخل النفس، وبخاصة إذا ظهرت بمثل الإنتصاب عند الذكر أو ما يشبهه عند الأنثى. أما مجرد الإعجاب بما يرى فليس هو النظر بشهوة.
المطلب الثاني: في ما يحرم على المرأة من المرأة
مسألة 561: يحرم السحاق على المرأة، وهو دلك عضوها بعضو امرأة أخرى، سواءً كانت المُساحَق معها بالغة أو غير بالغة، عاقلة أو مجنونة، وسواءً كانتا مسلمتين أو مختلفتين، ومحصنتين أو غير محصنتين؛ وتستحق الفاعلتان مع اجتماع شرائطه حد السحاق، وهو يتراوح بين الجلد والقتل.
مسألة 562: يحرم على المرأة أن تنام مع امرأة أخرى تحت لحاف واحد إذا كانتا عاريتين ولم يكن بينهما حاجز، وعليهما التعزير بما قد يصل مقداره إلى تسعٍ وتسعين جلدة، سواء مع التلذذ أو بدونه، ومع النظر أو بدونه.
مسألة 563: يحرم على المرأة أن تنظر أو تمس بكل عضو منها كل عضو من المرأة الأخرى إذا كان مع التلذذ والشهوة، وذلك بمثل التقبيل واللمس والنظر، سواءً كان العضو عورة أو غيرها، أما مع عدم التلذذ فلا يحرم شيء من ذلك ما عدا لمس العورة الخاصة من فوق الثياب أو بدونها، وما عدا النظر إلى العورة، فإنه لا يجوز لمسها ولا النظر إليها إلا لضرورة. (أنظر ما يناسب ذلك في ص: 80 من الجزء الأول من فقه الشريعة).
المطلب الثالث: في ما يحرم على الرجل والمرأة من الآخر
مسألة 564: يحرم الجماع بين الرجل والمرأة بدون عقد زواج يبرز تراضيهما ويجعل نكاحهما شرعياً، وذلك هو الزنى الذي يتحقّق بدخول عضو الرجل أو شيء منه في فرج المرأة أو دبرها مع القصد والالتفات؛ وعلى غير المحصن منهما مئة جلدة، وعلى المحصن منهما الرجم حتى الموت، بدون فرق في ذلك بين ما لو كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً، أما إذا كانا كافرين فإن الحاكم مخيّر بين إقامة الحد عليهما أو دفعهما إلى أهل ملّتهما لإجراء العقاب اللازم عليهما عندهم. هذا وثمة أحكام عِدّةٌ للزنى تتعرض لحكم زنى الكبير في السن، والزنى بالمَحْرَمِ، والزنى بالمُكْرَهةِ وغير ذلك، وهو ما يُذكر تفصيلياً في أبواب الحدود.
مسألة 565: إذا وُجد رجلٌ وامرأةٌ أجنبيان عاريين تحت لحاف واحد بدون حاجز بينهما، استحقا عقوبة الجلد إلى ما قد يصل مقداره إلى تسع وتسعين جلدة تعزيراً لهما.
وإذا اندس رجل في فراش امرأة أجنبية أثناء وجودها في فراشها عُزِّر بما يراه الحاكم مناسباً، حتى لو لم يتجرد من ثيابه حين انْدساسِه فيه.
مسألة 566: يحرم على كل من الرجل والمرأة ـ ما لـم يكونا زوجين أو مَحْرميْن ـ أن يمس أحدهما بكل عضو منه كل عضو من الآخر مع التعمد والالتفات ولو بدون شهوة إذا كان اللمس مباشراً وبدون حاجز من ثياب ونحوها، فيما يجـوز للمَحْرَم ـ رجـلاً كان أو امـرأة ـ أن يمس جسد الآخر من محارمه بدون شهوة ما عدا العورة الخاصة، وكذا يجوز أن يمس كل من الرجل والمرأة الأجنبيين من الآخر، من فوق الثياب، ما هو متعارف في بعض البلدان، مثل وضع بعض النساء يدها على كتف الرجل حين السلام عليه، أو نحو ذلك، شرط أن يكون بغير تلذذ وشهوة. كما أنه يجوز أن يمس الزوج بكل عضو منه كل عضو من زوجته، وهو أمر معلوم بالبداهة.
هذا، ولا فرق في حرمة المس بالنحو المذكور آنفاً بين ما لو كان الأجنبي مسلماً أو كافراً، ولا بين ما لو كان شاباً أو شيخاً هرماً.
مسألة 567: يستثنى من حرمة المس المذكور في المسألة السابقة موردان:
الأول: حالة الاضطرار المبيحة لجواز لمس جسد غير المَحْرَم بما في ذلك العورة، كحالات العلاج والإنقاذ من الغرق والإكراه ونحوها من موارد الضرر أو الاضطرار التي لا يمكن فيها تجنب اللمس بالمقدار الذي يتوقف عليه تأدي الضرورة. ويراد بالضرر: مطلق المخاطر الصحية التي يَعتَدُّ بها العقلاء ويَسعَوْن لتجنبها، حتى لو كان الألم مما يمكن الصبر عليه، فضلاً عما يكون موجباً للهلاك أو ما يشبه الهلاك، كفقد الأعضاء الحيوية والأمراض الخطيرة. ويراد بالإكراه: ما يتحقّق بالتهديد بالهلاك أو بما يشبهه أو بما هو أقل من ذلك من الآلآم الجسدية أو المعنوية الواقعة على جسده أو عرضه أو جسد أو عرض من يهمه أمره، حيث يكفي مجرد الخوف من تنفيذ المُكرِه لتهديده فضلاً عما لو جزم بوقوع ذلك الأذى عليه. (أنظر في تحديد الضرر المسألة: 1200 من الجزء الأول، وفي تحديد الإكراه: فقرة «الثالث» من الصفحة: 446، من الجزء الثاني).
الثاني: موارد الحرج الشديد الذي يصعب على المكلف تحمله، وذلك كما في الموارد التي يَخْشى فيها من العار والفضيحة، أو التي تسبب للمؤمن ذلاً موجباً لهتك حرمته بين الناس.
هذا، ولا فرق في جواز اللمس في المورد الأول بين لمس العورة الخاصة أو لمس سائر الجسد، نعم يجب تقديم الرحم على الأجنبي في موارد الاضطرار إلى لمس العورة، مع الإمكان؛ في حين يقتصر في المورد الثاني على الحالات المحدودة التي يتحقّق فيها الحرج، من قبيل المصافحة ونحوها.
مسألة 568: يجوز للمرأة أن تنظر إلى ما عدا العورة من جسد الرجل الذي ليس بزوج لها بدون تلذذ وشهوة، سواء كان هذا الرجل أجنبياً أو محرماً، نعم الأحوط استحباباً لها أن تقتصر في نظرها إلى الأجنبي على ما اعتاد الرجل كشفه من جسده، وهو: الرأس والعنق وشيء من الصدر واليدان إلى العضد، والقدمان وشيء من الساقين، ونحو ذلك مما يرجع فيه إلى المعتاد في كل مجتمع، ولو كان أزيد مما ذكر. أما العورة فلا يجوز النظر إليها لا من المَحْرم ولا من غيره ما عدا حالات الاضطرار التي ذكرناها في المسألة السابقة.
مسألة 569: لا يجوز للرجل أن ينظر إلى غير الوجه والكفين والقدمين من جسد المرأة الأجنبية الملتزمة بالستر الواجب عليها إذا بان غفلة منها لريح ونحوه، سواءً في ذلك العورة وغيرها، وسواءً كان النظر بشهوة أو بدونها، وكذا حكم ما تلتزم المرأة غير المسلمة بستره من جسدها، وكذا المسلمة السافرة التي لا تنتهي إذا نُهيت عن سفورها وأُمرتِ بالستر، فإنه لا يجوز ـ أيضاً ـ للرجل أن ينظر، ولو بدون شهوة، إلى ما تلتزمان بستره من جسديهما في أحوالهما العادية وإن كشفتاه في أوقات خاصة، كأوقات السباحة أو ممارسة الرياضة. وأمَّا ما اعتادت غير المسلمة ـ أو المسلمة السافرة ـ كشفه من جسدها، حتى لو أفرطت، فإنه يجوز النظر إليه بدون شهوة؛ وكذا يجوز لسائر الناس النظر إلى ما تكشفه المرأة الملتزمة عليهم من جسدها لضرورة العلاج بمقدار ما تقتضي الضرورة، وذلك كما لو منعها من الحجاب مانعٌ صحي واضطرّت للخروج أمام الناس، وإن كان الأفضل للمؤمن غض النظر، ولا سيما عن تكراره. هذا حكم المرأة من غير محارمه، أما النظر إلى مَنْ هي من محارمه، كأمه وأخته وبنته وغيرهن، فإنه يجوز له النظر إلى جميع جسدهن ما عدا العورة بدون تلذذ وشهوة، وإن كان الأحوط استحباباً ترك النظر إلى ما بين السرة والركبة منهن.
مسألة 570: قد تقدم منا في مبحث (أحكام التخلي) من الجزء الأول من فقه الشريعة، ذكر أحكام النظر إلى عورة المرأة والرجل، وبخاصة بيان المراد من العورة، وحكم عورة الطفل والمجنون، وحكم النظر إلى صورة العورة، وحكم موارد جواز النظر، وأمور أخرى مناسبة، وذلك بهدف بيان حكم المتخلي من هذه الجهة، وجميع ما ذكرناه هناك نافع هنا، وتَحْسُن مراجعته لاستكمال ما رأينا عدم لزوم إعادة ذكره. (أنظر من الجزء الأول: المسألة «189» وما بعدها).
مسألة 571: يستثنى من حرمة النظر إلى ما تستره المرأة من جسدها ما لو كان الرجل راغباً في التزوج من امرأة بعينها، فإنه يجوز له أن ينظر إلى محاسنها، والمحاسن هي: الوجه والشعر والرقبة والساعدان والساقان، ولا يشترط أن يكون ذلك بإذنها، كما أنه لا يضر بالجواز ما لو تحركت شهوته بسبب ذلك النظر ما دام عن غير قصد منه، كما يجوز له تكرار النظر حتى يتحقّق غرضه منه. وكما يجوز للرجل أن ينظر إليها في هذه الحالة فإنه يجوز لها أن تمكنه من ذلك وتبدي محاسنها أمامه.
مسألة 572: يجوز أن تتواجد المرأة حيث يتواجد الرجل، وذلك في شتى الميادين التي ينبغي أن يتواجد الناس فيها للقيام بشؤونهم وقضاء حاجاتهم، سواءً في ذلك ما يرجع إلى أمور دنياهم، كالطب والتعليم والصناعة والخدمات العامة وغير ذلك من حقول الحياة التي تسع الرجل والمرأة وتستدعي وجود كل منهما فيها، أو ما يرجع إلى أمور آخرتهم من ألوان العبادات وفنون الطاعات، كالتواجد في المساجد والمشاهد المشرفة ومواقع المناسك في الحج وغير ذلك مما يجب أو يستحب أداؤه من كل منهما، بل إن وجوب تعرُّف المرأة على أمور دينها وأهمية تَرَقِّيها في معارج الكمال والفضيلة قد توجب عليها التواجد في العديد من مواقع الطاعة، وذلك كارتياد المساجد وحضور المناسبات الدينية واستماع الدروس العامة، وغير ذلك مما يصعب معه تلافي الاختلاط النسبي بالرجال؛ غير أنه وإن جاز الاختلاط لمثل هذه الأسباب وغيرها، بل وبدون سبب، فإنه لا بد من مراعاة الآداب والأحكام الإسلامية التي تحقّق لذلك الاختلاط الاحتشام والعفة المطلوبين.
نعم، ينبغي تجنب الاختلاط الذي لا تقتضيه شؤون الناس وضروراتهم العادية، وبالأخص ما قد يجتمع عليه الرجال والنساء من لغو الحديث ولهو الأعمال في أوقات فراغهم وسمرهم. كما أنه تكره خلوة أحدهما بالآخر وانفراده به في مكان لا يحتملان دخول أحد عليهما، إذا أمنا من الوقوع في الحرام ولو بالنظر بشهوة، فإن لم يأمنا وقوعهما في الحرام حرمت الخلوة بينهما.
مسألة 573: يجوز أن يتحادث الرجل مع المرأة من غير محارمه، وبخاصة ما كان لغرض صحيح، وخلا من اللغو والباطل، ولم تتعمد المرأة ترقيق صوتها وتحسينه بقصد إغراء الرجل وفتنته، وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﮋﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﮊ [الأحزاب: 32]. أما محادثة المرأة لمجرد المحادثة والأنس بحديثها والمكث معها، فضلاً عن ممازحتها، فإنه مكروه إن خلا من الفتنة والريبة، ومحرم إذا كان مع الافتتان والتلذذ.
المطلب الرابع: في ما يحرم على المكلف من نفسه
مسألة 574: يحرم على المكلف أن يفعل في نفسه ما يوجب خروج المني بما يعرف بــ (الاستمناء) أو (العادة السرية)، سواء بالضغط على عضوه، أو بقراءة أو تَلفُّظِ كلمات إباحية أو برؤية أو تَخيُّل أعمال جنسية، أو بغير ذلك، ما لم يكن لضرورة صحية، كاضطراره لإخراج المني لمرض يتوقّف علاجه على إخراجه لفحصه، ولم يتيسر له الاستمناء بيد الزوجة، أو لم تتيسّر له زوجة، دون ما لو كان من أجل طلب الوَلَد ومعالجة العَقَم، فإنه لا يجوز له الاستمناء حينئذ، إلا إذا كان العقم ناتجاً عن مرض معين، ورغب في علاج المرض من أجل الوَلَد جاز له ذلك ما دام ثمة مرض ينبغي علاجه، وكذا يجوز الاستمناء إذا كان في ترك معالجة العقم حرج عليه، كما هو الغالب، ولو لم يكن معه مرض ينبغي علاجه.
أما ما دون ذلك من الأعمال الجنسية، كأن يفعل أو يتخيل أو يقول ما يوجب حدوث الانتصاب أو كأن يلمس أو ينظر إلى جسده بشهوة، فإنه وإن جاز ذلك عند الأمن من حدوث القذف بسببه، لكنه مما لا ينبغي القيام به لآثاره غير الحميدة على روحية المؤمن، إلا أن يكون أثناء علاقته بزوجته لمساعدة نفسه على التهيؤ لها.
الباب الأول
في الزواج
الفصل الأول: في صفات الزوجين
الفصل الثاني: في العقد والمتعاقدين
الفصل الثالث: في آثار الزواج
الفصل الرابع: في خصائص الزواج المؤقت
تمهيد:
(الزَّواج) مصدرٌ لــ (زوَّج) بمعنى: قَرَن، وقد صار يُطلق على اقتران الرجل والمرأة. وقد فضلنا هذه التسمية على تسمية (النِكاح) التي درج الفقهاء منذ القدم على استعمالها، وهي مصدر لفعل (نَكَحَ) بمعنى: تزوج، وأيضاً بمعنى: جَامَع، وذلك لقلة تداوله واستعماله بين الناس في زماننا هذا، بالمعنى الذي نريده.
ولا يخفى أن الزواج من الأمور التي وردت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بالحث عليه والترغيب فيه لما له من أهمية في سعادة الفرد واستمرار النوع الإنساني في الأرض، وإنما يسعد الفرد به فلأن شهوة الجماع غريزة فيه، ويرتكز إشباعها على المخالف في الجنس، فيطلبه لأجلها ويرغب بالإقتران به وقضاء وطره منه، فيسعد بذلك وينعكس عليه راحة واستقراراً، ونظراً لسلبيات الإشباع غير المنظم على استقرار المجتمع ومستقبله القائم على تسلسل المسؤوليات ونضج الفرد للقيام بدوره، فإن الإسلام قد حصر إشباع الغريزة بالزواج الذي يحقق أهداف الغريزة كعمل شخصي له آثاره الفردية، كما يحقق توظيف العلاقة القوية القائمة بين الزوجين في خدمة المجتمع، وذلك بإقامة أركان (أسرة) منهما ومن أبنائهما متضامنة وقوية، هي نواة المجتمع الذي هو في نظرية الإسلام أسرة كبيرة.
أما استمرار النوع الإنساني فهو نتاج رغبة كل فرد في أن يستمر في أبنائه، كما وأنه ـ قبل ذلك ـ هو قرار إلهي وإرادة ربانية سامية أخرجها وأظهرها وضمن بقاءها حين إذْ غرز في نفس الإنسان الرغبة في البقاء، ولو ذكْراً على لسان أبنائه، فكانت هذه الأجيال المتعاقبة على مدى التاريخ تلهج بذكر الله تعالى وتسعد بمعرفته والكدح إليه عز وجل.
ويأتي في رأس تلك النصـوص المقدسة الشريفة قوله تعالى: ﮋﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮊ [الروم: 21]، وقوله تعالى: ﮋﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓﮊ [النساء: 4].
ومن الأحاديث الشريفة ما روي عن النبي w أنه قال: (الزواج سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، ومنه ما روي عن الصادق عن أمير المؤمنين عليهما السلام أنه قال: (تزوّجوا، فإن رسول الله w قال: من أحبَّ أن يتبع سنتي فإن من سنتي التزويج)، وعن النبي w أنه قال: (من تزوّج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر). إضافة إلى أحاديث أخرى كثيرة يظهر منها استحباب الزواج في نفسه ولو لمن لم تشتق نفسه إلى الزواج، كما يظهر من أحاديث أخرى نهت عن العزوبة ـ مثل المروي عن النبي w: (رُذَّال موتاكم العُزَّاب) ـ أنه يكره العزوف عن الزواج، غير أنه إذا خاف الإنسان على نفسه من الوقوع في الحرام وجب عليه التزوج صيانة لنفسه من الحرام. هذا، وكما يستحب الزواج للمكلف فإنه يستحب له السعي في تزويج الراغب ومساعدته على ذلك، كما يستحب التعجيل في تزويج الولد عند توفر النضج والأهلية للقيام بتبعات الحياة الزوجية، وبخاصة للفتاة. وكذا يستحب للمرأة التقليل من المهر وتيسير الزواج للكفؤ الراغب فيه. إضافة إلى أمور أخرى كثيرة ورد استحبابهـا من حيث وقت الـزواج، وكيفيـة تعامل الزوجين، والصفات المرغوبة في كـل منهمـا، وآداب الزفـاف والجماع، ونحو ذلك، وهي أمور ينبغي طلبها في الكتب الموسعة وإن كنا سنذكر بعضها في مواضعها المناسبة من المباحث القادمة.
إننا في هذا الباب سوف نتناول أحكام الزواج من جميع جوانبه في فصول أربعة، وسوف نتناول في الفصل الأول ما يجب وما يستحب توفره من صفات في كل من الزوجين، وفي الفصل الثاني أحكام العقد وأهلية المتعاقدين، وفي الفصل الثالث آثار الزواج من حيث المهر والنفقة وحق الاستمتاع والقرابة التي منها أحكام الحمل والأولاد وحقوق الأقرباء، فيما نتناول في الفصل الرابع والأخير ما يتميز به الزواج المؤقت عن الزواج الدائم؛ وإنما جعلنا عنوان الفصل الرابع هكذا، لأننا جرينا في مباحث الفصول الثلاثة على اعتبار الأحكام الواردة أحكاماً للزواج الدائم عدا إشارات قليلة لبعض أحكام الزواج المؤقت، وذلك تأكيداً منا على كون الزواج الدائم هو الأصل وهو المقصود بالأحكام الواردة للزواج عند إطلاقه، وحيث لا يشار إلى اختلاف الزواج المؤقت عنه فذلك يعني أنه يشترك مع الدائم فيها، والواقع أن الاختلاف بينهما بَيِّنٌ وملحوظ في أمور أساسية معينة، كما أن التوافق بينهما تام في أمور أساسية أخرى.
الفصل الأول
في صفات الزوجين
المبحث الأول: في الكفاءة في الدين
المبحث الثاني: في من يحرم تزوجه بالقرابة
المبحث الثالث: في من يحرم التزوج منه لغير القرابة
تمهيد:
لما كان الهدف من الزواج في الإسلام هو استمرار النسل وبناء أسرة صالحة، فإنه لا بد لتحقيق هذا الهدف من قيام العلاقة الزوجية على أساس متين من التعاون والتفاهم والمودة، وهي أمور لا تتحقّق إلا مع توفر قدر كبير من الإنسجام مع الآخر والقبول به، وجميع ذلك يستلزم توفر عدد من الصفات تحقّق الإنسجام وتعمق المودة وتغني العلاقات الإنسانية وتقدم للحياة نسلاً أصيلاً وقوياً؛ وقد حرصت الشريعة في ما أوجبت توفره من الصفات في كلا الزوجين أو في أحدهما، أو ندبت إليه منها، على أن تؤسس لعلاقة زوجية إنسانية وأخلاقية كريمة تنحو نحو تعزيز القيم الإسلامية الفضلى وتحقيق الأهداف النبيلة، سواء ما يرجع منها إلى الكفاءة الدينية، أو إلى رفض الزواج من المحارم ومن في حكمهم ممن يؤدي الزواج منه إلى إضعاف النسل وإرباك العلاقات الأسرية، أو ما يرجع إلى حصر الزواج بالمرأة الخلية، دون المتزوجة فعلاً ودون من هي في فترة العدة، أو غير ذلك من الصفات التي لحظها التشريع واعتنى بها، وهي ما سوف نستعرضه في ثلاثة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: في الكفاءة في الدين
وفيه مسائل:
مسألة 575: لا يجوز للمسلمة أن تتزوج غير المسلم ولو كانا ما يزالان صغيرين، سواءً كان كافراً وثنياً أم من أهل الكتاب أم مرتداً عن فطرة أو عن ملة، وسواءً كان الزواج دواماً أو منقطعاً، فما لم يسلم الكافر لا يصح عقده على المسلمة البتّة. ولو فرض أن امرأة مسلمة تزوّجت غير المسلم زواجاً (مدنياً) أو وفق ديانة زوجها، وبقيت على إسلامها دون أن ترتد عنه، أثمت بذلك وعصت، ولم يصح زواجُها منه، بل تعتبر زانية، كما يعتبر أولاده ـ بالنسبة إليها ـ أولاد زنى، وحيث تصر على البقـاء معه ـ رغم ذلك ـ فإنها لا ترتد به عن الإسلام ما لم تعتقد عقائد الكفر وتدين بها.
مسألة 576: لا يجوز للمسلم أن يتزوج المرأة الكافرة الوثنية، ولا المرتدة عن الإسلام إلى غيره من الأديان بما فيها اليهودية أو النصرانية من أديان أهل الكتاب، عن فطرة كان ارتدادها أو عن ملة، ولا المجوسية على الأحوط وجوباً، أما الكتابية من النصارى واليهود فإنه يجوز التزوج بها متعة على كل حال، وكذا دواماً ما لم تكن زوجةً على مسلمة قبلها، فإن كانت زوجته السابقة مسلمة لم يجز له تزوج الكتابية عليها دواماً من دون إذن المسلمة، وإن كان الأحوط استحباباً ترك التزوج بالكتابية في صورتي انفراده بها أو تزوجها على المسلمة مع إذنها، لأنه قد يضر بالتوازن الديني والروحي للأسرة.
مسألة 577: لا بـأس أن تتـزوج المؤمنـة ـ وكـذا المؤمـن ـ ممن يخالفها في مذهبها إذا لم يكن ناصبياً ولا مغالياً، ولم يخش منه على التزامها بما تراه من الحق؛ فإن كانت على حالة من الضعف الفكري بحيث يخشى عليها ترك الالتزام بمذهب الحق لم يجز لها التزوج من المخالف، وكذا لو كان المخالف ممن ينصب العداء لأهل البيت عليهم السلام بما يُعلم مخالفته للضرورة الدينية، أو ممن يغالي في حبهم ويصفهم بما يَخرُج به عن الإسلام، فإنه لا يجوز التزوج منه. ورغم أن التزوج من الموافق في المذهب أولى وأحسن وأرجح، لأنه أدعى إلى الإنسجام وأوثق في استحكام المودة، غير أنه قد تطرأ بعض العناوين العامة أو الخاصة التي تجعل ذلك راجحاً، ولا سيما في التقارب بين المسلمين والتفاهم حول ما يختلفون عليه في جو من الإندماج الإجتماعي والعائلي يبعد الحوار عن التشنج والعصبية.
مسألة 578: الأجدر بالمرأة أن تختار الرجل المؤمن ذا الأخلاق الحسنة، وتدع التزوج بغير المؤمن، وبخاصة سيء الخلق وشارب الخمر، فقد ورد في الحديث المأثور عن النبي w أنه قال: (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسـاد كبيـر)، وعنـه w ـ أيضاً ـ أنه قال: (من شرب الخمر بعدما حرمها الله على لساني، فليس بأهل أن يزوج إذا خطب)؛ كما أن الأجدر بالرجل أن يختار المرأة المؤمنة العفيفة ذات المنبت الحسن، فقد ورد عن الباقر y أنه قال: (أتى رجل النبي w يستأمره في النكاح، فقال رسول الله w: إنكح، وعليك بذات الدين، تربت يداك). وفي حديث آخر أن النبي w قام خطيباً فقال: (أيها الناس إياكم وخضراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن؟ قال w: المرأة الحسناء في منبت السوء).
مسألة 579: كما أن الكفر مانع من الزواج في الإبتداء فإن عروضه في الأثناء هو ـ أيضاً ـ موجب لبطلان الزواج في الجملة. (أنظر المسألة: 657 وما بعدها).
مسألة 580: للكافر تحديد شرعي، وكذا لكيفية إسلامه، وكنا قد فصلنا ذلك في مباحث الطهارة والنجاسة من الجزء الأول، فانظر فيه فقرة (العاشر) من (ص: 46)، وكذا (المسائل: 168 ـ 169 ـ 170).
المبحث الثاني: في من يحرم تزوجه بالقرابة
وهو ما نعرض فيه لأحكام الزواج من الأقارب الذين يتصل بعضهم بالبعـض الآخـر بقرابة النسب، أو بقرابة المصاهرة أو الرضاع مما يصطلح عليه بـ (قرابة السبب) في قبال (قرابة النسب)، ورغم أنه قد ورد في بعض الأخبار ما يفيد كراهة التزوج من الأقارب، فإن اتساع دائرة الأقارب بهذا النحو الشامل للنسب والسبب وتباعد مواطنهم وتنوع أعراقهم وخصالهم، قد يظهر منه اختصاص الكراهة بالأقارب من النسب، وبخصوص الأقربين منهم، وبخاصة أن حصول علة الكراهة، وهي: ضعف النسل، لا يكـون ـ غالبـاً ـ إلا في الأقربين. أما عنوان (المحارم) الذي سنستخدمه كثيراً، فإن المراد به: من حرم زواجه من الذكور والإناث على الآخر ممن هم أمسُّ صلة به وأكثر قربى بنسب أو مصاهرة أو رضاع، وهم الذين سوف نستعرض حكم التزوج بهم في مطالب ثلاثة:
المطلب الأول: في من يحرم بالنسب
مسألة 581: يحرم بالنسب سبعة أصناف من النساء على سبعة أصناف من الرجال، وهم كما يلي:
1 ـ الأم، ويراد بها ـ إضافة للوالدة المباشرة ـ: كل أنثى تولَّد منها الوالدان مهما علون في الوسائط، فتشمل جدته لأبيه ولأمه وجدة أبيه لأبيه وجدته لأمه، وهكذا. فيحرم عليها من الذكور كل من ولدته هي أو ولده أحد من أولادها الذكور أو الإناث مهما بعدت الواسطة نزولاً في أحفادها، كإبنها المباشر، وإبن إبنها، وإبن بنتها، وإبن إبن إبن إبنها، وإبن بنت بنت بنت بنتها، وهكذا.
2 ـ البنت، ويراد بها: مولودة الرجل المباشرة ـ وغيرها ممن ولدَها أحد من أولاده الذكور أو الإناث من حفيداته، فتحرم على الأب بنته المباشرة، كما تحرم عليه بعنوانه جـداً لأب المولـودة أو لأمهـا ـ مهما علا ـ بنت ابنه وبنت بنته، وبنت إبن إبنه، وبنت إبن بنته، وبنت بنت بنته، وبنت بنت إبنه، وهكذا نزولاً في الوسائط المتسلسلة في الذكور أو في الإناث أو في المختلف منهما، فحيث توجد أنثى فيمن تولد منه فهي من محارمه ومعتبرة بنتاً له.
3 ـ الأخت، فإنها محرَّمة على أخيها لأبويها أو لأمها وحدها أو لأبيها وحده.
4 ـ بنت الأخ، وهي: كل أنثى تنتمي بالولادة المباشرة إلى أخيه من أبويه أو من أبيه وحده أو من أمه وحدها، أو بالولادة غير المباشرة من أولاد أخيه وأولادهم مهما تعددت الوسائط، سواء كانت وسائطها كلها ذكوراً أو كلها إناثاً أو مختلفة منهما، كبنت إبن أخيه، أو بنت بنت أخيه، أو بنت إبن بنت أخيه، ونحو ذلك، فتحرم على عمها وعم أبيها أو أمها وعم جدها أو جدتها، وهكذا مهما علا في أُخوَّتِه لمن تولدت منه من جهة أبويها وأجدادها.
5 ـ بنت الأخت، وهي: كل أنثى تنتمي بالولادة المباشرة أو غير المباشرة إلى أخته من أبويه أو من أبيه وحده أو من أمه وحدها؛ فتحرم على خالها وخال أبيها وأمها وخال أجدادها، بنفس التفصيل المتقدم في بنت الأخ.
6 ـ العمة، وهي: كل أُنثى تكون أختاً لأبيه المباشر أو أختاً لواحد من أباء آبائه أو آباء أمهاته من أجداده وجداته مهما علوا، سواء كانت أختاً له من أبويه أو من أحد أبويه دون الآخر؛ فتحرم على إبن أخيها، وعلى إبن إبن أخيها، وعلى إبن بنت أخيها، أو قل بعبارة أخرى: تحرم على الرجل عمته وعمة أبيه وعمة أمه وعمة جده لأبيه أو لأمه، وعمة جدته لأبيه أو لأمه، وهكذا مهما علت سلسلة الآباء الذين ولدوه من جهة أمه وأبيه.
7 ـ الخالة، وهي: كل أنثى تكون أختاً لأمه المباشرة أو لواحدة من أمهات آبائه أو أمهات أمهاته من أجداده وجداته مهما علون في سلسلة الأمهات، وذلك بنحو التفصيل الذي ذكرناه في العمة.
مسألة 582: أخت الأخ أو الأخت لا تكون دائماً من المحارم، فلو كان لك أخ أو أخت من أبيك من زوجة أخرى له غير أمك، وكان لزوجته تلك بنت من غير أبيك، فهذه البنت أخت أخيك من أمه، ولكنها ليست أختاً لك لا من أبيك ولا من أمك، فلا تُعدُّ من محارمك؛ وفيما عدا هذا المورد فإن أخت أخيك أو أخت أختك هي أختك دائماً ما دامت تتصل بك من جهة أبيك أو أمك أو منهما معاً.
مسألة 583: عمة عمتـك هي ـ في معظـم الأحيـان ـ عمتك، وكذا خالة خالتك، لكنها في بعض الأحيان لا تكون كذلك؛ فمثال العمة: ما لو كانت امرأة أختاً لأبيك من أمه، فهي عمتك حتماً، وحيث إن أبا عمتك هذه ليس جداً لك فإن أخته هي عمة عمتك لكنها ليست عمتك أنت ما دام أبوها ليس جداً لك؛ ومثال الخالة: ما لو كانت امرأة أختاً لأمك من أبيها وحده، فهي خالتك حتماً، وحيث إن أم خالتك هذه ليست جدة لك، فإن أختها هي خالة خالتك، لكنها ليست خالتك أنت ما دامت أمها ليست جدة لك.
ورغم ما في مثل هذه الأمور من صعوبة فإنها تصبح جَلِيَّة بعد التأمل وتوجيه الذهن، وإنما ذكرناها لكونها مما يعرض للناس عند تشابك القرابات والأنساب.
مسألة 584: لا يختلف الأمر في النسب بين ما يكون عن نكاح صحيح أو عن زناً أو عن وطىء الشبهة، وهو ما سوف نعرض له في موضعه من مباحث هذا الباب إن شاء الله تعالى. (أنظر في ذلك المسألة: 787 وما بعدها).
المطلب الثاني: في من يحرم بالرضاع
ونريد به: بيان النوع الثاني من أنواع القرابة الموجبة لحرمة التزوج، وهو الرضاع. وذلك: إنه إذا ارتضع ولدٌ حليبَ إمرأة لم تلده رضاعاً موافقاً للشروط التي سنذكرها في مبحث آخر، وقعت بسبب هذا الرضاع بين الرضيع وبين عدد من الرجال والنساء قرابة سببية موجبة لحرمة تزوج بعضهم من البعض الآخر، وحيث تجب مراعاة ذلك عند اختيار الزوج فإنه لا بد من معرفة من يحرم بالرضاع تفصيلياً، كي يُعمل عليه. (أنظر حول شروط الرضاع المسائل: 820 وما بعدها).
وأصل ذلك كله أن الرضاع يوجب ـ شرعاً ـ أبوة (صاحب اللبن) وهو: زوج المرضعة الذي نتج حليبها بسبب حملها منه، وكذا أمومة المرضعة، للطفل الرضيع الذي يصير إبناً لهما بالرضاع؛ إذ إنه بمقتضى القاعدة الشرعية التي تقول: «الرضاع لُحْمةٌ كلُحْمة النسب» فإنه إذا تحقّق الرضاع الجامع للشروط صار صاحبُ اللبن أباً وصارت المرضعة أمّاً للرضيع، وصار أباؤهما وأمهاتهما مهما علو أجداداً له، وأولادهما أخوة وأخوات له، وأولاد أولادهما أولاد أخوة وأخوات له، وأخوتهما وأخواتهما أعماماً وعمات وأخوالاً وخالات له، وكذا أعمام وعمات وأخوال وخـالات أبويـه مـن الرضاعـة، فإنهـم ـ أيضـاً ـ يصيرون أعماماً وعمات وأخوالاً وخالات له، فيما يصير الرضيـع ـ ذكراً كان أو أنثاً ـ ولداً لهما، وكذا أولاده ـ مهما نزلوا ـ يصيرون أحفاداً وأسباطاً لهما.
ولكن رغم التشابه الكبير بين آثار الرضاع وآثار النسب فإن ثمة اختلافاً في بعض موارد القرابة الحاصلة منهما في كون ذلك المورد موجباً للحرمة في النسب دون الرضاع أو بالعكس، ولما كانت تطبيقات ذلك مما يحتاج إلى درجة يعتد بها من الدقة والإحاطة بقواعد الشريعة فإنه لا بد من إيضاح ذلك وتفصيل علاقة القرابة القائمة بين الرضيع وصاحب اللبن والمرضعة في عدد من المسائل على النحو التالي:
أولاً: ذكر من يحرم من جانب صاحب اللبن والمرضعة
مسألة 585: تحرم على المرتضع عدة من النساء:
1 ـ المرضعة، لأنها أمه من الرضاعة.
2 ـ أمُّ المرضعة وإن علت، نَسبيَّة كانت أم رضاعية، لأنّها جدته من الرضاعة.
3 ـ بنات المرضعة ولادةً، لأنهن أخواته من الرضاعة، وأمّا بناتها رضاعة ممن أرضعتهن بلبن شخص آخر غير الذي ارتضع المرتضع بلبنه فلا يحرمْنَ على المرتضع؛ لما سوف يأتي من اشتراط اتحاد صاحب اللبن في نشر الحرمة بين المرتضعين.
4 ـ البنات النسبيات والرضاعيات من أولاد من ولدتهم المرضعة، ذكوراً وإناثاً؛ لأن المرتضع إمّا أن يكون عمَّهنَّ أو خالَهنَّ من الرضاعة.
5 ـ أخوات المرضعة وإن كنَّ رضاعيات؛ لأنهنَّ خالات المرتضع من الرضاعة.
6 ـ عمّات المرضعة وخالاتها وعمات وخالات آبائها وأُمهاتها، نسبياتٍ كنَّ أم رضاعياتٍ، فإنهنَّ عمات المرتضع وخالاته من الرَّضاعة.
7 ـ بنات صاحب اللبن النسبيات والرّضاعيات، بلا واسطة أو مع الواسطة؛ لأن المرتضع إمّا أن يكون أخاهنَّ أو عمَّهنَّ أو خالَهنَّ من الرضاعة.
8 ـ أُمهات صاحب اللبن النسبيات والرضاعيات؛ لأنهنَّ جدات المرتضع من الرضاعة.
9 ـ أخوات صاحب اللبن النسبيات والرضاعيات؛ لأنهنَّ عمات المرتضع من الرضاعة.
10 ـ عمّات صاحب اللبن وخالاته، وعمّات وخالات آبائه وأمهاته، النسبيّات والرضاعيّات، لأنهنَّ عمّات المرتضع وخالاته من الرضاعة.
مسألة 586: تحرم المرتضعة على عدة من الرجال:
1 ـ صاحب اللبن؛ لأنه أبوها من الرضاعة.
2 ـ آباء صاحب اللبـن من النسب والرضاع؛ لأنّهم أجدادهـا من الرضاعة.
3 ـ أولاد صاحب اللبن من النسب والرضاع وإن نزلوا؛ لأنّها تكون أختهم أو عمتهم أو خالتهم من الرضاعة.
4 ـ إخوة صاحب اللبـن من النسب والرضاع؛ لأنّهم أعمامها من الرضاعة.
5 ـ أعمام صاحب اللبن وأخواله، وأعمام وأخوال آبائه وأمهاته من النسب والرضاع؛ لأنّهم إمّا أن يكونوا أعمامها أو أخوالها من الرضاعة.
6 ـ إخوة المرضعة من النسب والرضاع؛ لأنهم أخوالها من الرضاعة.
7 ـ آباء المرضعة من النسب والرضاع؛ لأنهم أجدادها من الرضاعة.
8 ـ أبناء المرضعة ولادةً، لأنّهم إخوتها من الرضاعة.
وأما أبناؤها من الرضاعة ممن أرضعتهم من لبن شخص آخر غير الذي ارتضعت المرتضعة من لبنه فلا يَحْرُمون عليها كما مر.
9 ـ الأبناء النسبيين والرضاعيين من أولاد من ولدتهم المرضعة، ذكوراً وإناثاً؛ لأن المرتضعة تكون عمتهم أو خالتهم من الرضاعة.
10 ـ أعمام المرضعة وأخوالها وأعمام وأخوال آبائها وأمهاتها من النسب والرضاع؛ لأنهم أعمامها وأخوالها من الرضاعة.
ثانياً: ذكر من يحرم من جانب الرضيع
مسألة 587: يحـرم عـدد من أقـارب الرضيـع ـ ذكـراً كـان أو أنثـى ـ من الرجال والنساء على المرضعة وعلى صاحب اللبن وعلى بعض آخر من أقاربهم، ممن نذكرهم على النحو التالي:
1 ـ تحرم المرضعة على أبناء المرتضع والمرتضعة، لأنها جدتهم من الرضاعة.
2 ـ تحرم بنات المرتضع والمرتضعة على صاحب اللبن لأنه جَدهنَّ من الرضاعة.
3 ـ تحرم على أبي المرتضع والمرتضعة بنات المرضعة النسبيات وذلك لورود النص عليه، وإن كانت القاعدة لا تقتضي ذلك، لأنهنَّ لا يَصرْن بالإضافة إليه إلا أخواتٌ لولده، وأخت الولد لا تحرم إلا من حيث كونها بنتاً أو ربيبة، وأما بنات المرضعة الرضاعيات فلا يحرمن على أبي المرتضع والمرتضعة إلا مع وحدة اللبن الذي ارتضع منه بناتها الرضاعيات وهذا الرضيع، فترجع إلى الفقرة (4) الآتية التي لا يحرم فيها أبو المرتضع على أولاد صاحب اللبن إلا من باب الاحتياط الذي لا يترك، وإلا لم يحرمن عليه.
4 ـ تحرم ـ على المشهور ـ على أبي المرتضع والمرتضعة بنات صاحب اللبن النسبيات والرضاعيات، فلا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط في ذلك، وإن كانت القاعدة المتقدمة لا تقتضي التحريم ـ أيضاً ـ لما تقدم.
5 ـ تحرم أم صاحب اللبن وجداته وأم المرضعة وجداتها على أبناء المرتضع والمرتضعة؛ لأنهن جداتهم من الرضاعة.
6 ـ تحرم بنات المرتضع والمرتضعة على آباء صاحب اللبن والمرضعة؛ لأنهم أجدادهن من الرضاعة.
7 ـ تحرم أخوات صاحب اللبن وأخوات المرضعة وعماتها وخالاتها وعمات وخالات آبائهما وأمهاتهما على أبناء المرتضع والمرتضعة؛ لأنهن عماتهم أو خالاتهم من الرضاعة.
8 ـ تحرم بنات المرتضع والمرتضعة على إخوة صاحب اللبن وإخوة المرضعة وأعمامهما وأخوالهما وأعمام وأخوال آبائهما وأمهاتهما؛ لأنهم أعمامهن وأخوالهن من الرضاعة.
9 ـ تحرم بنات صاحب اللبن نسباً ورضاعاً على أبناء المرتضع والمرتضعة؛ لأنهم أبناء أخ أو أخت من الرضاعة بالنسبة إليهن.
10 ـ تحرم بنات المرضعة نسباً على أبناء المرتضع والمرتضعة؛ لأنهم أبناء أخ أو أخت من الرضاعة بالنسبة إليهن.
11 ـ تحرم بنات المرتضع والمرتضعة على أبناء صاحب اللبن نسباً ورضاعاً؛ لأنهن بنات أخ أو أخت من الرضاعة بالنسبة إليهم.
12 ـ تحرم بنات المرتضع والمرتضعة على أبناء المرضعة نسباً؛ لأنهن بنات أخ أو أخت من الرضاعة بالنسبة إليهم.
مسألة 588: إذا تبيّن ما فصّلناه في المسألة السابقة حول من يحرم من أقرباء الرضيع على أبويه وأقاربهما من الرضاعة، فإن الأولى ـ إمعاناً في التوضيح ـ أن نذكر من لا يحرم منهم عليهم، وهو ما نفصّله على النحو التالي:
1 ـ لا تحرم المرضعة على أبي المرتضع والمرتضعة ولا على إخوتهما وأجدادهما وأعمامهما وأخوالهما وأعمام وأخوال آبائهما وأمهاتهما.
2 ـ لا تحرم أم المرتضع والمرتضعـة وأخواتهما وجداتهمـا وعماتهما وخالاتهما وعمات وخالات آبائهما وأمهاتهما على صاحب اللبن.
3 ـ لا تحرم أم المرتضع والمرتضعة وجداتهما على آباء صاحب اللبن ولا على إخوانه وأعمامه وأخواله وأعمام وأخوال آبائه وأمهاته.
4 ـ لا تحرم أمهات صاحب اللبن وأخواته وعماته وخالاته وعمات وخالات آبائه وأمهاته على أبي المرتضع والمرتضعة وأجدادهما.
5 ـ لا تحرم أم المرتضع والمرتضعة وجداتهما على آباء المرضعة ولا على إخوانها وأعمامها وأخوالها وأعمام وأخوال آبائها وأمهاتها.
6 ـ لا تحرم أمهات المرضعـة وأخواتها وعماتها وخالاتهـا وعمـات وخالات آبائها وأمهاتها على أبي المرتضع والمرتضعة وأجدادهما.
7 ـ لا تحرم أخوات المرتضع والمرتضعة وعماتهما وخالاتهما وعمات وخالات آبائهما وأمهاتهما على أبي صاحب اللبن وأجداده وإخوته وأعمامه وأخواله وأعمام وأخوال آبائه وأمهاته.
8 ـ لا تحرم أمهات صاحب اللبن وأخواته وعماته وخالاته وعمات وخالات آبائه وأمهاته على إخوة المرتضع والمرتضعة وأعمامهما وأخوالهما وأعمام وأخوال آبائهما وأمهاتهما.
9 ـ لا تحرم أخوات المرتضع والمرتضعة وعماتهما وخالاتهما وعمات وخالات آبائهما وأمهاتهما على أبي المرضعة وأجدادها وإخوتها وأعمامها وأخوالها وأعمام وأخوال آبائها وأمهاتها.
10 ـ لا تحرم أمهات المرضعـة وأخواتها وعماتها وخالاتها وعمات وخالات آبائها وأمهاتها على إخوة المرتضع والمرتضعة وأعمامهما وأخوالهما وأعمام وأخوال آبائهما وأمهاتهما.
11 ـ لا تحرم أخوات المرتضع والمرتضعـة على أبناء صاحب اللبن وأحفاده ولا على أبناء المرضعة وأحفادها.
12 ـ لا تحرم بنات صاحب اللبن وحفيداته وبنات المرضعة وحفيداتها على إخوة المرتضع والمرتضعة.
13 ـ إذا حرمت مرتضعة على مرتضع بسبب ارتضاعهما من لبنٍ منتسب إلى رجل واحد لم يؤد ذلك إلى حرمة أخوات كل منهما على إخوة الآخر.
مسألة 589: ما تقدم آنفـاً ـ من جواز نكاح إخوة المرتضع والمرتضعـة وأخواتهما في أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللبن ـ يختص بما إذا لم يكن مانع من النكاح من نسب أو سبب، وإلا لم يجز، كما إذا كان إخوة المرتضع أو المرتضعة أولاداً لبنت صاحب اللبن فإنهم حينئذٍ أولاد أختٍ لأولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة.
مسألة 590: لا فرق في نشر الحرمة بالرضاع بين ما إذا كان الرضاع سابقاً على العقد وبين ما إذا كان لاحقاً له، ومثال ذلك: ما لو تزوج شخص رضيعة فأرضعتها أمه أو أخته، حرمت عليه تلك الرضيعة وبطل زواجها منه؛ لأنها تصير أخته أو بنت أخته بالرضاع؛ وهكذا سائر الموارد التي سنعرض لتفصيلها في مباحث موجبات انفساخ عقد الزواج. أنظر في ذلك (المسائل: 660 وما بعدها).
مسألة 591: إذا اعترف الرجل بحرمة إمرأة أجنبية عليه بسبب الرضاع، وأمكن صدقه، لم يجز له التزوج منها. وإذا ادّعى حرمتها بعدما كان قد عقد عليها، وصدّقته المرأة، حكم ببطلان العقد وثبت لها مهر المثل إن كان قد دخل بها ولم تكن عالمة بالحرمة حينئذ، وأما إذا لم يكن قد دخل بها، أو دخل بها مع علمها بالحرمة، فلا مهر لها.
وكذا حكم ما لو اعترفت المرأة بحرمة رجل عليها، بنفس التفصيل.
المطلب الثالث: في من يحرم بالمصاهرة
ويراد به بيان أحكام القرابة الناشئة من تزوج شخص بآخر، والموجبة لحرمة النكاح من بعضهم عيناً حرمة مؤبدة، ومن بعضهم الآخر حرمة مؤقتة مرهونة ببقاء زوجية الأول. وهي التي يصطلح عليها بــ (الحرمة جمعاً)، وذلك في قبال، (الحرمة عيناً)، وهو ما نستعرضه في مسائل على النحو التالي:
أولاً: من يحرم التزوج منها عيناً
مسألة 592: تحرم على الإبن زوجة أبيه، وكذا زوجات أجداده لأبيه وأجداده لأمه مهما علوا، سواء كان ولداً لهم بالنسب أو بالرضاع، وسواءً كان زواج الأب أو الجد منها دائماً أو منقطعاً، وسواء كانت الزوجة مدخولاً بها من قِبَلهما أو غير مدخول بها. نعم، إذا كان قد تزوجها في مرض موته، ومات قبل أن يدخل بها، لم تحرم على أبنائه.
مسألة 593: تحرم على الأب زوجة ولده، وكذا تحرم على الجد ـ من جهة الأب أو الأم ـ زوجة حفيده وسبطه مهما نزل، سواء كانت أُبُوَّتُه له من نسب أو رضاع، وسواء كان الزواج دائماً أو منقطعاً، وسواءً كان الولد قد دخل بزوجته أو لم يكن قد دخل بها.
مسألة 594: تحرم على الزوج أم زوجته، وكذا جداتها مهما علون، لأبيها كُنَّ أو لأمها، ونسباً كانت أمومتهن لها أم رضاعاً، وسواءً كان زواجه ببنتها دائماً أو منقطعاً، وسواءً كانت الزوجة صغيرة أو كبيرة، مدخولاً بها أو غير مدخول بها.
مسألة 595: تحرم على الزوج بنت زوجته المدخول بها، حرمة عينية دائمةً، وكذا بنات بنتها وبنات إبنها مهما نزلن، وكذا تحرم عليه البنت إذا لم يكن قد دخل بأمها ما دامت الأم في عصمته، فإن ماتت الأم أو طلقت قبل الدخول بها جاز له تزوج البنت. أما من جهة إبن الزوج أو أبيه فإن البنت لا تحرم عليهما مطلقاً من هذه الجهة، سواءً كان الزوج قد دخل بالأم أم لم يدخل بها.
مسألة 596: لا فرق في حرمة بنت الزوجة المدخول بها بين الموجودة في زمان زوجية الأم وبين التي ولدت بعد خروج الأم عن عصمة زوجها الأول، فلو تزوجت من غيره، وولدت من ذلك الغير بنتاً، كانت هذه البنت حراماً على زوجها الأول؛ كما أنه لا فرق في الموجودة في زمان زوجية الأم بين التي تعيش في كنف زوج أمها وحِجْره وبين التي تعيش بعيدة عنه.
وكذا لا فرق في الدخول بين ما يكون باختياره وقصده وبين ما يكون مكرهاً عليه أو غافلاً عنه، ولا بين الدخول في القبل أو في الدبر؛ نعم لا بد من تحقّق الدخول ولو جزئياً، فلا يكفي الإنزال على ظاهر الفرج ولو حبلت منه.
ثانياً: من يحرم التزوج منه جمعاً
نريد بهذا الفرع بيان من يحرم التزوج منه جمعاً، وهو الذي تكون حرمته مؤقتة ومرهونة ببقاء زوجية الأول، فإذا فارقه جاز له التزوج من الآخر، أو يكون جواز الجمع مرهوناً بإذن أحدهما. وذلك في مسائل عدة:
مسألة 597: لا يجوز أن يتزوج الرجل أخت زوجته ما دامت أختها في عصمته، سواءً كانت أختها بالنسب أو بالرضاع، وسواءً كان زواجه منهما أو من إحداهما دائماً أو منقطعاً، وسواءً كان قد دخل بالأولى أم لم يدخل بها؛ فإذا عقد عليها بعد عقده على أختها أثم وبطل عقد الثانيـة، وإذا عقـد عليهما ـ هو بنفسه أو من خـلال وكيله ـ في وقت واحد بطل عقدهما معاً، وعلى جميع التقادير فإن العقد على الثانية لا يوجب حرمتها مؤبداً عليه، بل يصح منه العقد عليها بعد مفارقة أختها.
مسألة 598: كما يحرم العقد على الأخت حال كون أختها زوجة له فإنه يحرم عليه العقد عليها ـ أيضاً ـ في عدة أختها المطلَّقة رجعياً، لأنها تَظَلُّ بحكم الزوجة حتى تنقضي عدتها، فيما لا يضر العقد عليها في عدة طلاقها البائن، بما في ذلك عِدَّةَ المتمتع بها بعد انقضاء مدتها.
مسألة 599: لا يصح للرجل أن يعقد زواجه على بنت أخ زوجته حال زواجه من عمتها، ولا على بنت أخت زوجته حال زواجه من خالتها، إلا أن تأذن العمة أو الخالة بذلك وترضيا به؛ وذلك بدون فرق بين كون النكاحين دائمين أو منقطعين أو مختلفين، ولا بين علم العمة أو الخالة بالأمر حال العقد وجهلهما به، ولا بين اطّلاعهما على ذلك وعدم اطّلاعهما أبداً، فلو تزوجهما عليهما بدون إذنهما توقفت صحته على إجازتهما؛ فإن أجازتا صح وإلا بطل.
هذا، ولا فرق في الخالة والعمة بين النسبيتين والرضاعيتين، ولا بين المباشرتين وغير المباشرتين من عمات وخالات آباء وأمهات بنات الأخت والأخ.
مسألة 600: قد ظهر من المسألة السابقة أن مورد الحكم هو ما لو كان عقد العمة أو الخالة سابقاً على عقد بنت الأخ أو بنت الأخت، فلو انعكس الأمر بأن عقد على العمة أو الخالة بعد زواجه من بنت أخيها أو أختها لم يتوقف بقاء زوجية بنتي الأخ والأخت على رضا العمة والخالة، كما وأنه لا تتوقف صحة زواج العمة والخالة على رضا بنتي الأخ والأخت، بل يصح العقد بدونه ويمضي.
مسألة 601: إذا صدر الإذن من العمة ـ مثلاً ـ ثم تراجعت عنه، فإن كان قبل العقد على بنت الأخ بطل الإذن السابق، وإن كان بعد أن عقد عليها، لم يؤثر فيه ومضى؛ نعم إذا تراجعت عنه قبل العقد فلم يبلغه، فعقد عليها ثم علم بتراجعها، لم ينفعه ذلك وتوقفت صحته على إجازتها.
مسألة 602: لا يصح للرجل أن يشتـرط على العمـة ـ مثـلاً ـ حين العقد عليها أن لا يكون لها حق فسخ عقده على بنت أخيها، وإن اشترطه عليها فرضيت به، بطل الشرط؛ لعدم قابلية حقها بذلك للإسقاط، نعم يصح منه اشتراط أن يكون له العقد على بنت أخيها حين يشاء، فإذا رضيت كان ذلك إذناً منها بالعقد حين حصوله مستقبلاً؛ ولكن إذا تراجعت عنه بعد ذلك أثمت، والأحوط لزوماً لزوجها ترك العقد على بنت أخيها إلا بعد استئذانها من جديد، كما أن الأحوط لزوماً للعمة أن تأذن له إذا طلبه منها.
مسألة 603: لا يقتصر الحكم بوجوب استئذان العمة والخالة على صورة كونهما زوجتين فعليتين، بل يشمل ما لو كانتا في عدة طلاق رجعي، بل وفي عدة المتعة على الأحوط وجوباً؛ فيما لا يجب إستئذانهما حالة كونهما في عدة الطلاق البائن.
المبحث الثالث: في من يحرم التزوج منه لغير القرابة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في من يحرم بعقد أو جماع غير شرعيين
ونريد به من يحرم على الآخر إما: بسبب قيام علاقة جنسية فعلية بينه وبين طرف آخر متلبس بعنوان يمنع من قيام تلك العلاقة معه أساساً، كالزنى ببعض المحارم وذات البعل والمعتدة، وكاللواط. أو بسبب فعل ما يعتبر مقدمة للعلاقة الجنسية معه، كالعقد على ذات البعل أو المعتدة، والعقد حالة الإحرام للحج، وهو ما نفصّل أحكامه على النحو التالي:
أولاً: حكم العقد على ذات البعل أو الزنى بها
مسألة 604: (ذات البعل) مصطلح فقهي توصف به المرأة التي تقترن برجل بعقد زواج صحيح، سواءً كانا صغيرين ـ حين العقد ـ أو كبيرين، وسواءً كان زواجها دائماً أو منقطعاً، وسواءً المدخول بها وغير المدخول بها؛ وكلما كانت المرأة كذلك فإنه يحرم على كل رجل آخر أن يظهر لها رغبته في التزوج بها تصريحاً أو تلميحاً، أو يعقد عليها، أو يزني بها، بل يسري ـ من هذه الجهة ـ أثر كونها ذات بعل إلى فترة عدة طلاقها الرجعي رغم طلاقها منه، بل والبائن أحياناً، كما سوف يتبيّن معنا في الفرع التالي.
مسألة 605: كما تُحتَرم (بُعولة) الزوج المسلم وتترتب عليها الآثار المذكورة في المسألة السابقة، كذلك تحترم بعولة الزوج الكافر وتَعْتَصِمُ زوجتُه به وتلحقها نفس الآثار المذكورة لذات البعل إذا كان زواجهما موافقاً لشريعة ما يعتقدانه من عقائد الكفر، ولو كانت هي الإلحاد أو الوثنية، وكان بحيث يعتبر زواجاً مقبولاً في عرف مجتمعهم وشريعته، لا سفاحاً مرذولاً. وكذا حكم التزوج بالمطلَّقة أثناء عدتها إذا كان لها في شريعتهم عِدَّة، وإلا لم يجب على المسلم مراعاة ذلك.
مسألة 606: لا تترتب آثار الزواج بين الكافريْن الذين تزوجا بطريقة (الزواج المدني) المعمول به في العديد من البلدان غير الإسلامية إذا لم يكن مقبولاً في الشريعة التي يعتقدانها، وثنية كانت أو سماوية، فلو تزوج بوذيان أو مسيحيان زواجاً مدنياً لم يعتبرا زوجين ـ عندنا ـ إلا إذا كان زواجهما صحيحاً في الديانة البوذية أو المسيحية، نعم إذا خرجا من دينهما وصارا لا ينتميان إلى دين، وكان ذلك الزواج المدني جزءاً من شريعة عِلْمَانِيَّة وَضْعِيَّة مستحدثة يرجعان إليها في زواجهما وطلاقهما وسائر معاملاتهما، حُكمَ بصحة ذلك الزواج واعتصما به. أما إذا تزوج المسلم زواجاً مدنيـاً فإنـه لا بـد ـ أيضـاً ـ من عرض عناصر ذلك الزواج على الشروط المعتبرة في شرعنا، فإن كان موافقاً لها صح وإلا بطل.
مسألة 607: يحرم العقد على ذات البعل ما دامت في عصمة زوجها مع علم العاقد بحالها، فإذا عقد عليها أثم وبطل العقد وحرم عليه التزوج منها مؤبداً إذا فارقها زوجها، حتى لو لم يكن ذلك العاقد قد دخل بها؛ وأما إذا عقد عليها جاهلاً بحرمة العقد على ذات البعل، وهو ما يصطلح عليه بـ (الجهل بالحكم)، أو جاهلاً بكونها ذات بعل، وهو ما يصطلح عليه بـ (الجهل بالموضوع)، لم يأثم، وبطل عقده عليها على كل حال، ولم تحرم عليه مؤبداً ولو مع الدخول بها. هذا، ولا أثر في ثبوت الحرمة الأبدية وعدمها لكون ذات البعل عالمة بحرمة العقد عليها أو جاهلة، بل المعول في ذلك على علم العاقد وجهله، ويظهر ذلك في صورة ما لو كان العاقد جاهلاً وهي عالمة، فإنه لا يحرم عليها مؤبداً رغم أنها تكون آثمة وزانية. ثم إنه لا فرق في ثبوت هذا الحكم بين كون ذات البعل صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية، مدخولاً بها من قِبَل زوجها أو غير مدخول بها، متعة كان زواجها من الأول أو دواماً، ومتعة كان عقد الثاني عليها أو دواماً.
مسألة 608: يكفي في جواز العقد على المرأة عدم العلم بكونها ذات بعل، ولو شك لم يجب عليه الفحص عن حالها، وإذا علم بأنها كانت متزوجة، فأخبرته بأنها صارت خلية، صدّقها ما لم تكن متهمة بعدم الاستقامة، وإلا فالأحوط وجوباً ترك التزوج منها حتى يتبين له صدقها.
وإذا ادّعت المرأة أنها خلية فتزوجها، ثم ادّعت أنها كانت ذات بعل حين زواجها منه، لم تسمع دعواها الثانية، نعم لو أقامت البيّنة على ذلك فُرِّق بينهما، ويكفي في ذلك أن تشهد البيّنة بأنها كانت ذات بعل حين زواجها من الرجل الثاني ولو من غير تعيين زوج معين.
مسألة 609: إذا زنى الرجل بذات البعل، فالأقوى عدم ثبوت الحرمة الأبدية بينها وبين الزاني مطلقاً، خلافاً لما ذهب إليه المشهور، فيجوز للزاني التزوج منها بعد طلاقها وانقضاء عدتها من زوجها، وإن كان الأحوط استحباباً للزاني ترك التزوج منها، وبخاصة إذا كانت مطاوعة له. هذا ولا تحرم الزوجة بزناها على زوجها حتى لو كانت مطاوعة للزاني، كما لا يسقط مهرها بالزنى ولو طلقها زوجها من أجل ذلك، ولا سيما وأنه لا يجب عليه طلاقها مع توبتها، بل ومع عدم توبتها، وإن كان طلاقها هو الأولى حينئذ.
ثانياً: حكم العقد على المعتدة أو الزنى بها
مسألة 610: لا يختلف حكم العقد على المعتدة في زمان عدتها عن حكم العقد على ذات البعل في زمان زوجيتها، سوى في أمر واحد هو أنه قد سبق منا القول: (إنَّ علم ذات البعل بالحكم وجهلها به لا أثر له من جهتها في ثبوت الحرمة الأبدية وعدمها، بل المعول في ذلك فيها على علم العاقد وعدمه)، وهو بخلاف العقد على ذات العدة، فإن لعلمِ كلٍّ منهما وجهلِه دخالةً في الحرمة الأبدية وعدمها من جانب كل منهما بانفراده، بحيث لو فرض علم المرأة المعتدة بحرمة العقد عليها وجهل الرجل بذلك، تثبت الحرمة المؤبدة من جانبها، فضلاً عن الإثم.
مسألة 611: لا فرق في ثبوت الحرمة الأبدية عند العقد على المعتدة، مع علمهما بالحكم أو الموضوع أو علم أحدهما بهما، وكذا في عدم ثبوت الحرمة الأبدية بالعقد عليها مع الدخول إذا كانا جاهلين بالحكم أو الموضوع، لا فرق في ذلك بين ذات العدة الرجعية وذات العدة البائنة ومن هي في عدة الوفاة.
مسألة 612: يكفي في جواز العقد على المرأة عدم العلم بكونها في عدة رجل آخر، وإذا شك لم يجب عليه الفحص عن حالها، وتصدق المرأة إذا أخبرت بإنقضاء عدتها إلا أن تكون متهمة في صدقها، وكان قد سبق منه العلم بكونها في العدة، فالأحوط وجوباً له ـ حينئذٍ ـ ترك التزوج منها حتى يتيقن بإنقضاء عدتها.
مسألة 613: إن ما ذكرناه من حرمة العقد على ذات العدة هو مختص بغير زوجها الذي تعتد منه، أما زوجها الذي ما تزال في عدته فإنه يجوز له أن يعقد عليها أثناء عدتها من الطلاق البائن دون حاجة لانقضاء عدتها، ومن ذلك ما لو كانت متمتعاً بها فانقضى الأجل أو وهبها المدة، فإن له أن يعقد عليها أثناء عدتها منه؛ أما إذا كانت في عدةٍ رجعية، فحيث إنها بحكم الزوجة فإنه لا يحتاج في إرجاعها إليه إلى عقد جديد، بل يكفي معاملتها معاملة الزوجة في استمتاعه بها، أو التلفظ بما يفيد إرجاعها، كي ينتفي طلاقها ويزول، فإن عقد عليها ـ والحال هذه ـ كان العقد لاغياً لا أثر له سوى أنه كافٍ في إظهار رغبته بالرجوع إليها.
مسألة 614: لا يختلف حكم الزنى بذات العدة عن حكم الزنى بذات البعل في شيء مما تقدم، لكن استحباب الاحتياط بترك الزاني التزوج منها مختص هنا بذات العدة الرجعية، فإن كانت في العدة البائنة أو في عدة الوفاة لم تحرم بالزنى بها مطلقاً ولم يكن عليه بأس أن يتزوج بها بعد انقضاء عدتها.
مسألة 615: لا يجوز العقد على المرأة المفقود زوجها في الفترة الفاصلة بين حدوث الوفاة فعلاً وبين وصول خبر الوفاة إليها لتشرع بالعدة منذئذٍ، فإن عقد عليها ـ جاهلاً أو عالماً ـ فتبينت وفاته حين العقد، بطل العقد، ولم تحرم عليه مؤبداً إذا كان قد دخل بها، ولو مع علمه بالحكم والموضوع، وإن كان الأحوط استحباباً ترك التزوج منها في هذه الحالة.
هذا إذا عقد عليها، أما إذا زنى بها في هذه الفترة فكذلك لا تحرم عليه مؤبداً لما ذكرناه، في المسألة السابقة من اختصاص الإشكال بالزنى بذات العدة الرجعية واستحباب الاحتياط بترك التزوج منها، أما في مقامنا هذا فلا ضرورة للاحتياط حتى مع علمه ـ حيـن الزنى ـ بوفاة المفقود وكون زوجته في عدة وفاته، فضلاً عما لو كان في حالة شك وانكشف وقوع الزنى أثناء عدة الوفاة.
فائدة: في حكم التصريح بالخطبة لذات البعل وللمعتدة
مسألة 616: لا يجوز للرجل دعوة الـمـرأة المتزوجـة بغيره ـ أو المعتدة من طلاقه الرجعي ـ إلى التزوج به تصريحاً أو تلميحاً إذا كانت على حالٍ لا تُؤمنُ معه من التمرد والنشوز على زوجها، بل ينبغي ترك ذلك حتى مع الأمن عليها من ذلك، فإن دعا ذات البعل للتزوج منه فطلبت الطلاق فطلقها زوجها، أو دعا ذات العدة الرجعية فعزفت عن الرجوع إلى زوجها حتى انقضت عدتها، لم يحرم على الداعي أن يتزوج منهما رغم كونه هو السبب في تنكرهما لزوجيهما أحياناً.
هذا، ويجـوز للرجـل التعريض ـ بل التصريـح ـ لمن هي في عدة الوفاة برغبته بالتزوج منها بالألفاظ المحتشمة المهذبة، وكذا لذات العدة من الطلاق البائن، سواءً كان الداعي زوجَها السابقَ أو غيره من الراغبين فيها.
ثالثاً: حكم الزنى ببعض المحارم أو بغيرهم
مسألة 617: إذا زنى بعمته أو بخالته ـ قبلاً أو دبراً ـ قبل العقد على بنتها حرمت عليه بنتها على الأحوط وجوباً، وإذا زنى بإحداهما بعد العقد على بنتها لم تحرم بنتها على زوجها الزاني، سواء كان قد دخل بالبنت أو لم يدخل بها؛ وكذا لا تحرم البنت على من وطأ عمته أو خالته شبهة قبل العقد على بنتها، أو فعل ما يحرم عليه فعله مما هو دون الزنى، كأن قبَّلها أو لمسها أو نظر إليها بشهوة.
مسألة 618: إذا شك مَنْ زنى بعمته أو خالته في كون زناه سابقاً على العقد على بنتها لتكون حراماً عليه أو أنه كان لاحقاً له، بنى على كونه بعد العقد، ولم يرتب عليه أثراً.
مسألة 619: إذا زنى بامرأةٍ ـ خليةً كانت حين زنـى بها أو ذات بعل ـ لـم يحرم عليه التزوج من بنتها فيما بعد، وإن كان الأحوط استحباباً ترك ذلك.
كذلك فإن تلك المرأة المزنيَّ بها لا تحرم على أبيه وإن علا، ولا على ولده وإن نزل، وإن كان الأحوط استحباباً لهما ترك التزوج منها.
أما تزوّج الزاني نفسه بها إذا كانت خلية من عصمة زوج آخر حين زنى بها فلا بأس به إن كانت قد تابت من زناها ذلك ولم تكن مشهورة بالزنى، وإلا فالأحوط وجوباً ترك التزوج بها حتى تتوب من زناها معه أو من حرفة البغاء إن كانت مشهورة؛ فيما لا بأس لغير الزاني من التزوج بغير المشهورة قبل توبتها، بل وبالمشهورة بالزنى إذا تابت، وإلا احتاط وجوباً بترك التزوج منها أيضاً. إضافة إلى ذلك فإن الأحوط وجوباً لمن يريد التزوج بالزانية أن لا يعقد عليها حتى يأتيها الحيض إن لم تكن حاملاً، وهو ما يصطلح عليه بـ(الاستبراء)، سواءً كان هو الزاني أو غيره، فإن كانت حاملاً جاز التزوج منها قبل أن تضع حملها ولو لغير الزاني.
رابعاً: في أثر فاحشة اللواط
مسألة 620: إذا لاط البالغ بالصبي غير البالغ، وتحقّق منه الدخول فيه ولو ببعض العضو، حـرم مؤبـداً ـ من بـاب الاحتيـاط الوجوبـي ـ على اللائط أن يتزوج بأم الصبي وإن علت، وببنته وإن نزلت، وبأخته، دون غيرهن من محارمه كبنتي أخيه وأخته، فيما لا تحرم أم اللائط ولا بنته ولا أخته على الصبي الملوط به.
هذا إذا كان اللواط سابقاً على العقد عليهن، وكان اللائط بالغاً والملوط به صبياً غير بالغ، أما إذا كان اللواط لاحقاً على العقد عليهن، أو كان الملوط به بالغاً أيضاً، أو كانا بالعكس، أي: كان اللائط صبياً والملوط به بالغاً، فلا يحرم بسببه على اللائط واحدة من المذكورات.
مسألة 621: لا تثبت الحرمة الأبدية إلا مع الجزم بتحقّق الدخول، فلو شك أو ظن به لم يكن له أثر، وجاز له التزوج من المذكورات.
المطلب الثاني: في من يحرم بغير العقد أو الجماع غير الشرعيين
ونريد به من يكون سبب حرمة التزوج منه أمراً آخر غير العقد عليه أو جماعه بغير وجه شرعي، كالتزوج ممن هو في حال الإحرام، أو من الزوجة الخامسة أو من المطلقة تسعاً، وتفصيله كما يلي:
أولاً: أثر الإحرام للحج أو العمرة
مسألة 622: يحـرم على الرجل ـ بل وكـذا علـى المـرأة ـ أن يعقد نكاحه الدائم أو المنقطع حال إحرامه للحج أو العمرة ولو لم تكن المرأة محرمة، سواءً كان المباشر للعقد هو نفس المحرم أو وكيله، محرماً كان الوكيل أو محلاً، قبل الإحرام وَكَّلهُ أو بعده، واجباً كان الحج أو العمرة أو مندوباً، عن نفسه كان الحج أو نيابة عن غيره؛ فإن أجرى العقد ـ وحالتـه هـذه ـ بطل العقد في جميع الحالات حتى مع جهل المحرم بالحكم، إضافة إلى الإثم وحرمة الطرف الآخر حرمة أبدية في صورة العلم بالحكم ولو مع عدم الدخول؛ نعم إذا انكشف بطلان العقد لفقد بعض الأركان أَثِمَ ولم تحرم عليه مؤبداً حينئذٍ.
مسألة 623: لا بأس على المحرم من مراجعة زوجته المطلقة رجعياً حال إحرامهما أو إحرام أحدهما، كما لا بأس بتوكيل المحل أو المحرم ليعقد له بعد إحلال المحرم منهم من إحرامه.
ثانياً: في عدد الزوجات
مسألة 624: لا يصح للمكلف أن يجمع في وقت واحد بين أكثر من أربع نساء في زواج دائم، فإنْ عَقَد مَنْ عندَه أربعُ نساءٍ على امرأة خامسة، بطل العقد ولم يأثم ولم تحرم عليه مؤبداً؛ فيما يصح له في زواج المتعة أن يجمع بين أكثر من أربع نساء فوق زوجاته الأربع الدائمات أو بدونهن.
مسألة 625: إذا طلق إحدى زوجاته الأربع رجعياً، لم يجز له العقد على غيرها حتى تنقضي عدتها وتخرج من عصمته؛ وإن طلقها بائناً جاز له ذلك.
ثالثاً: في التزوج من المطلقة ثلاثاً أو تسعاً:
مسألة 626: إذا طلق الرجل زوجته ثلاث طلْقات، وكان قد تخلل بينهما رجعتان، حرم عليه التزوج منها بعد الطلاق الثالث إلا إذا تزوجت من غيره مع الدخول بها وفارقها بطلاق أو نحوه وانقضت عدتها منه.
ثم إذا تزوجها بعد تلك الطلْقات الثلاث وأعاد الكرة فطلقها ثلاث طلْقات أخريات، فتزوجها غيره ثم عاد فتزوجها من بعده، فأعاد الكرة ثالثة حتى بلغت الطلْقات تسعاً، حرمت عليه مؤبداً بعد ذلك.
ولهذه المسألة تفاصيل أخرى نذكرها في باب الطلاق إن شاء الله تعالى. (أنظر المسألة: 927).
خاتمة في ما يستحب من الصفات في الزوجين:
مسألة 627: ذكر الفقهاء أنه يستحب اختيار المرأة الودودة العفيفة الكريمة الأصل؛ وكريمة الأصل هي: التي لا تكون من زنى ولا من أبوين قد مسهما ـ أو مس أحدهما ـ كفرٌ أو فسق، ولا هما ممن تنالهما الألسن بالغمز والمعايب. وأن تكون ممن يرجى أن تعين زوجها على الصلاح، وأن تكون مطيعة وموافقة له في أموره غير عصية ولا متمردة. وأن تكون قد تَربَّتْ تربية كريمة وعزيزة وخالية من القهر والإذلال. وأن تكون بكراً. وأن تكون ولوداً، وذلك حيث يمكن الاطّلاع على حالها من هذه الجهة لكونها قد ولدت من زوج سابق. غير أنه قد تطرأ بعض العناوين الثانوية أو الظروف الخاصة التي تجعلنا نتجاوز بعض هذه الصفات المستحبة إلى غيرها رغبة فيما استجد من إيجابيات في الصفات الأخرى، لأنه ليست هناك إيجابيات أو سلبيات مطلقة للصفات، فيرجع الأمر إلى ما يطرأ من مرجحات خلال حياة الإنسان تنفعه في دينه ودنياه.
مسألة 628: يكره الاقتصار في اختيار المرأة على الجمال والثروة، ويكره تزوج الحمقاء، والمجنونة، والعجوز، والزانية، وأخت أخيه، ومن كانت ضرة لأمه مع غير أبيه، ومن كانت قابلته، وكذا بنتها. (أنظر في المراد بــ «أخت الأخ» المسألة: 582).
مسألة 629: ورد في اختيار الرجل أنه يكره تزوج الفاسق، والأعرابي، وهو: من لم يتفقه في الدين، والمخنَّث، وشارب الخمر، وسيء الخلق. إضافة إلى أنه يحسن بالمرأة اختيار الرجل الذي يستجمع معظم صفات الفضل مما سبق ذكر بعضه في صفات الزوجة، وهي الصفات التي لا بد منها لقيام حياة زوجية صالحة تسعد فيها المرأة. هذا، ولا يضر بالإيمـان أن تحـرص المـرأةُ ـ أو أهلُهـا ـ على تزوُّج الرجل القادر على الإنفاق عليها بالنحو المقبول، لأن كفاءة الزوج من هذه الناحية شرط لقيام الأسرة واستمرارها، وهو شرط ضرورة لا شرط كمال؛ نعم يحسن بها أن لا تطلب الأغنى إن تقدم لها الغني المؤمن، وبخاصة إذا لم يكن الأول مؤمناً.
الفصل الثاني
في العقد والمتعاقدين
المبحث الأول: في صيغة العقد
المبحث الثاني: في أهلية المتعاقدين
المبحث الثالث: في أحكام البطلان والفسخ
تمهيد:
تزداد أهمية العقد كلما ازدادت أهمية المعاملة نوعاً وآثاراً، وخلافاً لسائر المعاملات فإن لمعاملة الزواج أثراً بعيداً وعميقاً في بناء الحياة الإجتماعية واستقرارها، الأمر الذي يستدعي إقامة العلاقة الزوجية على أساس متين من الرضا والرغبة، وإبراز ذلك الرضا بتعاقد واضح جامع لعناصر الكمال، ومانع من الوقوع في الغرر والاختلاف، سواءً من حيث لفظ العقد أو من حيث أهلية المتعاقدين أو من حيث دور غير الزوجين في ذلك التعاقد أو من حيث موجبات فسخ العقد، إنَّ هذه الأمور ونحوها هي ما سوف نعرض لتفصيله في عدد من المباحث التالية إن شاء الله تعالى.
المبحث الأول: في صيغة العقد
مسألة 630: لا ينعقـد الزواج بين الرجل والمرأة ـ البتة ـ بالفعل المصطلح عليه بـ (المعاطاة)، فلو رضي كل من الرجل والمرأة بتزوُّج الآخر لم يتحقّق زواجهما بتسليم الرجل المهر للمرأة قاصداً تَزوُّجَها وتسلُّم المرأة للمهر قاصدة قبول زواجه منها، بل لا بد من التعاقد اللفظي الدال على ذلك الرضا منهما بالإيجاب من أحدهما والقبول من الآخر مع قدرتهما على النطق، أو بالإيجاب أو القبول اللفظي من القادر على النطق، وبما يقوم مقام اللفظ من كتابة أو إشارة من العاجز عنه، كما سيأتي بيانه؛ كما وأنه ـ مع القـدرة على النطـق ـ لا يكتفى بكتابة الإيجاب والقبول عن التلفظ بهما.
مسألة 631: يتحقّق عقد الزواج ـ إيجاباً وقبولاً ـ بكل لفظٍ تعارف الناس على استعماله في ما يدل على الزواج وعلى الرضا به، سواءً في ذلك العربية من اللغات أو غير العربية، وسواء الفصحى من العربية أو العامية، وسواءً الملحون من الفصحى أو الصحيح الموافق لقواعد العربية، وذلك من القادر على العربية ومن غير القادر، لكنَّ الأكمـل والأحـوط ـ استحبابـاً ـ أن يكون العقد باللغة العربية الفصحى الصحيحة، سواءً ـ في ذلك ـ الناطق بالعربية وغير الناطق بها، ولو بتوكيل الغير بإنشاء العقد بالعربية عنهما أو عن أحدهما. وحيث يرغب غير العربي بمباشرة العقد بنفسه، فإنه يكفي ـ بعد إفهامه معاني ألفاظ العقد ـ أن يرددها وراء من يلقنه إياها.
مسألة 632: المراد من (الإيجاب) هو: عَرضُ أحد الطرفين نفسه زوجاً على الآخر، والمراد من (القبول) هو: رضا الآخر بذلك العرض وقبوله له؛ فإذا اتضح هذا، نقول: لا يعتبر في عقد الزواج تقدم الإيجاب على القبول، كما لا يعتبر أن يكون الإيجاب من المرأة والقبول من الرجل، فلو قالت المرأة للرجل: «إنني أرضى بك زوجاً لي» فقال الرجل: «زَوَّجْتُكِ نفسي» وقع به الزواج وصح؛ وإن كان الأكمل والأحوط ـ استحباباً ـ أن يتقدم الإيجاب على القبول، وأن يكون الإيجاب من المرأة والقبول من الرجل.
مسألة 633: يصح الزواج الدائم مع عدم ذكر المهر عمداً أو سهواً؛ فإذا دخل بها كان لها عليه مهر أمثالها، وإن لم يدخل بها لم يكن لها عليه شيء حتى يفارقها، فإن فارقها بالطلاق قبل الدخول كان لها عليه من المال ما يصطلح على تسميته بـ (المتعة)، وهي: مقدارٌ غير محدد من المال يدفعه الغني والفقير، كلٌّ بحسبه، وإن فارقها بغير الطلاق، كفسخ العقد قبل الدخول، أو موت أحدهما قبله، فلا شيء لها عليه، كما أنه لا شيء عليه لو أسقطته عنه وسامحته به؛ أما إذا ذكر لها مهراً ـ كما هو المتعارف ـ فإنه يثبت لها ما سماه من المهر بمجرد العقد. هذا في الزواج الدائم، أما في الزواج المؤقت فإن ذكر المهر شرط في صحة العقد، فلو تعمدا عدم ذكر المهر بطل العقد، بل وكذا لو نسيا ذكره أيضاً. وسيأتي ذكر ذلك في مبحث مستقل.
مسألة 634: بناءً على ما تقدم في المسائل الآنفة الذكر فإن الصيغة الأكمل لعقد الزواج الدائم هي التي تكون باللغة العربية الفصحى الصحيحة، والتي ينص فيها على ذكر المهر بمقدار معلوم، والتي يتقدم فيها الإيجاب على القبول، والتي يكون فيها الإيجاب من المـرأة والقبـول مـن الرجـل، وصورتهـا ـ إن كان الزوجان هما المباشرين للعقد ـ كما يلي: تقول المرأة أولاً: «زوَّجْتُكَ نفسي بمهرٍ قدره (...)»، فيقول الرجل بعدها مباشرة: «قبلت التزوج منك بالمهر المذكور».
وصورتها ـ إن كان العاقدان هما الوكيلين ـ كما يلي: يقول وكيل المرأة أولاً: «زوجت موكلتي فلانة موكلك فلاناً بمهر مقداره كذا» فيقول وكيل الرجل بعده مباشرة: «قبلت عن موكلي التزوج من موكلتك بالمهر المذكور».
وصورتها ـ إن كان العاقـدان هما الرجل ووكيل المـرأة ـ أن يقول وكيل المرأة: «زوجتك موكلتي فلانة بمهر مقداره كذا»، فيقول الرجل: «قبلت التزويج».
وأما كيفية أخذ الوكالة من المرأة قبل إجراء عقد الزواج فهي أن يقول لها وليها، أو أي شخص آخر، وهو العالم الديني غالباً: «أترضين يا فلانة بأن أكون وكيلاً عنك في تزويجك من فلان بمهر مقداره كذا» فتقول المرأة: «نعم أنت وكيلي»، فيقول الوكيل: «قبلت الوكالة». وإن كان يُكتفى في صدور التوكيل منها بكل صيغة أخرى مفيدة لهذا المعنى.
مسألة 635: لا يجب على العاجز عن النطق توكيل القادر عليه، وحينئذ يُرى: فإن كان قادراً على الكتابة وجب تقديمها على الإشارة، وإلا كَفَتْ الإشارة الدالة على المقصود.
مسألة 636: يعتبر في عقد الزواج توفر أمور:
الأول: الفعلية والتنجيز، فلا يصح تعليقه على حدوث شيء غير معلوم التحقّق فعلاً، كعودة المسافر، ولا على ما هو معلوم الحصول مستقبلاً، كولادة الهلال؛ فيما يصح تعليقه على ما هو متحقّق فعلاً، وبخاصة إذا كان مما تتوقف عليه صحـة العقـد، رغـم كـون التعليـق ـ حينئـذٍ ـ أشبه باللغو، كأن تقول: «زوَّجْتُك إن كان اليوم هو الجمعة» حيث يكون هو يوم الجمعة فعلاً، أو: «...إن لم تكن أخي» أو نحو ذلك.
الثاني: الموالاة بين الإيجاب والقبول، وتكفي العرفية منها، فلا يضر الفصل اليسير بالنحو الذي يصدق معه أن هذا قبول لذلك الإيجاب أو يصدق معه عنوان التعاقد عرفاً، كما لا يضر الفصل بمتعلقات العقد من ذكر المهر والشروط وغيرهما وإن كثرت.
الثالث: تعيين الزوجين على وجه يمتاز كل منهما عن غيره بالإسم أو الوصف أو الإشارة، فلو قال الولي أو الوكيل: «زوجتك إحدى ابنتَيَّ» أو «...إحدى الأختين» لم يصح مع عدم معرفة المعقود لها بعينها، وكذا لا يصح مع جهالة الزوج بعينه، كأن يقول: «زوجت إبنتي ليلى أحد إبنيك هذين» أو «..أحد أخويك هذين» أو ما أشبه ذلك. نعم، يكفي في التعيين ما لو كانا معينين في ذهن المتعاقدين وقَصْدِهما، عن تعيينهما في متن الصيغة ولفظها أو بالإشارة الخارجية، فلو توافقا قبل العقد على أن يزوج أحدهما إبنه سعيداً لبنت الآخر ليلى، كفى في مقام إجراء الصيغة أن يقول: «زوجت إبنتي من إبنك» فيقبل الآخر، إذا قصد كل منهما الشخص الذي توافقا عليه؛ كما لا يضر بالتعيين ما لو سمى العاقد الزوجين أو أحدهما بغير إسمه أو أشار إلى غيره غلطاً وخطأً ما دام المعقود له معيّناً في الذهن ومعلوماً، فيقع العقد لمن قصده في ذهنه لا لمن سماه أو أشار إليه خطأً.
مسألة 637: لا يعتبر اتحاد مجلس العقد إيجاباً وقبولاً، بل يصح العقد مع تباعد العاقدين بالنحو الذي يسمع فيه أحدهما الآخر ولو بالصراخ أو بواسطة الهاتف، بحيث يقع الإيجاب من هذا فيجيبه الآخر بالقبول من مكان آخر دون إخلال بالموالاة.
مسألة 638: لا يعتبر الإشهاد في صحة عقد الزواج، نعم هو مستحب.
مسألة 639: لا يعتبر إذن الأب أو الجد للأب في صحة العقد على البالغ الرشيد، ولا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيباً، وكذا لو كانت بكراً، لسقوط ولايتهما عنها بالبلوغ والرشد، وإن كان الأحوط استحباباً للبكر أن تستأذن أباها أو جدها لأبيها وتدع الأقدام على التزوج قبل إذنه لها ورضاه، بل ينبغي لها الحرص على ذلك والتشدد في استشارته، بل واستشارة من تثق به من أهل المعرفة والخبرة، حرصاً منها على تدارك بعض التعقيدات الناتجة عن بعض الأوضاع الاجتماعية التي قد تنعكس سلباً على استقرار حياتها الزوجية، وحرصاً منها على عدم الوقوع ضحية خداع بعض الرجال نتيجة قلة تجربة الفتاة البكر في الحياة؛ وذلك من دون فرق في الجميع بين الزواج الدائم أو المنقطع، ومع فقد أبيهـا وجدهـا لأبيهـا فإنـه ـ حتماً ـ لا ولاية لأحدٍ غيرهما عليها؛ وسيأتي حكم عقد الصغيرين لاحقاً. والمقصود بالبِكْر: مَنْ لا تزال بكارتها موجودة ولو مع الدخول بها من دون فض البكارة إذا تحقّق ذلك، والمقصود بالثيِّب: مَنْ زالت بكارتها بالجماع ولو من الزنى، بل مَنْ زالت بكارتها بعارضٍ كالوثبة ونحوها أو أزالتها ـ عمداً ـ بالإصبع ونحوه.
مسألة 640: لا يعتبر في صحة العقد مباشرة الزوجين له بنفسيهما، بل يجوز قيام الولي به لفاقد الأهلية، كما يجوز لهما ـ أو لوليهما مع عدم أهليتهما أو أهلية أحدهما ـ توكيل الغير به، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في مطلب مستقل (أنظر المسألة: 645 وما بعدها).
مسألة 641: يجـوز فــي عقـد الـزواج ـ كغيـره مـن العقـود ـ أن يشتـرط المتعاقدان ما يرغبان به من الشروط السائغة، ما عدا اشتراط خيار الفسخ لهما أو لأحدهما، فيجوز أن تشترط المرأة على الرجل أنْ لا يخرجها من بلد أهلها، أو أن لا يتزوج عليها، أو أن لا يدخل بها، أو أن تكون وكيلة عنه في طلاق نفسها، مطلقاً أو في ظرف خاص، كما يجوز أن يشترط الرجل عليها أن تخدمه مطلقاً أو بكيفية خاصة، أو أن تجعله شريكاً معها في تجارة أو مال، ونحو ذلك؛ وحيث يقبل الآخر بالشرط يجب عليه الوفاء به، سواء كانا قد ذكرا ذلك الشرط صراحة في ضمن عقد الزواج، أو توافقا عليه قبل العقد بحيث تم عقد الزواج مبنياً عليه، أو في ضمن عقد آخر جائزٍ أو لازم، قبل تزوجهما أو بعده؛ فإن لم يف المشروط عليه بما شرطه على نفسه أثم بذلك ولم يبطل به العقد، وجاز للشارط إلزامه بالوفاء له بكل وسيلة مشروعة. هذا إذا كان الشرط سائغاً، أما إذا كان الشرط محرماً، كأن شرط عليها أن تنزع الحجاب عن رأسها، أو أن تقدم الخمر لضيوفه، أو نحو ذلك، فإن الشرط لا ينعقد حتى لو رضي به المشروط عليه، ولكن لا يبطل به عقد الزواج.
مسألة 642: إذا وقع عقد الزواج مستكملاً لشروطه كان لازماً، فلا ينفسخ إلا إذا انكشف وجود عيب من العيوب التي يسمح بموجبها للطرف الآخر بفسخ العقد؛ أو إذا عرض ما يوجب بطلان الزواج، كالإرتداد، أو حرمة أحدهما على الآخر مؤبداً بمثل الرضاع، أو غير ذلك من الأسباب التي سنذكرها مفصّلاً في موضع آخر من هذا الفصل، إضافة إلى زوال أثر العقد بالطلاق أو الموت.
المبحث الثاني: في أهلية المتعاقدين
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في ما يعتبر في المتعاقدين
مسألة 643: لا تختلف الشروط المعتبرة في المتعاقدين في الزواج عن الشروط المعتبرة فيهما في سائر العقود والمعاملات، ورغم أنّنا ذكرناها مفصّلة في مواضع متعددة من أبواب الجزء الثاني وأبواب هذا الجزء، فإنّ إعادة ذكرها هنا مقترنة بما يناسب هذا الباب أحسن وأنفع، فنقول:
يعتبر في المتعاقدين توفر أمور:
الأول: البلوغ، فلا يصح عقد الصبـي غير المميز ـ لا لنفسه ولا لغيره ـ ولو بإذن الولي أو الغير، فيما يصح عقد الصبي المميز وكالة عن الغير، بل وكذا لنفسه مع إذن الولي، فإن عقد بغير إذنه لم يصح إلا أن يجيزه الولي، أو يبلغ هو فيجيز عقد نفسه إن كان قد سكت الولي قبل بلوغه عن الإذن وعدمه، أو لم يتيسر له استئذانه حينذاك.
الثاني: العقل، فلا يصح عقد المجنون حال جنونه ولو كان أدوارياً، فيما يصح من الأدواري حال عقله. أما السفيه فالأحوط وجوباً له عدم الاستقلال بعقد زواجه إجمالاً، كما سيأتي، فيما يصح كونه وكيلاً عن الغير في التزويج وغيره دون حاجة إلى إذن الولي ولو فيما يستلزم تصرفاً بمال الغير (أنظر المسألة: 427).
الثالث: القصد، فلا يصح العقد من النائم والساهي والغالط والسكران.
الرابع: الاختيار، فلا يصح عقد المكره إذا صدر منه الإيجاب أو القبول بغير رضا منه، لكنه إذا رضي بعد ذلك وأجاز صح العقد من دون حاجة لتجديده، وإن كان الأفضل تجديده، نعم إذا كان الإكراه بدرجة ينتفي معها القصد فإن العقد يبطل ولم تنفع فيه الإجازة اللاحقة. هذا، ولا يعتبر من الإكراه ما لو خضعا كلاهما أو أحدهما لضرورة طارئة، بحيث لولاها لم يكونا ليتزوجا، لأنه حيث اقترن بالرضا ـ ولو تكيفاً مع الضرورة ـ يصح وينفذ. (أنظر الجزء الثاني، ص: 446، فقرة: «الثالث»).
مسألة 644: لا يمنع فقد الأهلية بالصغر أو الجنون من تزويج الفاقد لها، فيتصدى الولي لذلك مباشرة أو من خلال وكيله، وذلك بتفصيل سيأتي بيانه لاحقاً. (أنظر المسألة: 650 وما بعدها).
المطلب الثاني: في أحكام قيام الغير بالعقد
ونريد به بيان أحكام قيام غير المعقود لهما بالعقد لهما، سواءً كان مأذوناً كالوكيل والولي أو غير مأذون كالفضولي، وذلك على النحو التالي:
أولاً: في عقد الوكيل
مسألة 645: يصح التوكيل في إجراء عقد الزواج من قبل الطرفين أو أحدهما إن كانا كاملين، أو من قبل وليهما إن كانا قاصرين، وحينئذ يجب على الوكيل أن يقتصر على ما عيّنه له الموكِّل من شؤون الزواج حتى لو كانت على خلاف مصلحته، فإن تعداه كان عمله فضولياً، فيتوقف نفوذه على إجازة الموكل؛ أمَّا إذا فوض إليه القيام بما يناسبه من شؤون العقد وتحديد المهر وغيرهما من خصوصيـات الـزواج، فإنـه يجب علـى الوكيـل ـ حينئـذ ـ مراعاة مصلحة الموكِّل، فإن تعداها كان فضولياً أيضاً.
مسألة 646: يعتبر في الوكيل والموكِّل توفر ما سبق ذكره فيهما في باب الوكالة، وكما هو الأمر في غير الزواج من المعاملات، فإنه يصح في الزواج ـ أيضاً ـ أن يتولى شخص واحد الوكالة عن الطرفين، بل يجوز أن يكون أحد الطرفين وكيلاً عن الطرف الآخر ولو كان الوكيل عن الرجل هو المرأة التي يريد التزوج بها.
مسألة 647: يجوز لمن وكلته المرأة في أن يختار لها زوجاً ويعقد لها عليه أن يزوجها من نفسه إذا كان قد فهم من ظاهر كلامها العموم، فضلاً عما لو كانت قد صرحت به، وإلا لم يجز له تزويجها من نفسه، فإن فعل كان فضولياً متوقفاً على إجازتها.
مسألة 648: لا يجوز لطرفي العقد ترتيب الآثـار عليـه قبـل الاطمئنان ـ أو قيام البيّنة ـ على إيقاع العقد، ويكفي فيه الاطمئنان الحاصل من إخبار الوكيل؛ فلا يكفي مجرد الظن، كما أنه يشكل الاكتفاء بإخبار الوكيل إن لم يفد الاطمئنان. نعم لا أثر للشك في إتيان الوكيل به صحيحاً بعد العلم بإيقاعه له.
مسألة 649: إذا زوج مُدَّعي الوكالة رجلاً فأنكر الرجل وكالته، فإن حلف على عدم توكيله لزم الوكيلَ دفعُ نصف المهر للمرأة على كل حال، أي: حتى مع اعتقاده كذب الموكِّل؛ أما حال المرأة من كونها زوجة له أو ليست زوجة له، فإن علم الموكِّل من نفسه كذبه لزمه طلاقها، فإن لم يفعل ذلك، مكابرة أو لإعتقاده عدم توكيله اشتباهاً أو نسياناً، وكانت المرأة معتقدة صدق الوكيل لم يكن لها أن تتزوج من غيره إلا بعد رفع أمرها إلى الحاكم ليطلقها، وأما مع عدم العلم بكذب الموكِّل في الإنكار فإنه يحكم ظاهراً بلغوية عقد الوكيل وبطلانه، ثُمَّ بكونها خلية.
ثانياً: في عقد الولي
لا يستقل الصغير والمجنون والسفيه في تزويج أنفسهم إلا أن يأذن الولي لبعضهم أو يتولى هو العقد بنفسه أو من خلال وكيله، وتفصيل ذلك كما يلي:
مسألة 650: يجوز للأب والجد للأب أن يزوج الصغير، ذكراً كان أو أنثى، مع وجود مصلحة ملزمة للصغير في ذلك، وكذا فإنّ لهما الولاية على تزويج المجنون بنحو ما جاز لهما في الصغير إذا كان قد بلـغ مجنونـاً؛ وأما السفيـه ـ ذكراً كان أو أُنثى ـ فإن ولايتهما عليه منوطة بكونه قد بلغ سفيهاً، وأيضاً بكونه سفيهاً في جميع أموره، وحيث يكون كذلك فإن عليه الاحتياط وجوباً بأن يستأذن أباه أو جده لأبيه عند إرادته التزوج.
أما الوصي من قبل الأب أو الجد للأب فإنه يتولى زواج الصغير والمجنون عند فقد الموصي إذا كان قد نص على التزويج بخصوصه، وكذا يتولى من السفيه ما كان يتولاه الموصي أيضاً، وجميع ذلك بنفس النحو الذي يتولاه الموصي.
وأما الحاكم الشرعي، فإن له الولاية على تزويج الصغير عند فقد الأب والجد للأب والوصي عنهما عند اضطرار الصبي للزواج؛ كما أن له الولاية على المجنون مع فقدهم في مورد ولايتهم، وهو ما لو اتصل جنونه ببلوغه، إضافة إلى ولايته عليه في المورد الذي لا ولاية لهم عليه، وهو ما لو حدث له الجنون بعد البلوغ، وجميع ذلك مرهون باضطراره إلى الزواج؛ وكذا فإن له الولاية على السفيه مع فقد الأب والجد للأب والوصي عنهما في مورد ولايتهم، وهو ما لو بلغ سفيهاً في جميع أموره، بل وفي موردٍ لا ولاية لهم عليه، وهو ما لو صار سفيهاً بعد البلوغ، أو قبله ولكن كان سفيهاً في أمر زواجه خاصة، فإن عليه أن يحتاط وجوباً باستئذان الحاكم الشرعي.
وأما العدل من المؤمنين فإنه يتولى من الزواج ما يتولاه الحاكم الشرعي عند فقده. (أنظر تفصيل أحكام الولاية في الجزء الثاني من فقه الشريعة، ص 26 وما بعدها).
مسألة 651: المعيار فـي كون زواج الصغيـر ـ أو المجنـون ـ مصلحة له في بعض الموارد، وضرورة له في موارد أخرى، هو ما يكون في نظر العقلاء كذلك، لا في نظر الولي وحده، فلو رأى العقلاء في تزويجه مصلحة، فزوجه الولي وفقاً لتلك المصلحة صح العقد ونفذ، ويكفي في استكشاف رأي العقلاء معرفته الإجمالية باتجاهات العرف وذوقه بوصفه واحداً منهم، وذلك دون حاجة لمشورتهم وإشراكهم فعلاً في أمر تزويج الصغير. وعلى كل حال، فلو تبيّن فيما بعد أن الزواج حين إنشاء عقده لم يكن فيه مصلحة للقاصر بطل العقد، إلا أن يكون الانكشاف بعد بلوغ الصغير أو عقل المجنون فإنهما يتخيران ـ حينئذٍ ـ بين إمضاء العقد أو فسخه.
مسألة 652: تختلف الولاية على السفيه عن الولاية على الصغير والمجنون من حيث إن لرضا السفيه دخالة في المعاملات غير المالية ولكن لا باستقلاله، بل لا بد ـ على الأحوط وجوباً ـ من ضم إذن الولي بذلك العقد كي يصح وينفذ، فيما لا دخالة ـ بل لا قيمة ـ لرضا الصغير والمجنون بالمعاملة التي يريد الولي القيام بها لصالحهما ووفقاً لما تقتضيه مصلحتهما، ويترتب على هذا الفرق أنّ إذن الولي للسفيه في التزويج ليس مرهوناً بوجود مصلحة للسفيه فيه، فضلاً عن أنه ليس مرهوناً بكون التزويج ضرورياً له، نعم لا شك أن الهدف منه هو مساعدة السفيه كي لا يقع في المفسدة.
ثالثاً: في عقد الفضولي
مسألة 653: يراد بـ (العقد الفضولي): العقد الصادر من غير المأذون له بأصل إنشائه، أو من غير المأذون بإنشائه على الوجه الذي وقع عليه. فإذا قام شخص بتزويج القاصر من دون أن يكون ولياً له ولا وكيلاً من قبل الولي، أو قام شخص بتزويج شخص كامل ـ رجـلاً كـان أو إمـرأة ـ من دون أن يكون وكيلاً عنه، أو بغير الكيفية الموكل بها، كان العقد فضولياً، فيتوقف نفوذه في حق المعقود له إذا كان قاصراً على إذن الولي وإجازته له مع مراعاة المصلحة أو الضرورة، وفي حق غير القاصر على إجازته ورضاه به بالنحو الذي وقع، وذلك من دون فرق بين ما لو كان العاقد فضولياً من طرف واحد أو من الطرفين؛ وحينئذٍ فإن أجازه صح العقد وترتبت عليه آثاره، وإن رده بطل العقد ولم يكن له أثر؛ بل لو فرض كون العقد فضولياً من طرف وأصيلاً من طرف آخر، فإنه كما يكون الطرف المعقود له فضولاً مخيراً بين القبول والرد فإن الطرف الأصيل يكون ـ أيضاً ـ مخيراً بين الاستمرار على العقد وبين الفسخ في هذه الفترة من التزلزل التي تسبق إجازة المعقود له فضولاً.
مسألة 654: لا تثبت آثار الزوجية من القرابة والنفقة وغيرهما ثبوتاً فعلياً على الطرف الأصيل أو المجيز في فترة ما قبل إجازة الطرف الآخر، فلو كان أحد المتعاقدين أصيلاً، أو كانا كلاهما قد عُقِد لهما فضولاً فأجاز أحدهما قبل الآخر، لم تحرم على ذلك المعقود له أم المرأة المعقود عليها فضولاً قبل إجازتها، فلو عقد على أمها صح عقده وكان ذلك منه فسخاً إذا كان أصيلاً، ورجوعاً عن الإجازة إذا كان معقوداً له فضولاً ما دام الآخر لم يجز العقد من جانبه، وإلا لم يكن للأول الرجوع عنها بعد إجازة الثاني، كما سيأتي في (المسألة: 656)، وحيث لم تصدر الإجازة من المرأة بعد فلا حاجة لها بعدما لغى عقدها الفضولي بتزوج المعقود لها عليه من أمها. وهكذا أمر النفقة، فإنه لا يحق لها مطالبته بالنفقة قبل إجازتها لعقدها الصادر من غيرها فضولاً، رغم أنها تحتسب لها تمام نفقتها من حين صدور عقد الفضولي إذا أجازته، كما سيأتي. (أنظر المسألة: 724).
مسألة 655: لا يكفي الرضا القلبي بالعقد الصادر من الفضولي، بل لا بد من صدور قول أو فعل يدل على إجازة المعقود له العقد، ويكفي فيهما كل ما يدل عليها؛ نعم يستثنى من ذلك البكر، فإنه يكفي في إذنها سكوتها إذا ظهر منه الرضا. ولا يعتبر في الإجازة الفور، فلو أخرها مدة طويلة أو قصيرة صحت حتى لو كان التأخير لغير سبب ولا ضرورة، فضلاً عما لو كان من أجل التفكير في الأمر والاستشارة.
مسألة 656: لا يضر بالإجازة كونها مسبوقة بالرفض والممانعة والكراهة لما صدر عن الفضولي، فلو أجاز بعد الرد صحت منه وأثّرت حتى لو كان النهي سابقاً على العقد؛ وحيث تصدر الإجازة من الطرف المعقود له فضولاً فإن العقد يلزم بها إذا كان الطرف الأول قد وافق على العقد أصالة أو بإجازة ما عقده له الفضوليُّ هذا نفسُه أو غيرُه، إذ بموافقته يكتمل العقد فيقع لازماً، فإنْ ردَّ المجيز منهما ـ ولو كانا كلاهما ـ بعدما تحقّق الرضا به منهما لم يكن لرده ـ بل ولا لردهما ـ أثر، بل يستمر العقد لازماً لا ينفسخ إلا بأسبابه التي ستأتي، أو بالطلاق.
المبحث الثالث: في أحكام البطلان والفسخ
وفيه ثلاثة مطالب:
ونريد به بيان ما يعرض على العقد فيوجب بطلانه بعدما كان قد وقع صحيحاً، وهو ما يصطلح عليه بــ (الانفساخ)، وبيان ما ينكشف معه بطلان العقد من الأوَّل بعد توهم وقوعه صحيحاً، وهو ما سوف نعبر عنه بــ (البطلان)، وبيان ما ينكشف من العيوب التي يثبت بها خيار الفسخ، وهو ما يصطلح عليه بــ (الفسخ) من حيث هو فعل اختياري، وذلك في قبال الانفساخ الذي هو أمر قهري، وذلك في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في ما يوجب البطلان قهراً
وهو ما يحدث عند عروض الأمور التالية:
الأول: الارتداد، وتفصيل أحكامه كما يلي:
أولاً: في عروض الكفر على زواج المسلميْن
مسألة 657: (الارتداد) هو: (اعتقاد المسلم البالغ لغير الإسلام من العقائد والأديان، كاعتقاده عقائد الإلحاد أو الوثنية أو أهل الكتاب، أو إنكاره لأصل من أصول الإسلام الثلاثة، وهي التوحيد والنبوة والمعاد، أو إنكاره لما ثبت في الدين بالضرورة إذا استلزم إنكاره له تكذيب النبي w)، فإن كان قد تولد من أبوين مسلمين ـ أو أحدهمـا مسلـم ـ ثم ارتد بعد بلوغه فذلك هو (المرتد الفطري)، وإن كان قد تولد من أبوين كافرين، فأسلم بعد بلوغه ثم ارتد، فذلك هو (المرتد المِلِّي).
مسألة 658: إذا عرض الإرتداد للزوج وحده أو مع زوجته، فإن كان ارتداده عن فطرة بطل الزواج ولزم المرأة أن تعتد عدة الوفاة، وليس له أن يرجع إليها إذا تاب ـ وتابت هي إن كانت قـد ارتـدت معـه ـ إلا بعقد جديد، حتى لو كانت توبتهما خلال فترة العدة. وإن كان ارتداده عن ملة ولم تكن مدخولاً بها أو كانت صغيرة أو يائسة فيبطل نكاحها ـ أيضاً ـ وتبين منه دون أن يكون لها عدة، فإن رغبا بالرجوع مع تحقّق التوبة، لزمهما عقد جديد؛ وإن كانت مدخولاً بها ولم تكن صغيرة ولا يائسة لزمها الإنفصال عنه والبقاء في عدتها مدة عدة الطلاق، فإن تاب ـ وتابت هي معه إن كانت قد ارتدت ـ خلال فترة العدة بقيا على الزوجية قهراً، وإن انقضت عدتها قبل التوبة فإنه ينكشف به بطلان الزواج منذ الإرتداد، وتقع بينهما البينونة التامة، وتملك المرأة بعدما انقضت عدتها أمر نفسها، فإن رغبا بعد ذلك في الزواج بعد توبتهما لزمهما عقد جديد. هذا، وإنما يعول في ثبوت الحكم في هذه المسألة بهذا النحو على نوع ارتداد الرجل وأنه عن فطرة أو عن ملة، فلا أثر لنوع ارتداد الزوجة ـ على الحكم المذكور ـ إذا كانت قد ارتدت معه، فيتساوى الحكم فيها بين ما لو كان ارتدادها عن فطرة أو عن ملة.
هذا كله إذا ارتد الزوج وحده أو مع زوجته، أما إذا ارتدت الزوجة وحدها عن فطرة أو عن ملة، فإن كانت غير مدخول بها أو كانت يائسة بطل زواجها بمجرد ارتدادها ولم يكن عليها عدة، ثم لا بد له من عقد جديد عليها إذا تابت بعد ذلك؛ وإن كانت مدخولاً بها ولم تكن يائسة فارتدت لزم زوجَها الإنفصالُ عنها مدة عدة طلاقها، فإن تابت خلال فترة عدتها بقيا على الزوجية قهراً، وإن لم تتب حتى انقضت عدتها انكشف بطلان زواجها منذ ارتدادها وتحقّقت بينهما البينونة التامة، ولم يكن له تزوجهـا بعد ذلك ـ حيث يجـوز لـه ـ إلا بعقد جديد.
ثانياً: في عروض الإسلام على زواج الكافرين
مسألة 659: إذا أسلم الزوجان الكافران في وقت واحد بقي زواجهما على ما هو عليه ما لم يكن باطلاً من جهة أخرى، كحرمتها عليه من جهة كونها أخته، أو لغير ذلك، وإذا أسلم أحدهما دون الآخر إختلف حكمه على النحو التالي:
إذا أسلم الزوج الكتابي أو الوثني وبقيت زوجته على دينها، فإن كانت كتابية بقيا على زواجهما ولو لم يكن قد دخل بها، وإن كانت وثنية وكان قد أسلم قبل الدخول بها انفسخ النكاح في الحال، وإن كان قد أسلم بعد ما دخل بها إنفصل عنها وانتظر مضي عدتها بمقدار عدة الطلاق، فإن أسلمت خلال عدتها بقيا على زواجهما، وإن لم تسلم حتى مضت عدتها انكشف انفساخ زواجهما منذ إسلام الزوج.
أما إذا أسلمت الزوجة وبقي زوجها على دينه، فإن كان إسلامها قبل الدخول بطل نكاحها، وإن كان بعد الدخول انفصلت عنه وانتظرت مدة عدة الطلاق، فإن أسلم خلال فترة العدة بقيا على زواجهما، وإن لم يسلم حتى مضت عدتها انكشف أنها قد بانت منه حين إسلامها، وذلك من دون فرق في الجميع بين ما لو كان الزوج، وكذا الزوجة قبل إسلامها، كتابيين أو وثنيين أو مختلفين.
الثاني: الرضاع المحرِّم
ونريد به حرمة أحد الزوجين على الآخر بسبب حدوث الرضاع المحرِّم، وذلك أن الرضاع كما يسبب الحرمة قبل الزواج فلا يجوز معه التزوج ممن سبق ذكرهم في المطلب الثاني من المبحث الثاني من الفصل الأول، فإنه يسبب الحرمة بنفس الكيفية إذا حدث بعد الزواج، فيبطل به ـ حينئذ ـ زواج المرضعة، كما لو أرضعت الزوجة زوجها الرضيع، أو يبطل به زواج المرتضعة، كما إذا أرضعت الزوجة الكبيرة ضُرَّتها الرضيعة، أو يبطل به زواج غيرهما، كما إذا أرضعت المرأة طفلاً لزوج بنتها، فإن المورد من موارد حرمة الزوجة التي هي بنت المرضعة، إجمالاً، وتفصيل ذلك يقع في مسائل:
مسألة 660: إذا كانت الزوجة صغيرة فأرضعتها واحدة من أقارب الزوج بنحو صارت فيه تلك الزوجة من محارمه، وذلك كما لو أرضعتها أمه أو بنته أو أخته أو بنت أخيه أو بنت أخته أو زوجة أخيه من لبن أخيه، فإنها بالرضاع الشرعي الكامل تصير تلك الزوجة بنته أو أخته أو بنت أخيه أو بنت أخته، فتحرم عليه مؤبداً.
مسألة 661: إذا كان الزوجان وَلدَيْ عم، وكانا كلاهما رضيعين أو أحدهما، فأرضعت جدتهما لأبويهما أو لأمهما أحدهما بطل نكاحهما؛ لأن المرتضع إن كان هو الزوج، وكانت المرضعة جدته لأبيه، فإنه يصير عماً لزوجته، وإن كان المرتضع من الجدة للأب هو الزوجة فإنها تصير عمة لزوجها؛ وأما إذا كانت المرضعة هي جدته لأمه، فإن الرضيع الزوج يصير خالاً لزوجته، والرضيعة الزوجة تصير خالة لزوجها.
مسألة 662: إذا أرضعت أم الزوجة النسبية أحد أولاد زوج إبنتها، فقد ذهب المشهور إلى حرمة بنتها على زوجها، سواء كان الرضيع ولداً لبنتها أو لضرتها، وسواءً أرضعته من لبن والد بنتها المزوجة هذه أو من لبن زوج آخر للأم غير والدها، لأنه لما صار الزوج بهذا الرضاع والداً للمرتضع، وكانت الزوجة بنتاً للمرضعة، صارت هذه الحالة من موارد القاعدة التي مفادها أنه: «لا ينكح أبو المرتضع في أولاد المرضعة النسبيين»؛ وهذا هو الأحوط، وإن كان لا يبعد القول بعدم نشر الحرمة في مفروض هذه المسألة.
مسألة 663: إذا أرضعت زوجةُ رجلٍ بلبنه إبن أو بنت زوج بنته النسبية أو الرضاعية، فالأفضل الاحتياط بمفارقة البنت لزوجها بعدما صار المورد من موارد: (نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن)، مع الالتفات إلى أن ذلك الاحتياط يقتضي ـ أيضاً ـ أن لا تتزوج من غيره إلا بعد طلاقها منه ومضي عدتها، وذلك من دون فرق بين ما لو كان الطفل من بنت زوج المرضعة أو من ضرتها.
مسألة 664: إذا أرضعت المرأة أحد أولاد إبنها الذكور أو الإناث لم يترتب عليه حرمة زوجة الإبن عليه، رغم أن ولده يصير أخاه. ورغم ترتب آثار القرابة بالنحو الذي ذكرناه سابقاً، وذلك من قبيل حرمة تزوج الولد المرتضع من أبناء أو بنات عمه وعمته لأنه يصير عماً أو عمة لأولاد عمه، وخالاً أو خالة لأولاد عمته.
مسألة 665: يحدث بالرضاع علاقات قربى غير مضرة بالعلاقة الزوجية لعدم انطباق شيء من عناوين المحارم الرضاعيين التي ذكرناها في الفصل الأول في إطار موجبات حرمة التزوج في (المسألة: 585، وما بعدها)، فحيث لا يكون أحد الزوجين من أولئك (المحارم)، لا يتأثر زواجهما بالقرابة الناشئة من الرضاع، ويتفرع على ذلك أنه لا تحرم المرأة على زوجها إذا أرضعت بلبنه أشخاصاً نذكرهم على النحو التالي:
1 ـ أخاها أو أختها، وإن صارت بذلك أختاً لولد زوجها.
2 ـ ولد أخيها أو أختها، وإن صارت بذلك عمة أو خالة لولد زوجها.
3 ـ ولد ولدها، وإن صارت بذلك جدة لولد زوجها، ومثله أن ترضع إحدى زوجتي الشخص ولد ولد الأخرى، فإن الأخرى تصير جدة لولد زوجها.
4 ـ عمها أو عمتها، وإن صار الزوج بذلك أباً لعمها أو عمتها.
5 ـ خالها أو خالتها، وإن صار الزوج بذلك أباً لخالها أو خالتها.
6 ـ ولد عمها أو خالها، وإن صار الزوج بذلك أباً لابن عمها أو ابن خالها، وأما لو أرضعت ولد عمتها أو خالتها فلا تحرم عليه بلا إشكال؛ لأن الزوج يصبح أباً لابن عمتها أو لابن خالتها فيكون بمنزلة زوج عمتها أو خالتها وزوج العمة أو الخالة غير محرم على المرأة ذاتاً.
7 ـ أخا الزوج أو أخته، وإن صارت بذلك أماً لأخي زوجها أو أخته.
8 ـ ولد إبن الزوج، وإن صارت بذلك أماً لولد إبنه.
9 ـ ولد بنت الزوج، وإن صارت بذلك أماً لولد بنته.
10 ـ ولد أخت زوجها، وإن صارت بذلك أماً لولد أخته، وأما لو أرضعت ولد أخي زوجها فلا تحرم عليه بلا إشكال؛ لأنها تصبح أماً لولد أخيه فتكون بمنزلة زوجة أخيه، وزوجة الأخ غير محرمة على الزوج ذاتاً.
11 ـ عم الزوج أو عمته، وإن صارت بذلك أم عم الزوج أو عمته.
12 ـ خال الزوج أو خالته، وإن صارت بذلك أم خال الزوج أو أم خالته.
الثالث: الوفاة حال المرض
مسألة 666: إذا أنشأ المريض في مرض موته عقد زواجه، صح منه ونفذ وترتبت عليه جميع آثاره إذا دخل بها قبل موته، فإن مات قبل الدخول بطل العقد وصار ـ من حيث آثاره ـ بمنزلة المعدوم، فلا مهر للمرأة ولا ميراث ولا عدة وفاة، بل ولا تثبت به قرابة المصاهرة من حيث حرمة تزوج أولاده منها، ونحو ذلك.
وكما يبطل العقد بموت المريض نفسه قبـل الدخـول فإنه يبطـل ـ أيضاً ـ بموت المـرأة التي تزوجهـا ذلك الرجـل أثناء مرضـه إذا ماتـت ـ ولو عن غير مرض ـ قبل الدخول بها أثناء حياة زوجها ثم مات زوجها في مرضه بعدها، فيبطل العقد ولا تستحق عليه مهراً ولا يرثها.
نعم لو كان الزوج سليماً، فتزوج إمرأة مريضة، فماتت في مرضها قبل الدخول، صح العقد وترتبت عليه آثاره من ميراث ومهر وقرابة وغيرها.
مسألة 667: المراد بـ (مرض الموت) ما يشمل المرضَ المؤدي إلى الموت عادة وغيرَه من الأمراض العاديَّة التي يحدث الموت أثناءها دون أن تكون هي سبب موته، كأنْ مات من غير سبب واضح أو بسبب آخر من قتل أو مرض آخر، سواءً قصرت فترة مرضه أم طالت؛ فلو برأ من مرضه ثم مات قبل الدخول بأي سبب كان صح عقده وترتبت عليه آثاره.
الرابع: اللعان وما بحكمه
مسألة 668: (اللعان) هو: (تحالف الزوجين أمام الحاكم الشرعي بكيفية خاصة تتضمن لعن الكاذب، ويكون هدف الزوج من الحلف إثبات الزنى على الزوجة، ويكون هدف الزوجة منه نفي الزنى عن نفسها)، وقد ينتج عنه نفي الولد، وذلك بتفصيل وافٍ يأتي في محله؛ فإذا تلاعن الزوجان بالشروط المعتبرة حرمت المرأة على زوجها مؤبداً بمجرد تحقّق اللعان، دون حاجة إلى إيقاع طلاق ولا فسخ. هذا، ويجري اللعان في الزواج الدائم، وكذا في الزواج المؤقت على الأحوط وجوباً.
مسألة 669: إذا اتهم زوجته الخرساء بالزنى حرمت عليه مؤبداً بمجرده، دون حاجة إلى إيقاع طلاق أو فسخ، وكذا حكم ما لو قذف زوجته الصماء على الأحوط وجوباً؛ سواءً في ذلك المدخول بها أو غير المدخول بها، وسواءً الدائمة أو المتمتع بها، وسواءً كان متيقناً من زناها أو غير متيقن، نعم يأثم غير المتيقن ويُحدُّ حدَّ القذف بجلْده خمساً وسبعين جلدة إن لم يقم البينة على زناها، فيما لا يأثم المتيقن لكنه ـ أيضاً ـ يحد حد القذف ما لم يقم بيّنة على صدقه.
المطلب الثاني: في موجبات خيار الفسخ
ونريد به بيان أحكام ما لو ظهر عيب أو تدليس في أحد الزوجين، بحيث يثبت للآخر بسببهما خيـار فسخ العقد والتحلل منـه ـ بدون حاجة إلى إيقاع الطلاق معه ـ إن رغب بذلك، أو إمضاء العقد والبقاء عليه، وهو ما نعرض لتفصيله في فرعين:
الفرع الأول: في خيار العيب
وهو الذي يثبت لأحد الطرفين عند ظهور عيوب خاصة في الطرف الآخر، ولما كانت بعض عيوب كل منهما مختلفة عن الآخر نوعاً وحكماً فإن بيان أحكامها يستدعي تخصيص عنوان لعيوب كل واحد منهما على النحو التالي:
أولاً: عيوب الزوجة
مسألة 670: عيوب الزوجة التي يثبت بها خيار الفسخ للزوج سبعة:
1 ـ الجنون ولو كان أدوارياً، وقد سبق منا تحديد المراد به في مباحث المدخل من الجزء الثاني من هذه الرسالة، (أنظر ص: 23). وهو لا يشمل ما لا يوجب اختلال العقل من الأمراض النفسية، ولا يشمل أمراض الدماغ والجهاز العصبي، من قبيل مرض الصرع ونحوه.
2 ـ العمى، وهو: (ذهاب البصر عن العينين ولو كانتا مفتوحتين). فلا يشمـل غيره من أمراض العين وعيوبها، كالعور والحول وضعف الرؤية وغيرها.
3 ـ الإقعاد بالشلل ونحوه من الأمراض الموجبة له، بل وكذا العرج ولو لم يبلغ حد الإقعاد إذا كان بيّناً ظاهراً.
4 ـ القَرْن، وهـو: (لحـم ـ أو عظـم ـ زائـد ينبت في الفرج)، ويقال لـه ـ أيضاً: (العفل)، وحدُّه أن يكون معيقاً للعلاقة الجنسية الطبيعية، ولو لم يمنع منها تماماً ومن الحمل أيضاً.
5 ـ الإفضاء، وهو: (تشوه في فرج المرأة ينتج عنه اتحاد مسلكي البول أو الغائط مع مسلك الحيض، أو اتحاد المسالك الثلاثة مع بعضها).
6 ـ الجُذام، وهو: (مرض يظهر معه يبس الأعضاء وتناثر اللحم).
7 ـ البرص، وهو: (مرض جلدي يظهر بصورة بياض ينتشر في الجلد).
هذا، ولا يبعد ثبوت الخيار بكل مرض معدٍ مما يوجب خوف الزوج منه على نفسه، كالسل أو الإيدز ونحوهما، وإن كان ينبغي مراعاة الاحتياط بضم الطلاق إلى الفسخ.
مسألة 671: يثبت خيار الفسخ للزوج في حالة ما لو كان العيب سابقاً على العقد وانكشف بعده؛ بل وكذا بما يتجدد بعده مع الاحتياط استحباباً باقتران الفسخ بالطلاق في صورة تجدد العيب بعد العقد، سواء في ذلك ما لو كان قد حصل العيب قبل الدخول بها أو بعده.
ثانياً: عيوب الزوج
مسألة 672: عيوب الزوج التي يثبت بها خيار الفسخ للزوجة كثيرة نذكرها كما يلي:
1 ـ الجنون بالنحو الذي ذكرناه في الزوجة، ويثبت به الخيار للزوجة حتى لو حدث بعد العقد، بل وبعد الدخول بالزوجة.
2 ـ الجَبُّ، وهو: (قطع العضو الذكري قطعاً تاماً أو شبه تام بحيث لم يبق منه ما يمكن الجماع به). ويثبت به الخيار حتى لو حدث بعد العقد وبعد الدخول بالزوجة.
3 ـ العَنَنُ، وهو: (المرض المانع من انتصاب العضو الذكري بحيث لا يقدر معه على الإيلاج)، ويثبت الخيار بما سبق منه على العقد، وكذا بما تجدد بعد العقد وقبل الدخول، أما لو تحقّق منه الدخول بعد العقد ثم حدث له العنن فالأقرب أن لها الخيار أيضاً. هذا، وكما يثبت لها الخيار في حالة ما لو كان عاجزاً عن وطئها ووطىء غيرها، فإنه يثبت ـ أيضاً ـ في صورة ما لو عجز عن وطئها هي وحدها دون غيرها إذا كان العجز عنها دائماً، وإن كان ينبغي مراعاة الاحتياط بضم الطلاق إلى الفسخ في هذا المورد وفي المورد الذي قبله، أي: في صورة ما لو طرأ العنن بعد الدخول؛ أما إذا كان عجزاً طارئاً بحيث يمكن حصوله لأمثاله فلا خيار لها. وحدّ العنن الموجب للخيار هو ما لو فقدالإنتصاب حين إرادة الإيلاج، فلا يمنع من ثبوت الخيار قدرته على الانتصاب في سائر الأوقات إلا حين الإيلاج.
4 ـ الخصاء والوجاء، وهما (حدثان يعرضان على الخصيتين ويسببان العقم والعنن) ويثبت بهما الخيار للزوجة.
5 ـ الجذام والبرص والعمى بالنحو الذي ذكر في المرأة، وهذه العيوب ـ وكذا الخصاء والوجاء ـ يثبت بها الخيار للمرأة سواءً كانت سابقة على العقد أو لاحقة له مع عدم العلم به؛ بل لا يبعد ثبوت الخيار بحدوث كل مرض مُعدٍ كالسل والإيدز بالنحو المذكور، وإن كان ينبغي الاحتياط بضم الطلاق إلى الفسخ بهذه الأمراض المعدية.
ثالثاً: في أحكام خاصة بالعيب
مسألة 673: لا يثبت خيار الفسخ بعيبٍ غير العيوب المذكورة إلا أن يكون معه تدليس فيكون الفسخ بالتدليس لا بالعيب نفسه، كما سيأتي تفصيله، فلا فسخ بمثل العقم للرجل ولا للمرأة، ولا بمثل العجز عن النفقة، بل ولا بغيرهما من العيوب مهما كانت خطيرة أو مزعجة، نعم حيث يترتب على ذلك العيب ضرر للآخر فإن للمتضرر أن يرفعه بالطلاق إن كان رجلاً، وبطلب الطلاق إن كان إمرأة، فإن استجاب لها الزوج كان خيراً، وإلا رفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي فيطلقها، وهو أمر آخر غير الفسخ.
مسألة 674: يكفي في ثبوت خيار الفسخ بالعيوب المذكورة مجرد عروضها لأحد الزوجين إذا كان زمن الشفاء منها طويلاً، أو امتنع المصاب بها عن معالجتها، فضلاً عما لو كانت مزمنة، وذلك كما في مثل الإقعاد والعرج والعمى والبرص والجذام وغيرها؛ نعم يستثنى من ذلك العنن فإنه يجب على المرأة أن تمهل زوجها سنة بكيفية معينة نذكرها لاحقاً؛ كما يستثنى من ذلك ما لو قصرت مدة الشفاء بنحو يعدّ فيه وجود العيب كعدمه، كعروض العرج لكسر أو لَيَّةٍ، أو عروض العمى لعارض في الجهاز العصبي لأيام قليلة، أو ما أشبه ذلك مما لا يكاد يصدق عليه أنه عيب عند العرف.
مسألة 675: تثبت العيوب المذكورة بإقرار صاحب العيب بوجوده فيه، وبالبيّنة على إقراره به أمامها، وبشهادة رجلين عادلين على وجوده فيه بما في ذلك العنن؛ وكذا تثبت العيـوب الباطنـة للنسـاء ـ إضافـة إلى ثبوتها بالإقرار وبالبيّنة على إقرار المرأة به أمامها ـ بشهادة أربع نسوة عادلات.
مسألة 676: إذا اختلفا في وجود العيب وعدمه، فإن كان لمدّعي العيب بيّنة حُكم له به، وإلا فإنَّ له أن يطلب إحلاف المنكر، فإن حلف المنكر حُكم له، وإن نكل عن الحلف ولم يَرُدَّه على المدعي تخيّر الحاكم بين أن يحكم عليه وبين ردَّ الحلف على المدعي، وحينئذٍ فإنْ اختار الحاكـم ردَّ اليميـن على المدعـي ـ أو كان المنكر قد ردَّه عليه ـ فَحَلفَ حَكَم له، وإن لم يحلف حَكَم عليه.
الفرع الثاني: في خيار التدليس
التدليس ـ لغة ـ: مصدر من الفعل الرباعي (دلَّس)، بمعنى: (كتم العيب وأظهر من صفات الكمال ما ليس له واقع، بصورة الواقع)؛ وهو نوع من الغش المحرم، ويستخدم لفظ التدليس في تزييف صفات الإنسان غالباً، فيما يستخدم لفظ (الغش) في تزييف صفات الأشياء، وإن كان قد سمي به أحد خيارات الفسخ في المعاملات الواقعة على الإنسان أو الأشياء، فحكم الفقهاء بثبوت (خيار التدليس) في الزواج كما حكموا بثبوته في مثل البيع والإجارة؛ وله في باب الزواج أحكام نفصّلها كما يلي:
مسألة 677: يتحقّق التدليس في الزواج بالتستر على عيب في أحد الزوجين من غير تلك العيوب التي سبق ذكر كونها موجبة بنفسها لخيار الفسخ بغض النظر عن وقوع التدليس فيها وعدم وقوعه، سواء كان التستر على ما يعدّ عيباً لكونه نقصاً في الخلقة، كالعور، أو لكونه زيادة فيها، كاللحية في المرأة، كما يتحقّق التدليس بإيهام الراغب بالزواج بوجود صفات كمال مرغوبة له عند من هو خالٍ منها، كالشرف والنسب والغنى والجمال والبكارة ونحوها.
ويتحقّق التستر على العيب بتوصيف أحدِ الراغبيْن بالزواج للآخر عند إرادة التزويج بما يتضمن سلامته من العيوب، أو حيازته على صفات الكمال، مع علمه بوجود تلك العيوب فيه أو عدم وجود صفات الكمال تلك، بحيث صار ذلك التوصيف سبباً لاغترار الآخر وانخداعه؛ فلو كان توصيفه لا للتزويج، أو كان من أجل التزويج ولكنَّ الحديث كان مع غير الزوج، لم يكن ذلك تدليساً، ولم يتحمل قائله مسؤولية التدليس حتى لو كان كذباً محرماً. ويتحقّق التدليس ـ أيضاً ـ بالسكوت عن العيب في مقام يَفْهَمُ منه الآخرُ سلامةَ المرغوب فيه من العيوب فيُقدِمُ على الزواج منه بتأثير هذا الفهم، فإذا صدر العقد مبتنياً ـ صراحة أو ضمناً ـ على ما فهمه المدلَّس عليه من سكوت المدلِّس كان له خيار الفسخ به كما سيأتي في المسألة التالية.
مسألة 678: إنما يثبت الخيار بالتدليس في صورة ما لو ابتنى عقد الزواج على السلامة من العيب أو على وجود صفات كمال معينة، وذلك إما بالتصريح بذكرها في العقد كأوصاف أو كشروط، أو بتوافق من يعنيهم الأمر عليها عند الخطبة والتقاول، بحيث كانت حاضرة في ذهن المتعاقدين أو أحدهما عند إجراء العقد رغم عدم التصريح بها؛ فإذا انكشف وُجودُ ما اتُّفق على عدمه، أو عَدمُ ما اتُّفّق على وجوده، تخيّر الشارط بين فسخ العقد وبين الرضا به بالنحو الذي وقع عليه. أما إذا تم العقد دون أن يتبانى المتعاقدان ـ لا تصريحاً ولا ضمناً ـ على السلامة من العيب ولا على حيازة بعض صفات الكمال، وكان الراغب معتقداً تحقّقهما، كما كان المرغوب فيه عالماً بعدمهما، وعالماً ـ أيضاً ـ بتوهم الراغب وجودهما، فسكت المرغوب فيه عن ذلك، فإنه لا يثبت به خيار الفسخ للمتوهِّم.
مسألة 679: يثبت التدليس بالإقرار به وبالبيّنة على الإقرار، كما يثبت بالبيّنة على التدليس، وهي: شهادة رجلين عادلين به؛ فإن احتاج الأمر إلى إثبات المدلَّس به، وكان من عيوب النساء الباطنة، أمكن إثباته بشهادة أربع نسوة عادلات.
المطلب الثالث: في آثار بطلان عقد الزواج وانفساخه وفسخه
ومرادنا به ذكر أثر البطلان والإنفساخ والفسخ عند عروض موجباتها، وهو ما نفصّله كما يلي:
أولاً: في أثر البطلان
مسألة 680: في كل مورد ينكشف فيه بطلان العقد منذ وقوعه، بحيث يكون وجوده كعدمه، فإنه لا تترتب عليه آثاره التالية:
أ ـ لا تحدث به قرابة المصاهرة، فلا تحرم أم الزوجة ولا بنتها من هذه الجهة، كما لا يحرم بالعقد الباطل والد الزوج ولا ولده.
ب ـ لا تُطالِبُ الزوجة بالمهر إذا لم يكن قد دخل بها، وكذا إن كان قد دخل بها وكانت عالمة ببطلان العقد، أما إذا تحقّق منه الدخول، وكانت جاهلة بفساد العقد، كان لها مهر أمثالها، لا المهر الذي سمَّاه لها في ذلك العقد الفاسد. وإذا كان قد دفع لها المهر جاز له استرجاعه في الموارد التي ليس لها مهر فيها، حتى لو كانت قد أتلفته أو نقلته عن ملكها بناقل جائز أو لازم، كما يجوز له استرجاع ما زاد عن مهر المثل مما دفعه إليها.
ج ـ ليس لها مطالبته بما لم ينفقه عليها مما هو واجب عليه لو كان الزواج صحيحاً، كما وأنه ليس له استرجاع ما أنفقه عليها إلا إذا كانت عالمة بفساد العقد (أنظر المسألة: 724).
د ـ لا يتوارثان، وإذا كان قد ورث أحدهما الآخر قبل انكشاف بطلان الزواج استُرجِع منه ما أخذه مع وجوده، وإلا رجع بمثله أو قيمته يوم أدائه.
أما النسب فإنه يثبت بالعقد الفاسد، بل بالزنى، كما سيأتي. وأما العدة فإنها تثبت مع الدخول لا بدونه بنفس ثبوتها في العقد الصحيح وتلحقها أحكام عدة وطء الشبهة، فيما لا تجب عليها عدة الوفاة ولو مع الدخول.
مسألة 681: لا يختلف الحكم المذكور في المسألة السابقة باختلاف موارده، وموارده كثيرة، منها:
1 ـ كل مورد عقد فيه شخص على أحد محارمه بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو على واحدة ممن ذكرنا حرمتها قبل العقد لإحرام أو كفر أو إحصان بالزواج أو العدة أو لواط أو زناً بمَحْرم، أو لكونها مطلقة ثلاثاً أو تسعاً أو لغير ذلك من موارد الحرمة الأبدية أو المؤقتة، السابقة على العقد.
2 ـ كل مورد فقد العقد فيه أحد أركانه، سواءً من جهة العقد أو المتعاقدين، كأن فقد القصد أو الاختيار أو كان بغير اللفظ المطلوب، ونحو ذلك.
3 ـ وفاة الزوج المريض خلال مرضه قبل الدخول.
وغير ذلك مما ينطبق عليه كونه من العقود التي وقعت فاقدة لشرط صحتها، بحيث لم ينشأ بها عُلْقة زوجية بين المتعاقدين.
ثانياً: في أثر الانفساخ
نريد بـ (الانفساخ): (انفساخ العقد الصحيح بعد عروض ما يوجب بطلانه قهراً)، وكنا قد ذكرنا: «أن الزواج ينفسخ عقده ويبطل عند عروض الرضاع المحرم لأحد الزوجين على الآخر، أو عند ارتداد أحدهما عن الإسلام، أو حدوث اللعان، أو قذف الرجل زوجته الخرساء»؛ وهي بعض الأمور التي عرضنا لها تفصيليـاً في المطلـب الأول من هذا المبحث الثالث، ونريـد ـ هنا ـ أن نبيّن أثر هذا الانفساخ على الزوجين، على النحو التالي:
مسألة 682: لما كان عقد الزواج في مقامنا هذا قد وقع صحيحاً إلى حين انفساخه فإن جميع الآثار تترتب عليه خلال فترة انعقاده؛ فتثبت به القرابة الموجبة للحرمة؛ وتستحق المرأة خلالها نفقتها الواجبة التي لم تأخذها؛ وتستحق ـ أيضاً ـ على زوجها نصف مهرها المسمى لها إذا كان الانفساخ قبل الدخول بها، وتمام مهرها المسمى لها إذا كان بعد الدخول؛ وعلى المرأة أن تعتد منه بكيفية معينة نذكرها في المسألة التالية، إضافة إلى النسب والتوارث؛ وجميع ذلك يثبت هنا بنحو ثبوته لو بقي العقد.
مسألة 683: في كل مورد ينفسخ فيه العقد تقع البينونة الدائمة بين الزوجين إذا كان سبب الانفساخ من موجبات الحرمة الأبدية بينهما، كالرضاع واللعان ونحوهما، أو تقع به البينونة المؤقتة، كما في الإرتداد؛ وحينئذ يجب على المدخول بهـا ـ إذا لم تكـن صغيـرة ولا يائسـة ـ أن تعتد عدة الطلاق في جميع حالات الانفساخ، بما في ذلك حالة ارتداد الزوجة عن ملة أو عن فطرة وحالة ارتداد الزوج عن ملة، ما عدا حالة ارتداد الزوج عن فطرة، إذ يجب فيها على زوجته عدة الوفاة ولو كانت صغيرة أو يائسة أو غير مدخول بها.
مسألة 684: رغم أن المرضعة هي السبب في انفساخ عقد الزواج في موارد إرضاعها الناشر للحرمة بين الزوجين، فإنها لا تضمن ما يدفعه الزوج من المهر إلا إذا حدث الإرضاع والإنفساخ قبل الدخول، فتضمن له نصف المهر الثابت لزوجته قبل دخوله بها، أما إذا حدث الإرضاع بعد الدخول فلا ضمان على المرضعة لمهر مَنْ تسببت بحرمتها على زوجها.
ثالثاً: في أثر الفسخ
بعد ما تقدم منا في المطلب الثاني ذكر أن عقد الزواج لازم لا ينفسخ إلا بثبوت خيار العيب أو التدليس، وبعدما بيّنا موارد ثبوت خيار العيب وكيفية حدوث التدليس، بقي أن نعرض في هذا المطلب الثالث لبيان أحكام الفسخ وأثره، وذلك في المسائل التالية:
مسألة 685: إذا ثبت خيار الفسخ بالعيب أو التدليس لأحد الزوجين فاختار فسخ العقد، لزمه أن يظهر رغبته بإيقاع الفسخ بكل ما يدل عليه من قول أو فعل، دون حاجة لقبول الطرف الآخر به. والفسخ ليس بطلاق، فلا يشترط فيه الخلو من الحيض والنفاس، ولا شهادة العدلين، ولا يحسب مع الطلقتين بحكم الطلاق الثالث كي يحكم بحرمة المرأة المطلقة مرتين إذا رجع إليها في المرة الثانية ثم فارقها بفسخ العقد بالعيب، بل يصح له التزوج منها دون حاجة لأن تتزوج غيره، بل ولا غير ذلك من آثار الطلاق وشروطه.
مسألة 686: إذا رغب صاحب خيار العيب بالفسخ، لزمته المبادرة العرفية إلى الأخذ به، فلا يبقى حقه في الفسخ إذا علم بالعيب وعلم بثبوت حقه في الفسخ فتباطأ عنه من دون عذر، فإن أخره لعذر، كحضور من يستشيره، أو ليفكر في مدى صلاح الفسخ له، أولجهله بالعيب أو جهله بثبوت الخيار أو غفلته عنه أو نسيانه له، لم يسقط حقه في الخيار، ولزمته المبادرة حين ارتفاع العذر أو حين علمه به وتذكره له.
مسألة 687: يستثنى من لزوم المبادرة ما لو كان العيب هو (العنن) في الرجل، فإنه لا يصح للمرأة ـ التي لا تريد أن تصبر على هذا العيب من زوجها وترفض العيش معه بهذا الوضع ـ أن تبادر إلى الفسخ، بل يجب عليها رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي فيؤجله إلى سنة من تاريخ طلبها، فإن قدر على وطئها هي ـ بخاصة ـ خلال السنة سقط حقها في الفسخ، وإن لم يقدر على وطئها ـ ولو مع قدرته على وطء غيرها ـ حتى انقضى العام كان لها أن تفسخ حينئذ، مع لزوم المبادرة إليه بالنحو المذكور. هذا، ولا يجب عليها الصبر أكثر من سنة إذا عُلِم بارتفاع العنن بعدها؛ ولو فرض امتناع الزوج عن الحضور معها لرفع الأمر إلى الحاكم، صح أن تنفرد هي باحتساب السنة من حين امتناعه، حيث يصح لها المبادرة في نهاية السنة إلى الفسخ.
مسألة 688: لا يعتبر في الفسخ بالعيب إذن الحاكم الشرعي، بما في ذلك ما لو كان العيب هو العنن، وإنما ترجع المرأة مع العنن إلى الحاكم الشرعي من أجل ضرب الأجل لا من أجل أن يكون الفسخ بإذنه، لذا فإنه إذا انقضى العام جاز لها الاستقلال بالفسخ من دون مراجعة الحاكم.
مسألة 689: إذا فسخ الرجل بأحد عيوب المرأة، فإن كان الفسخ بعد الدخول استحقت المرأة تمام المهر وعليها العدة إلا إذا كانت صغيرة أو يائسة كما في الطلاق، وإن كان الفسخ قبله لم تستحق شيئاً ولا عدة عليها. هذا إذا لم يكن تدليس، وأما مع التدليس وتبيّن الحال للرجل بعد الدخول، فإن كان المدلِّس نفس المرأة واختار الفسخ لم تستحق المهر، وإن كان قد دفعه إليها جاز له استعادته، وإن اختار البقاء فعليه تمام المهر لها كما مر، وإن كان المدلِّس غير الزوجة فالمهر المسمى يستقر على الزوج بالدخول، ولكن يحقّ له بعد دفعه إليها أن يرجع به على المدلِّس.
هذا، ولا فرق في هذا الحكم بين موارده المختلفة، بما في ذلك ما لو تزوجها على أنها بكر فبانت ثيباً، نعم إذا اختـار ـ في هـذا المـورد ـ البقاء على الزوجية، أو لم يكن له أن يفسخ العقد فيه لعدم ابتناء العقد على كونها بكراً، فإن له أن يُنْقِصَ من مهرها المسمى بنسبة ما به التفاوت بين مهر مثلها بكراً وثيباً، فإذا كان المهر المسمى ألف ليرة ذهباً، وكان مهر مثلها بكراً ثمانمئة وثيباً ستمئة، فمقدار نسبة التفاوت بين مهري المثل هي الربع، فيَسْقُط من المهر المسمى المذكور رُبْعُهُ، وهو مئتان وخمسون ليرة ذهباً.
مسألة 690: من يكون تدليسه موجباً للرجوع عليه بالمهر هو الذي يسند إليه التزويج، من وليّها الشرعي أو العرفي كأبيها وجدّها وأمّها وأخيها الكبير وعمها وخالها ممن لا تصدر إلاّ عن رأيهم ويتصدون لتزويجها وترجع إليهم فيه في العرف والعادة، ومثلهم على الظاهر بعض الأجانب ممن له شدة علاقة وارتباط بها، بحيث لا تصدر إلاّ عن رأيه، ويكون هو المرجع في أمورها المهمة ويُركن إليه فيما يتعلق بها، بل لا يبعد أن يُلحقَ بمنْ ذُكر، الأجنبيُّ الذي يُرادُ عند الطرفين ويسعى في إيجاد وسائل الإئتلاف ويتولى بيان الجهات ذات العلاقة بهذا الأمر.
مسألة 691: لا ينحصر إيقاع الفسخ بمن له الخيار، بل يجوز له توكيل من يوقعه عنه، كما يجوز للولي إيقاعه عن القاصر إذا انكشف له ما يوجب الخيار في الطرف الآخر، فإن لم يكن له ولي متصدٍ لشؤونه، أو كان له ولي ولم يكن عالماً بالعيب مدة ولايته، أو عَلِم به ولم يفسخ مع وجود مفسدة في إمضاء العقد، صح للمولَّى عليه بعد كماله أن يفسخ العقد.
الفصل الثالث
في آثار الزواج
المبحث الأول: في المهر وأحكامه
المبحث الثاني: في نفقة الزوجة
المبحث الثالث: في حق الاستمتاع
المبحث الرابع: في التحكيم في الشقاق
المبحث الخامس: في القرابة ولواحقها
المبحث الأول: في المهر وأحكامه
المهر: (مال يعطيه الرجل للمرأة عند الزواج)، وهو من تقاليد الزواج التي عرفها الإنسان منذ قديم الزمان، وقد أكّد عليه الإسلام واعتبره جزءاً مهماً في نظام العلاقة الزوجية، ربما لما يرمز إليه من مودة الرجل للمرأة وكفالته لها، وأيضاً لأثره الفاعل في ضمان توازن العلاقة الزوجية، بل وضمان مستقبل المرأة إذا فارقها زوجها، ولأمور أخرى غير ذلك تنسجم مع نظرة الإسلام إلى طبيعة العلاقة الزوجية وأهدافها. ومهما يكن من أمر، فإن الإسلام قد شرَّع للمهر من عدة جوانب نعرض لها في هذا المبحث في مطالب ثلاثة:
المطلب الأول: في لزوم المهر وعدمه
وفيه مسائل:
مسألة 692: يعتبر جَعْل المهر شرطاً في صحة الزواج المنقطع، فلو لم يذكره عمداً أو غفلة أو نسياناً بطل العقد، فيما لا يعتبر جَعْل المهر في صحة عقد الزواج الدائم، فلو عقد عليها دواماً وتعمد عدم ذكر مهر لها، أو صرّحت هي في العقد بعدم المهر، صح العقد ونفذ، لكن، رغم تصريحها برفض المهر، ورغم صحة العقد، فإن للمرأة على الرجل (مهراً) مفروضاً شرعاً هو مهر المثل إن دخل بها، أو ما يصطلح عليه بـ (المتعة) من أمواله التي تُقدَّر بحسب حاله في الغنى والفقر إن فارقها قبل الدخول بالطلاق بخاصة، فإن فارقها قبله بغيره، كالفسخ أو اللعان أو غيرهما ـ مما سبق ذكره في مطلب (آثار بطلان العقد وانفساخه وفسخه) ـ لم يكن لها مهر حينئذ؛ وحيث يثبت لها على الرجل ـ إلزاماً ـ أحد هذين (المهرين) فإن المرأة بالخيار بين أخذه منه أو إبرائه منه ومسامحته به.
مسألة 693: إذا وقع العقد بدون مهر جاز أن يتراضيا بعد العقد على أن يعطيها شيئاً مهراً، سواءً أكان بقدر مهر المثل أو أقل أو أكثر، فيتعين ذلك مهراً ويُلزم الرجل بدفعه.
مسألة 694: إذا تزوج امرأة على مهر معين، وكان من نيته أن لا يدفعه إليها، صح العقد ووجب عليه دفع المهر الذي عيّنه.
مسألة 695: تستحق المرأة المهر المسمّى لها وتملكه بمجرد العقد، فلها التصرف فيه بالنحو الذي تشاء ولو قبل أن تقبضه، نعم لا تستقر ملكيتها لتمامه إلا بالدخول ـ قبلاً أو دبراً ـ أو بما هو بحكمه، وهو ما لو أزال بكارتها بغير الجماع، كإصبعه ونحوها، من دون رضاها.
مسألة 696: إذا طلَّق الرجل زوجته قبل الدخول سقط نصف المهر المسمى وبقي نصفه، فإن كان ما يزال ديناً عليه برئت ذمته من نصفه، وإن كان قد جعله عيناً مشخصة فإنها تصير مشتركة بينه وبينها؛ ثم إنه إذا كان قد دفعه إليها استعاد نصفه إن كان باقياً، وإن كان تالفاً استعاد نصف مثله إن كان مثلياً ونصف قيمته إن كان قيمياً، وفي حكم التلف نقلُه إلى الغير بناقل لازم، وأما لو كان انتقاله منها إلى الغير بناقل جائز كالهبة أو كالبيع بخيار، تخيّرت: بين الرجوع بالمعاملة ودفع نصف العين، وبين دفع بدل النصف، وإن كان الأحوط استحباباً هو الأول فيما إذا أراد الزوج عين ماله.
هذا، ويجري نفس الحكم بنفس التفصيل إذا مات عنها قبل الدخول.
مسألة 697: في كل مورد يشتبه الأمر فيه على المرأة فتبذل نفسها للرجل باعتقاد أنه زوجها، فيدخل بها الرجل قبلاً أو دبراً، يثبت لها مهر المثل، بدون فرق بين ما لو كان الرجل عالماً بالحال أو جاهلاً به، ولا بين ما لو كان الدخول بعقد أو بدون عقد، ولا بين ما لو كانت خلية من غيره أو متزوجة، أما إذا كان الواطىء مشتبهاً دونها، بحيث مكنته من نفسها مع علمها بأنه ليس زوجاً لها، فلا مهر لها.
مسألة 698: إذا زنى بامرأة على كُرْهٍ منها، فإن كانت ثَيِّباً ودخل بها، لزمه مهر مثلها ثيباً، لما استحل منها، وإن كانت بكراً فأزال بكارتها بالجماع أو بغيره، كإصبعه ونحوها، كان لها عليه مهر المثل؛ إضافة إلى استحقاقه حد الزنى بالإكراه ـ وهو القتل ـ ثيِّباً كانت أو بكراً؛ وذلك بدون فرق بين ما لو كانت متزوجة من غيره أو غير متزوجة، ولا بين ما لو كانت كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كافرة.
المطلب الثاني: في ما يعتبر في المهر
وفيه مسائل:
مسألة 699: يصح جعل المهر عيناً من النقد أو العروض، ومنفعة عين أو منفعة نفس، وحقاً قابلاً للنقل والانتقال؛ فيصح أن يكون المهر ذهباً أو فضة أو عملة ورقية مستحدثة أو داراً أو عقاراً أو ماشية، أو منفعة دار أو عقار أو نجارةً أو فلاحةً أو تعليماً، أو حقاً كحق التحجير والتأليف والإختراع، بل وكحق الاستيراد والتصدير ونحوها من الحقوق المستحدثة؛ ومهما كان نوع المهر فإنه يعتبر فيه أمور:
الأول: أن يكون مما له قيمة مالية عند العرف، فلا يصح أن يكون المهرقَشَّة أو حبة قمح أو نحوهما مما لا يعتد به عند العرف.
الثاني: أن تكون العين مما يصح تملكها من المسلم، فلا يصح جعل المهر خمراً أو نحوه.
الثالث: أن يكون العمل المبذول مهراً، محللاً، فلا يصح أن يجعل مهرها تعليمها الغناء المحرم أو نحوه.
الرابع: تعيين المهر بما يخرجه عن الإبهام والترديد، فلو جعل مهرها إما الدار أو السيارة لم يصح، بل يجب تعيين أيهما هو المهر من حيث نوعه. فيما لا يجب تعيين ذلك النوع في فرد خاص معلوم الأوصاف بالمشاهدة أو الوصف كما سيأتي بيانه في المسألة التالية.
مسألة 700: لا يعتبر في المهر أن يكون معلوم الصنف والمقدار بالنحو الذي ذكرناه في البيع وغيره من المعاوضات، بل يكفي جعل المهر عيناً حاضرة مشاهدة، كهذه الكَوْمة من القمح أو هذه اللفافة من القماش أو هذه القطعة من الذهب، ولو جهل مقدارها بالكيل أو الوزن أو العد؛ كما يكفي جعل المهر داراً أو سيارة أو أثاث غرفة نوم دون تحديد أوصاف صنف منها، ويغنـي ـ حينئـذ ـ عند الدفع بذلُ الصنف المتعارف لمثل حال الزوجين إن اتفق أفراد الصنف في القيمة، وإلا كان الخيار للزوجة في اختيار أحدها، ومن ذلك ما لو جعل مهرها أن يبذل لها نفقة حجها، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
نعم، إذا كانت جهالة الوصف موقعةً في الإبهام، لزم اقترانه بما يرفع إبهامه ويجعله أكثر وضوحاً، ويظهر الأمر من خلال المثال التالي:
إذا جعل مهرها هذه القطعة الذهبية المشاهدة، أو ما يشتمل عليه هذا الكيس من الدنانير الذهبية، صح رغم جهلها بوزن قطعة الذهب، وبعدد ما في الكيس من الدنانير، وذلك لكفاية المشاهدة في رفع اللبس والغرر، فيما لا يصح أن يجعل مهرها (كمية من الدنانير) أو (قطعة ما من الذهب)؛ لأن عدم المشاهدة تجعل الكلام صادقاً على المتناهي في القلة أو الكثرة، ومبهماً من هذه الجهة رغم معرفة النوع. لكنَّ الأفضل والأحوط استحباباً تعيين المهر من جميع جوانبه بما يزيل منه كل لبس وغرر ما دام الأمر متيسراً.
مسألة 701: يصح للزوجين أن يجعلا مهر الزواج في أدنى حد تصدق معه المالية، كقلم رصاص، أو خاتم فضة، أو نحوهما، كما يصح أن يجعلاه في أعلى حد من الكثرة، وإن كان يستحب لهما عدم تجاوز قيمة مهر السنة النبوية الشريفة المقدرة بخمسمئة درهـم، والتـي تسـاوي في الـوزن المستحدث حوالي: (1250) غراماً من الفضة. ثم إن شاء الزوج الزيادة عليه وهبها ما يشاء بعد العقد.
مسألة 702: يجوز أن يستعاض عن تعيين المهر بأن يُوكِلَه أحدُ الزوجين إلى حكم الآخر، أو إلى حكم غيره، كأبيها أو أخيها أو أجنبي، سواءً توافقا على تحكيمه قبل العقد ـ بحيث وقع العقد مبتنياً عليه ـ أو نصّا عليه في العقد، فإن كان الحاكم هو الزوج أو شخصاً آخر غير الزوجة صح حكمه ونفذ مهما كان مقداره قلة وكثرة، ما لم يكن ثمة ارتكاز عرفي للحد الأقصى الذي لا ينبغي تجاوزه في القلة أو الكثرة، وإلا وجب أن يبقى ما يُعيِّنه غَيْرُ الزوج من المهر في داخل ذلك الحد. وأما إن كان الحاكم هو الزوجة فإنه يصح حكمها في طرف القلة بما شـاءت وفي طـرف الكثـرة بما لا يتجـاوز مهـر السنَّـة ـ على الأحوط وجوباً ـ إذا لم يكن هناك عرف خاص أو عام ينصرف التحكيم إليه.
وإذا مات الحاكم قبل الحُكم وتقدير المهر وقبل الدخول فللزوجة المتعة، وإن مات بعد الدخول فلها مهر المثل إن كان الحُكم إلى الزوج أو إلى شخص آخر غير الزوجة، بل وكذا لو كان الحكم للزوجة.
مسألة 703: يجوز لأحد الزوجين في العقد الدائم أن يجعل الخيار لنفسه في فسخ المهر الذي جعلاه في عقد زواجهما، وذلك لمدة معينة، فإذا فسخ صاحب الخيار سقط المهر المسمى وصار أمرهما كما لو لم يذكرا مهراً، فيرجع الزوج إلى مهر المثل مع الدخول، وإلى المتعة بدونه؛ فيما لا يصح اشتراط خيار الفسخ في مهر الزواج المنقطع، وذلك لعدم صحة خلوه من المهر على تقدير الفسخ، فإذا شُرط الخيارُ فيه صح العقد وبطل الشرط.
مسألة 704: إذا جعل مهر امرأة نكاح امرأة أخرى، ومهر الأخرى نكاح المرأة الأولى، بطل النكاحان، وهذا ما يسمى بـ (نكاح الشغار)، وهو: (أن تتزوج امرأتان برجلين، على أن يكون مهر كل واحدة منهما نكاح الأخرى، من دون أن يكون بينهما مهر غير النكاحين)، مثل أن يقول أحد الرجلين للآخر: (زوَّجتُكَ بنتي، أو أختي، على أن تزوّجني بنتَكَ أو أختَكَ، ويكون صداق كل منهما نكاح الأخرى) ويقول الآخر: (قبلت وزوجتك بنتي، أو أختي، هكذا).
وحيث يكون العاقد مفوَّضاً من قبل أخته أو بنته البالغة الرشيدة فإنه لو زوج إحداهما لآخر بمهر معلوم، وشرط عليه أن يزوجـه أختـه أو بنتـه ـ مثلاً ـ بمهر معلوم أيضاً، صح العقدان مع توفر شروط الصحة، مثل أن يقول: (زوجتُكَ بنتي، أو أختي على صداق مئة دينار على أن تُزوجني أختك، أو بنتك، هكذا) ويقول الآخر: (قبلتُ وزوجتك بنتي، أو أختي، على مئة دينار)، بل وكذا لو شرط أن يزوجه أخته أو بنته ـ مثلاً ـ ولم يذكر مهراً أصلاً، مثل أن يقول: (زوجتك بنتي على أن تُزوجني بنتك) فقال: (قبلت وزوجتك بنتي)، فإنه يصح العقدان مع توفر سائر الشروط، لكن حيث إنه لم يذكر المهر تستحق كل منهما مهر المثل بالدخول كما تقدم.
مسألة 705: لا يصح أن يشرك مع زوجته في المهر الذي سماه لها شخصاً آخر غيرها، كأبيها أو أمها أو أجنبي، فإذا جعل له مقداراً في المهر، كأن قال: «تزوجتك على مهر قدره ألف ليرة ذهباً لك وخمسمئة لأبيك»، أو قال: «تزوجتكِ على مهر قدره ألف ليرة ذهباً على أن يكون منها مئتان لأبيك»، لم يثبت لأبيها شيء، وكان الجميع مهراً لها؛ بل وكذا لا يصح إعطاؤه شيئاً زائداً على المهر إذا شرطه الزوج على نفسه ابتداءً، بأن قال: «تزوجتك على مهر قدره ألف ليرة ذهباً، ولأبيك عليّ مئتا ليرة ذهباً»، فإنه يبطل الشرط ولا تثبت عليه تلك الزيادة. فيما يصح للزوج أن يشرط عليها أن تعطي القريب شيئاً من مهرها، وكذا يصح أن تشرط على زوجها أن يعطيه شيئاً زائداً على مهرها.
هذا إذا أشركه معها أو شرط إشراكه، أما إذا بادر الرجل فدفع من نفسه مالاً لبعض أقارب الزوجة لا بعنوان أنه جزء من المهر، فلا بأس به إن كان بعنوان الجعالة على خدمات قد أداها ذلك القريب للزوج، أو بعنوان الهبة تحبباً إليه واسترضاءً له؛ أما إذا كان دفعه له عن غير رضا منه ولا بطيب نفس، بل من أجل كونه مانعاً من زواجها مع رضاها به زوجاً، فيدفع لذلك القريب كي يرضى بزواجه منها، فإنه يحرم على القريب أخذ المال والتصرف به، وللزوج الرجوع عليه بما أخذه، باقياً كان أو تالفاً.
مسألة 706: إذا بطل المهر المسمَّى بسبب الإبهام والترديد، أو لكونه مما لا يملكه المسلم، أو لكونه عملاً غير محلل، لزم الزوجَ مهرُ المثل مع الدخول، إلا أن يكون المهر المسمَّى أقل قيمة منه فيتصالحان في مقدار التفاوت.
وحيث تستحق المرأة مهر المثل فإنه يجب دفعه لها بالنقد المتعارف في بلد العقد، إلا أن يتراضيا على غيره من الأعيان أو المنافع أو النقود الأخرى، والمعيار في تقدير مهر المثل هو: ملاحظة المهر الذي يعطى في غالب الأحيان لمن هي على مثل حال المرأة وصفاتها، من السن والبكارة والوعي والثقافة والجمال والشرف والعشيرة والبلد وغيرها من الأمور التي يرى العرف أن لها دخالة في تقدير المهر، بما في ذلك دخالة حال الزوج المتقدم لخطبتها.
مسألة 707: يجوز جعل المهر كلِّه حالاًّ غير مؤجل، أو كلّه مؤجلاً، كما يجوز أن يجعل بعضه حالاًّ والبعض الآخر مؤجلاً؛ ولا بد في المؤجل من تعيين الأجل بما لا يكون معه مبهماً تماماً، فيكفي كونه مثل: عودة الحجاج، أو موسم الحصاد، بل يصح أن يكون بما هو أقل وضوحاً، كجعل الأجل حدوث الطلاق أو موت أحدهما، وهو المتعارف عليه في بعض البلدان بـ (أقرب الأجلين)، أو جعل الأجل وقت القدرة والاستطاعة، وجميع ذلك إنما يصح في قبال المبهم البحت، كالتأجيل إلى (زمان ما) أو إلى (ورود مسافر ما) أو نحو ذلك، فإنْ أجَّلهُ كذلك صحَّ العقدُ والمهرُ ولغى التأجيل، فيجوز للمرأة طلبه ساعة تشاء.
المطلب الثالث: في الأداء والتسليم
وفيه مسائل:
مسألة 708: إذا تم العقد مستكملاً لشروطه، فإن كان حالاًّ وجب عليه مع القدرة تسليمها تمام المهر الذي سماه لها ولو لم يدخل بها بعد، ويترتب على عدم تسليمه لها أمران:
الأول: يعتبر المهر مضموناً عليه حتى يسلمه إذا كان معيناً أو من قبيل الكلي في المعين، فإن تلف قبل تسليمه ضمن لها مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان قيمياً أو مثلياً لا فرد له؛ سواءً كان تلفه مع التعدي أو التفريط أو بدونهما. نعم، لو كان التلف بفعل الأجنبي تخيرت بين الرجوع على المتلف أو على الزوج، فإذا رجعت على الزوج كان لزوجها أن يرجع على الأجنبي.
الثاني: يحق للزوجة أن تمتنع عن تمكينه من الاستمتاع بها ولو بما دون الجماع من الاستمتاعات حتى لو كان معذوراً في ترك التسليم، فإن رضيت بأن يستمتع بها ـ والحال هذه ـ ومكنته من الدخول بمحض اختيارها، لم يكن لها أنْ تمنعه نفسها بعد ذلك، وأما لو مكنته من نفسها بما دون الدخول فإن لها أن تمنعه من الدخول. وأما إذا استمتع بها من دون رضاها، كما لو كانت مجبرة أو مكرهة أو نائمة، فلا أثر له ولا يسقط به حقها بالامتناع عن تمكينه منها بعد ذلك.
هذا إذا كان المهر حالاًّ، فإن كان بعضه حالاًّ والبعض الآخر مؤجلاً: فإنْ منعها من الجزء الحال ـ ولو لعجزه عن تسليمه ـ جرى عليها حكم ما لو كان المهر كله حالاًّ بنفس النحو الذي ذكرناه آنفاً؛ وأما إن دفع لها الجزء الحالَّ، أو كان المهر كله مؤجلاً، فليس لها أن تمنعه نفسها بالنحو المطلوب منها.
مسألة 709: إذا تولى الأب أو الجد للأب تزويج الصغير، فإن لم يكن للصغير مال حين العقد كان المهر على الولي، وكذا لو كان له مال وكان الولي قد ضمن المهر من ماله، وأما إذا لم يضمنه فالمهر على الصغير إذا لم يكن أزيد من مهر المثل، أو كانت مصلحة في تزويجه بأكثر منه، وإلا صح العقد وتوقف ثبوت المهر المسمى في مال الطفل على إجازته بعد البلوغ، فإن لم يجز ثبت عليه مهر المثل، ولم يكن للزوجة الرجوع بالزائد عنه على الولي.
مسألة 710: لا يعتبر أن يكون المهر من الزوج أو من وليه، بل يجوز أن يتبرع به غيرهما، قريباً كان أو غريباً، فإن امتنع المتبرع عن دفع المهر لها بعد العقد وقبل التمكين، كان لها أن تمنع زوجها من نفسها حتى يدفع لها المتبرع أو غيره، في حين لا يحق لها أن تطالب به الزوج ولو بعد أن مكنته من نفسها.
مسألة 711: إذا كان المهر المدفوع للزوجة متبَرَّعاً به من غير الزوج، ولياً كان ذلك الغير أو أجنبياً، وصادف أن طلق الزوج زوجته قبل الدخول واسترجع منها نصف المهر، كان ذلك المُسْتَرجع للزوج لا لمن تبرع به، لكونه ـ حين التبرع ـ بمثابة الهبة له عرفاً، وإن كان لا بأس بالاحتياط بالتراضي عليه بين الزوج والمتبرع به.
مسألة 712: إذا دفع لها المهر المعين، كهذه السيارة أو الدار، فوجدت به عيباً منذ أصدقها إياه ـ أو بعد أن أصدقهـا إيـاه ولكـن قبـل القبـض ـ لم يسقط مهرها المسمى كي يستعاض عنه بمهر المثل، بل تتخير بين رده بالعيب والمطالبة ببدله من المثل أو القيمة وبين القبول به على ما هو عليه من العيب دون أن تطالب بالأرش.
مسألة 713: إذا حصل للصداق نمـاء متصل ـ كسمن الدابة وكبر الشجرة ـ ثم طلقها قبل الدخول، لزمها أن ترد له نصف مثله أو نصف قيمته بالحالة التي هو عليها من النمو لا بالحالة التي كان عليها حين دفعه مهراً؛ وأما النماء المنفصل ـ كالولد واللبن ـ فإنه بتمامه للزوجة إلا ما كان منه حملاً حين أصدقها إياه بحيث كان الحمـل جـزءاً من الصـداق، فإنَّ عليهـا ـ حينئذ ـ رد النصف من الأم والولد إن ولدته عندها.
مسألة 714: في كل مورد يكون فيه الصداق عيناً، ويطلقها قبل الدخول، وتكون فيه العين قابلة للقسمة فإنهما يقتسمانها ويذهب كل منهما بنصفها، وإن لم تكن قابلة للقسمة فإن عليهما أن يتراضيا على حلٍ بشأنها، مثلهما فيها مثل كل شريكين في العين الواحدة، وهو ما سبق ذكره مفصّلاً في باب الشركة من هذا الجزء.
مسألة 715: إذا جعل مهرها تعليمها الخياطة أو الكتابة أو نحوهما من الحِرَف أو المعارف، ثم طلقها قبل الدخول، كان لها عليه نصف أجرة تعليمها، ولو كان قد علمها قبل طلاقها رجع عليها بنصف الأجرة.
مسألة 716: يصح للمرأة البالغة الرشيدة أن تعفو عن جميع مهرها أو عن بعضه، وذلك بأن تسامحه به وتبرأ ذمته منه إن كان ديناً، أو بهبته له إن كان عيناً، فإن كان إبراءً لزمها، ولم يكن لها أن تتراجع عنه، وإن كان هبة جرى عليها ـ من هذه الجهة وغيرها ـ حكم الهبة، ومما يحسن الالتفات إليه في هذا المقام أمران:
الأول: لو فرض أنها أبرأته من جميع مهرها، ثم طلقها قبل الدخول، كان له أن يطالبها ـ رغم ذلك الإبراء ـ بنصف مهرها الذي سماه لها، ولم ينفعها ذلك الإبراء في سقوط حقه بأخذ نصف المهر منها؛ لأن إبراءها له منه بمنزلة ما لو كانت قد أتلفته أو وهبته لغيره وأتلفه. ولو فرض أنها أبرأته من نصف المهر ـ لا من جميعه ـ ثم طلقها قبل الدخول، جاز له الرجوع بالنصف الباقي.
الثاني: لو فرض أن مهرها كان عيناً، فوهبتها له جميعها ثم طلقها قبل الدخول، جاز له الرجوع عليها بنصف مثلها في المثلي، ونصف قيمتها في القيمي؛ وذلك لنفس ما ذكرناه في الإبراء الآنف الذكر. ولو فرض أنها وهبته نصف العين مشاعاً أو معيناً ثم طلقها قبل الدخول، كان النصف الباقي بينهما، وكان له ـ إضافة لذلك ـ مطالبتها بنصف مثل الموهوب أو نصف قيمته.
هذا، ولكن حالها مع الهبة في هذا الأمر الثاني مختلف عن حالها مع الإبراء، إذ إن لها أن ترجع بما وهبته من مهرها إذا كانت عينه ما تزال موجودة عنده، ولم يكن زوجها من أرحامها، فيما لا يصح لها أن ترجع بما أبرأته منه، فليلتفت إلى ذلك.
مسألة 717: يجوز لولي الزوجة القاصرة لصغر أو جنون أو سفه، أباً كان الولي أو جداً أو غيرهما، أن يعفو عن بعض المهر، بل عن جميعه، مع وجود مصلحة لها لا تتأدى بغير ذلك؛ أما الوكيل عن البالغة الرشيدة، أو عن ولي القاصرة، فإنه يقتصر على ما حدَّه له الموكِّل في ذلك من العفو ومقداره أو عدم العفو.
مسألة 718: إذا دفع الزوج لزوجته شيئاً آخر عوضاً عن المهر المسمى، ثم طلقها قبل الدخول، لزمه الرجوع عليها بنصف المهر لا بنصف العوض.
مسألة 719: إذا اختلف الزوجان بعدما طلّقها في تحقّق الدخول وعدمه، فادّعت الزوجة تحقّقه وأنكر الزوج ذلك، فإن كان قولها موافقاً للظاهر ـ كما إذا عاشا معاً مدة من دون وجود مانع شرعي أو غيـره لأيّ منهمـا عن الدخـول ـ فالقول قولها بيمينها، وإلاّ كان القول قول الزوج بيمينه. وله أن يدفع اليمين عن نفسه بإقامة البيّنة على العدم إن كانت له بيّنة عليه ـ بناءً على ما هو الأقوى من إغناء بيِّنة المدعى عليه عن يمينه ـ فتشهد البيّنة على عدم التلاقي بينهما بعد العقد لسفر أو نحوه، أو تشهد على بقاء بكارتها فيما إذا ادعت الدخول قُبُلاً وفرض المنافاة بين الدخول وبين بقائها كما هو الغالب.
مسألة 720: إذا اختلف الزوجان في أصل المهر فادّعته الزوجة وأنكره الزوج، فإن كان ذلك قبل الدخول ولم يكن لها بيّنة، فالقول قوله بيمينه، وكذا إذا كان بعد الدخول وادعت عليه أزيد من مهر المثل، وأما إذا ادعت عليه مهر المثل أو ما هو أقل منه فالقول قولها بيمينها، إلاّ أن يقيم الزوج البيّنة على أدائه إليها أو عفوها عنه أو تكفل الغير به ونحو ذلك، فإن أقام البينة حكم له وإلاّ فله عليها اليمين، فإن حلفت حكم لها، وإن نكلت عن الحلف ولم تردَّه على المدعي جاز للحاكم أن يحكم عليها، كما أن له أن يرد الحلف على المدعي استظهاراً، فإن ردت الزوجة اليمين على الزوج أو ردها الحاكم عليه فحلف حكم له، وإن نكل حكم عليه.
مسألة 721: إذا توافقا على أصل المهر واختلفا في مقداره، كان القول قول الزوج بيمينه، إلاّ إذا أثبتت الزوجة دعواها بالموازين الشرعية، وكذا إذا ادعت كون عين من الأعيان ـ كدار أو بستان ـ مهراً لها وأنكر الزوج، فإن القول قوله بيمينه إذا لم تكن عندها بينة.
مسألة 722: إذا اختلفا في التعجيل والتأجيل، فقالت المرأة: إنه حال معجّل. وقال الزوج: إنه مؤجل، ولم تكن بيّنة، كان القول قولها بيمينها، وكذا لو اختلفا في زيادة الأجل، كما إذا ادعت أنه سنة وادعى أنه سنتان.
مسألة 723: إذا توافقا على المهر وادعى تسليمه ولا بيّنة، فالقول قولها بيمينها.
المبحث الثاني: في نفقة الزوجة
وهي قيام الرجل بالإنفاق على زوجته بالنحو الذي يُؤمِّن لها حاجاتها المعتبرة عرفاً من الأمور التي سيأتي بيانها، والإنفاق بهذا المعنى هو أحد أهم حقي المرأة اللازمين على الزوج تجاه زوجته في إطار العلاقة الزوجية القائمة بينهما، إضافة إلى حقها الثاني الذي هو (حق الاستمتاع)، وذلك بغض النظر عن سائر حقوقها اللازمة عليه تجاهها كإنسانة لها حرمتها الخاصة الموازية لحرمته في جميع النواحي. إننا سوف نستعرض في هذا المبحث أهم الأحكام التي تنظم هذا الحق وتكفل وصوله إلى صاحبه، مقتصرين على ما يختص بالإنفاق على الزوجة، دون غيرها ممن يجب الإنفاق عليه من الأقارب وغيرهم ممن سوف نذكرهم في مبحث آخر إن شاء الله تعالى، وذلك في (المسألة: 838 وما بعدها). وتفصيل ذلك يقع في مطالب ثلاثة:
المطلب الأول: في ما يعتبر في الزوجة
وهما أمران:
الأول: الزوجية الدائمة
مسألة 724: يعتبر في وجوب إنفاق الرجل على زوجته تحقّق الزواج الدائم الصحيح المستكمل للشروط بينهما، فلا يجب الإنفاق على الزوجة المتمَتَّع بها حتى لو ساكنها وَوُلِدَ له منها وطالت مدة زواجهما، فما لم يكن الزواج دائماً لا يكون الرجل مسؤولاً عن الإنفاق على زوجته إلا أن تشترط عليه ذلك في عقد زواجهما المنقطع. هذا، وتستحق المـرأة النفقـة ـ مع اجتماع سائر الشروط ـ منذ وقوع العقد وتحقّق الزوجية به، ولو لم يكن قد زفَّها إلى بيته؛ ولو فرض تزويج المرأة فضولاً، فأجازت عقد نكاحها بعد مدة، احتسبت نفقتها منذ العقد عليها لا منذ الإجازة.
كما وأنه لا بدَّ من كون العلاقة الزوجية القائمة بينهما صحيحة، فلو انكشف كون العقد باطلاً بأحد أسبابه من الأول، لم يثبت للمرأة من النفقة ما لم ينفقه عليها مما كان واجباً عليه إنفاقه؛ بل إنه لو دلست عليه المرأة وأوهمته صحة الزواج مع علمها بفساده، فإن له أن يطالبها بما كان قد أنفقه عليها خلال مدة زواجهما الذي انكشف فساده، بل يمكن القول بجواز رجوعه عليها بما أنفقه حتى مع عدم تدليسها وجهلهما معاً بفساد العقد.
مسألة 725: يلحق بالزوجة الدائمة في وجوب الإنفاق عليها نوعان من النساء نذكرهما كما يلي:
1 ـ ذات العدة الرجعية ما دامت في العدة إذا لم يكن طلاقها لنشوزها، سواءً كانت حاملاً أو غير حامل، فإن كان طلاقها لنشوزها لم تثبت لها نفقة إلا أن تتوب فترجع نفقتها.
2 ـ ذات العدة البائنة من الطلاق إذا كانت حاملاً، فإنها تستحق النفقة والسكنى حتى تضع حملها، فإن لم تكن حاملاً، أو كانت حاملاً لكن عدتها كانت عن فسخ ـ لا عن طلاق ـ لم تثبت لها نفقة خلال عدتها البائنة. وكذا لا تثبت النفقة ولا السكنى للحامل من الزواج المنقطع إذا كانت ما تزال في عصمته، فضلاً عما لو انقضت مدتها أو وهبها لها؛ بل ولا للحامل المُتوفَّى عنها زوجها، فإنه لا نفقة لها خلال مدة حملها لا من تركة زوجها ولا من نصيب ولدها.
وإذا ادّعت المطلقة بائناً أنها حامل، لم يجب قبول قولها ما لم يحصل الوثوق بصحة دعواها بالوسائل المفيدة له، ولو أنفق عليها ثم تبيّن عدم الحمل جاز له استعادة ما أنفقه، وإذا لم ينفق ثم تبين حملها وجب عليه الإنفاق لما يأتي حتى تضع حملها، بل ودفع نفقة ما مضى من أيام حملها.
الثاني: أداء حق الزوج
مسألة 726: يعتبر في استحقاق الزوجة لنفقتها قيامها بحق الزوج وعدم نشوزها عليه، وينحصر حق الزوج في أمرين: الأول: في بذل نفسها له وتمكينه من الاستمتاع بها بالنحو المعتبر شرعاً مما سيأتي بيانه. الثاني: عدم الخروج من بيته إلا بإذنه بكيفية معينة سيأتي بيانها؛ فإذا أدت له هذين الحقين دون تمرد عليه وجبت نفقتها، وإن نشزت عنه وتمردت عليه فمنعتـه أحد هذين الحقين ـ فضلاً عن كليهما ـ سقطت نفقتها حتى تتوب وترجع إلى طاعته وحسن معاشرته.
مسألة 727: يعتبر في ثبوت النفقـة من هذه الجهـة ـ أي: جهـة أداء حقه ـ قابلية كلا الزوجين من حيث العمر للاستمتاع بالآخر، فلو كان أحدهما صغيراً غير قابل تكويناً للتمتع والتلذذ به، لا يثبت للزوجة النفقة حتى لو كانت الزوجة هي الكبيرة وكان المانع مرتفعاً من جهتها.
وحينئذ يكفي ـ بعد توفر القابلية ـ في مطاوعة الزوجة بذلها نفسها حتى لو منعَ من فِعْليَّة الاستمتاع مانع مؤقت أو دائم، كالحيض والنفاس والإحرام والمرض، ومن العذر ما لو كان الزوج مبتلى بمرضٍ معدٍ تخاف من سرايته إليها بالمباشرة. كما أنه لا يعتبر في المطاوعة قدرتها على إمتاعه بما يريد، فلو كانت الزوجة متقدمة في السن كفى في استحقاقها النفقة بذلها لنفسها بما بقي عندها من لياقة جنسية رغم كونها غير كافية لزوجها، وبخاصة إذا كان ما يزال في مقتبل الشباب. (أنظر في مطاوعة الزوجة ونشوزها مبحث حق الاستمتاع، المسألة: 749 وما بعدها).
مسألة 728: لا يعتبر في ثبوت النفقة حضور الزوجة، بل يجب الإنفاق عليها حال سفرها كوجوبه حال حضرها حتى لو كانت نفقتها في السفر أزيد منها في الحضر، نعم لا يجب عليه دفع أجرة سفرها إلا إذا كان هو الذي اصطحبها معه في سفره، أو كان سفرها لأمر ضروري يرتبط بشؤون حياتها، كالسفر من أجل العلاج، ونحوه؛ وفيما عدا ذلك لا يتحمل الزوج أجرة سفر زوجته حتى ما يكون لأمر واجب، كالحج ونحوه.
مسألة 729: لا فرق في وجوب النفقة بين ما لو كانت الزوجة فقيرة ليس لها ما تعتاش منه وبين ما لو كانت على شيء من الغنى واليسار؛ وكذا لا فرق بين الزوجة المسلمة والكتابية، نعم لا نفقة للمرتدة في الفترة الفاصلة ما بين ظهور ارتدادها وما بين مُضِيِّ عدتها دون أن تتوب، فإن تابت قبل انقضائها استحقت النفقة خلال فترة ارتدادها.
مسألة 730: تثبت النفقة للمرأة في الفترة الواقعة بين إجراء العقد وبين الزفاف، وهي الفترة التي قد تستمر مدة طويلة، وذلك رغم عدم المساكنة ورغم أن الزوج قد لا يحصل على حقه الكامل بالاستمتاع بها، نعم إذا اشترط عليها عدم الإنفاق ـ صريحاً أو ضمناً ولو لوجود عرف واضح معلوم وملحوظ حين التعاقد ـ لم يجب عليه حينئذٍ. (أنظر فقرة «الأول» من المسألة: 750).
المطلب الثاني: في نوع النفقة ومقدارها
وفيه مسائل:
مسألة 731: يجب على الزوج بذل ما تحتاجه المرأة في مختلف مجالات حياتها، الشامل للطعام والشراب والملبس والمسكن ولوازم التجمل والنظافة ومتطلبات ضيافة زوارها من أرحامها ونحوهم، وكذا لوازم خدمتها من خدم وآلات، إضافة إلى الأثاث الذي تحتاجه في منامها وجلوسها وسائر أعمالها وحاجاتها؛ والمعيار في كون الشيء حاجة لها، وكذا في نوعه ومقداره، هو ما تعارف عليه الناس في مجتمعها وبلدها لمن هو في مثل شأنها؛ والمراد بـ (الشأن) هو: (حال الزوجة من حيث العمر والثقافة والجاه)، وهي الأمور التي تقتضي اختلاف نوع ومقدار ما يسد حاجتها من تلك الأمور التي ذكرناها، فقد يكتفى لفتاة تعيش في الريف بالنوع المتواضع من المسكن والأثاث، في حين لا يكتفى به لفتاة نشأت في المدينة، وهكذا نحوه في سائر المجالات التي تختلف باختلاف الناس والبلدان اختلافاً كبيراً. هذا، ومما يعتبر من النفقة الواجبة مصاريف الولادة ومصاريف العلاج من مختلف الأمراض، سواءً منها الأمراض المعتادة أو الأمراض الصعبة التي يحتاج علاجها إلى بذل مال كثير، إلا أن يكون ذلك حرجياً على الزوج، فيقتصر ـ حينئذٍ ـ على بذل ما لا حرج عليه فيه من نفقات علاجها من الأمراض الصعبة؛ وذلك ـ أيضاً ـ بالنحو الموافق لشأنها من نوع العلاج ومكانه وكيفيته.
مسألة 732: حيث إن المعيار في ما يجب إنفاقه هو كونه حاجة معيشية فإنه لا يجب على الزوج أن يتحمل الديون التي على زوجته، ولا نفقات تعلُّمها لعلم أو مهنة، ولا تحمل ما قد يجب عليها من نفقة تجاه أبويها أو أبنائها من زوج آخر، ولا ما يثبت عليها من فدية أو كفارة أو أرش جناية أو حج واجب عليها، فضلاً عن نفقات الأعمال والقربات المستحبة، كزيارة العتبات المقدسة ونحوها.
مسألة 733: تختلف طريقة الإنفاق باختلاف نوع الحاجة على نحوين:
الأول: ما يكون مما تذهب عينه بالانتفاع، كالطعام والشراب والدواء والوقود ونحوها، وهنا تتخير الزوجة بين الإكتفاء بما هو المتعارف من جعل الزوج لهذه الأشياء تحت تصرفها، فتتناول منها بمقدار حاجتها دون أن تتملكها وتستأثر بها، وبين أن تطالب الزوج بدفع عين المأكول والمشروب إليها بمقدار حاجتها، حيث يجب عليه إجابة طلبها؛ فإن اختارت الأول لم يكن لهـا ـ بعد أن تأخذ حاجتها منه ـ مطالبة الزوج بشيء، وإن اختارت الثاني فإن لها مطالبة الزوج بتمليكها عين ما تحتاجه حين حاجتها إليه وتسليمه لها، فيما ليس لها أن تلزمه بدفع ثمن هذه الأعيان، كما أنه ليس للرجل أن يلزمها بأخذ الثمن؛ ولو دفع لها العين غير مطبوخة لزمته نفقة طبخها.
ومما يعدّ بحكم ما تذهب عينه بالانتفاع، اللباس، فإن الزوجة فيه مخيرة بين الرضا بما يجعله الزوج منه تحت يدها فتلبسه حسب حاجتها، وبين أن تلزمه بتمليكها إياه وتسليمه لها.
الثاني: ما يكون مما تبقى عينه بالانتفاع، كالمسكن والأثاث والمركب والخادم ونحوها، ويكفي الزوجة منها توفرها عندها وبذلها لها، سواءً كانت أعيانها مملوكة للزوج أو متوفرة عنده بإجارة أو عارية، وليس للزوجة إلزامه بتمليكها أعيان تلك الأشياء إلا أن يرغب هو بذلك.
مسألة 734: يجوز للزوجة أن تتصرف فيما تتملكه من أعيان نفقتها كيفما تشاء، فيصح لها أن تنقل مثل المسكن والكرسي والفراش ونحوها، إضافة إلى ما هو مثل القمح والأرز، عن ملكها ببيع أو هبة أو إجارة أو نحوها، إلا إذا اشترط الزوج عليها ترك ذلك التصرف صراحة أو ضمناً ولو اعتماداً على ما هو المتعارف في مثل هذا المقام، فإذا نقلته عن ملكها لم يكن زوجها ملزماً بتأمين غيره لها بعد ما بذل لها نفقتها الواجبة عليه بالنحو المطلوب منه؛ وأما ما تتسلمه من دون تمليك فلا يجوز لها نقله إلى الغير ولا التصرّف فيه بغير الوجه المتعارف إلا بإذن من الزوج، ومن ذلك ما لو نهاها عن استقبال أشخاص معينين في مسكنها، فإنه لا يجوز لها إدخالهم داره التي بذلها لها لا على نحو التمليك، وهكذا سائر الأعيان المبذولة لها.
مسألة 735: إذا خرجت الزوجة عن استحقاق النفقة بطلاق أو موت أو نحوهما، فإن كان ما عندها من الأعيان التي تبقى عينهـا بالانتفـاع ـ بما في ذلك الكسوة ـ قد بذلها لها لا على نحو التمليك جاز له استردادها، وإن كان قد ملَّكها إياها لم يجز له استردادها رغم بقائها على ما هي عليه، فلا تجري عليها أحكام الهبة من جهة جواز استرجاع الموهوب مع بقاء عينه ومع كون الموهوب له غير ذي رحم، وذلك لخاصية كونه نفقة واجبة عليه، وهو ما يختلف عن ما يهبها إياه من الأعيان التي لا تستحقها بالنفقة، وذلك كأن لا تكون بحاجة إلى سيارة، فيهبها سيارة، فيجوز له الرجوع بها مع بقاء عينها ومع كونها ليست رحماً له، وهكذا سائر الموارد.
مسألة 736: ليس للزوجة أن تطلب من الطعام والشراب ونحوهما أكثر من نفقة يوم واحد، ولو دفع لها نفقة أيام، كأسبوع أو شهر، وانقضت المدة ولم تصرفها على نفسها، إما لأنها صرفت من مالها أو أنفق عليها شخص آخر، كان ما أخذته ملكاً لها وليس للزوج استرداده، وأما إذا خرجت عن الاستحقاق قبل مضي المدة فإنه يجوز للزوج استرداد ما يساوي نفقة الأيام التي خرجت فيها عن الاستحقاق، إن رغب الزوج في ذلك.
مسألة 737: يجب أن يكون ما ينفقه الرجل على زوجته، وكذا ما ينفقه عليها غيره تبرعاً مع قدرة الزوج على الإنفاق عليها، من خالص المال، فلا يصح أن ينفق الزوج عليها من أموال الحقوق الشرعية الواجبة عليه ـ من خمس أو زكاة أو كفارات أو نحوها ـ ولو كانت فقيرة في ذاتها، كما لا يصح أن ينفق عليها غير الزوج من أموال الحقوق الشرعية مع قدرة الزوج، لأن الزوجة حينئذٍ تكون غنية بزوجها حتى لو كانت في ذاتها فقيرة. نعم يجوز عند عجز الرجل عن الإنفاق عليها، ولو لغيبة تمنعه من إيصال النفقة إليها، أن يُنْفَقَ عليها من الحق الشرعي بتسليمه لها لتصرفه على نفسها وعلى من تحب، إلا أن يستغني زوجها بالحق الشرعي الذي يدفع إليه ويصبح قادراً على الإنفاق عليها مما يأخذه منه، فإنه لا يصح ـ حينئذ ـ إعطاؤها من الحق الشرعي.
مسألة 738: يجب على الزوج أن يسعى جهده لتأمين نفقة زوجته بالتكسب اللائق بحاله وشأنه، فإن لم يكن متمكناً منه أخذ من حق الفقراء من الخمس والزكاة ونحوهما بمقدار حاجته للقيام بنفقتها، فإن لم يجد، لزمه الاقتراض مع قدرته على الوفاء، فيما يشكل القول بوجوبه إذا لم يكن احتمال تمكنه من الوفاء معتداً به، فإن لم يجد، لم يجب عليه استجداء الناس وسؤالهم من أجل ذلك.
مسألة 739: إذا كان الزوج فقيراً والزوجة غنية، جاز لها إعطاؤه من الحق الشرعي الواجب عليها في مالها، وصح منه الإنفاق على نفسه وعليها من ذلك المال، سواءً في ذلك الزكاة أو غيرها من الحقوق الشرعية.
المطلب الثالث: في أحكام العجز والتنازع
وفيه مسائل:
مسألة 740: إذا لم تحصل الزوجة على جميع ـ أو بعض ـ النفقة الواجبة لها كماً أو كيفاً، لعجز الزوج أو لامتناعه، لم يسقط عنه المقدار الذي لم يدفعه لها، وبقي ديناً في ذمته، فيجب عليه أداؤه لها مدة حياته، فإن مات وجب على ورثته إخراجه من أصل تركته كسائر ديونه، ولو ماتت هي انتقل إلى ورثتها كسائر تركتها، سواءً طالبته بالنفقة في حينه أو سكتت عنها، وسواءً كانت قد رفعت أمرها إلى الحاكم فقدَّرها لها وحكم لها بها أو لا، وسواءً عاشت بالعُسْر أو أنفقت هي على نفسها أو أنفق الغير عليها تبرعاً لها من نفسه، أما إذا أنفق عليها الغير تبرعاً عن زوجها، أو ديناً على ذمته بإذن الحاكم الشرعي، لم يكن لها على زوجها شيء، وصار زوجها مشغول الذمة لمن أنفق عليها ديناً.
مسألة 741: إذا أراد الزوج وفاء ما لزوجته من نفقة في ذمته قدَّر ما كانت تحتاجه منها من طعام وسكن وأثاث وخادم وغيرها، ودفع قيمة ما تحتاجه مما تذهب عينه بالانتفاع، كالطعام والشراب، وأجرة منافع الأعيان التي تبقى بالانتفاع، كأجرة السكن والأثاث والخادم ووسيلة النقل ونحوها، مقدرةً بأجرة المثل، فتحسب جميعها وتدفع لها بعملة البلد التي كان ينبغي أن يسكنها فيها.
مسألة 742: تسقط نفقة الزوجة في الزمان الحاضر إذا أسقطتها، وكذا في الزمن المستقبل، وليس لها أن تطالب بها بعد إسقاطها. وكنا قد أشرنا إلى أنها تسقط ـ أيضاً ـ بنشوز الزوجة وترجع بتوبتها، وذلك بالتفصيل الذي سيأتي.
مسألة 743: إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته فإن حكمه يختلف في حالتين على النحو التالي:
الأولى: ما إذا امتنع عنه مع قدرته عليه، وحكمها أنها تتخير بين أن تأخذ نفقتها من ماله من دون إذنه مع الإمكان والأمن من الأذى الجسدي أو النفسي، وبين أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي ليجبره على الإنفاق. فإن لم يتيسر هذا ولا ذاك، ورغبت في الصبر عليه، فإن كان عندهـا مـا تنفـق منـه ـ من مالها أو تبرعاً ـ أنفقت منه، وإن لم يكن عندها وأمكنها تحصيل معاشها جاز لها الخروج من أجل ذلك ولم يجب عليها طاعته فيما يريده من حقوقه حال اشتغالها، بل إن لها الامتناع عن أداء حقه ولو لم يمنعها اشتغالها كما سيأتي في أحكام النشوز.
هذا إذا صبرت عليه، أما إذا لم تصبر عليه فإنَّ لها أَنْ تطلب منه الطلاق، فإن أجابها كان خيراً، وإلا طلبت من الحاكم إجباره على الطلاق، فإن استجاب للحاكم كان خيراً، وإلا طلقها الحاكم إذا طلبته.
ثم إنه لا فرق فيما ذكر من أحكام هذا الحالة بين ما لو كان الزوج حاضراً أو غائباً؛ كما أن الطلاق يقع بائناً، سواء أوقعه الزوج باختياره أو بإجبار الحاكم له أو كان قد أوقعه الحاكم؛ وتستحق الزوجة ـ بعد هذا الطلاق ـ نصف مهرها إن كانت غير مدخول بها وتمام مهرها إن كانت مدخولاً بها، رغم كونها هي التي طلبت الطلاق، إضافة إلى ما كان قد منعها عنه من النفقة.
الثانية: ما إذا عجز عن الإنفاق عليها لفقر أو غيبة، وحكمها أنها إن صبرت وتدبرت أمر نفقتها بكل طريق، ومنها أن تُحصِّل معاشها بالتكسب اللائق بحالها ولو أدى إلى منعه حقه خلال اشتغالها، جاز لها ذلك وصح منها وكان خيراً؛ وإن لم تصبر وطلبت الطلاق وجب عليه طلاقها؛ فإن امتنع أثم ورفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيأمره بالطلاق، فإن استجاب كان خيراً، وإلا فإن أمكن إجباره على إيقاع الطلاق أجبره، وإن لم يمكن إجباره طلقها الحاكم. ولا فرق بين هذه الحالة والحالة الأولى من جهة كون الطلاق الواقع فيها بائناً، ومن جهة إستحقاق الزوجة مهرها، وذلك بنفس النحو المذكور في الحالة الأولى.
مسألة 744: إنما يسوغ للمرأة طلب الطلاق عند عجز الرجل عن الإنفاق عليها بنفسه أو امتناعه عنه مع قدرته عليه، حيث لا يوجد متبرع بنفقتها لمصلحة الزوج وبتفويض منه، فلو وجد متبرع عنه ـ ولياً كان أو أجنبياً ـ لزمها الصبر وترك المطالبة بالطلاق، أمـا لو وجـد متبـرع لهـا ـ بخصوصها ومن دون تفويض منه ـ بالنفقة فلا يلزمها الصبر، ويسوغ لها المضي قدماً في طلب الطلاق إن شاءت.
مسألة 745: لا يعتبر في جواز طلب المرأة الطلاق مع عدم الإنفاق عليها مضي مدة معينة على بقائها بدون نفقة، بل يجوز لها ذلك بمجرد ظهور عجزه أو امتناعه وانكشاف حاله.
مسألة 746: ينبغي الالتفات في هذا المقام إلى أن ما ذكرناه من أحكام العجز عن النفقة مختص بالزوج الحاضر أو الغائب عن بلده في سفر أو حبس يمنعانه من إيصال النفقة إلى زوجته، والغائب بهذا المعنى هو عنوان أخر غير عنوان (المفقود)، والمراد بالمفقود: (من غاب عن أهله بحيث لم تعلم له حال ولا وجهة سير، وانقطعت أخباره عنهم، وهم على حالة قد يعلمون فيها حياته تارة وقد يخفى عليهم فيها أمر حياته أو موته تارة أخرى)، وفي كلتا الحالتين فإنه حيث يوجد ولي ينفق عليها من ماله، لا يصح لها طلب الطلاق ولا يستجاب لها، وذلك بتفصيل وافٍ يأتي في باب الطلاق.
مسألة 747: إذا ادّعت الزوجة عدم الإنفاق وادّعى الزوج الإنفاق، مع اتفاقهما على استحقاق النفقة، فالقول قول الزوجة مع يمينها إذا لم تكن للزوج بيّنة، إلا أن يكون ادعاؤها مخالفاً للظاهر، وذلك كأن كانت الزوجة تعيش في بيت الزوج وداخلة في عياله، وهو ينفق عليهم جميعاً دون أن يظهر استثناؤها منهم، فإنه لا يقبل منها إدعاء عدم الإنفاق عليها إلا بالبيّنة، فإن لم يكن لها بيّنة فالقول قول الزوج مع يمينه.
مسألة 748: إذا ادّعى الزوج الإعسار والعجز عن الإنفاق، وادّعت الزوجة يساره، كان القول قول الزوج مع يمينه؛ نعم إذا كان الزوج موسراً وادعى تلف أمواله وأنه صار معسراً، فأنكرته الزوجة، كان القول قولها مع يمينها.
المبحث الثالث: في حق الاستمتاع
ونريد به بيان ما لكلٍ من الزوجين على الآخر من حق الاستمتاع به بأنواع الاستمتاعات الجنسية، بل وغيرها من أسباب الأنس بالآخر مما يرجع إلى المساكنة، كالمبيت عنده ونحوه، وهي ما يختلف فيه الزوج عن الزوجة بسبب اختلاف موقع كل منهما في حركة الأسرة ودوره فيها، وهو ما نستعرضه في ثلاثة مطالب وتتمة:
المطلب الأول: في حق الزوج على زوجته
وفيه مسائل:
مسألة 749: يجوز للزوج أن يستمتع بزوجته بجميع الاستمتاعات التي يرغبانها ما عدا جماعها في الدبر، فإن الأحوط وجوباً تركه، ولا سيما مع عدم رضاها، سواءً في حالتي حيضها ونفاسها أم في غيرهما. وذلك في جميع الحالات والأوقات عدا ما سبق ذكره من الموارد، وهي أربعة: الأول: في حالة إحرامهما ـ أو إحرام أحدهما ـ للحج أو للعمرة. الثاني: في حالتي حيض الزوجة أو نفاسها. الثالث: أثناء الصيام إجمالاً. الرابع: أثناء الاعتكاف. فيحرم في الموردين الأول والرابع جميع الاستمتاعات بها بشهوة، ويحرم في الموردين الثاني والثالث الجماع بخاصة، وذلك بالتفصيل الذي تقدّم منا في كتابيْ: دليل مناسك الحج والجزء الأول من فقه الشريعة. هذا، وكما يجوز الاستمتاع بها عن قرب بالمباشرة، فإنه يجوز الاستمتاع بها عن بعد بمثل النظر إليها بشهوة، أو بمحادثتها بالهاتف والتلذذ بسماع صوتها، حتى يحدث بسببهما القذف، شرط أن لا يساعد الرجل نفسه بيده بالنحو الذي يعتبر فيه استمناءً محرماً.
مسألة 750: يجب على الزوجة أن تفي لزوجها بحقه في الاستمتاع بها بالنحو المذكور في المسألة السابقة، حتى لو كانت غير راغبة في الاستمتاع حين رغبته فيه، ما عدا الموارد التالية:
الأول: ما لو اشترطت عليه عدم تمكينه من نفسها في جميع الاستمتاعات أو في بعضها، إما صريحاً أو ضمناً، ومن ذلك ترك تمكينه خلال فترة ما بعد العقد وقبل زفافها، وهي المعبَّر عنها في بعض البلاد بــ (فترة الخطوبة)، فإنه يكفي في عدم تمكين الزوجة من نفسها فيها ما لو استقر تباني العرف على عدم التمكين، بحيث صار ذلك حاضراً في ذهن المتعاقدين حين التعاقد، ويصير ذلك شرطاً ضمنياً ملزماً له في سقوط حقه عنها والاقتصار في الاستمتاع بها على الحدود الموافقة للشرط. أما سقوط نفقتها خلال فترة الخطوبة فهو أيضاً تابع للشرط الصريح أو الضمني، على ما تقدم ذكره. (أنظر المسألة: 730).
الثاني: أن يمنعها من ذلك، المرض، فإن كانت هي المريضة جاز لها الامتناع بالمقدار الذي يحجزها عنه المرض، ولزمها التمكين من نفسها في الباقي؛ وإن كان هو المريض فليس لها أن تمنعه نفسها إلا حيث تخاف انتقال العدوى إليها إذا كان مرضه معدياً.
الثالث: أن يكون الزوج غير قادر على الإنفاق عليها، أو ممتنعاً عنه مع قدرته عليه، فيجوز لها أن تمنعه نفسها حتى ينفق عليها هو بنفسه أو من خلال وكيله المفوض من قِبَلِه بالإنفاق عليها، فلا يكفي في لزوم التمكين ما لو بذل لها وليه نفقتها أو تبرع بها متبرع، سواء كان تبرعه لها لسد حاجتها، أو كان تبرعه عن زوجها ـ من دون تفويض منه ـ لمساعدته على الإنفاق عليها. كما أن لها الإمتناع إذا لم يدفع لها معجَّل مهرها.
الرابع: أن يكون ما يريده منها من أنواع الاستمتاع غير مألوف، فإنه رغم جواز جميع أنواع الاستمتاعات ـ ما عدا جماعها في الدبر على الأحوط وجوباً ـ لا يجب على الزوجة تمكين زوجها من نفسها ليستمتع بها بماهو غير مألوف ولو لم يكن مؤذياً لها، كما أنها لا يجب عليها فعل ما يوجب له المتعة من الأعمال الجنسية غير المألوفة. نعم ينبغي لها أن تطاوعه في رغباته من باب حسن العشرة وحفظ المودة بالنحو الذي يرضيهما.
مسألة 751: لا يكفي في تحقّـق (تمكيـن) الزوجـة بذلهـا لنفسهـا ـ بالنحـو السابق ـ ولو بعد المناكدة والامتنـاع، بل لا بـد ـ قبـل ذلـك ـ من (جهوزيتها) بأمرين:
الأول: أن يجدها زوجها إلى جواره حيث يريدها، فلا يجوز لها الخروج من بيته في الأوقات والحالات التي يرغب بوجودها إلى جانبه ولو لم يكن يريدها جنسياً، كأوقات راحته وعطلته ومبيته ونحوها، إلا أن يأذن لها بمفارقته، وهو ما يصطلح عليه بـ (الخروج المنافي لحق الاستمتاع)، وذلك بالمعنى الذي يتجاوز الاستمتاع الحسي الجنسي إلى الأنس بحضورها؛ وأما حيث لا يحتاجها زوجها فإنه يجوز لها الخروج من بيته بدون إذنه لشؤونها المختلفة حتى لو كان موجوداً في البيت لكنه منصرف عنها في قراءةٍ أو مجالسةِ ضيوفٍ أو نحوهما مما لا يكون خروجها في مثله منافياً لحقه في الاستمتاع.
الثاني: أن لا يظهر منها من الأعمال أو الأقوال، بل ولا يظهر على ملامحها وهيئتها، ما يوجب نفور الزوج منها وانصرافه عنها، بحيث تكون تلك المنفرات نوعاً من الإمتناع غير المباشر من قبل الزوجة من تمكين نفسها. بل إنه قد وردت الأحاديث باستحباب أن تتزين المرأة لزوجها وتتودد له وتعرض نفسها عليه.
مسألة 752: رغم أن المرأة غير ملزمة بالإنجاب من زوجها فليس لها أن تلزمه بالعزل عنها، وذلك لما فيه من منافاة لحقه في الاستمتاع، إلا أن تشترط عليه العزل.
مسألة 753: لا فرق في ما ذكرناه من حق الزوج في الاستمتاع بين الزوجة الدائمة والمتمتع بها، إلا في الخروج من بيته بإذنه، فإنه مختص بالدائمة لوجوب المساكنة في الزواج الدائم، دون المؤقت، ويترتب على ذلك أنه لا يجب على المتمتع بها المكث عنده ليأنس بها بعد انقضاء متعتهما الحسية، ولو كانت الفترة قصيرة، لأنه من لوازم المساكنة وهي غير واجبة عليها.
مسألة 754: ليس للزوج حق آخر على زوجته غير (حق الاستمتاع) بالنحو الذي ذكرناه، فلا يجب عليها خدمته ولا غيرها من سائر الأمور المتعلقة به أو بأسرته أو داره، كما أنه لا يملك أن يمنعها من الإنصراف لشؤونها المتعلقة بنفسها ومالها وأهلها وولدها وعلاقاتها العامة ما دامت غير منافية لحقه المذكور. نعم، ينبغي لها ويستحب منها أن تُصفيَهُ وُدَّها وتُولِيَهُ ثقتها وتشركَهُ في أمورها وتستأذنَه في المهم منها، وذلك تحقيقاً لمزيد من المودة والتعاون بينهما؛ كما يستحب لها أن تعينه على أموره، وتخدمه في نفسه وداره وعائلته وأولاده، بالنحو الذي تقدر عليه.
المطلب الثاني: في حق الزوجة على زوجها
مسألة 755: لا يقتصر حق الزوجة في الاستمتاع على جماعها مرة خلال كل أربعة أشهر كما هو المشهور عند الفقهاء، بل يجب على الزوج أن يستجيب لها بالنحو الذي تحتاجه مَنْ هي مثلُها عادة، سواء من حيث الفترة التي تفصل بين مواقعة وأخرى أو من حيث ما هو مألوف من الكيفية المناسبة من الملاعبة والإقبال عليها ونحو ذلك، حتى لو كانت قادرة على التعفف والصبر عن الحرام عند حرمانها.
مسألة 756: إنما يجب على الزوج القيام بحق زوجته في الاستمتاع مع قدرته وحضوره، فلو منعه منه انصرافه للمهم من أموره العادية الشخصية أو العامة، لم يكن لها إلزامه بالحضور عندها والقيام بحقها، وذلك من قبيل انشغاله بمتابعة أعماله الإنتاجية وصلة أرحامه وعلاقاته الإجتماعية واهتماماته الدينية والسياسية ونحو ذلك من الأمور التي يعني الرجلَ الإهتمامُ بها، بما فيها حاجته للإنفراد بنفسه للراحة أو الاستجمام أو التأمل، سواءً طالت فترة انقطاعه عنها أو قصرت، إلا أن يؤدي انصرافه إلى أموره العادية وإغفال رغبتها الجنسية إلى وقوعها في الحرج الشديد أو إلى خوف وقوعها في الحرام فتُقدَّمُ رغبتُها على حقه في الانصراف إلى شؤونه العادية.
وبعبارة أخرى: (لا يجوز للرجل إغفال حاجة زوجته إلى الاستمتاع المطلوب من قبلها ما لم يمنعه مانع ولو عادي من أموره التي يعتاد من مثله الإنصراف إليها، إلا أنْ يسبب انصرافه لمثلها حرجاً شديداً عليها أو خوفاً من وقوعها في الحرام، فتقدم رغبتها).
مسألة 757: يجوز للمرأة أن تستمتع من زوجها بجميع ما ذكرنا جواز استمتاعه به منها في المطلب الأول، كما يحرم عليها ما ذكرنا حرمته فيه من الموارد، وذلك بدون فرق بينهما في ذلك في إطار المتع المتبادلة بينهما.
مسألة 758: لا يجب على الزوج مساكنة زوجته الدائمة ولا المبيت عندها، فضلاً عن المتمتع بها، وكذا لو كان عنده أكثر من زوجة دائمة، فإنه لا يجب عليه ـ ابتداءً ـ أن يبيت عندهن ما شاء ذلك، لكنه إذا بات عند إحداهن وجب عليه أن يبيت ليلته التالية عند الثانية، ثم التي بعدها عند الثالثة، وهكذا، ثم ما فضل عن لياليه الأربع لا يلزم بالمبيت فيه عند إحداهن، لكنه لو رغب بذلك جاز له أن يخص بالزائد إحداهن دون أن يكون ملزماً بالمبيت عند الأخرى زيادة على نصيبها الأصلي مثل مبيته عند سابقتها، وهو ما يصطلح عليه بـ (القَسْم) بين الزوجات. فإذا انتهت دورة الليالي الأربع، كان بعد انتهائها بالخيار بين أن لا يبيبت عندهن وبين أن يبدأ دورة جديدة بمجرد مبيته عند إحداهن، فيلزمه المبيت عند سائرهن بالنحو المتقدم.
مسألة 759: إذا كان للرجل زوجة واحدة، وبات عندها، لم يجب عليه أن ينام معها في فراش واحد، أو في فراش مجاور لفراشها، مقبلاً عليها بوجهه بعض الوقت، وهو ما يصطلح عليه بـ (المضاجعة)، وإن كان ينبغي له ذلك من باب المعاشرة بالمعروف؛ وأما إذا كان عنده أكثر من زوجة، فإنه يجب عليه مضاجعة من يبيت عندها في ليلتها الواجبة لها من الليالي الأربع دون ليالي المبيت الزائدة التي يجعلها لهما أو لإحداهما، ذلك أن المضاجعة فرع المبيت، فلا تجب إلا حيث يكون واجباً. فيما لا يجب عليه ـ إضافة إلى مضاجعتها ـ إمتاعها بالجماع ونحوه إلا عند حاجتها وقدرته عليه بالنحو الذي تقدم، سواء في ذلك الزوجة الواحدة أو الأكثر.
مسألة 760: لا يثبت حق المبيت للمتمتع بها؛ وكذا يسقط حق المبيت للزوجة الدائمة إذا كانت ناشزة أو مجنونة حال جنونها، كما يسقط لسفر أحدهما، أو لغير ذلك من موانع المبيت، دون أن يلزمه قضاؤه، وكذا يسقط بإسقاطها له إذا رضي زوجها، وإلا لم يكن لها رفض مبيته عندها، كما أن لها أن تهب ليلتها لمن تشاء من ضراتها لكن لا يُلزم الزوج بالمبيت عند الموهوبة لها إلا أن يرضى بالهبة، وكذا يصح منها أن تهب ليلتها لزوجها، بعوض أو بدونه، فإذا قبل منها وضعها حيث يشاء.
مسألة 761: يستثنى من وجوب القَسْم في المبيت ما لو كانت إحدى زوجاته في ليلة عرسها فإنها تُفَضَّل على ضراتها بأنه يستحب لزوجها أن يخصها بسبع ليال متتالية إن كانت بكراً أو بثلاثٍ إن كانت ثيباً، وحينئذ لا يجب عليه قضاء ما فات نساءه الأخريات.
مسألة 762: إذا أراد الشروع في القسمة بين نسائه كان له الإبتداء بأيهن شاء، وإن كان الأولى ـ بل الأحوط استحباباً ـ التعيين بالقرعة.
مسألة 763: يستحب للرجل أن يأخذ نفسه بالأخلاق الفاضلة وآداب العشرة الحسنة في علاقته بزوجته، وبخاصة أن يقدّر رأيها ويداريها ويخلص لها وُدَّه ويصبر عليها ويوسّع عليها في الإنفاق ويهتم برعايتها، فإن كان عنده أكثر من زوجة استحب له المساواة بينهن في الإنفاق وحسن العشرة وفي موافقتهن في ما يرغبنه من ألوان المتع الجنسية، وبالأخص المواقعة، وأن يلتزم بحضوره عندهن بوقت ثابت، وهو أن يكون في صبيحة كل ليلة عند صاحبة تلك الليلة.
المطلب الثالث: في أحكام الأداء والنشوز
ونريد به بيان ما يترتب على كل منهما في صورة عجز الآخر أو تمرده عن الوفاء بحقه، وتفصيل ذلك يقع في فرعين:
الفرع الأول: في نشوز الزوج
مسألة 764: يجب على الرجل الوفاء للمرأة بحقها في الاستمتاع بالنحو الآنف الذكر، فإن تمرد عليها فمنعها حقها مع قدرته على الوفاء، تهاوناً بحقها أو نكاية فيها، أثم وعصى، وجاز للزوجة أن تسلك في علاج نشوزه عدة طرق:
الأول: أن تسلك سبيل الأخلاق الفاضلة المناسبة لحالها، من الصبر والحلم والمداراة والتودد ونحوها، وذلك في إطار حرصها على معرفة الأسباب وإزالتها بالحكمة وروح المحافظة على استمرار الحياة الزوجية وإنجاح تجربتها.
الثاني: حيث إن نشوز الزوج معصية، فإنه يجب على الزوجة أن تنهى زوجها عن المنكر وتأمره بالمعروف من خلال أحكامهما المناسبة لحالها، ومن خلال تقديرها لمدى تأثره بالأسلوب الناجع الذي يخدم هدفها.
الثالث: أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي وتشكوه له، وعلى الحاكم أن يستدعيه ويأمره بإنصافها وأداء حقها، فإن لم يرتدع لم يكن للحاكم تعزيره بالضرب أو الحبس ليجبره على إنصافها، بل تتخير الزوجة ـ حينئذ ـ بين الصبر عليه وبين طلب الطلاق، فإن طلبت الطلاق فطلقها كان خيراً، وإن لم يطلقها، وطلبت من الحاكم الطلاق، أمره الحاكم بالطلاق، فإن استجاب له كان خيراً وإلا طلقها الحاكم الشرعـي؛ وحيث يطلقهـا هـو ـ أو الحاكـم ـ بطلب منها لا يسقط مالها من المهر عنده.
مسألة 765: إذا ترك الزوج بعض حقوق زوجته الواجبة عليه كما في مقامنا هذا، أو آذاها بالشتم أو الضرب أو غير ذلك، فبذلت له مالاً ليقوم بما ترك من حقها، أو ليمسك عن أذيتها أو ليطلقها فتَخْلَص من يده، حرم عليه ما بذلت وإن لم يكن من قصده إلجاؤها إلى بذل المال، بل إن لها في صورة ما لو آذاها بالشتم أو الضرب أن تشكوه إلى الحاكم الشرعي ليأمره بحسن العشرة، فإن لم يرتدع عزرّه بما يراه من حبس أو ضرب أو نحوهما.
مسألة 766: إذا كان الزوج معذوراً في ترك حق الاستمتاع، فإن كان لعيب من العيوب الموجبة للفسخ جاز لها ـ مع عدم الصبر عليـه ـ أن تفسخ زواجها به بالنحو الذي تقدم تفصيله، وإن كان لعيب لا يوجب الفسخ، أو لمرض مزمن أو شبهه، أو لسفر أو حبس يطول أمدهما، ولم يمكنها الصبر لخوفها على نفسها من الوقوع في الحرام، جاز لها طلب الطلاق حتى لو حصلت على نفقتها، فإن استجاب لها كان خيراً، وإلا أمره الحاكم بالطلاق، فإن لم يمتثل طلقها الحاكم الشرعي؛ فيقع طلاق الحاكم بائناً أو رجعياً بما يناسب مورده. هذا، وسيأتي حكم المفقود في باب الطلاق إن شاء الله تعالى. (أنظر في ذلك المسألة: 952، وما بعدها).
الفرع الثاني: في نشوز الزوجة
مسألة 767: يجب على الزوجة القيام بحق زوجها في الاستمتاع بالنحو الآنف الذكر، فإن منعته حقه عامدة متمردة، أثمت وعصت وكان للزوج أن يعالج نشوزها بعدة طرق:
الأول: أن يسلك طريق الأخلاق الفاضلة، فيتحلى بالصبر والأناة ويعالج تمردها بالحكمة والمداراة، ويُوثِّق فيما بينه وبينها ما وهن من أسباب المودة.
الثاني: أن يعظها فيخوفها المعصية ويحذرها العقاب ويأمرها بتقوى الله تعالى، وينبغي له أن يكرر ذلك وينوع أساليبه، بل ويستعين بغيره من أهل المعرفة والعلم ممن يمكنه التأثير فيها، فيصبر عليها في ذلك حتى ييأس من تأثرها.
الثالث: أن يهجرها فيدع مضاجعتها، بأن ينام في غرفة غير غرفتها، أو ينام في غرفتها لكنه يدير لها ظهره فلا يعبأ بها، ورغم أن مضاجعة الزوجة غير واجبة دائماً كما سبق القول في (المسألة: 759)، فإن الهجـران ـ على كل حال ـ هو وسيلة ضغط نفسي مهمة لردع المتمرد، مقدمة لإعادة اللحمة وتوثيق عرى المودة، وحيث تكون المضاجعة واجبة فإن هجران الناشزة لا يجوز إلا بعد اليأس من ارتداعها بالموعظة، وإلا جاز اللجوء إليه قبل الموعظة.
الرابع: أن يَضْربَها، وهو خيار غير لازم، فإن شاء لجأ إليه وإن شاء عزف عنه، وحيث يرغب في اللجوء إليه يلزمه مراعاة ما يلي:
أولاً: أن يكون بعد الموعظة والهجران بحيث يظهر له إصرارُها على التمرد وفقدانها لكل عذر، وبخاصة مع حسن أخلاق الزوج وقيامه بحقوقها كافة.
ثانياً: أن يأمل تأثرها بذلك ورجوعها إلى الطاعة وترك النشوز، فلو علم من حالها أنها لا تتأثر بذلك البتة لم يجز له ضربها.
ثالثاً: أن يكون ضربها بقصد إصلاحها وحرصاً على مودتها لا بقصد التشفي والانتقام.
رابعاً: أن يقتصر على أقل مقدار يحتمل معه التأثير، وحَدُّه الأعلى أن يكون غير موجب لاحمرار الجلد واسوداده، وفي داخل هذا الحد يجب الترتُّب في مراتب الشدة، فلا يجوز اللجوء إلى الأشد مع حصول الغرض بالأقل منه، فإن أخذه الغضب فزاد عن ذلك الحد المسموح به، فضربها فاحمرَّ جلدها أو اسود أو أدماها كان ذلك منه جناية يأثم عليها ويضمن لها ديتها بالنحو المقرر في مباحث الديات.
الخامس: منعها من النفقة بعد سقوط حقها فيها بالنشوز، على ما ذكرناه في مبحث النفقة، فإن شاء الزوج أنفق عليها وإن شاء منع عنها النفقة، وسقوط النفقة وإن لم يُنص على كونه طريقاً من طرق ردعها، لكنه يتضمن قوة ردع فاعلة، ولا سيما حيث تعتمد الزوجة في عيشها على نفقة الزوج، فلا يمكنها ـ غالباً ـ الاستمرار في نشوزها فترة طويلة إذا لم يكن هدفها من النشوز إلجاء الزوج لطلاقها والخروج من حياته. وعلى كل حال فإن سقوط النفقة بمجرد النشوز إجراء يمكن إستخدامه مع جميع ما سبق ذكره من طرق علاج النشوز الآنفة الذكر، كما يمكن الاقتصار عليه وحده دون سائرها.
تتمة في الإيلاء:
(الإيلاء) مصدر (آلى، يؤلي)، بمعنى: حَلَف؛ وهو في الشرع: (أن يحلف الرجل على ترك مجامعة زوجته الدائمة المدخول بها مدة تزيد عن أربعة أشهر أو دائماً، بهدف الإضرار بها). ولما كان مدار أحكامه على سعي الزوج لحرمان زوجته من حقها في الاستمتاع، وإلزام الشرع له بالوفاء لها أو بطلاقها إذا امتنع عن الوفاء وطالبته بالطلاق، فإنه يعتبر من مباحث وشؤون حق الاستمتاع، فينبغي ذكره معها، لا في باب مستقل كما جرى عليه الفقهاء. وفيما يلي تفصيل أحكامه في مسائل:
مسألة 768: الإيلاء نحو خاص من اليمين، ويعتبر فيه جميع ما يعتبر فيه عدا أمرين:
الأول: لا يعتبر فيه أن يكون متعلقه راجحاً، فرغم أن المحلوف عليه هو ترك وطىء الزوجة من حيث هو حق لها، وبهدف الإضرار بها، فإنه ينعقد يميناً وتترتب عليه بعض آثاره.
الثاني: لا يأثم الحالف إذا حنث به، بل إنه يجب عليه الحنث به وفاءً للزوجة بحقها، لكن مع الكفارة.
مسألة 769: لا ينعقـد الإيــلاء ـ كمطلـق اليميـن ـ إلا باسـم الله تعالـى المختص به أو ما ينصرف إطلاقه إليه، ولا يعتبر فيه العربية، فضلاً عن اعتبار أن تكون العربية صحيحة وفصحى، وكذا لا يعتبر أن يكون اللفظ صريحاً في ترك الجماع، بل يكفي كل لفظ يفهم منه الحلف على ترك ذلك العمل، بمثل: «والله لا أجامعك»، أو «لا أمَسُّك»؛ بل يكفي قوله: «والله لا جمع رأسي ورأسك وسادة أو مخدة»، إذا قصد به ترك الجماع.
مسألة 770: لا بد لصدق الإيلاء بمعناه المصطلح من توفر العناصر التالية:
الأول: أن تكون الزوجة دائمة، فلا يتحقّق الإيلاء في المتمتَّع بها.
الثاني: أن تكون مدخولاً بها ولو دبراً، فلا إيلاء في غير المدخول بها.
الثالث: أن يكون المحلوف عليه ترك جماعها في الفرج، فلا يتحقّق في الحلف على ترك جماعها دبراً.
الرابع: أن تكون مدة الترك: إما مؤقتة بأربعة أشهر فصاعداً، أو كانت بحيث قد نَصَّ على كونه دائماً، أو حلف فاطلق كلامه من حيث المدة، فلم يذكرها، فإن حلف على ترك وطئها مدة هي أقل من أربعة أشهر لم يكن إيلاءً بالمعنى المصطلح، حتى لو كانت تتضرر بترك جماعها في تلك المدة.
الخامس: أن يكون هدفه من الحلف الإضرار بها، فلو كان حلفه لا بهذا الغرض، بل إما لغرض نافع لهما أو لأحدهما، أو بدون غرض البتة، لم يكن إيلاءً بالمعنى المصطلح.
مسألة 771: إذا فقد الإيلاء أحد العناصر المذكورة في المسألة السابقة لم يكن إيلاءً بالمعنى المصطلح، فلا يترتب عليه ما سنذكره له من أحكام في هذا المبحث، بل يجري عليه ما سبق ذكره من أحكام اليمين إذا اجتمعت شروطه، ومن شروطه أنه لا ينعقد يميناً إلا إذا كان متعلقه راجحاً، فلو حلف أن يترك مجامعة زوجته لمدة أقل من أربعة أشهر لم ينعقد يمينه، لأن لها عليه حق الاستمتاع كلما طلبته، فيكون حلفه منافياً لحقها عليه فيبطل؛ وهكذا يراعى في سائر موارده شروط اليمين التي سبق ذكرها في مباحث النذر والعهد واليمين.
مسألة 772: يعتبر في (المؤلي) أن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً قاصداً، فلا يقع الإيلاء من الصغير والمجنون والمكره والهازل والسكران ومن اشتد به الغضب حتى سلبه قصده، بل ولا ممن لا يقدر على الجماع لجَبٍّ أو عننٍ بحيث لا يمكنه أن يحقق الجماع عند تخييره بينه وبين الطلاق بالنحو الذي سيأتي بيانه.
مسألة 773: إذا تم الإيلاء بالنحو الذي ذكرناه جاز له البقاء على يمينه وامتناعه إلى أربعة أشهر، فإن طلبته قبل ذلك جاز له الوفاء لها والحنث باليمين، فإن أجابها ـ حينئذ ـ فوطأها لزمته كفارة حنث اليمين دون أن يأثم في هذا الحنث، وهي نفس كفارة حنث اليمين، أي: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيام؛ وكذا لو كان قد حلف على ترك الوطىء دائماً أو مطلقاً، فوطأها بعد ذلك.
هذا إذا رجع عن يمينه من نفسه، أما إذا بقي على امتناعه، فلا هو رجع إليها ولا هو يريد طلاقها وتخلية سبيلها، ولم تقدر على الصبر عليه، جاز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيستدعيه الحاكم الشرعي، ويحثه على إجابتها ويعظه حيث يكون آثماً بترك حقها، فإن لم ينفع وبقي على امتناعه، أَنْظَرَهُ أربعة أشهر تبدأ من حين الإيلاء، فإذا مضت مدة التربص، وكان قد رجع قبل مضيها فواقعها كان خيراً، وعليه كفارة حنث اليمين، وإن لم يرجع أجبره الحاكم على اختيارالرجوع أو الطلاق إن طلبته الزوجة وفضلته على الصبر على ما هي عليه، فإن فعل أحدهما كان خيراً، وإلا حبسه الحاكم وضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يختار أحدهما دون أن يجبره على أحدهما بعينه، فإن امتنع عن كليهما طلقها الحاكم، فيقع طلاقه رجعياً مع الدخول بها إن لم تكن يائسة، وإلا وقع بائناً.
ومهما كانت نتيجة المرافعة ومجرياتها فإنه حيث يرجع إلى زوجته فيواقعها في المدة التي حلف على ترك وطئها فيها يجب عليه كفارة الحنث باليمين، سواءً رجع إليها في مدة التربص التي عينها له الحاكم أو قبلها أو بعدها؛ وأما حيث يرجع إليها بعد انقضاء المدة التي حلف على ترك وطئها فيها فلا كفارة عليه لعدم الحنث، حتى لو كانت قد رفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي فظل يدافعه المؤلي حتى انقضت مدة الإيلاء.
مسألة 774: لا يتحقّق الرجوع عن الإيلاء إلا بالمواقعة للقادر عليها، فلو صادف عجزه عنها حين رغبته في الرجوع كفاه العزم على مواقعتها حين قدرته عليها في تحقّق الرجوع وإنهاء الترافع إن كان.
مسألة 775: يزول حكم الإيلاء إذا طلقها المؤلي طلاقاً بائناً، وليس للحاكـم عليه شيء بعد ما طلق؛ كما وأنه لو عقد عليهـا ـ ولـو أثنـاء عدتهـا ـ فواقعها لم يكن ذلك حنث منه لزوال حكم الإيلاء السابق بالطلاق البائن حتى من هذه الجهة. فيما لا يزول حكم الإيلاء بالطلاق الرجعي إلا بانقضاء عدتها، فلو راجعها في العدة عاد إلى الحكم الأول، فلزوجته المطالبة بحقها، وعليه كفارة الحنث عند مواقعتها.
مسألة 776: من المفيد إلفات النظر إلى أن ما ذكرناه في هذه التتمة من توقف إجراء حكم الإيلاء بالتخيير بين الرجوع عنه أو الطلاق على انقضاء أربعة أشهر على صدور الإيلاء، إن هذا الحكم لا ينافي حكمنا السابق في (مبحث حق الاستمتاع) بوجوب الاستجابة لها قبل ذلك عند حاجتها إلى العلاقة الجنسية، ولا سيما إذا خافت الوقوع في الحرام، وذلك لخصوصية الإيلاء وكونه استثناءً من ذلك الحكم العام الذي ينظم العلاقة الجنسية بين الزوجين ويضع لها حدودها. (أنظر المسألة: 755 وما بعدها).
مسألة 777: لا تتكرر الكفارة بتكرر اليمين إذا كان الزمان المحلوف على ترك الوطىء فيه واحداً.
المبحث الرابع: في التحكيم في الشقاق
إن ما ذكرناه في مبحث حق الاستمتاع من طرق علاج نشوز أحد الزوجين، وكذا ما كنا قد ذكرناه في مبحث النفقة حول حكم امتناع الزوج عن الإنفاق، إنما هو في صورة ما لو نشز أحدهما دون الآخر، وكان تصدي المظلوم منهما للعلاج الذي ذكرناه لهما في ذينك المبحثين قد تم في جوٍ من الحرص على الوئام واستمرار الحياة الزوجية؛ أما إذا نشزا كلاهما، وصارا على حالة من التنازع والشقـاق لا يصلـح السكـوت عنهـا ولا تجاهلهـا، كما وأنهما لم يبادرا ـ هما ولا غيرهما ـ لتحكيـم شخص أو أشخـاص للتوسـط في حل النزاع وتأليف القلوب، فإن الشريعة قد تصدت لذلك على النحو التالي:
مسألة 778: إذا وقع نشوز من الزوجين، وصارا على حالة يخشى عليهما من الفرقة والطلاق أو الاستمرار على التنازع، وجب على الحاكم ـ عند علمه بحالهما ولو من دون طلب منهما ـ أن ينتدب حكمين أو أكثر من أجل النظر في أسباب النزاع وإصدار الحكم الذي يريانه صالحاً، والأفضل أن يكون الحكمان من أهلهما، حكماً أو أكثر من أهل الزوج، وحكماً أو أكثر من أهل الزوجة؛ ويصح أن يكون الحكمان من غير أهلهما، ولا سيما مع عدم وجود الكفؤ من أهلهما.
مسألة 779: يعتبر المنتدبان من قبل الحاكم الشرعي حَكَمين لا وكيلين عن الزوجين، وحُكْمُهما ملزم للزوجين إذا كان باتجاه الإصلاح بينهما، ولو لم يُرضهما أو لم يُرض أحدهما، فيما يعتبر غير مُلزم لهما إذا قرر الحكمان التفريق بينهما إلا أن يرضيا به ويأذنا.
مسألة 780: لا يعتبر في الحكمين الإسلام ولا العدالة، بل يكفي كونهما من ذوي التأثير والخبرة في ما انتدبا له، إضافة إلى لزوم تحليهما بالإخلاص التام والإصلاح بينهما بكل نزاهة وتجرد، والإجتهاد في البحث في حالهما والنظر في أسباب النزاع.
مسألة 781: الأفضل في كيفية النظر في أمر الزوجين المتنازعين أن يقابل كلُّ حَكَمٍ الطرفَ المعنيَّ به على إنفراد ويستمع إلى وجهة نظره بالنحو المناسب، فيلتقي الحكم الذي هو من جانب الزوجةِ الزوجةَ على انفراد، ويلتقي الحكم الذي هو من جانب الزوجِ الزوجَ على انفراد، فإن كفى ذلك في إحاطة كل منهما بمشكلة صاحبه إحاطة تامة، إلتقى الحكمان وتداولا في الأمر وقررا ما يريانه مناسباً، وإلا فإن لزم أن يَجْمعاهما معاً جَمَعاهما، ثم نظرا في الأمر، وكذا لو لزم أن يسألا في شأنهما بعض العارفين بهما من أهلهما وجيرانهما؛ إذ المهم أن يجتهدا في الإحاطة بأسباب النزاع بالنحو الذي يوفر لهما القدرة على إصدار الحكم المناسب.
فإذا استقر الحكمان على رأي لإنهاء النزاع وإصلاح ذات البين وحكما به نفذ على الزوجين ولزمهما العمل به ولو لم يرضيا به، وذلك كأن يشرطا على الزوج أن يُسكن زوجته في بلد معين، أو في مسكن مخصوص، أو أن لا يُسكن معها أحداً، كأمه أو أخته أو ضرتها؛ وكأن يشرطا على الزوجة أن تؤجله المهرَ الحالَّ إلى أجل، أو تردَّ عليه بعض ما قبضته منه قرضاً، أو نحو ذلك من الأمور السائغة، فلو كان ما شرطاه عليهما وحكما به أمراً غير سائغ، كأن شرطا عليه ترك بعض حقوق ضرتها من القَسْم أو النفقة إرضاءً لها، لم يصح منهما ولم يُلزم به المحكوم عليه؛ وأما إذا اجتمع رأيهما على التفريق بينهما بفدية أو بدونها فلا ينفذ حكمهما إلا أن يكون الحكمان قد اشترطا على الزوجين ـ حين بعثهما ـ بأنهما إن شاءا جمعا وإن شاءا فرقا، فرضيا، أو أن يستأذناهما في إنفاذ ما اتفقا عليه من التفريق فيأذنا به بنحو معين؛ وحيث يكون التفريق بالطلاق فلا بد من وقوعه عند اجتماع الشرائط المعلومة للطلاق، مما سنبينه في محله إن شاء الله تعالى.
مسألة 782: إذا اختلف الحكمان بعث الحاكم حكمين آخرين حتى يتفقا على شيء.
المبحث الخامس: في القرابة ولواحقها
ونريد به بيان ما يترتب على الزواج من أثر في نشوء أنواع من صلة القربى القائمة بين الناس، وهي: المصاهرة والنسب والرضاع، وكذا بيان ما له صلة ببعضها، كالحمل والولادة، وهي الأمور التي نفصلها في أربعة مطالب على النحو التالي:
المطلب الأول: في المصاهرة
مسألة 783: (المصاهرة) اسم للصلة الحادثة بالزواج بين أحد الزوجين وبعض أقارب الآخر، والتي تتعدد تسمياتها في اللغة وفي العرف، من قبيل: الصهر والكَنَّة والربيبة والحم والحَماة وغيرها؛ وجميع القرابات الحادثة بالمصاهرة تتحقّق بمجرد العقد، كما أن أثرها في نشر حرمة الزواج بين أحد الزوجين وبين بعض هؤلاء الأقـارب بالنحـو الـذي بينـاه في الفصـل الأول، يتحقّـق ـ أيضاً ـ بمجرد العقد، ما عدا حرمة الربيبة على زوج الأم فإنها لا تتحقّق إلا بالدخول بالأم، وما عدا العقد أثناء مرض الموت ووفاة الرجل المريض قبل الدخول. ومن الراجح ذكر ما تتميز به قرابة المصاهرة بنحوٍ من الإجمال الذي يرجع في تفصيله إلى مواضعه من الأبواب التي سبقت والتي ستأتي، فنقول:
أولاً: تنتشر الحرمة الذاتية بالمصاهرة في دائرة هي أضيق من دائرة انتشارها بالنسب أو الرضاع، فتحرم الزوجة على والد الزوج وإن علا، وعلى ولده وإن نزل، دون غيرهما ممن قِبَلَه من الرجال، ويحرم الزوج على أم الزوجة وإن علت وعلى بنتها وإن نزلت، دون غيرهما ممن قِبَلَها من النساء، وكما يحرم التزوج ممن ذكر فإنهم يصيرون من المحارم الذين تجوز مصافحتهم والنظر إلى بعض ما لا يجوز النظر إليه من غيرهم.
وأما الحرمة العارضة بالمصاهرة، كالجمع بين الأختين أو بين العمة وابنة أخيها والخالة وابنة أختها، فإنها لمَّا كانت مؤقتة ومرهونة بالجمع بينهن مطلقاً، أو بالجمع بينهن بدون إذنهن، لا تصير الأطراف فيها من المحارم، فلا تحل أخت الزوجة نظراً ولمساً، ولا ابنة أخيها أو أختها كذلك، على الزوج، بل يبقى أجنبياً عنهن. وهذا الجانب قد عرضنا له تفصيلياً في مباحث الفصل الأول المتقدمة.
ثانياً: رغم أن بعض الأقارب يصيرون بالمصاهرة من المحارم، فإن وجوب صلة الرحم لا يشملهم، لاختصاصه بالأقارب نسباً لا مصاهرة، نعم ينبغي وصلهم والبر بهم تحت عناوين أخلاقية عامة تساهم في إشاعة الألفة في الأسرة.
ثالثاً: لا توارث بين غير الزوجين من أهل القرابة الناتجة عن المصاهرة، فلا يرث الزوج والد زوجته ولا والدتها ولا ولدها من غيره، كما لا ترث الزوجة والد زوجها أو والدته أو ولده من غيرها، وهكذا سائر الموارد إلا أن ينطبق عليه عنوان آخر من عناوين أسباب الميراث، كعنوان (ضامن الجريرة) الذي يأتي بيانه في باب الميراث، والذي لا خصوصية فيه للقرابة الناتجة عن المصاهرة، بل هو شامل لكل من انطبق عليه العنوان المذكور. (أنظر المسألة: 1086 وما بعدها).
المطلب الثاني: في النسب
الفرع الأول: ما به يتحقّق النسب
ونريد به بيان حقيقة النسب المتقومة بتولد الإنسان من أبويه من نكاح أو سفاح، وبيان الأصل الذي يرتكز عليه إلحاق الولد بأبيه ونسبته إليه، والذي هو مضيُّ المدة التي يمكن تولده منه فيها، وذلك بمجرد مضيِّها أو مقروناً باللجوء إلى القرعة مع إمكان إلحاقه بأكثر من شخص، وهو ما نفصله في مسائل:
مسألة 784: (النسب) هو: (صلة القرابة الناتجة من تولد الإنسان من أبويه)، فتحدث بالولادة بُنوَّة الوليد لوالديه، وأبوة الوالد وأمومة الوالدة لولدهما، فإن وُلد لأبويه غيره تحقّقت بولادته الأخوة، فتكتمل بذلك أصول القرابة النسبية المباشرة، وهي: الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة، وذلك إضافة إلى ما يتحقّق بالولادة من أنواع القرابة غير المباشرة، وهي التي تتمثل: في جانب الوالدين: بوالدي الأب ووالدي الأم مهما علوا، وهم الأجداد، وفي جانب الأبناء: بأبناء الإبن والبنت مهما نزلوا، وهم الأحفاد والأسباط، وفي جانب الإخوة: بأبناء الأخ والأخت مهما نزلوا، أو بلحاظ آخرٍ وهو وجود إخوة لآبائه وأمهاته مهما علوا، فيصير إخوة الآباء أعماماً لأولاد إخوتهم، وإخوة الأمهات أخوالاً لأولاد أخواتهم. وقد فصلنا ذكرهم في مباحث الفصل الأول عند الحديث عمن يحرم التزوج منه من المحارم.
مسألة 785: تتميز القرابة النسبية بعدة آثار، وهي:
أولاً: إن دائرة من يحرم التزوج منه من الأقارب النسبيين أوسع منها في الأقارب من الرضاع أو المصاهرة، وهو أمر قد سبق ذكره. إضافة إلى ما يترتب على ذلك من كونه من المحارم الذين يحل النظر إلى ما يجب عليهم ستره من أجسادهم عن غير المحرم عدا العورة، وكذا لمسها.
ثانياً: وجوب البر بالولدين والأجداد، ووجوب صلة غيرهم من الأقارب ممن يراه العرف واجب الوصل منهم بالنحو الذي سيأتي.
ثالثاً: مسؤولية الوالدين والأجداد عن الأبناء في إطار الولاية عليهم وحضانتهم بالنحو الذي سيأتي بيانه؛ وقد تتوسع الولاية لتشمل غيرهم من الأقارب في باب شؤون تجهيز الميت.
رابعاً: مسؤولية كل من الآباء والأبناء عن الإنفاق على الآخر عند حاجته وعجزه عن تحصيل ما يعتاش به، كما سيأتي بيانه.
خامساً: مسؤولية الأقارب النسبيين بعضهم عن البعض الآخر عن جنايته على الآخرين خطأً، وهم (العاقلة) الواردة في باب الديات.
سادساً: توارث الأقارب فيما بينهم طبقة بعد طبقة على أساس قوله تعالى: ﮋﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁﮊ [الأنفال: 75].
وذلك بالنحو الذي سيأتي في باب المواريث.
مسألة 786: من المعلوم أنه لا تخفي نسبة الولد إلى أمه بعد وضوح تولده منها إلا في اللقيط الذي لا يعرف له أبوان، فيما قد يعتري الشكُّ نسبة الولد إلى أبيه، نظراً إلى طبيعة التناسل المتقومة بدخول نطفة الرجل إلى رحم المرأة واقترانها ببويضة المرأة، وهي من الأمور التي لا يمكن الجزم بها ـ غالباً ـ إلا اعتماداً على بعض القرائن، وإلا بعد ثبوت دخول نطفة هذا الرجل إلى رحم هذه المرأة بالجماع ونحوه؛ لذا فإنه لا بد لثبوت البنوة أو الأبوة بين الوالد وولده من توفر أمرين:
الأول: ثبوت وقوع مني هذا الرجل بالقذف في فرج هذه المرأة، أو على ظاهره، أو ثبوت دخول آلة الرجل الملوثة بالمني بعد قذفه خارج الفرج، أو ثبوت إدخال امرأة لمني الرجل المقذوف خارجاً إلى فرجها بواسطة آلةٍ أو نحوها، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي يُعلم فيها بدخول مني هذا الرجل إلى فرج هذه المرأة. وذلك بغض النظر عن كون دخوله فيها بزواج أو سفاح، وبرضاً أو بدونه، ومع القصد أو بدونه.
الثاني: أن تمضي مدة من الزمن بين دخول المني بالنحو المذكور آنفاً وبين وضع الحمل لا تقل في حدها الأدنى عن ستة أشهر ولا تزيد عن السنة، وهي مدة أقل الحمل وأقصاه. فلو فرض أن رجلاً واقع زوجته، ثم مضى عنها مسافراً، فوضعت ولداً في غيبته بعد مضي السنة لم يكن ذلك الولد منه، وكذا لو ولدت المرأة ولداً قبل مضي ستة أشهر من تاريخ مواقعتها.
مسألة 787: إذا تحقّق هذان الأمران حكم بلحوق الولد بأبيه ونسبته له في حالتي كونه من نكاح شرعي أو من سفاح، وتفصيلهما كما يلي:
الحالة الأولى: يعتبر الولد (إبناً شرعياً) في كل حالة يكون انعقاد النطفة فيها عن نكاح بالعقد الصحيح، أو بالعقد الفاسد بواحد من أسباب الفساد التي ذكرناها ضمن المباحث المتقدمة مع جهل الزوجين بفساده؛ أو يكون عن نكاح بدون عقد لاشتباه الزوجة بغيرها بسبب الغفلة أو النوم أو الجنون أو غياب العقل بسبب من أسبابه، إلا ما يكون بتناول المسكر عمداً واختياراً؛ وكذا يكون الولد شرعياً في كل حالة يتم فيها إدخال نطفة الرجل في رحم المرأة بغير الجماع، أو تلقيحهما معاً خارج الرحم، سواءً كان بنطفة الزوج أو نطفة غيره، وسواءً كان حلالاً نفس الإدخال أو التلقيح أو حراماً.
الحالة الثانية: يعتبر الولد (إبن زنى) إذا تولد عن نكاح بدون عقد ولا شبهة، ومما يُعَدُّ بمنزلة (عدم العقد) ما لو كان نكاحهما عن عقد فاسد مع علمهما بفساده. كما أنه لا يعد من الشبهة ما لو ظن السكران الذي تعمد شرب الخمر أن هذه المـرأة زوجتـه فواقعهـا فحملت منـه، بـل يحكـم ـ حينئذ ـ بكون الولد من زنى، ولو من جهة أبيه فحسب إذا كانت أمه مشتبهة بشبهة يعتد بها. هذا، ولا يعد من الزنى مقاربة الزوج لزوجته التي حرم عليه وطؤها لعارض، كالحيض أو الإحرام أو نحوهما، وإن كان آثماً.
مسألة 788: كما يكون الولد ـ بمقتضى الحالتين المتقدمتين ـ إبناً شرعياً أو إبن زناً لكلا والديه، فإنه قد يكون ابناً شرعياً لأحدهما دون الآخر، فلو فرض أن أحد الوالدين كان مكرهاً على الزنى أو جاهلاً بفساد العقد أو مشتبهاً، دون الآخر، كان الولد إبناً شرعياً للمعذور في ذلك النكاح، وابن زناً لغير المعذور؛ ورغم ذلك فإن عنوان كونه ولداً شرعياً هو الذي يغلب عليه وتلحقه أحكامه المترتبة عليه بخصوصه، وهي الأمور المشروطة بطهارة المولد، كمرجعية الفتيا والقضاء وإمامة الجماعة وغيرها.
مسألة 789: لا يرفع عنوان (إبن الزنى) عن الولد ما لو تزوج الزاني بأمه بعد ما حملت منه.
مسألة 790: إذا زنى رجل بامرأة ثم تزوجها بعد ذلك، فإذا حملت منه بعد العقد عليها ولم يعلم كون الولد من النكاح المحرَّم أو المحلَّل حكم بأنه من المحلل واعتبر ولداً شرعياً.
مسألة 791: لا يمتد أثر الزنى في الأبناء والأحفاد، فمن كان والده ابن زنى فإنَّ ولدَهُ لا يكون كذلك إذا وُلِدَ من نكاح شرعي، وهكذا أحفاده.
مسألة 792: يثبت النسب بالزنى كثبوته بالبنوة الشرعية، ويترتب عليه جميع لوازم النسب، من حرمة التزوج منه، وثبوت حق الولاية عليه والحضانة له، ولزوم إنفاق القادر منهما على العاجز، وصلة الرحم، وغير ذلك، ما عدا الميراث، فإنَّ ولد الزنى لا يرث أبويه ولا يرثانه إن وقع الزنى منهما معاً، وإلا فإن كان الزنى من أحدهما دون الآخر ورث الولدُ المعذورَ من أبويه وورثه، دون الزاني.
كذلك فإن لحياته حرمةً هي كحرمة حياة الإبن الشرعي، ولذا فإنه لا يجوز للأم إسقاط جنينها من الزنى، ولو قبل ولوج الروح فيه، إلا في موارد معينة نذكرها في محلها، وتثبت الدية والقصاص في قتله كثبوتهما في الولد الشرعي.
مسألة 793: إن الأصل في نسبة الولد لأبيه هو كونه من نطفته، كما أن الأصل ـ عندنا ـ في نسبة الولد إلى أمه هو كونه من بويضتها، دون أن يكون لاحتضانها له في رحمها وتولده منها مدخلية في هذه النسبة؛ وعليه فإنه لو لجأ الزوجان العقيمان ـ طلباً للوَلَد ـ إلى الطريقة المعروفة بــ (الرحم المستعارة)، وهي: (أن يُؤخذ «حويمن» من الرجل «وبويضة» من المرأة التي تعاني من مشاكل في الرحم تمنعها من الإنجاب، فتوضع النطفتان في رحم امرأة ثانية، فتلد طفلاً)، كان الطفل المتولد من هذه المرأة الثانية هو إبن صاحب الحويمن حتماً، أما والدته فالظاهر أنها صاحبة البويضة، لا مَنْ حَضَنتْهُ في رحمها وَوَلَدتْهُ.
هذا، وإنما يجوز اللجوء إلى هذه الطريقة في صورة ما لو كان الرجل زوجاً لكلا المرأتين، ولم يكن إخراج النطفتين ولا إدخالهما في رحم المرأة الثانية مستلزماً للإستمناء المحرَّم أو لكشف المرأة عورتها على الطبيب الرجل، لكنهم لو خالفوا هذين الشرطين، وارتكبوا الحرام، لا يكون الولد إبن زناً، ويتحقّق به النسب أيضاً.
مسألة 794: كما يتحقّق النسب بين الولد وصاحبي النطفتين إذا تم تكونه في الرحم وتولده منه، فإنه يتحقّق ـ أيضاً ـ بما لو تم جمع النطفتين خارج الرحم بطريقة ما يعرف في زماننا بــ (التلقيح الصناعي)، وهو: (أن يؤخذ «حويمن» من الرجل و«بويضة» من المرأة، فيجمعا في أنبوب خاص مدة الحمل، فيتولد منهما طفلٌ إنساني سوي)، إن ذلك الطفل المتولد هو إبن صاحبي النطفتين، ويتحقّق بتولده منهما بهذا النحو جميع صلاة القربى التي تتحقّق للمتولد من رحم الأم وبويضتها.
هذا، وإنما يجوز ذلك في صورة ما لو كان صاحبا النطفتين زوجين، ولم يكن إخراج النطفتين مستلزماً للوقوع في محرَّم آخر، كأن يضطر الرجل إلى الاستمناء بغير يد الزوجة، أو تضطر الزوجة إلى كشف عورتها على الطبيب الرجل من غير ضرورة مبيحة؛ فإنْ كان أحد صاحبي النطفتين ليس زوجاً للآخر، أو استلزم الإخراج وقوع الحرام منهما أو من أحدهما، كان آثماً، ولم يكن الولد إبن زنى، وتحقّق به النسب أيضاً.
مسألة 795: إذا أخذت الزوجة «حويمن» زوجها الميت بعد وفاته، بعد ما كان محفوظاً في بنوك مخصصة لحفظه، فإن الولد الذي تضعه يلحق بأبيه وأمه، لكنه لا يرث من أبيه، كما أن جواز قيام المرأة بهذا العمل لا يخلو من إشكال، والأجدر بها أن تحتاط وجوباً بترك وضع الحويمن في رحمها بعد وفاة زوجها.
مسألة 796: إذا وَاقَعَ المرأةَ أكثرُ من رجل، ثم حملت، فلإلحاق الولد بأبيه عدة صور:
الأولى: أن يكون الرجل قد طلق زوجته المدخولَ بها دون أن يتبين لها حمل، فتعتدُّ منه وتتزوج بغيره بعد انقضاء العدة، ثم يبين حملُها ويظهر، فالمرجع في إلحاقه بأحدهما هو ما سبق ذكره، أي: ملاحظة مضي مدة الإلحاق التي لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن السنة ما بين تحقّق الدخول أو ما بحكمه وما بين تولده؛ فينظر في هذه الصورة: فإن انطبق معيار الإلحاق على الزوج الثاني دون الأول، ألحق بالثاني دون إشكال، وإن انطبق على الأول دون الثاني، ألحق بالأول، لكن يلزم منه بطلان نكاح الثاني، لأن معنى كونها حاملاً من الأول هو أن عدتها منه بعد طلاقها هي أن تضع حملها، وحيث إن الثاني كان قد تزوجها قبل أن تضع حملها ودخل بها، فإن معنى ذلك أنه كان قد تزوجها في عدتها من طلاق زوجها الأول، فيبطل نكاحها من الثاني، ولكن لا تحرم عليه مؤبداً مع جهلهما بالحال كما هو فرض المسألة؛ وإن أمكن لحوقه بهما معاً، بأن كانت ولادته لستة أشهر من وطىء الثاني، ولدون السنة من وطىء الأول، ألحق بالثاني وكان ولده؛ وإن لم يمكن لحوقه بأحدهما، بأن ولدته لأزيد من السنة من وطىء الأول ولدون الستة أشهر من وطىء الثاني، لم يلحق بأحدهما، وكان أبوه غيرهما.
الثانية: أن يطلق الرجل زوجته الدائمة طلاقاً بائناً، أو يتوفى عنها، أو تكون متمتعاً بها فيهبها المدة أو تنتهي مدتها، فيطأُها رجل آخر أثناء عدتها وطئاً معذوراً فيه، أو تدخل في نفسها مني غير زوجها غفلة أو قصداً أو قهراً أثناء عدتها البائنة؛ وحكمها أنه يجري فيها ما ذكرناه في الصورة الأولى من الوجوه، غير أنه لو أمكن إلحاقه بكلا الرجلين لم يلحق هنا بالرجل الثاني كما هو حكم الصورة الأولى، بل يجب الإقراع بينهما.
الثالثة: أن تكون المرأة في عصمة زوجها، أو في عدة طلاقها الرجعي منه، فيطأُها رجل شبهةً، أو تدخل منيَّ غير زوجها في فرجها غفلة أو قهراً أو قصداً أثناء كونها معه أو في العدة الرجعية لطلاقها منه؛ وحكمها هو نفس حكم الصورة الثانية. وكذا لو كان وطؤها بالزنى، غيرَ أنه في صورة ما لو أمكن إلحاقه بهما لا يقرع بينهما، بل يلحق بالزوج لأنه ولد على فراشه.
الرابعة: أن تكون المرأة خلية من الزوج ومن العدة، فيطأها عدة رجال شبهة أو زنى؛ وحكمها هو نفس حكم الصورة الثانية، فيُنظر إن كان يمكن لحوقه بواحد منهم بعينه فيلحق به، وإن كان لا يمكن إلحاقه بواحد منهم ينتفي عنهم، وإن كان يمكن إلحاقه بالجميع أقرع بينهم، فمن خرجت القرعة باسمه كان ولده، وثبت به النَّسب بجميع آثاره التي سبق ذكرها للإبن الشرعي أو لإبن الزنى.
مسألة 797: إذا وَلَدتْ زوجتان لزوج واحد وَلَدين، فاشتبها ولم تَعَرِفْ الأُمُّ ولدها، أقرع بينهما فمن خرج اسمها كان الولد لها، وكان الثاني للثانية، وتحقّق به النسب بجميع لوازمه. وكذا يقرع بينهما لو كان الولدان لزوجين فاشتبها.
مسألة 798: إن ما ذكرناه من ثبوت النسب اعتماداً على مضي المدة لأقل الحمل أو لأقصاه، أو اعتماداً على القرعة مع التعدد وإمكان إلحاقه بالجميع، إنما هو حيث لا تتيسر طريقة أخرى جازمة لرفع الإشكال والإشتباه، فإنْ صحَّ ما يذكره أهل الخبرة بشأن وجود فحوصات طبية دقيقة يمكن الجزم من خلالها ببنوة طفلٍ لوالدٍ بعينه، لزم العمل بها وترتيب الأثر على نتائجها وتركُ الوسيلتين الظنيتين الآنفتي الذكر، فلو ألحق الولد به اعتماداً على إحداهما ثم تبين له بالفحص الطبي الجازم أنه ليس ولدَه لزمه العمل بمقتضى علمه المتأتي من الفحص الطبي، وهكذا.
مسألة 799: إذا اختلف الزوجان في تحقّق الدخول الموجب لإلحاق الولد ـ أو ما بحكمه ـ وعدمه، فادَّعته المرأة ليُلحق الولد به وأنكره الزوج، كان القول قول الزوج بيمينه؛ وكذا لو اختلفا في ولادته، فنفاها الزوج وادَّعى أنها أتت به من خارج؛ أما إذا اختلفا في المدة ـ مع الإتفاق في أصل الدخول أو ما بحكمه والولادة ـ فإن ادّعى الزوج ولادته لدون ستة أشهر، وادّعت هي خلافه، كان القول ـ أيضاً ـ قول الزوج مع يمينه، وإن ادّعى ولادته لأزيد من أقصى الحمل، وأنكرت هي، كان القول قولها مع يمينها، ويلحق به الولد، ولا ينتفي عنه إلا باللعان.
الفرع الثاني: ما به يثبت النسب
ونريد به بحث مدى إمكان التعويل على الإقرار والشهادة، من حيث إنهما إخبار بتحقّق النسب بالإلحاق بالنحو المذكور آنفاً، والنظر في مدى كفايتهما في ثبوت النسب في حق الغير، فهنا أمران:
الأول: الإقرار
مسألة 800: إذا أقر شخص ممن له أهليـة الإقـرار ـ بالنحو الذي بيَّناه في أحكام الإقرار ـ بأن هذا الشخص ولدُه أو أخوه أو جدُّه أو عمه أو غير ذلك من مراتب القرابة له، نفذ إقـراره ـ مع احتمـال صدقـه ـ في جميع الأمور التي يلحقه منها تبعة فيها غرم وخسارة، كوجوب الإنفاق على من أقر ببنوته أو أبوته، وكحرمة الزواج منه، وكإشراكه في نصيب من المال الذي كان سيرثه وحدَه لو لم يُقرَّ بقرابته منه، ونحو ذلك؛ وأما ثبوت النَّسب بهذا الإقرار: فإن كان ببنوة ولدٍ صغير له، وكان أمرُه بيده، واحتُمل صدقه في إقراره عادةً وشرعاً، ولم يكن ثمة مدَّعٍ آخر لبنوته، ثبت به النسب بينهما، وترتبت عليه جميع لوازم النسب من الميراث والولاية والحضانة والإنفاق وغيرها، دون أن يُعتدَّ بإنكار الصغير لذلك بعد بلوغه، إلا أن يأتي بدليل جازم على العدم. وكذا يثبت به النسب بين أولادهما وبين سائر طبقات القرابة، مع جميع لوازمه أيضاً، وإن كان ينبغي لهم مراعاة الاحتياط في ذلك بما يناسب كل أثر من آثار النسب، فيدع التزوج ممن يحرم عليه التزوج منه على تقدير ثبوت النسب، ويتراضون على الميراث، ويتواصلون فيما بينهم كما يتواصل الأرحام، ونحو ذلك، وبخاصة مع إنكار الطرف الآخر لذلك النسب.
وأما إن كان المُقرُّ به هو بُنوةَ الولد الكبير أو أبوته أو أخوته أو غير ذلك، فلا يثبت به النسب إلا مع تصديق الآخر له وإقراره به، وحينئذ تثبت آثار النسب من الولاية والإنفاق والتوارث وغير ذلك؛ نعم في ثبوت التوارث بينهما مع وجود الوارث الآخر لأحدهما أو لكليهما إذا لم يكن مقراً لهما إشكال، وكذا يشكل ثبوت التوارث بينهما وبين غيرهما من سائر الأقارب مع عدم إقراره بالنسب، فلا بد من مراعاة الاحتياط في الموردين بالنحو الذي ذكرناه آنفاً في مورد الاحتياط في الولد الصغير.
مسألة 801: في كل مورد لا يثبت فيه النسب أو آثاره لغير المتوافقين على مضمون الإقرار من سائر الأقارب المشتركين في الميراث فإنه لا يُلزم المنكر بتحمل شيءٍ من نصيب المُقَرِّ به، ولذلك موارد نستعرضها ـ مع بعض الفروع المناسبة ـ على النحو التالي:
الأول: إذا أقر الوارث بقرابة من هو أولى منه دفع ما في يده إليه. وإن أقر بقرابة من يساويه في طبقة القرابة دفع إليه بنسبة نصيبه من الأصل. ولو أقر بمن هو أولى منه، كأن أقر عمُّ الميت بوجود أخ للميت، ثم أقـر ـ مـرة ثانية ـ بوجود ولد لذلك الميت، فإنْ صدَّقه أخو الميت بوجود ولد له دفع الميراث إلى الولد، وإنْ كذَّبه، لزم العمَّ دفعُ الميراث إلى الأخ، ولزمه ـ أيضـاً ـ دفعُ عِوَضه للولد. ولو أقرَّ للميت بولدين دفعة واحدة، فأنكر كل منما أخوة الآخر له، لزم المقرَّ دفع المال إليهما، وعليهما أن يتداعيا للفصل بينهما.
الثاني: إذا أقر إبن الميت بوجود ولد آخر له، ثم أقر بوجود ولد ثالث، فأنكر الثالثُ الثانيَ، فإن لم يكن نسبُ الأخيرين معلوماً من طريق آخر، كان للمقر ثلث المال، لاعترافه بوجود أخوين له لهما الثلثان الباقيان، وكان للثالث نصف التركة، لعدم اعترافه إلا بأخ واحد له هو المُقِرُّ، أي الولد الأول، فيبقى من التركة سدس، أي ما نقص من نصيب الأول لولا إقراره بأخوة الثاني، فيدفع لهذا الثاني بسبب إقرار الأول به. هذا إذا كان نسب الأخيرين مجهولاً، وأما إن كان نسب الأخيرين معلوماً لم يؤثر إنكار الثالث للثاني، فيوزع المال بينهم أثلاثاً.
ويثبت نفس الحكم في صورة ما لو كان للميت ولدان فأقر أحدهما بثالث وأنكره الآخر، فإنه يتم توزيع التركة بالصورة السابقة، دون أن يثبت نسبُ المقَرِّ به، فيقع الغرم على من أقرَّ به فيدفع إليه السدُسَ، دون من أنكره.
الثالث: إذا كان ورثة الميت إخوته وزوجته، فأقرت الزوجة بولد له، فإن صدقها الإخوة كان ثُمن التركة للزوجة والباقي للولد، وإن كذبها الإخوة أخذوا نصيبهم وهو ثلاثة أرباع التركة، أما الربـع الآخـر فإنه يكـون ـ بمقتضى إقرارها ـ بينها وبين الولد الذي أقرت به، فتأخذ هي الثمن وما فضل من الربع فهو للولد.
مسألة 802: إذا مات صبي مجهول النسب، فأقر إنسان ببنوته، قيل: ثبت بذلك نسبه، ويكون ميراثه للمقر إذا كان للصبي مال، ولكنه محل إشكال.
الثاني: ثبوته بالشهادة
مسألة 803: يثبت النسب بشهادة عدلين، وتترتب عليه لوازمه من التوارث وغيره، ولا ينفع معها إنكار بعض الأطراف ما لم يأت ببيِّنة مضادة أو بدليل جازم؛ فيما لا يثبت بشهادة رجل وامرأتين ولا بشهادة رجل ويمين. ولا يضر بالبينة التي يثبت بها النسب ما لو كان الشاهدان من أقرباء المشهود بقرابته، فلو شهد أخوا الميت بولد له ثبت به النسب، وصار أولى منهما بميراثه إن كانا عدلين، فيما لا يثبت به النسب إن كانا فاسقين، وإنْ أُخذ بإقرارهما ولزمهما دفع الميراث إليه.
الفرع الثالث: في نفي الولد
مسألة 804: إذا نُسب الولد إلى أبيه لم يكن له أن ينفيه عنه دائماً، بل يختلف ذلك باختلاف الحالات التالية:
الأولى: إذا ثبت تولده منه جزماً، اعتماداً على ما يُدَّعى في زماننا هذا للفحص الطبي، لم يكن له نفي الولد، سواء ولده من زوجته الدائمة أو المتمتع بها.
الثانية: إذا وُلد على فراشه من زوجته الدائمة، وتم ما سبق ذكره من شروط إلحاقه به، وهما: إراقة مَنيِّه على فرجها أو فيه، ومضيُّ المدة المعتبرة لإمكان تولده منه، وعلمنا بتمامية شروط الإلحاق، أو أقَرَّ هو بتمامها، لم يكن له نفي الولد ولو باللعان، حتى لو كان قد واقعها غيره زناً أو شبهة، وحتى مع إمكان إلحاقه بغيره. وكذلك الأمر في المتمتع بها.
الثالثة: إذا سبق منه الإقرار ببنوته لم يقبل منه النفي ولو باللعان، سواء كان الولد من زوجته الدائمة أو المتمتع بها. وإن كان الأجدر بالمكلف مراعاة ما يقتضيه الاحتياط الوجوبي في فروع هذه المسألة في الزواج والطلاق والميراث وغيرها.
الرابعة: إذا لم يكن الأب زوجاً للأم أو كانت الأم في العدة البائنة منه، وكان قد واقعها ـ إضافة إليه ـ زناً أو شبهة أشخاص آخرون، وأمكن إلحاقه بالجميع، وألحق به بالقرعة، فليس للوالد نفي الولد بعد وقوع القرعة عليه، كما أنه ليس لغيره ممن وقعت عليه القرعة نفيه.
الخامسة: أن يكون الولد من زوجته الدائمة التي ما تزال في فراشه، ولم نعلم باجتماع شروط إلحاقه به، ولا هو أقر باجتماع الشروط أو ببنوة ذلك الولد، جاز له نفيه باللعان ـ بل قد يجب عليه ـ عند اتهامها بالزنى، بحيث كان نفي الولد بلحاظ تولده من الزنى، إذا عَلِم بعدم تكونه من مائه لعلمه بإختلال شروط الإلحاق به؛ فإذا نفى بنوته فكذبته زوجته وأكدت أبوته له، لَاعَنَها أمام الحاكم الشرعي بكيفية خاصة يأتي ذكرها في باب الطلاق، فإذا تلاعنا إنتفى الولد عنه وحرمت عليه مؤبداً.
وفي صورة ما لو كانت الحالة نفسها، لكنَّ الزوجة كانت متمتعاً بها، لم يجز له نفيه إلا مع علمه بعدم تكونه منه، فإذا علم بعدم تكوُّنِه منه، فنفاه عنه، فالمشهور أنه ينتفي بغير لعان، دون أن تحرم عليه أم الولد، لكنَّ ذلك مشكل فلا بد من الأخذ بالاحتياط.
تتمة في أحكام الحمل والولادة:
مسألة 805: لا يعتبر استيـلادُ المـرأة وإنجابُهـا الوَلَـد ـ مع الإمكـان ـ حقاً واجباً على المرأة تجاه زوجها بمقتضى عقد الزواج، بل إن الإنجـاب ـ في الجملة ـ واجب على المرأة كشرط ضمني ملحوظ عند تعاقد الزوجين، بحيث لو لم يشترطه الزوج صريحاً قبل التعاقد أو أثناءه كفى في لزومه ذلك التباني الضمني عليه، إلا أن تصرح المرأة باشتراط عدم الإنجاب، ويقبله الزوج؛ نعم، لا يقتضي ذلك الشرطُ الضمنيُّ لزوم استمرار الزوجة في الإنجاب على ما يوافق رغبة الزوج، بل إن لها الحق في أن تحدد المرات التي تنجب فيها بما يوافق رغبتها لا رغبة زوجها، إلا أن يشترط أحدهما على الآخر عدداً معيناً ويقبله الآخر، فيُلزمُ به حينئذ. هذا إذا كان الزوج راغباً في الإنجاب، أما إذا كان غير راغب فيه فليس لها إلزامه إن كانت هي الراغبة، كما أنه لا يحق له منعها من الحمل إن رغبت فيه، ولا يحق له أن يلزمها باستخدام موانع الحمل.
مسألة 806: لا يجوز للرجـل ـ ولا للمرأة ـ أن يفعل في نفسه ما يستلزم التعطيل الدائم للقدرة على الإنجاب ولو بعد ما أنجب ولداً أو أكثر، فضلاً عما لو فعله ابتداءً قبل أن يولد له. وعليه فإنه لا يجوز لأحد الزوجين أو لكليهما ـ ولو مع التراضي ـ أن يجري ما يصطلح عليه طبياً بــ (قطع الأنابيب أو ربطها) أو (استئصال الرحم أو المبيض) أو غير ذلك مما له علاقة بالتناسل، إذا أدى فقده إلى فقد القدرة على الإنجاب، نعم لا مانع منه عند الاضطرار وبالنحو الذي يتوافق مع الضرورة.
أما ما عدا ذلك من وسائل منع الحمل التي لا تستلزم إجهاض الجنين بعد إنعقاد نطفته واستقرارِه في الرحم، فإنه يجوز استخدامها في ذاتها من أجل تحديد نسل الأفراد، بل أو الأمة إذا اقتضت الضرورة العامة ذلك مما يُرجع في تفصيله إلى نظر الحاكم الشرعي وأهل الخبرة؛ شرط أن لا يكون فيها ضرر يجب تجنبه، وأن لا يستلزم استخدامها كشف الرجل عورته على الطبيب الرجل أو المرأة، ولا كشف المرأة عورتها على الطبيب الرجل دون المرأة، إلا مع الضرورة المبيحة لإرتكاب المحرم.
مسألة 807: إذا كان أحد الزوجين عقيماً، ولم يكن ذلك العقم مما ينبغي علاجه لدواعٍ صحية أخرى، بغض النظر عن مانعيته من الإنجاب، لم يجز للرجل ارتكاب ما يحرم عليه فعله من أجل التداوي للإنجاب، كالاستمناء بغير يد الزوجة، وكشف العورة على من يجب عليه سترها عنه، وغير ذلك، وكذا لا يجوز للمرأة كشف عورتها على الطبيب الرجل من أجل هذه الغاية، وإن جاز كشفها على المرأة الطبيبة؛ نعم يجوز للمرأة ـ عند الإنحصار ـ كشف العورة على الطبيب الرجل، إذا كان في ترك العلاج الذي يرجى معه الإنجاب تهديد لمستقبل حياتها الزوجية بالطلاق ونحوه، ويكون في ذلك حرج شديد عليها، فيجوز لها ـ حينئذ ـ بمقدار الضرورة، وكذا يجوز للرجل علاج العقم وارتكاب ما يحرم بسببه بالنحو المذكور إذا كان في تركه حرج عليه، كما هو الغالب.
مسألة 808: إذا انعقدت نطفة الجنين واستقرت في الرحم لم يجز إسقاطه من الرحم، سواءً انعقدت نطفته من نكاح أو من سفاح، وسواءً عُلم أنَّه خَلْقٌ سوي أو مشوه أو لم يُعلم، وسواءً كان قد ولجته الروح أو لم تلجه، وسواءً في ذلك ما لو كان الذي أسقطه أمَّه أو غَيْرَها، وبطلب من أحد والديه أو كليهما أو من دونه، لكافر كان الجنين أو لمسلم، وفي بلد تسمح قوانينه بالإجهاض أو لا تسمح، ما عدا موردين:
الأول: أن يكون في بقاء الجنين هلاك الأم أو ضرر شديد يشبه الهلاك، كالشلـل أو الجنـون أو العمـى أو نحوهـا مـن الأمـراض الخطيـرة، فيجـوز لها ـ حينئذ ـ إسقاطه وحفظ نفسها، بل يجب عليها ذلك. ومن ذلك ما لو خافت المرأة على نفسها القتل بسبب بعض العادات المستحكمة في مجتمعها، وتوقف دفع القتل على إسقاطه؛ وذلك من دون فرق بين ما لو كان قد ولجته الروح أو لم تلجه.
الثاني: أن يكون في بقاء الجنين حرج شديد على المرأة بسبب العار الذي سوف يلحقها، ويكون على درجة من الشدة أنه يربك حياتها ويهدد استقرارها بنحو بالغ، لكن لا يجوز إسقاطه في هذه الحالة إلا قبل ولوج الروح فيه، فإن ولجته الروح حرم إسقاطه رغم ذلك ما دامت لا تخشى القتل.
أما لو أصاب الرجلَ حرجٌ بسبب حمل ذلك الجنين، كما لو كان من زوجة مُتمتَّع بها، ويحرجه إنكشاف أمره أمام أهله أو زوجته، فإن مثل هذا الحرج لا يبرر إسقاط الجنين، ولو كان ما يزال علقة.
مسألة 809: في كل مورد جاز فيه للمكلف إسقاط الجنين فإنه يجوز للطبيب ارتكابه ما دام واثقاً بكون المكلف معذوراً فيه، لكنَّ ذلك لا يعفيه من دفع الدية، إلا أن يشترط على طالب الإجهاض تحملها عنه، كما سنعرض له لاحقاً.
مسألة 810: إذا تسبب شخص بإسقاط الجنين، إما بالمباشرة، بأن فعلت الأم بنفسها أو فعل غيرها بها ما يوجب إسقاط الجنين، بمثل ضربها على بطنها أو دفعها بقوة لتقع ويسقط جنينها أو بوضع دواء في فمها أو بإدخال آلة فيها أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للإجهاض، وإما بالقيام بما ينتج عنه الإجهاض مما يعد كالمباشرة، وذلك كأن يحفر لها حفرة لتسقط فيها، أو يزين لها شرب دواء موجب للإجهاض دون أن تعلم بأثره ذلك، أو نحو ذلك مما يكون السبب فيه أقوى من المباشر، إذا تسبب شخص بالإجهاض بهذا النحو وجب عليه دفع دية الجنين التي سنبينها، سواءً كان عن عمد والتفات أو بدون تعمد ولا التفات، كالذي يحدث في حالة النوم أو الخطأ، وسواءً كان من أحد الأبوين أو من أجنبي، وسواء في ذلك الطبيب الذي يطلب منه الأبوان ذلك أو غيره، وسواءً في ذلك ما لو كانت الأم معذورة في إسقاطه أو غير معذورة؛ نعم إذا كانت الأم معذورة فاشترط عليها الطبيب تحمل الدية عنه سقطت عنه.
مسألة 811: إذا كان الحمل (نطفة) فأسقط، فديته عشرون ديناراً ذهبياً، وإن كان (علقة) فديته أربعون ديناراً، وإن كان (مضغة) فديته ستون ديناراً، وإن كان قد نشأ عظم فثمانون ديناراً، وإن كسي لحماً فمئة دينار، وإن ولجته الروح فديته ألف دينار إن كان ذكراً، وخمسمئة دينار إن كان أُنثى.
أما الفترة التي يكون فيها نطفة فهي أربعون يوماً منذ انعقاده، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً.
أما مقدار الدينار الشرعي فهو ما يساوي نصف ليرة عثمانية ذهباً رشادياً، فَينظُر قيمتَها حين دفع الدية بعملة بلده إن رغب في دفعها منها ويدفعها.
مسألة 812: تدفع الدية لورثة الجنين، وهم أبواه، بالدرجة الأولى مع حياتهما وإمكان توريثهما، فإن كان الجاني في إسقاطه هو أحدهما، وكان غير معذور ولا مخطئاً، انفرد الآخر بجميع الدية، وإن كانت أمه هي الجانية، وكان أبوه ميتاً، ورثه سائر أقربائه على حسب طبقات الميراث.
وفي جميع الحالات فإنه يجوز لمن له الدية أن يسامح الجاني بها، فتسقط عنه حينئذ، فإن كان غير معذور كان عاصياً لله تعالى، وتلزمه التوبة والاستغفار عسى أن يغفر الله له ويتوب عليه.
مسألة 813: يستحب للمسلم طلب الولد والإكثار منه، وبخاصة مع قدرته على كفالته وتربيته تربية حسنة، وقد ذكرت الأحاديث الشريفة عدة آداب للحمل والولادة نستعرض بعضها كما يلي:
الأول: أن يصلي كل من الوالدين ـ في ليلة زفافهما ـ ركعتين قبل المواقعة، وأن يكونا حين المواقعة على طهر من الحدث الأكبر والأصغر، وأن يدعو الزوج ـ في جملة ما يدعو ـ: «... فإن قضيت لي في رحمها شيئاً فاجعله مسلماً سوياً، ولا تجعله شرك الشيطان»، ويستحب أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً تقياً ذكراً. كما يستحب أن يكون على وضوء كلما أراد جماع زوجته أثناء حملها. وأن يسمي حين الشروع في المجامعة، للحامل وغيرها.
هذا إضافة إلى ما يكون قد سبق ذلك من اختيار الزوجة التي تجمع الخصال الحميدة في نفسها وفي نسبها، واختيار الزوج الصالح.
الثاني: أن تحرص على الالتزام بالعديد من الآداب المأثورة في طعامها وشرابها مما هو مذكور في مظانه من كتب الحديث.
الثالث: ينبغي مساعدة المرأة عند ولادتها، بل يجب ذلك وجوباً كفائياً عند الخوف عليها أو على ولدها من التلف أو ما بحكمه، ويجوز للمرأة القابلة أن تولدها، كما يجوز لغيرها من النساء أن يساعدنها في ذلك، ويجوز لهن في مثل هذه الحالة النظر إلى عورة المرأة بالمقدار الذي يحتاج إليه؛ ولا يتوقف جواز النظر على عدم وجود الزوج القادر على توليدها. نعم إذا لزم أن يولدها الرجل عند الضرورة، لم يجز اللجوء إلى غير الزوج مع إمكان توليد الزوج لها، كما أنه لا يجوز أن يتولى ذلك الرجل الأجنبي مع وجود شخص من محارمها، وفي جميع الحالات فإنه لا يحل من اللمس والنظر المحرمين إلا مقدار ما تتأدى به الضرورة.
الرابع: يستحب غسل المولود عند وضعه إذا أُمِنَ عليه الضرر. والأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى، فإنه عصمة من الشيطان الرجيم كما ورد في الخبر. ويستحب ـ أيضاً ـ تحنيكه بماء الفرات وتربة الإمام الحسين y. وتسميته بالأسماء الحسنة، فإن ذلك من حق الولد على الوالد، وفي الحديث الشريف: (إن أصدق الأسماء ما يتضمن العبودية لله جل شأنه، وأفضلها أسماء الأنبياء صلوات الله عليهم)، وعن النبي w أنه قال: (من ولد له أربعة أولاد لم يُسمِّ أحدَهم بإسمي فقد جفاني).
الخامس: تستحب الوليمة عند الولادة، ولو بعدها بأيام قلائل. وأن يحلق له تمام شعر رأسه في اليوم السابع ويتصدق بوزنه ذهباً أو فضة. وأن يختنه في اليوم السابع، وإن كان لا بأس بتأخيره عنه، ويولم عند ختانه، وإن كان يجوز أن يولم مرة واحدة بقصد ولادته وختانه إذا ختنه في اليوم السابع أو قبله، وتتأدى به السنَّتان. ويجب على الوالد ختان ولده الذكر قبل بلوغه، فإن بلغ غير مختون وجب عليه المبادرة إلى ختان نفسه، والختان واجب في نفسه، وشرط في صحة الطواف واجباً كان أم مندوباً، ولحج كان أو لعمرة، والأحوط وجوباً اعتباره في الصبي المميز إذا أحرم بنفسه دون ما لو أحرم به وليه، ودون ما لو كان غير مميز؛ وإذا ولد الصبي مختوناً سقط الختان، وإن استحب إمرار الموسى على المحل لإصابة السنة.
السادس: تستحب العقيقة عن المولود في اليوم السابع لولادته، ذكراً كان أو أنثى، فإن تأخر عن اليوم السابع لعذر أو لغير عذر لم يسقط عنه، بل لو لم يُعَقَّ عنه حتى بلغ استُحِب له أن يعق عن نفسه، وإذا لم يَعُقَّ عن نفسه في حياته فلا بأس أن يُعق عنه بعد وفاته؛ نعم تجزي الأُضحيَّة عن العقيقة، فمن ضَحَّى وجوباً أو استحباباً، أو ضُحِّي عنه، أجزأته عن العقيقة.
ولا بد أن تكون من الأنعام الثلاثة، الغنم والبقر والإبل، من أي أصنافها كانت، كما لا بد من بذل عين الحيوان وذبحه وتوزيعه بالكيفية التي ستأتي، فلا يجزي عنها بذل ثمنها والتصدق به؛ ويستحب أن تكون سمينة خالية من العيوب فتية، وأن يَعُق ذكراً عن الذكر وأنثى عن الأنثى، وأن تذبح وتقطع دون كسر عظم منها، ويتخير بين توزيعها لحماً أو مطبوخاً، فإن طبخها دعى إليها من المؤمنين عشرة فما زاد، ولو لم يكونوا فقراء، فيأكلون منها ويدعون للولد؛ ويكره أن يأكل منها الأب أو من يعوله، ولا سيما الأم.
مسألة 814: لا يجب على الأم إرضاع ولدها ـ لا مجانـاً ولا بأجـرة ـ إذا لم يتوقف حفظه على إرضاعها، كما لا يجب عليها إرضاعه مجاناً وإن توقف حفظه عليه، بل لها المطالبة بأجرة إرضاعه في الحولين بخاصة دون الزائد عليهما، فتدفع لها أجرتها من مال الولد إن كان له مال، وإلا فمن مال والده مع يساره وقدرته، أو من مال جده لأبيه مع عدم يساره أو كونه متوفى، ومع عدمه تعين على الأم إرضاعه مجاناً، إما بنفسها أو باستئجار مرضعة له من مالها بناء على وجوب إنفاقها عليه على الأحوط وجوباً، كما سيأتي في محله.
لكن، رغم ذلك، فإن الأم أحق بإرضاع ولدها إذا أرادته ورغبت فيه، فليس للأب تعيين غيرها إلا إذا طالبت بأجرة وكانت غيرها تقبل الإرضاع بأجرة أقل أو بدون أجرة، فإن للأب حينئذ أن يسترضع غيرها، وفي هذه الصورة إذا لم تقبل الأم بإرضاع الغير ولدها فأرضعته هي بنفسها لم تستحق بإزائه شيئاً من الأجرة.
مسألة 815: ينبغي أن يُرضع الولد بلبن أمه، ففي الحديث الشريف: (ما من لبن رضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه)، نعم إذا كان هناك مرجح لغيرها، كشرافتها وطيب لبنها، فلا بأس باختيارها دون الأم. وحيث يراد أن ترضعه غير الأم فإنه ينبغي اختيار المسلمة العاقلة ذات الصفات الحميدة خَلقاً وخُلقاً، ففي الخبر عن أمير المؤمنين y أنه قال: (أنظروا من يُرضعُ أولادكم فإن الولد يشب عليه). هذا ولا ينبغي استرضاع الكافرة والحمقاء والزانية من اللبن الحاصل من الزنا، بل ولا المرأة المتولدة من الزنا.
مسألة 816: لا ينبغي إرضاع الولد أقل من واحد وعشرين شهراً، كما لا ينبغي إرضاعه فوق العامين، ولو تراضى الأبوان على فطامه قبل واحدٍ وعشرين شهراً لم يكن به بأس.
مسألة 817: الأم أحق بحضانة الولد ـ إن شاءت ـ إذا كانت مسلمة عاقلة مأمونة على الولد، وذلك بتفصيل سوف يأتي بيانه لاحقاً في مبحث خاص. (أنظر المسألة: 826 وما بعدها).
المطلب الثالث: في الرضاع
ونريد به بيان أحكام الرضاع من حيث كونه سبباً في نشوء قرابة بنحو خاص بين عدد من الأفراد، وبيان أثر هذه القرابة مقارنة مع قرابة المصاهرة والنسب، وذلك على قاعدة كون الرضاع أثراً من آثار العلاقة الزوجية إجمالاً؛ وقد استحسنا ذكره هنا بدلاً عن ذكره في فصل صفات الزوجين، لأننا لم نهدف هناك ـ منهجياً ـ إلى أكثر من تعداد الأشخاص الذين لا يجوز التزوج منهم من الأقرباء، أما ما هي القرابة وما هي أصنافها وبماذا يمتاز كل صنف عن الآخر، وما هي حقوق أفراد كل صنف بعضهم على البعض الآخر، فإنه بحث آخر له علاقة بآثار العلاقة الزوجية، لا بصفات الزوجين، فاقتضى ذلك تأخير أحكام الرضاع إلى هذا الفصل. وفيما يلي نستعرض أحكام الرضاع في مسائل:
مسألة 818: (الرضاع) هو: (قيام المرأة بإرضاع طفلٍ حليبَها)، ولا تتحقّق به القرابة إلا إذا وقع موافقاً لما يعتبر فيه من الشروط شرعاً، فتقع به القرابة وتترتب عليها آثارها الخاصة بها في دائرة معينة، على ما سنبيِّنه.
مسألة 819: لا يترتب على قرابة الرضاع سوى (المَحْرَمية) في الزواج ولواحقها، دون غيرها من آثار القرابة النَّسَبية، غير أن دائرة هذه المحرمية أضيق في الرضاع منها في النسب، كما يتبين من المقارنة بين مسائلهما التي ذكرناها في فصل صفات الزوجين. ومرادنا بــ (محرمية الزواج ولواحقها) هو: حرمة التزوج من أفراد معينين من الأقارب الرضاعيين، مع ما يترتب على ذلك من جواز النظر إلى ما عدا العورة منهم وكذا جواز لمسه. أما سائر الآثار، وهي التوارث والولاية والحضانة والإنفاق وبر الوالدين وصلة الرحم وغير ذلك، فإنه من آثار قرابة النسب، لا قرابة الرضاع.
مسألة 820: يشترط في الرضاع الموجب لنشر الحرمة أمور:
الأول: أن يكون حصول اللبن للمرضعة بعد الولادة لا قبلها، وأن يكون حملها الذي وضعته من نكاح شرعي، ومنه وطىء الشبهة؛ فلو حملت المرأة من نكاح غير شرعي فولدت فدر لبنها فأرضعت به طفلاً، لم تنتشر به الحرمة ـ على الأحوط وجوباً ـ ولو اجتمعت سائر الشروط، وكذا لو كانت حاملاً فدر حليبها أثناء ذلك، ولو قبل أن تضع حملها بقليل، فإنه لا ينشر الحرمة، فضلاً عما لو در من دون حمل. هذا، ولا فرق في الولادة بين الولادة التي تضع فيها ولداً تاماً وبين تلك التي تضع فيها سقطاً، إن صدق عليه اسم الولد عرفاً. كما أنه لا ضرورة لدر الحليب بعد الولادة مباشرة، فلو مضت مدة قصيرة بدون لبن عند الأم ثم تجدد، بحيث انتسب اللبن المتجدد إلى ولادتها تلك، نشر الحرمة، بخلاف ما لو مضت مدة طويلة على انقطاع لبنها بعد دره، أو على جفافه تماماً، بنحو لم يصدق استناد ذلك الحليب المتجدد إلى تلك الولادة، فإنه لا ينشر الحرمة حينئذ.
كذلك فإنه لا يضر بنشر الحرمة من ولادتها تلك ما لو طلقها زوجها أو توفي عنها، فتزوجت من غيره، ودخل بها الثاني وحملت منه أو لم تحمل، فإنها لوأرضعت بحليبها من ولادتها لزوجها الأول الذي ما يزال متدفقاً لم ينقطع، ولداً، نشر ذلك الرضاع الحرمة بين هذه الأم وهذا الولد وزوجها الأول.
الثاني: أن تكون المرضعة امرأة واحدة في تمام المقدار أو المدة التي تنتشر فيها الحرمة، فلو كان لرجل واحد زوجتان مرضعتان، فارتضع طفل من إحداهما سبع رضعات ومن الأخرى ثمان رضعات مثلاً، فرغم أنه قد تم له خمس عشرة رضعة من لبن رجل واحد، فإنه لا ينشر الحرمة لكونه من لبن امرأتين، لا امرأة واحدة.
الثالث: أن يكون اللبن منتسباً بتمامه إلى رجل واحد، فلو طلق الرجل زوجته بعد ولادتها منه فتزوجت غيره وحملت وولدت منه، فإذا أرضعت ولداً آخر من لبن زوجها الأول مدة من الزمن، ثم أرضعته بعد ولادتها من زوجها الثاني مدة أخرى، بحيث صدق على المدتين عنوان إنبات اللحم واشتداد العظم، لم ينشر هذا الرضاع الحرمة، لأنه من لبن رجلين.
وقد يصدق على ما لو ظلّت ترضع بلبن زوجها الأول بعد طلاقها منه ومنه وولادتها، بحيث أرضعت ولداً من لبن زوجها السابق سبع رضعات، ثم أرضعته بلبن زوجها الثاني ثمان رضعات، لم ينشر الحرمة أيضاً.
الرابع: أن يكون الارتضاع قبل تجاوز الولد العامين من عمره، فلو رضع أو أكمل الرضاع بعد استكماله السنتين لم ينشر الحرمة، أما المرضعة فلا يضر في نشر الحرمة بإرضاعها مضي أكثر من حولين على ولادتها التي حصل منها اللبن.
والمراد بالحولين مضي أربعة وعشرين شهراً هلالياً من حين ولادته، فإن ولد أثناء الشهر أُحتسِبَ من الشهر الخامس والعشرين مقدارُ ما مضى من شهر ولادته وأُكمل به العامان.
الخامس: بلوغ الرضاع في مدته أو في مقداره حد إنبات اللحم وشد العظم، وهو الذي يتحقّق في حده الأدنى من حيث المدة: برضاع يوم كامل على مدار الليل والنهار، ومن حيث العدد: بخمس عشرة رضعة متوالية. لكنه لا يُكتفى في نشر الحرمة بأحد هذين الأمرين من مرتبة (الحد الأدنى) إلا بشرط أن لا يتخلل رضاعه منها رضاعٌ من امرأة أخرى ولا تغذٍ بغير اللبن من طعام أو شراب، فيما يتحقّق في غير ذلك بمداومة ارتضاعه منها مدة غير قصيرة، شهراً أو أقـل أو أزيـد، وتنتشـر بـه الحرمـة ولو فصل بين رَضاعتـه منها ـ بيـن آونة وأخرى ـ رضاعَتُه من امرأة أخرى أو تَغَذِّيه بشيءٍ من الطعام والشراب، ما دام نبات اللحم واشتداد العظم مستنداً إلى رضاعه من لبن تلك المرأة. والمعيار في نبات اللحم واشتداد العظم هو المقدار المعتد به منهما عند العرف، لا ما يكون بحسب المقاييس العلمية الدقيقة. كذلك فإن المعيار في (الرضعة الواحدة) عند تقديره بالعدد، هو ما لو كان جائعاً فارتضع حتى ارتوى وشبع وترك الثدي من نفسه.
مسألة 821: لا يشترط في نشر الحرمة بالرضاع حصوله بامتصاص الطفل له من الثدي، فلو ألقي اللبن في فم الطفل أو شربه بقنينة أو من الكوب انتشرت به الحرمة.
كذلك فإنه لا يشترط فيه كون الأم واعية حين الإرتضاع منها، فلا يضر بنشر الحرمة ما لو كانت الأم نائمة أو مغمى عليها أو مجنونة حين الإرتضاع، بل ولا يضر فيه ما لو كانت ميتة فأكمل العدد برضعة منها بعد موتها، فإنه ينشر الحرمة ـ أيضاً ـ كما لو كانت حية.
مسألة 822: إن ما ذكرناه لنشر الحرمة في الشرطين الثاني والثالث من لزوم وحدة صاحب اللبن والمرضعة معاً إنما هو بلحاظ أن ثمة رضيعاً واحداً، ولم يرتضع رضاعاً كاملاً من لبن كلٍ من الفحلين ولا المرأتين، إذ إنه بفقد أحد هذين الشرطين لا تحدث بنوة رضاعية البتة بين الرضيع وبين كل من الفحلين والمرضعتين. أما لو تعدد الرضيع، وكان كل منهما قد ارتضع رضاعاً كاملاً من لبن فحلين أو امرأتين فلا يعتبر في تحقّق الأخوة بينه وبين من ارتضع معه إلا وحدة صاحب اللبن، لا المرضعة، وصورة هذه المسألة نذكرها كما يلي:
إذا ارتضع طفل من هذه المرأة رضاعاً كاملاً من ولادتها من زوجها الأول، ثم طلقها فتزوجت من غيره وحملت وولدت منه، فأرضعت بلبنها من زوجها الثاني طفلة رضاعاً كاملاً، لم تنتشر الحرمة بين ذلك الطفل وتلك الطفلة لعدم وحدة صاحب اللبن، فلا يكونان أخوين ليحرم أحدهما على الآخر من هذه الجهة، رغم وحدة المرضعة؛ وأما إذا اتحد صاحب اللبن فأرضعت زوجته طفلاً، فطلقها ثم تزوج من غيرها، فأرضعت زوجته الثانية هذه طفلةً، كان هذان الطفلان أخوين وحكم بحرمة كل واحد منهما على الآخر، بل وبحرمة أولاد كل منهما عليه؛ ومثله ما لو كان له زوجتان معاً فأرضعتا ولدين.
فالمناط ـ إذا ـ في تحقّق الأخوة الرضاعية هو وحدة الرجل المنتسب إليه اللبن الذي ارتضعا منه، سواءً اتحدت المرضعة أو تعددت، وهو أمر آخر مختلف تمام الاختلاف عن مفروض المسألة التي ورد ضمنها الشرطان الثاني والثالث.
مسألة 823: إذا تحقّق الرضاع الجامع للشروط صار صاحب اللبن أباً والمرضعة أماً للرضيع، وصار أباؤهما وأمهاتهما أجداداً وجدات له، وأولادهما إخوة وأخوات له، وأولاد أولادهما أولاد إخوة وأخوات له، وإخوتهما وأخواتهما أعماماً وعمات له، أو أخوالاً وخالات له، وكذا أعمامهما وأخوالهما وعماتهما وخالاتهما، وصار الرضيع إبناً أو بنتاً لهما وأولاده أحفاداً لهما.
هذا، وإننا قد ذكرنا في بعض مسائل المطلب الثاني من الفصل الأول تفصيلاً لمن يحرم بالرضاع من الذكور والإناث عند حديثنا فيه عمن يحرم التزوج منه بالقرابة. (أنظر المسألة: 585 وما بعدها).
مسألة 824: يثبت الرضاع المُحرِّم بأمرين:
الأول: العلم أو الاطمئنان بحدوثه، ولو بسبب إخبار شخص أو أكثر.
الثاني: شهادة العدلين بوقوعه شهادة تفصيلية يُذكر فيها سبب التحريم، من كونه بالمدة أو بالعدد أو بالإنبات، فلا تكفي الشهادة الإجمالية، كأن يشهد بوقوع الرضاع المحرم، أو يشهد بأن فلاناً هو إبن فلان من الرضاع.
هذا، وفي ثبوته بشهادة رجل وامرأتين، أو شهادة أربع نساء إشكال.
مسألة 825: الأَوْلى منع النساء من الاسترسال في إرضاع الأطفال حذراً من نسيانهن وحصول الزواج بين المحارم دون التفات.
المطلب الرابع: في حقوق الأقرباء
تمهيد:
لقد أولت الشريعة الإسلامية المطهرة القرابة النَّسَبية عناية مميزة، فجعلتها ركيزة التضامن العائلي، ثم التضامن الإجتماعي بعامة، فجسدت هذا التضامن بين الأقرباء في عدة حقوق واجبة، وجعلتها مواكبة لهم في شتى مراحل حياتهم، فالولاية ـ ومعها الحضانة ـ حق واجب للولد على والديه يواكبه حتى بلوغه، وبر الوالدين ـ ومنه طاعتهما ـ حق واجب للوالدين على الولد يواكبه مدى العمر، وإنفاق الآباء والأبناء بعضهم على بعض حق واجب على القادر ما دام الآخر عاجزاً، وأما صلة الرحم فحق واجب لكل من يراه العرف رحماً قريبة، فيمتد أثرها في التواصل والتعارف والتعاون إلى مدى أبعد من دائرة الأسرة التي يظلها سقف واحد، فيصل إلى أفراد كثيرين وأماكن متباعدة. ثم إن ذلك التضامن وما يتجلى به من حقوق لا يقف عند حدود الحياة، بل هو يتعداها لما بعد الموت ليكون الأقربُ من الأرحام هو الأولى بالمال الذي تعب ذلك المُتَوفَّى في تحصيله، فيتوِّجُ تشريعُ الميراثِ قِمَّةَ هذه الحقوق. ورغم ما لقرابة المصاهرة والرضاع من أهمية في تحقيق المزيد من التعارف والتواصل فليس لها تلكم الحقوق، وهو ما سبق ذكره مفصلاً في مبحث (القرابة) من هذا الفصل.
لكنَّ ثمة حقاً مُميَّزاً لا يختص وجوبُه بالأقرباء النسبيين، وهو وجوب الإنفاق على كل إنسان فقد القدرة على تحصيل القوت إلى درجة صار معها في معرض الهلاك، بل إن الإنفاق واجب على الدابة الضالة التي يخشى عليها من الموت جوعاً كما سبق ذكره في مبحث اللقطة (أنظر فقرة «الثاني» من المسألة: 339)، إضافة إلى مسؤولية المكلف عن الحيوان المملوك له ولزوم تقديم ما يلزمه من طعام وشراب ومأوى، إجمالاً، كما سيأتي بيانه.
إن هذه الموضوعات هي ما سوف نستعرضه في ثلاثة فروع على النحو التالي:
الفرع الأول: في حقي الولاية والحضانة
وفيه مسائل:
مسألة 826: الولاية: (حق، يقتضي أولوية الأب أو الجد للأب أو من يقوم مقامهما، برعاية القاصر لصباً أو جنون أو سفه في العديد من أموره، حتى يبلغ درجة الأهلية)، وهي التي ذكرنا تفاصيلها في مباحث المدخل من الجزء الثاني من هذا الكتاب (فقه الشريعة)، والتي يظهر لمن يراجعها عناية الشريعة بكفالة القاصر وتعيين من يرعاه ويتولى تدبير شؤونه في صحته النفسية والجسدية وفي شتى أموره الدينية والدنيوية، وذلك حتى يبلغ عاقلاً رشيداً، وإلا استمرت ولايتهما عليه ما دام غير كامل العقل بالخلو من الجنون والسفه. وهذه الولاية الشاملة حق واجب للولد على أبيه أو جده لأبيه، لمكان تولده منهما وعيشه بينهما ولزوم قيامهما بمقتضيات حفظه التي لا تقف عند حدود طعامه ولباسه وسكنه، بل تشمل لزوم العناية به بشتى احتياجاته.
أما «الحَضانة» فهي في المصطلح الفقهي: (حق، يقتضي أولوية شخص بعينه، بأن يتواجد الولد عنده ويكون معه وفي «حضنه»، ليدبره في أموره العادية، من طعامه ولباسه ونومه ودفع الأذى عنه، ونحو ذلك من الأمور التي ترجع إلى «شخصه» بخاصة)، وهي نفسها بعض الأمور التي يتولاها الولي بحكم إشرافه على «جميـع» شـؤون الولـد، والتـي تتميـز بكونهـا ـ غالبـاً ـ في مرحلة الطفولة الأولى التي يحتاج الولد فيها إلى «حضن» يسكن فيه ويطمئن له. إن حق الحضانة هذا قد أعطته الشريعة للأم بكيفية خاصة، ربما لأنها أليق وأجدر بكفالة الولد ورعايته في فترة خاصة، هي مدة رضاعه وفترة صباه الأولى، في حين يبقى الولد في الدائرة العامة لولاية الولي خلال مدة الحضانة بتمامها، وبنحو لا يتعارض مع حق الأم في حضانته؛ كما أن الشريعة ميزت حق الحضانة عن حق الولاية، إذ إنه في بعض الموارد التي ستأتي تعطى الأم حق الحضانة لفترة أطول بسبب اختلال بعض الشروط المعتبرة في الحاضن رغم كونه ولياً، كما سيأتي. إن جميع ما يتعلق بالولاية قد بحثناه سابقاً في الجزء الثاني من فقه الشريعة في ص: 24، وما بعدها، فيما لا بد من تفصيل الأحكام المتعلقة بالحضانة ـ كحقٍ للولد على أبويه ـ في المسائل التالية، بما في ذلك ما يمكن أن يتقاطع منها مع حق الولاية.
مسألة 827: حيث يعيش الوالد والوالدة معاً في مسكن واحد فلا غرو أن الولد سيكون معهما وفي رعايتهما دون إشكال فيه، وأما حيث يفترقان بطلاق أو فسخ، مع اجتماع شروط الحضانة الآتية فيهما فإن الولد الذي لم يبلغ السنة السابعة هلالية يبقى مع والدته وفي حضانتها حتى يتم السنة السابعة من عمره على الأقرب، تسكنه حيث تسكن، وترعاه في أموره العادية التي ذكرناها في المسألة السابقة، دون أن ينازعها الوالد ـ ولا غيره ـ فيه من هذه الجهة، ذكراً كان الولد أو أنثى، ما لم تتزوج. فإنْ انقضت هذه المدة، أو تزوجت الأم خلالها، صارت الحضانة للوالد، وحينئذ يجوز له فصل الولد عن أمه أو إبقاؤه معها.
هذا إذا افترق الوالدان بطلاق أو فسخ خلال فترة السنوات السبع من عمر الولد، أي: خلال فترة الحضانة التي هي حق الأم، أما إذا حدث الفراق بموت الزوج خلال هذه الفترة ـ أو بعدها وبعد انتقال الحضانـة إلى الوالد ـ فإن الأم حينئذ أحق بحضانة الولد إلى أن يبلغ رشيداً، من وصي أبيه ومن جده أو جدته لأبيه أو غيرهما من أقاربه، سواءً تزوجت الأم بعد ذلك أو بقيت دون زواج؛ كذلك فإن الوالد أحق بالولد من سائر أقارب الأم ـ فضلاً عن وصيها ـ إذا ماتت الأم خلال فترة أحقيتها بالحضانة؛ وأما إذا ماتت الأم بعد موت الأب وبعد استقلالها بحضانة الولد فالحضانة لجد الولد لأبيه، فإن فقد فالحضانة لوصي الأب أو الجد للأب، فإن وجد الوصيان وتراضيا على أحدهما كان خيراً، وإن تنازعا أقرع بينهما؛ فإن فقد الوصيان، كانت الحضانة لسائر أقرباء الولد يترتبون في الأولوية حسب مراتبهم في الميراث، ومع التعدد والتساوي في المرتبة والتنازع على حضانته يقرع بينهم.
مسألة 828: يعتبر في من تكون له الحضانة من الأبوين وغيرهما توفر أمور:
الأول: العقل، فلا حضانة للمجنون خلال فترة جنونه.
الثاني: أن يكون مأموناً على القيام بشؤون الحضانة بالنحو الذي يحقق السلامة للولد في نفسه وفي جسده وفي دينه.
الثالث: أن يكون الحاضن مسلماً إذا كان الولد مسلماً، فإن كان أحد الأبوين مسلماً دون الآخر ألحق الولد بالمسلـم، وكانت الحضانـة لـه ـ مطلقـاً ـ دون الكافر، وكذا حكم الولد المحكوم بإسلامه في صورة ما لو كانت الحضانة لأحد أقربائه بعد فقد الأبوين.
الرابع: أن تكون الأم خلال مدة استقلالها بالحضانة ـ بعد طلاقها وحياة زوجها ـ غير متزوجة، فإن تزوجت سقط حقها في حضانته.
فإذا فقدت الأم شيئاً من هذه الصفات خلال فترة ثبوت حق الحضانة لها سقط حقها فيها، وانتقلت الحضانة إلى من بعدها حسب أولويته؛ وكذا لو فقدها الأب أو الجد للأب، فإن حقهما بالحضانة يسقط وينتقل إلى الأولى بها بعدهما، وذلك من دون أن تسقط ولايتهما على الولد فيما هما وليان عليه إن بقيت أهليتهما للولاية، ومثال ذلك ما لو سقطت حضانة الجد للأب لعدم كونه مأموناً على الولد بسبب كبر سنه وعجزه عن القيام بشؤونه، فإنه مع بقاء أهليته للولاية بالعقل والإسلام يبقى ولياً عليه رغم عدم حضانته له.
مسألة 829: لا يعتبر لثبوت الحضانة للأم كونها هي التي ترضعه، فلو لم تكن قادرة على إرضاعه، أو كانت قادرة فطلبت أجرة مع تبرع غيرها به، فاسترضع الوالد غيرها، بقي حقها في الحضانة كما لو كانت هي التي ترضعه، وذلك لعدم المنافاة بين ارتضاعه من امرأة وبين حضانة امرأة أخرى له إذا أمكن حمله إلى المرضعة أو احضار المرضعة عنده، فإن لم يمكن ذلك ـ لتباعد الأماكن أو حيلولة الموانع ـ قُدِّم ما يقتضيه الإرتضاع بمقدار الضرورة، وبقي حقُّ الأم في الحضانة قائماً، وكان لها العمل به بعد زوال المانع.
مسألة 830: إذا فقد الحاضن شيئاً من شروط الأهلية المعتبرة فيه، وسقط حقه في الحضانة، ثم وَجَدَ ما فَقَدَ وتَمَّتْ فيه الشروطُ، عادَ حقُّه فيها، وذلك كالأم المطلقة إذا تزوجت ثم فارقت زوجها الثاني وعادت خليَّة خلال السنين السبعة من عمر الولد؛ أو: كالأب يعرض عليه الجنون ثم يعقل بعد ذلك، أو يرتد ثم يتوب، أو نحو ذلك من الموانع الموجبة لسقوط حق الحضانة.
مسألة 831: لا يجب على من له حق الحضانة مباشرة الحضانة بنفسه، بل يجوز له إيكالها إلى غيره مع وثوقه بقيامه بها على الوجه المطلوب.
مسألة 832: الحضانة كما هي حق للوالدين أو غيرهما بالنحو الذي ذكرناه، فإنها حق للولد عليهم، فإذا امتنعوا عنها أجبروا عليها؛ غير أنه يحق لغير الولي ممن له حق الحضانة، كالأم وأبيها وأمها ونحوهم من أقارب الولد ـ ما عدا وليه، وهو أبوه وجده لأبيه ـ أن يأخذ أجرة على الحضانة من مال الولد إن كان له مال ولم يكن ثمة متبرع بها، فإن لم يكن له مال بَذَلَ الأجرة وليُّه من ماله، فإن لم يكن له ولي وجب على الأم ونحوها ممن تجب نفقته عليه حَضانَتُه مجاناً أو بذل الأجرة لمن يحضنه إن كان الحاضن غيرها؛ فإن وُجد متبرع سقط حق الحضانة عن طالب الأجرة، بل وكذا يسقط مع طلبه أجرة أزيد من غيره.
مسألة 833: حق الحضانة من الحقوق التي تقبل الإسقاط، فيسوغ لمن له الحق أن يتنازل عنه لغيره ممن يليه في سلسلة مراتب الأولوية من أقارب الطفل إذا كان جامعاً للشروط، دون الأجنبي، بعوضٍ كان تنازله عنه أو بدون عوض، فإذا قبل الآخرُ ثبت الحق له دون المتنازِل عنه، ولم يكن له الرجوع عنه، وإذا رجع عنه لم يرجع إليه؛ فإن كان الذي تنازل له غير جامع للشروط، أو كان ثمة من هو أولى منه، لم يصح التنازل ولم يسقط عنه الحق.
مسألة 834: حق الحضانة يقتضي سكن الولد مع من له حق حضانته، فلو كانت الحضانة للأم ساغ لها أن تسكنه حيث تسكن، وليس لوليه أن يلزمها بالسكن في موضع معين، ولو فرض عدم وجود مسكن للأم الحاضنة بعد طلاقها أو ترملها فليس لها أن تطالب الولي بتأمين مسكن لها لتحضن فيه ولدها، سواءً من ماله أو من مال الولد، ويكفي في مسكن الأم أن يكون لائقاً بها ولو بتبرع الغير به أو بسكنها مع زوجها إذا تزوجت بعد ترملها، أو نحو ذلك، فإن فقدت المسكن، أو وجدته ولكن لم يكن لائقاً ولا مناسباً لطفلها، بحيث لم تعد مأمونة على الولد، سقط حقها في حضانته حتى تجد المسكن المناسب.
هذا، وكما لا يسوغ للولي أن يتدخل في سكن الطفل ولا في غيره من شؤون حضانته في إطار ما هو عمل الحاضن ووظيفته التي ذكرناها، وذلك في كل مورد يكون الحاضن فيه غير الولي، فإنه لا يسوغ ـ أيضاً ـ أن يقوم الحاضن بشيء من أعمال الولي، من قبيل حفظ أمواله واستثمارها، وشؤون تأديبه وتوجيهه، ونحو ذلك مما هو من صلاحيات الولي؛ وعلى كل حال، فإنه ينبغي أن يتفاهم الولي مع من له حق الحضانة ـ وهو الأم غالبـاً ـ على كيفية القيام بشؤون الولد، وأن ينسقا العمل بينهما في الإتجاه الذي يحفظ حق كل منهما ويحقق مصلحة الولد.
مسألة 835: لا يقتضي حق الحضانة كون نفقة الولد خلال مدة حضانته على الحاضن إذا لم يكن هو الذي تجب نفقته عليه، فقد يكون الحاضن هو المنفق وقد يكون غيره، وتفصيل ذلك سيأتي في مبحث آخر. (أنظر المسألة: 838).
مسألة 836: إذا حُرم من له حق الحضانة من حضانة الولد في تمام المدة أو بعضها ـ ولو عدواناً ـ لم يكن على من حَرمَه تدارُك ما فات من حقه بقيمة أو نحوها.
مسألة 837: تنتهي الحضانة ببلوغ الولد رشيداً، فإذا بلغ رشيداً لم يكن لأحد حق الحضانة عليه، حتى الأبوين فضلاً عن غيرهما، بل يملك أمر نفسه ويتخير في الانضمام إلى من شاء منهما أو من غيرهما، سواءً في ذلك الذكر أو الأنثى؛ نعم إذا كان انفصاله عنهما موجباً لعيشه في حالةٍ مخالفةٍ لمقتضيات السعادة والعيش الطبيعي، بحيث تستدعي إشفاق الوالدين على ولدهما منها، فأمراه بالعيش معهما إشفاقاً عليه، وجب عليه طاعتهما في ذلك براً بهما ودفعاً لتأذيهما.
الفرع الثاني: في نفقة الأقارب
وفيه مسائل:
مسألة 838: يجب على الولد الذكر الإنفاق على والديه، ويجب على الوالد الإنفاق على أولاده الذكور والإناث، وهذا المقدار من حق الإنفاق على الأقارب لا إشكال في ثبوته بالشروط التي ستأتي، غير أن الأقرب ثبوت النفقة لغير هؤلاء من الأقارب ممن نذكرهم على النحو التالي:
أولاً: كما يجب على الولد الذكر الإنفـاق على أبويـه فإنـه ـ أيضـاً ـ يجب على الولد الأنثى أن تنفق على أبويها.
ثانياً: كما يجب على الولـد المباشـر ـ ذكـراً كـان أو أنثى ـ الإنفاق على الأبوين فإنه ـ أيضاً ـ يجب على الأحفاد والأسباط ذكوراً وإناثاً أن ينفقوا على الأجداد والجدات مهما علوا، من جانب الأب كانوا أو من جانب الأم، وذلك عند فقد الولد المباشر أو إعساره وعجزه عن الإنفاق.
ثالثاً: كما يجب على الوالد الإنفاق على أولاده الذكور والإناث فإنه يجب ـ أيضاً ـ على الجد للأب وإن علا أن ينفق على أحفاده وأسباطه ذكوراً وإناثاً مع فقد الوالد المباشر أو عجزه عن الإنفاق، فإن فُقد الأجداد للأب أو أعسروا وجب على الأم، ثم وجب على أبيها ثم على أمها، ثم على أبي أبيها، ثم على أم أبيها، وهكذا يُلحظ الأقرب منهم فالأقرب، بما في ذلك ما لو اجتمعت الأصول مع الفروع، فلو اجتمع واحد من الأصول كجده لأمه مع واحد من الفروع كابن إبنه، كان حفيدُه أقربَ من جده وأولى بالإنفاق عليه.
هذا، ولا يثبت حق الإنفاق بالقرابة لغير الآباء والأبناء من الأقرباء، كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ولا لغيرهم من أبنائهم وبناتهم، وإن كان الإنفاق عليهم من خالص المال أمراً حسناً لما فيه من الوَصْلِ لهم والبرِّ بهم.
مسألة 839: إذا تعدد من يثبت عليه حق الإنفاق، كأن يكون للشخص المستحق للنفقة والد وولد، أو عدة أولاد، وجب على كل واحد منهم القيام بنفقته، فإن تصدى أحدهم وحقق له تمام كفايته سقط الوجوب عن الآخرين ما دام مكفياً، وإن حقق بعض كفايته، وجب على الجميع إكمال ما نقص عنه، بمن فيهم ذلك المتصدي.
مسألة 840: يشترط في وجوب الإنفاق على القريب فقره، بمعنى عدم وجدانه لما يحتاج إليه في معيشته فعلاً من طعام وكسوة وفراش وغطاء ومسكن ونحو ذلك، فلا يجب الإنفاق على الواجد لنفقته فعلاً وإن كان فقيراً شرعاً، أي: لا يملك مؤنة سنته؛ وأما غير الواجد لها فإن كان متمكناً من تحصيلها بالاستعطاء أو السؤال لم يمنع ذلك من وجوب الإنفاق عليه بلا إشكال، نعم لو استعطى فأُعطي مقدار نفقته الفعلية لم يجب على قريبه الإنفاق عليه، وهكذا الحال لو كان متمكناً من تحصيلها بالأخذ من حقوق الفقراء من الأخماس والزكوات والصدقات وغيرها، أو كان متمكناً من الاقتراض ولكن بحرج ومشقة أو مع احتمال عدم التمكن من وفائه فيما بعد احتمالاً معتدّاً به، فإن ذلك ـ أيضاً ـ لا يمنع من وجوب الإنفاق عليه إلا أن يجد ما ينفقه بإحدى هاتين الوسيلتين، وأما مع عدم المشقة في الاقتراض وتوفُّر فُرص الإيفاء فالظاهر عدم وجوب الإنفاق عليه.
ولو كان متمكناً من تحصيل نفقته بالإكتساب، فإن كان ذلك بالقدرة على تعلّم صنعة أو حرفة يفي مدخولها بنفقته ولكنه ترك التعلّم فبقي بلا نفقة، وجب على قريبه الإنفاق عليه ما لم يتعلّم، وهكذا الحال لو أمكنه الإكتساب بما يشق عليه تحمّله، كحمل الأثقال، أو بما لا يناسب شأنه، كبعض الأشغال التي لا تناسب بعض الأشخاص، ولم يكتسب لذلك، فإنه يجب على قريبه الإنفاق عليه.
وإن كان قادراً على الإكتساب بما يناسب حاله وشأنه، كالقوي القادر على حمل الأثقال، والوضيع اللائق بشأنه بعض الأشغال، ومن كان كسوباً وله بعض الأشغال والصنائع، وقد ترك ذلك طلباً للراحة، فالظاهر عدم وجوب الإنفاق عليه، نعم إذا مرت عليه أيام قد فاته فيها الإكتساب لو رَغِبَهُ، بحيث صار محتاجاً فيها فعلاً، وجب الإنفاق عليه فيها بخصوصها؛ كما يجب الإنفاق عليه في صورة ما لو ترك التكسب لاشتغاله بأمر يتنافى مع التكسب، كالمرابطة أو طلب العلم أو نحو ذلك.
مسألة 841: لا فرق فيما ذكرنا من عدم وجوب الإنفاق على القادر على التكسب بين الرجل والمرأة، فلو كانت المرأة قادرة على تحصيل نفقتها بالتكسب اللائق بها لم يجب على والدها أو ولدها الإنفاق عليها؛ نعم، لا يعد من القدرة على النفقة ما لو كانت قادرة على الزواج ممن يكفيها نفقتها، فلو لم تتزوج مَنْ هذه حالُها مع توفر الزواج اللائق بها لم تسقط نفقتها بامتناعها، ووجب على أقاربها الإنفاق عليها.
مسألة 842: لا يعتبر في المُنْفَق عليه من الأقرباء أن يكون مسلماً، ولا عادلاً، ولا ممن به علة كالعمى والشلل المُقعِد ونحوهما، نعم يعتبر في من عدا الأبوين أن لا يكون كافراً حربياً، والكافر الحربي هو: من يكون في حالة حرب مع المسلمين بالنحو المذكور في باب الجهاد.
مسألة 843: يعتبر في المُنْفِق توفر القدرة على الإنفاق على قريبه، وذلك بعد قيامه بنفقة نفسه وزوجته الدائمة بالنحو المناسب لاحتياجاته واللائق بشأنه، بما في ذلك ما يلزمه بذله في زواج نفسه ولو مع عدم اضطراره إليه، أو في إكرام ضيوفه وقضاء حوائج قاصديه، ونحو ذلك مما يعد من نفقته، ثم يَنْظُر ما يفضل عنه فيجب عليه إنفاقه في العاجز من أقربائه بقدر ما يسع منهم، فإن وسع جميع من تجب نفقته عليه منهم كان خيراً، وإن وسع بعضَهم قُدِّم الأقربُ فالأقرب، كالولد ـ مثلاً ـ فإنه مقدم على ولد الولد، فإن تساووا في درجة القرابة وزع الموجود عليهم بالسوية إن كان مما يقبل التوزيع ويبقى صالحاً للانتفاع، وإلا تخير في دفعه لمن يشاء منهم.
هذا، ولا يشترط في ثبوت النفقة كمال المُنْفِق بالبلوغ والعقل، فلو كان للصبي أو المجنون مال زائد عن نفقة نفسه وزوجته وجب على الولي بذله لمن تجب نفقته على ذلك الصبي أو المجنون.
مسألة 844: إذا لم يكن عنده ما ينفقه على قريبه، وكان متمكناً من تحصيله بالاكتساب اللائق بشأنه، وجب عليه ذلك، وإلا أخذ من الحقوق الشرعية من الخمس والزكاة وغيرهما لفقره، وإلا استدان مع القدرة، وذلك على نحو ما تقدم تفصيله في مبحث نفقة الزوجة. (أنظر المسألة: 738).
مسألة 845: يقتصر في النفة الواجبة على الأقارب على نفقة القريب نفسه، فلا تشمل نفقة من يعوله من أفراد أسرته، كزوجته وأولاده، إلا أن يجب على المنفق من جهة أخرى، فيجب ـ مثلاً ـ على الوالد أن ينفق على ولده دون زوجته، في حين يجب عليه ـ أيضاً ـ الإنفاق على أولاد ولده هذا، وذلك بناءً على ما تقدم من وجوب الإنفاق عليهم من حيث أنهم أحفاده، وبنحو مستقل عن إنفاقه على أبيهم أو عدم إنفاقه؛ كذلك فإن على الولد أن ينفق على والده دون أولاده، لأنهم إخوته، وهكذا.
مسألة 846: لا تقدير لنفقة القريب الواجب بذلها له، فيكفي بذل ما يقيم حياته من طعام وكسوة ومسكن وغيرها بالنحو المناسب لحاله وشأنه، كخادمه ودابة ركوبه ونفقات علاجه وسفره ونحو ذلك مما مر ذكره في نفقة الزوجة في المسألة (731)؛ نعم، لا يعد من النفقة الواجبة أداء ديونه، ولا دفع ما ثبت عليه من فدية أو كفارة أو دية جناية أو نحو ذلك، بل ولا بذل مصاريف زواجه من مهر وغيره، وإن كان ذلك هو الأحوط استحباباً، ولا سيما في الأب مع حاجته إلى الزواج وعدم قدرته على نفقاته.
مسألة 847: لا يجب في نفقة الأقارب تمليك القريب ما يحتاج إليه من أعيان تذهب بالاستعمال، كالطعام والشراب، ولا الأعيان التي لا تذهب بالاستعمال كالمسكن والأثاث واللباس، بل يكفي توفيرها عنده وبذلها له على نحو الانتفاع، كما أنه يكفي في مثل الطعام بذله في دار المنفِق إلا مع وجود عذر يمنع المُنفَق عليه من تناوله في دار المنفِق، كبعد المسافة، أو وجود من يتأذى منه، أو نحو ذلك، فيجب ـ حينئذ ـ حمله إليه.
مسألة 848: تسقط نفقة القريب المستحقة له الآن إذا أسقطها عن المنفق، وتبرأ ذمته منها ولا يحق للمنفق عليه المطالبة بها بعد ذلك، فيما لا تسقط نفقته المستقبلية لو أسقطها، فتبقى ذمة المنفق مشغولة بها، وللمنفَق عليه أن يطلبها منه بعد الإبراء.
مسألة 849: إذا عجز المنفق عن الإنفاق لم يجب عليه تدارك ما فات منه، وكذا لو امتنع عنه مع قدرته عليه، وإن أثم بذلك، وذلك بخلاف ما مر في نفقة الزوجة في المسألة (740)؛ غير أنَّ لمن له الحق إجبارَه عند امتناعه، ولو باللجوء إلى الحاكم وإن كان جائراً؛ فإن لم يمكن إجباره جاز له أن يأخذ من ماله بمقدار نفقته مقاصَّةً، ولكن بعد استئذان الحاكم الشرعي على الأحوط وجوباً، فإن لم يمكنه ذلك جاز له أن يستدين على ذمته بإذن الحاكم الشرعي، فتشتغل ذمته بما استدانه ويَلزَمُ الممتنعَ قضاؤه، فإن تعذر الحاكم الشرعي كفاه استئذان بعض عدول المؤمنين بالاستدانة على ذمته.
تتمة في الإنفاق على المضطر:
مسألة 850: إذا اضطر شخص إلى أكل طعام غيره لإنقاذ نفسه من الهلاك أو ما يشبهه كالعمى والشلل ونحوهما، فإن كان المالك حاضراً، ولم يكن مضطراً إليه لإنقاذ نفسه، وجب عليه بذله له وتمكينه منه، لكن يسوغ له طلب العوض دون أن يشترط عليه ما يعجز عنه، وإلا عد ممتنعاً؛ وأما إذا كان المالك غائباً حين اضطراره إليه، ولم يمكنه الإتصال به أو بوكيله لاستئذانه، جاز للمضطر ـ بل وجب عليه ـ أن يرفع اضطراره بالأكل من طعامه بعد تقدير ثمنه وجعله في ذمته، على أن لا يكون أقل من ثمن المثل.
هذا، ولا فرق في الحكم المتقدم بين ما لو كان المضطر مسلماً أو غير مسلم، فيشمل كل ذي نفس محترمة.
مسألة 851: إذا اضطر شخص لغير الطعام من أموال الغير، كالدواء أو السلاح أو الثياب أو نحو ذلك مما يتوقف عليه حفظ نفسه أو عرضه، وجب على المالك ـ مع حضوره ـ بذله لـه بعوض أو بدونـه، وجـاز للمضطـر ـ مع غياب المالك ـ التصرف في مال الغير بمقدار الضرورة مع ضمان العوض.
الفرع الثالث: في حقوق الأقرباء الأخلاقية
ونريد بالحقوق الأخلاقية بعض ما حث الإسلام على مراعاته في عشرة الأقارب بعضهم لبعض، ذلك أن الإنسان قد يعزف عن معاشرة أهل بيته بالمعروف إتكالاً منه على رفع الكلفة بينه وبينهم، أو تشوفاً منه لتسامحهم معه وغض نظرهم عن هفواته، مما يطمعه في الاسترسال معهم وترك مراعاة الأدب واللياقة في تصرفه معهم، الأمر الذي قد يدخله في ارتكاب بعض كبائر الذنوب فيهم، كقطيعة الرحم وعقوق الوالدين وظلم الأقارب في أموالهم ونحو ذلك؛ في حين إن المؤمن الخلوق ينبغي أن يتبدَّى حسن خلقه مع أهل بيته قبل غيرهم، وذلك لما أثر في الحديث عن النبي w أنه قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). هذا وليس للأقرباء حقوق خاصة سوى ثلاثة حقوق، هي: تأديب الولد، وبر الوالدين، وصلة الرحم، فيما هم في سائر الحقوق الثابتة للمسلم على أخيه المسلم سواء. لذا فإننا سوف نقتصر في هذا المبحث على ما هو خاص بالأقرباء من الحقوق الأخلاقية مما سنذكره في ثلاثة عناوين على النحو التالي:
أ ـ في تربية الولد:
مسألة 852: يجب على ولي الطفل القيام بما يكفل للطفل في مراحل عمره المختلفة سلامة الجسد والنفس والدين، وهي الأركان الثلاثة للشخصية الصالحة. ويجب على الولـي ـ من أجـل ذلك ـ تحصيل المعرفة التي تكفل له النجاح في ذلك، أو تفويض من يقوم بهذه المهمة عنه، وذلك بالحدود الموافقة لما هو لازم في الشريعة المطهرة، والتي عمادها حفظه أولاً: من الأذى في جسده بحمايته من الأمراض وبتقديم الغذاء الصحيح له؛ وحفظه ثانياً: من الأذى في نفسه بحمايته من الإرهاب والقهر والحرمان ونحوها من الأمور الموجبة لتشوه النفس وانحرافها عن الخط السوي وعجزها عن النهوض بصاحبها لمواجهة أعباء ومصاعب الحياة؛ وحفظه ثالثاً: من الإنحراف في دينه، وذلك بالحرص على تعليمه العقائد الحقة والمعارف الدينية الأساسية بالمقدار الذي يجعله مأنوس الذهن بها، فيقدر ـ بعد بلوغه ـ على تحصيل الاعتقاد الشخصي بها عن بصيرة ويقين.
مسألة 853: يجب على الولي أن يراعي في هندام ولده ومظهره الخارجي وما يرجع إلى حرمته بين الناس ما يجنبه هتك الحرمة والتشنيع عليه وتعييره بالنحو الذي يوجب له الأذى البالغ في نفسه وفي مستقبل حياته، وذلك كشؤون نظافته وألفاظه وسلوكه ولباسه ونحوها من أموره العادية.
مسألة 854: يجب على الولي أن يعلم ولده القراءة والكتابة بالمقدار الذي يُمَكِّنُه من تحصيل المعارف الواجبة مما ينحصر تعلمه بالقراءة والكتابة، أو الذي يمكنه من تحصيل ما هو واجب كفائي من المعارف والاختصاصات العلمية والمهنية، إضافة إلى وجوب تعليمه ما هو ضروري له في سلامة جسده ونفسه ودينه بالنحو الذي ذكرناه في المسألة السابقة، مما قد يتوقف تَعَلُّمُهُ على تعلُّم القراءة والكتابة. وإن كان ينبغي للولي أن يحرص على أن يكتسب ولده الأعلى من درجات العلم، بعد ما صار العلم أساساً في نجاح الإنسان في شتى ميادين الحياة.
مسألة 855: ينبغي أن يسلك الولي في أسلوب تربيته لولده ـ أو غيره ممن يتولاه ـ طريقة الرحمة واللين والتوجيه الهادىء الحسن، وأن يبتعد جهده عن العنف والشدة في القول والممارسة، بل إنه يحرم عليه استخدام العنف المؤدي إلى إيذاء الطفل نفسياً أو جسدياً بالضرب وغيره من أساليب القمع والإرهاب؛ وحيث لا بد من تأديبه بالضرب فإنه يجوز لوليه ضربه ثلاث أو أربع ضربات يراعي في شدتها أن لا توجب احمرار الجلد، أما غير الولي من الأقارب والمربين ـ ومنهم الأم ـ فإنه لا يجوز لهم ضربه بهذا النحو إلا بإذن الولي.
ب ـ في بر الوالدين وطاعتهما:
مسألة 856: ينبغي للولد أن يعاشر والديه بالمعروف والإحسان، فيحرص في علاقته بهما على أن يكون في أعلى درجات الأخلاق واللياقة، فيبذل لهما من نفسه كل خير مهما كان نفيساً أو مرهقاً له، منسجماً فيه مع قوله تعالى: ﮋﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﮊ [الإسراء: 24]، ويجنبهما من نفسه كل شر مهما كان تافهاً وضئيلاً، منسجماً مع قوله تعالى: ﮋ..ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮊ [الإسراء: 23]. وكفى للأبوين فخراً، وللولد أجراً وثواباً، أن الله تعالى جعل النظر إلى وجههما حباً بهما نوعاً من أنواع العبادة، على ما ورد في بعض الأخبار.
مسألة 857: ينبغي للولد أن يحرص على طاعة والديه وتنفيذ رغبتهما، مهما كان متقدماً في العمر ووجيهاً عند الناس، ومهما كانت رغبتهما صعبة وشاقة عليه ما دام ذلك ممكناً له وضمن الحدود الشرعية التي أمر الله تعالى بمراعاتها؛ بل يجب عليه طاعة والديه في كل أمر نابع من شفقتهما عليه مما يصطلح عليه بــ (الأوامر الإشفاقية)، كما لو نهياه عن السكن في موضع مخوف، أو عن سفر فيه مخاطرة، أو نحو ذلك من الأمور التي توجب مخالفتها تَأَذِّيهما النابع من إشفاقهما ولهفتهما عليه؛ وفي الحديث أن النبي w أوصى رجلاً فقال له: (... ووالديك فأطعهما، وبُرَّهما حيين أو ميتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإن ذلك من الإيمان).
مسألة 858: لا فرق فيما ذكرنا من لزوم البر بالوالدين والطاعة لهما بين ما لو كانا مسلمين أو كافرين، ولا بين ما لو كان المسلم منهما تقياً أو فاجراً، فقد ورد في الحديث عن الباقر y أنه قال: (ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبرُّ الوالدين، بَرَّيْن كانا أو فاجريْن).
ت ـ في صلة الرحم:
مسألة 859: يجب على المكلف أن يصل أرحامه من الأقارب ويحرم عليه قطيعتهم؛ والمراد بــ (الأرحام): (كل من يكون من الأقرباء من جهة الأب أو من جهة الأم على درجة من القرابة يراهم فيها العرف ممن تحسن صلته فيُمدح الواصل، وممن تقبح قطيعته فيُذم القاطع، فتشمل فيما نراه من ظاهر العرف ـ إضافة إلى الأرحام النسبيين الذين يحرم التـزوج منهـم من الذكـور والإنـاث ـ أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، سواءً أولاد المباشرين من الأعمام والعمات والأخوال والخالات أو غير المباشرين، فإن أولادهم هم من الأرحام الذين يراهم العرف واجبي الوصل؛ وهكذا الأمر في غيرهم.
والمراد بــ (الوصل): (كل فعل أو قول يقصد به التودد إلى الرحم)، وذلك بمثل السلام عليه والسؤال عن أحواله، ولو بالمراسلة أو بالهاتف، وبمثل مهاداته وزيارته وعيادته إذا مرض، وتهنأته بأفراحه وتعزيته في أحزانه، ومساعدته إذا احتاج أو افتقر، ونحو ذلك؛ ويكفي منها أقل ما يتحقّق به الوصل ويُخرج به عن القطيعة، وإن كان الأفضل الحرص على الوصل بكل ما يقدر عليه فإن فيه الثواب الجزيل والخير العميم كما سيأتي، وقد ورد في ذلك الحديث عن الإمام الصادق y، أنه قال: (صلْ رحمك ولو بشربة ماء، وأفضل ما توصل به الرحم كف الأذى عنها..)، وعن أمير المؤمنين y أنه قال: (صلوا أرحامكم ولو بالتسليم،...).
هذا، ولا فرق في الرحم بين المسلم والكافر، ولا في المسلم بين التقي والفاجر، وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق y أن بعض أصحابه سأله: (تكون لي القرابة على غير أمري، أَلَهُمْ علي حق؟ فقال y: نعم، حق الرحم لا يقطعه شيء، وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقان: حق الرحم وحق الإسلام). كما أنه لا فرق في وجوب الوصل بين ما لو كان الرحم واصلاً أو قاطعاً، وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق y ـ أيضاً ـ أنه قال في جواب من سأله عن صلة من يحرص على وصله فيستمر هو في قطيعته: (إنك إذا وصلته وقطعك وصلكما الله عز وجل جميعاً، وإن قطعته وقطعك قطعكما الله).
مسألة 860: ينبغي للمؤمن أن يشتد في صلة الرحم ويتجاوز بها الحد الواجب، وذلك لما ورد في فضلها وآثارها والحث عليها من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ومن الآيات الكريمة قوله تعالى: ﮋﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﮊ [الرعد: 21]، وقوله تعالى: ﮋﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮊ [محمد: 22]؛ وأما ما ورد فيها من الأحاديث فكثير، منها ما جاء في الحديث عن الإمام الباقر y أنه قال: (إن الرحم معلقة يوم القيامة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني)، وعن النبي w أنه قال: (أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم، ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أن يصل الرحم وإن كانت منه على مسيرة سنة، فإن ذلك من الدين). وعن الإمام الباقر y أنه قال: (صلة الأرحام تُحسِّن الخلق، وتُسَمِّح الكف، وتُطَيِّب النفس، وتزيد في الرزق، وتُنْسِىءُ في الأجل «أي تؤخره وتطيل في العمر»). وعنه ـ أيضاً ـ y يرويه عن جده رسول الله w أنه قال: (إن أعجل الخير ثواباً صلة الرحم). إلى غير ذلك من الأحاديث.
الفصل الرابع
في خصائص الزواج المؤقت
تمهيد:
نريد بالزواج المؤقت ما اشتهر بــ (زواج المتعة)، ويسمّى أيضاً بــ(الزواج المنقطع)، وهو الذي يُنَص في عقده على مدة معينة للزواج وينتهي بمجرد انتهائها دون طلاق؛ وذلك في قبال (الزواج الدائم) الذي يخلو عقده من ذكر مدة معينة، حتى لو كان في نيتهما أن يفترقا بعد مدة، والذي لا ينتهي إلا بالطلاق. ورغم اتفاق المسلمين على تشريعه والعمل به في زمن النبي w، فإن استمرار حليته وجواز العمل عليه قد أثارا جدلاً عنيفاً وحواراً واسعاً بين الصحابة والتابعين في العصر الإسلامي الأول ثم بين سائر علماء المسلمين في العصور التالية، وحتى يومنا هذا. وقد أجمع أئمـة أهل البيت i ـ واقتدى بهم جميع الفقهاء السائرين على نهجهم ـ على حلية زواج المتعة واستمرارها منذ زمن النبي w، وظل القول بحليته والعمل به مستمريـن إلى يومنـا هـذا، بل إننا ـ وكلما توالت العصور ـ نرى دواعي الحلية تتعاضد وأهدافها تتجلى وتتأكد.
ثم إن الزواج المؤقت لا يختلف في جوهره ولا في الكثير من أحكامه عن الـزواج الدائـم، فهـو ـ كما الـزواج الدائـم ـ عقد زواج قائـم علـى القصـد والاختيار والتراضي وعلى نفس الشروط المعتبرة في الزوجين، وتترتب عليه آثار الزواج من المهر والقرابة بالمصاهرة والنسب والرضاع، وآثار القرابة من النفقة والولاية والحضانة للولد، وكذا التوارث بين غير الزوجين من الآباء والأبناء وغيرهم من الأقارب، وصلة الرحم، وهو علاقة زوجية يمكن إعلانها وإخضاعها لقوانين إجرائية لتنظيمها وتوظيفها في خدمة استقرار المجتمع وحفظه من الانحراف وتعزيز سعادة أفراده. لذا فإن معظم الأحكام التي ذكرناها في الفصول الثلاثة المتقدمة تجري بنفس النحو والتفصيل في الزواج بنوعية ـ المؤقت منه والدائم ـ، نعم، يختص الزواج المؤقت بعدة أحكام ترجع إلى التوقيت والنفقة والمفارقة والعِدَّة، وهي الأحكام التي مَيَّزته عن الزواج الدائم، وجعلته متوافقاً ومنسجماً مع الهدف المراد منه، وهو ـ على ما يبـدو لنا ـ التخفيف من تبعات العلاقة الزوجية الدائمة عند إلحاح الغريزة الجنسية واستبدالها بعلاقة شرعية ذات تبعات أقل، وذلك حيث لا يتيسر للمكلف ـ غالبـاً ـ إقامة علاقة زوجية دائمة ولا تأسيس حياة أسرية مستقرة. هذا، ولكنَّ حلية المتعة غير مقيدة بالعجز عن الزواج الدائم، ولا بعدم اكتفاء الرجل بزوجته الدائمة، بل تصح من كل رجل، متزوجاً كان أو عازباً، وإن كان الأفضل للمستغني بالزواج الدائم أن يستعفف عن الزواج المؤقت.
وفيما يلي نستعرض ما يتميز به الزواج المؤقت عن الزواج الدائم في عدة عناوين على النحو التالي:
الأول: في العقد والمتعاقدين
مسألة 861: لا تختلف صيغة عقد الزواج المؤقت عن صيغة الزواج الدائم إلا في أمرين:
الأول: يعتبر ذكر المهر في عقد المتعة، فلو تعاقدا بدون ذكر المهر، ولو جهلاً أو نسياناً، بطل العقد؛ في حين يصح الدائم بدون ذكر المهر على النحو الذي تقدم. (أنظر المسألة: 692).
الثاني: يعتبر ذكر الأجل في عقد المتعة، فلو تعاقدا بدون ذكر الأجل، ولو جهلاً أو نسياناً، صح العقد، لكنه يقع دائماً.
وبناءً عليه فإن الصيغة الفضلى لعقد المتعة هي ما يلي: تقول المرأة: «زوجتك نفسي بمهر قدره (كذا) لمدة (كذا)»، فيقول الرجل: «قبلت»، وذلك باللغة العربية الصحيحة والفصحى، مع كون الإيجاب من المرأة والقبول من الرجل، وتقديم الإيجاب على القبول. وإن كان يجوز خلاف ذلك، وبالنحو الذي عرضنا له تفصيلياً في مباحث العقد المتقدمة. (أنظر المسألة: 630 وما بعدها).
مسألة 862: يعتبر في المتعاقدين متعة توفر جميع الصفات التي يجب توفرها في المتعاقدين دواماً مما مر ذكره في مباحث (صفات الزوجين)، ما عدا أنه يجوز في الزواج المؤقت الجمع بين أكثر من أربع زوجات في وقت واحد، بخلاف الزواج الدائم. فيما لا يعتبر في المتعاقدين توفر كثير من الصفات التي ذكر الفقهاء استحباب توفرها في المتعاقدين دواماً، نعم يستحب اختيار المرأة المؤمنة العفيفة، كما يستحب أن يسأل عن حالها قبل التزوج منها إذا شك في كونها ذات بعل أو في العدة، وكانت متهمة بعدم المبالاة من هذه الجهة؛ ويكره التزوج من الزانية إذا لم تكن مشهورة بالزنى، فإن كانت مشهورة بالزنى كان الأجدر به أن يحتاط وجوباً بترك التزوج منها إلا بعد توبتها؛ وينبغي تجنب العقد على البكر الرشيدة من دون إذن أبيها أو جدها لأبيها، لما يكتنف مثل هذه العلاقة من سلبيات يعتد بها في مجتمعات عدة.
مسألة 863: يجب على المتعاقدين أن يتفقها في ما يكثر ابتلاؤهما به من أحكام الزواج بعامة والزواج المؤقت بخاصة، حذراً من وقوعهما في ما يخالف الشرع مع قدرتهما على التعلم؛ كما ينبغي لهما أن يُنشئآ عقداً واضحاً مفصلاً يراعيان في شروطه وتفاصيله ما قد يستجد عليهما من ظروف، وما يحيط حياتهما من ملابسات، هي ـ في أحيان كثيـرة ـ محرجة ومزعجة، بل وخطيرة أحياناً.
الثاني: في المهر
مسألة 864: لا يصح الزواج المؤقت إذا لم يُذكر المهر في عقده ولو عن نسيان أو جهل، ولو جَعَلَ المهرَ مما لا يملكه المسلم، كالخمر أو الخنزير، أو جعله من مالِ غيرِه مع عدم إذنه ورَدِّه بعد العقد، كان ذلك بمنزلة عدم ذكره، فيبطل به العقد ـ أيضاً ـ في الموردين. هذا ويكفي ذكر تفاصيله قبل العقد والإشارة إليه أثناء العقد بمثل قولها: «..بالمهر المتفق عليه» أو نحو ذلك.
مسألة 865: لا تختلف أحكام المهر المذكورة سابقاً في الزواج الدائم عنها في الزواج المؤقت، وتملك المرأة المتمتع بها المهر المسمى لها بمجرد العقد، ويجب على الزوج تسليمه لها إلا أن يشترط عليها التأجيل، أو يخاف عدم تمكينها في تمام المدة، فيجوز له ـ حينئذ ـ تقسيط المهر لها على حسب ما تمكنه من نفسها.
مسألة 866: يثبت للمتمتع بها تمام المهر إذا مات الزوج ولو قبل الدخول، وكذا لو ماتت هي أيضاً ولو قبل الدخول، وذلك بخلاف ما لو وهبها المدة، كما سيأتي في (المسألة: 880).
مسألة 867: إذا تبين فساد العقد وبطلان الزواج المؤقت به من الأصل، كأن تبين له أنها أخته من الرضاع أو أن لها زوجاً أو نحو ذلك، فلا مهر لها ما دام لم يدخل بها، وكان له أن يستعيد ما أقبضها منه ولو بعد تلفه، وكذا إن دخل بها وكانت عالمة بالفساد، وأما إن كانت جاهلة بفساد العقد فإن لها بالدخول بها أقل الأمرين من المهر المسمى ومهر المثل متعة لا دواماً. هذا، وسيأتي ذكر أمور أخرى لها علاقة بالمهر.
الثالث: في ذكر المدة
مسألة 868: لا يخفى أنه لا يكون الزواج مؤقتاً إلا مع ذكر المدة، فلو عقد عليها دون ذكر المدة، ولو جهلاً أو نسياناً، صح العقد ووقع دائماً، ولحقه حكم الزواج الدائم.
مسألة 869: لا تقدير للأجل من حيث القلة والكثرة، فيصح جعله ساعة كما يصح جعله خمسين سنة، نعم لا يصح جعله إلى مدة تزيد على العمر المحتمل للإنسان بحكم العادة الغالبة، فإذا جعله كذلك لغى التأجيل ووقع الزواج دائماً.
مسألة 870: لا بد من تعيين زمان الأجل بما لا يحتمل الزيادة والنقص، فيبطل العقد إذا وقته بزمن مجهول، كيوم من هذا الأسبوع، أو شهر من السنة، أو وقته بالزمن المردد، كشهر أو شهرين، ونحو ذلك. هذا، ولا بأس بتحديد أجل معين ولو لم يكن معلوماً عندهما أو عند أحدهما، كأن يجعلا المدة إلى آخر هذا اليوم، أو إلى آخر هذا الأسبوع، دون أن يعرفا كم بقي من اليوم من الساعات، ولا كم بقي من الأيام من الأسبوع. كما لا بأس بجعله شهراً هلالياً رغم تردده بين الثلاثين والتسع والعشرين.
مسألة 871: إذا جعل مدة معينة كأسبوع مثلاً، فنسي بدايته وشك في انتهائه وعدمه، جاز البناء على عدم بلوغ النهاية حتى يتيقن.
مسألة 872: إن إطلاق المدة يقتضي اتصالها بالعقد إلا أن تشترط عليه تأخير الاستمتـاع مـدة معينة بعد العقد، وينبغي ـ على سبيـل الاحتيـاط ـ ترك التوافق بينهما على تأخير بدء احتساب المدة حتى تمضي مدة معينة على العقد، وذلك بأن يجعلا المدة شهراً ويكون مبدؤه بعد أسبوع من وقوع العقد.
مسألة 873: لا يصح للزوج تجديد العقد على زوجته المتمتع بها دواماً أو متعة قبل انقضاء المدة أو إبرائها منها، فلو كانت المدة شهراً وأراد جعلها شهرين مثلاً لزمه أن يهبها المدة ثم يعقد عليها شهرين.
الرابع: في حق الاستمتاع
مسألة 874: يثبت لكل من الزوجين على الآخر في الزواج المؤقت حق الاستمتاع بنحو ثبوته عليه في الزواج الدائم، وذلك بالنحو الذي ذكرنا تفصيله سابقاً، غير أنه لما كانت المساكنة غير واجبة فيه فليس للزوج إلزام المتمتع بها بالبقاء عنده وترك الخروج من موضع اجتماعهما بدون إذنه ما دام لا يحتاجها لمتعته؛ كما أننا قد ذكرنا أنه يجوز العزل عن الزوجة المتمتع بها ولو لم ترض بذلك، بخلاف العزل عن الدائمة فإنه غير جائز إلا برضاها.
مسألة 875: يجوز لكل من الرجل والمرأة أن يشترط على الآخر أثناء العقد ما يشاء من تفاصيل الاستمتاع مما هو زيادة على حقه الشرعي أو نقص عنه، بما في ذلك ترك الدخول بها، فإذا كان الشرط سائغاً ووافق عليه الآخر لزمه الوفاء به وحرمت عليه مخالفته، إلا أن يسقطه بعد ذلك فيسقط، وليس له أن يرجع إليه ويلزمه به.
مسألة 876: إذا نشزت المتمتع بها فمنعت زوجها ـ من غير عذر ـ حقه في الاستمتاع، فلم تمكنه من جماعها قبلاً على النحو المتعارف مع ما له من المقدمات، أثمت وسقط من مهرها ما منعته منه، نصفاً أو سدساً أو غيرهما، ولو مكنته من الجماع بالنحو المذكور ومنعته ما دونه من الاستمتاعات أثمت ولم يسقط من مهرها شيء.
أما إذا كانت معذورة في إمتناعها، لحيض أو سفر لازم أو مرض مانع أو إحرام أو نحو ذلك، فإنه لا يسقط بامتناعها شيء من مهرها.
مسألة 877: إذا كانت باذلة لنفسها فمنع الزوجَ من استيفاء حقه منها مانعٌ، كالحبس أو السفر أو المرض، أو ترك الاستيفاء اختياراً، لزمه تمام المهر وإن كان ذلك قبل الدخول؛ وكذا لا يسقط شيء من المهر بموتها أو بموته ولو قبل الدخول، كما ذكرناه من قبل في (المسألة: 866).
الخامس: في المفارقة والعِدَّة
مسألة 878: تتحقّق المفارقة القهرية في الزواج المؤقت بانتهاء الأجل المحدد له في العقد، ثم ليس له عليها سبيل ما لم يُنشئآ عقداً جديداً. أما المفارقة الاختيارية فلا تتحقّق إلا بهبة الزوج ما بقي من المدة لزوجته وإبرائها منها، وهي حق الزوج وحده، فلو رغبت هي بمفارقته لم يكن لها ذلك إلا أن يوافقها رغبتها ويهبها المدة، أو تكون قد شرطت لنفسها أن تكون وكيلة عنه في هبة نفسها المدة، إما حيث تريد أو بكيفية معينة، فإذا جعلها وكيلة كذلك لزمه الشرط ولم يكن له عزلها عن الوكالة. وإذا وهبها المدة خرجت من عصمته بمجردها دون حاجة لقبولها، كما أنه ليس للزوج أن يرجع عنها بعد صدورها منه، فلا تحل له لو رجع عن هبة المدة إلا أن يُنشئآ عقداً جديداً. أما الطلاق فلا تتحقّق به المفارقة في الزواج المؤقت حتى لو تراضيا عليه وحققا شروطه وأوقعه الزوج، بل يقع لغواً لا تنفصم به عقدة النكاح.
مسألة 879: إبراء المدة من الإيقاعات، فيعتبر فيها أهلية المبرىء بالبلوغ وكمال العقل، وأن لا يكون مُعَلَّقاً على حدوث شيء أو تَحَقُّقِ شرط، فلو علقه على مثل قدوم زيد من السفر، أو على ولادة الهلال، أو نحو ذلك لم يقع؛ وإذا أبرأها مشترطاً عليها ـ مثلاً ـ دفع مبلغ من المال أو عدم التزوج من فلان أو نحو ذلك، صح الإبراء وبطل الشرط. غير أنه لو رغب في اشتراط شيء عليها في قبال ذلك الإبراء أمكنه التوسل إليه بالصلح، وذلك بأن يصالحها على أنها بريئة من المدة على أن لا تتزوج من زيد مثلاً، فيقع إبراءً ويحرم عليها التزوج من زيد؛ فيجب عليه الوفاء لها وإبراؤها، كما يجب عليها ترك التزوج من زيد، فلو خالف ولم يبرأها جاز لها إجباره عليه، ولو بالتوسل بالحاكم الشرعي، لكنَّها لو خالفت هي فتزوجت زيداً صح زواجها منه وأثمت لمخالفة مقتضى الصلح. هذا، ولا يعتبر في الإبراء حضور شاهدين عدلين، بل ولا أن تكون طاهرة من الحيض، ولا غير ذلك من شروط الطلاق.
مسألة 880: إذا وهبها المدة قبل الدخول لزمه نصف المهر الذي سماه لها، وإن وهبها إياها بعد الدخول لزمه تمام المهر، حتى لو كان قد فارقها بعد ما مضى من المدة زمن قليل وبقي منها أسابيع أو شهور.
مسألة 881: إذا فارق الرجل زوجته المتمتع بها بانتهاء المدة أو بإبرائها منها، فإن لم يكن قد دخل بها جاز لها التزوج من غيره مباشرة دون حاجة للاعتداد منه، وكذا إذا كانت مدخولاً بها وكانت قد بلغت سن اليأس، وهو تمام الخمسين عاماً قمرية، وأما إذا كانت مدخولاً بها ولمَّا تبلغ سن اليأس بعدُ لم يجز لها الإقتران بغيره ـ دواماً أو متعة ـ إلا بعد مضي عدتها؛ فإن كانت حائلاً (أي: غير حامل)، وكانت تحيض، فعدتها حيضتان على الأحوط وجوباً، وإن كان لا يأتيها الحيض لعارض أو خِلقة فعِدَّتُها خمسة وأربعون يوماً؛ وإن كانت حاملاً من زوجها الذي تمتع بها فعدتها وَضْعُ الحمل، وكذا لو كانت حاملاً من غيره بوطىء الشبهة كما سيأتي تفصيله في مباحث العدة. (أنظر في عدة الحامل المسألة: 934 وما بعدها. وفي عدة وطىء الشبهة المسألة: 941 وما بعدها).
مسألة 882: لا تختص الحيضتان بوقت معين، فيكفي في كل حيضة الحد الأدنى منها، وهو ثلاثة أيام إذا تحقّق النقاء بعدها، كما يكفي في الطهر الفاصل بينما حده الأدنى وهو عشرة أيام إذا جاءتها الحيضة الثانية بعدها، سواء حدث ذلك من نفسه وعلى وفق عادتها الطبيعية أو تدخلت هي وافتعلته بدواء ونحوه على خلاف عادتها، إذ المهم أن ينطبق على ما تراه من الدم شروط الحيض الشرعية.
ومن جهة أخرى، فإنه يجب انتظار انتهاء تمام مدة الحيضة الثانية على الأحوط وجوباً لمن تحتسب عدتها بالحيضتين، فلا يكفي مجرد شروعها فيها لتخرج بها من العدة؛ كما أنها لو فارقته وكانت حائضاً حينها لم يحتسب لها ذلك الحيض حيضة أولى.
مسألة 883: إذا جدد الرجل عقده المؤقت على المرأة التي كان قد دخل بها، خلال عدتها منه، ثم وهبها المدة قبل الدخول، لم تعتبر المرأة غير ذات عدة لعدم دخوله بها في عقده الثاني عليها، بل يبقى حكمها الأول في لزوم اعتدادها منه من عقده الأول معها سارياً، فلا يجوز لها التزوج من غيره حتى تكمل عدتها من ذلك العقد الأول.
مسألة 884: إذا مات زوج المتمتع بها فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت حائلاً، وأبعد الأجلين من تلك المدة ومن وضع حملها إن كانت حاملاً، ومعنى ذلك أنه إذا حدث أحد الأمرين قبل الآخر لزمها انتظار حدوث الآخر، حكمها في ذلك حكم الزوجة الدائمة. هذا، إضافة إلى ما سوف يأتي من وجوب الحداد عليها خلال فترة العدة.
السادس: في خصائص أخرى
مسألة 885: لا تجب نفقة المتمتع بها على زوجها وإن حملت منه، كما لا تستحق عليه المبيت عندها، نعم إذا شرطت عليه ذلك لزمه الوفاء لها.
مسألة 886: لا يثبت بالزواج المؤقت توارث بين الزوجين إذا مات أحدهما أثناء المدة، ولو شرطا التوارث بطل الشرط وصح العقد.
مسألة 887: يثبت النسب بالزواج المؤقت بنحو ثبوته في الزواج الدائم، سوى أنه قد يجوز له نفي الولد عنه في بعض الموارد، فإذا نفاه عنه انتفى بدون لعان على ما هو المعروف بين الفقهاء، ولكن ذلك مشكل فلا بد من الأخذ بالاحتياط. (أنظر الفقرة «الخامسة» من المسألة: 804).
السابع: في التنازع
مسألة 888: إذا ادَّعت الزوجة دوام العقد وطالبت بالنفقة، فادعى الزوج الإنقطاع وأنكر استحقاقها للنفقة، كان القول قول الزوج مع يمينه إن لم يكن للزوجة بيّنة. وإذا ادّعى الزوج الإنقطاع مطالباً إياها برد بعض المهر لإخلالها بالتمكين في بعض المدة، فادعت الزوجة الدوام وأنكرت استحقاقه لبعض المهر رغم اعترافها بالإخلال بالتمكين، فالقول قولها مع يمينها إذا لم يكن للزوج بيّنة، أما إذا ادّعت الزوجة الدوام وطالبته بالنفقة بعد ادّعائه الإنقطاع ومطالبته إياها برد شيء من المهر لإخلالها بالتمكين، كان ذلك من باب التداعي وجرى عليه حكمه.
الباب الثاني
في الطلاق
الفصل الأول: في الطلاق
الفصل الثاني: في الخلع والمباراة
خاتمة في الظهار
تمهيد:
لقد شرَّع الإسلام الطلاق لإنهاء العلاقة الزوجية على قاعدة أن الزواج علاقة إنسانية قائمة على التراضي والمودة، وأن هدفه قيام حياة مشتركة سعيدة، فإذا كره أحدهما الآخر، أو تكارها، وعزفا عن الاستمرار في حياتهما تلك فإن لهما أن ينفصلا كما كان لهما أن يقترنا، ما دامت الحياة حياتهما والإرادة لهما؛ وإنما اختُصَّ الرجل ـ وحده ـ بقرار الطلاق فلأنه هو الذي أدخل المرأة في حياته حين تزوجها وهو الذي يخرجها من حياته حين يعزف عن الاستمرار معها، وقد كانت المرأة عارفة بذلك حين رضيت به زوجاً وشاركته حياته، مع أن لها أن تشترط عليه أن يكون الطلاق بيدها بنحو خاص نبيِّنه لاحقاً.
ورغم ذلك فإن الإسلام لم يشجع على الطلاق، فاعتبرته بعض الأحاديث الشريفة أبغض الحلال عند الله تعالى، وأنه: مما يهتز له العرش، وذلك في تعبير رمزي عن مدى خطره على استقرار الأسرة وإخلاله بوظيفتها، من حيث إن العرش هو موقع إدارة الوجود وتنظيم أموره، (فيهتز) لكل خلل يحدث في الحياة؛ والمكروه من الطلاق ما يكون لغير ضرورة تفرضه، أما حيث يصعب التعايش بين الزوجين وتُتُهَدَّدُ الأسرة من هذه الجهة فإن الطلاق المكروه لهما أو لأحدهما يصبح العلاج المطلوب، إذ عسى أن يكره الإنسان شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وإنما هي تجربة استفاداها، وغالباً ما تنفعهما في تجربة جديدة وعلاقة جديدة لن تبتعد أبداً عن توفيق الله ورعايته إذا استكملت شروطها المطلوبة، لقوله تعالى: ﮋﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ..ﮊ [النساء: 130].
على أن الشريعة كانت قد احتاطت لفشل الزواج بِحَثِّها على حُسْنِ اختيار الشريك بالنحو الذي ذكرناه في مبحث صفات الزوجين، كما وأن منظومة القيم التي حثت المؤمن على التحلي بها سوف تساهم في الحد من حدوث الطلاق بدون سبب، وفي قيام حياة زوجية قليلة المشاكل، كما أن معرفة كل من الزوجين بما لَهُ من حقوق وبما عليه من واجبات، وإحاطَتَهما بفقه الزواج والطلاق ـ ولا سيما المرأة ـ سوف يتيحان لهما فرصة التفاهم الواعي حين التعاقد.
ومن جهة أخرى فإن لمفارقة الزوج لزوجته أنواعاً ثلاثة تختلف باختلاف من هو الكاره والراغب في الفراق منهما، فإن كان الفراق رَغْبَةَ الزوج فذلك هو (الطلاق)، وإن كان رغبة المرأة فذلك هو (الخَلْع)، وإن كان رغبتهما معاً فذلك هو (المباراة)، وهو ما سوف نخصص له فصلين نستوعب في الأول أحكام الطلاق، وفي الثاني أحكام الخلع والمباراة. أما (الظهار) فهو العِدْل المحرَّم للطلاق، فرغم أن الشريعة قد حكمت بحرمة أن يفارق الرجل زوجته بطريقة تشبيهها بإحدى محارمه، فيقول: «أنت علي كظهر أمي» قاصداً به تحريم زوجته على نفسه ومفارقتها، فإن الشريعة قد رتبت عليه آثاراً يأتي تفصيلها في خاتمة هذا الباب إن شاء الله تعالى. هذا، ورغم أن (اللعان) أقرب في أحكامه لمباحث حد الزنى في باب الحدود، فإنا قد ذكرناه هنا مجاراة للفقهاء لما له من علقة بباب الطلاق من جهة ما يترتب عليه من انفساخ العلاقة الزوجية وحدوث الحرمة الأبدية بينهما، لكننا جعلناه ملحقاً به تأكيداً منا على هذا التمايز عنه. وكما يحدث الفراق بين الزوجين خلال حياتهما باختيارهما فإنه يحدث قهراً عنهما عند موت أحدهما، وهو وإن كان خارجاً عن مجرى كلامنا هنا، غير أن له علقةً به من أكثر من جهة، فحسن ذكرُه في بعض مباحثه.
الفصل الأول
في الطلاق
المبحث الأول: في الشروط والأقسام
المبحث الثاني: في أحكام تعدد الطلاق
المبحث الثالث: في أحكام العدة
المبحث الرابع: في أحكام المفقود زوجها
المبحث الخامس: في أحكام عامة
المبحث الأول: في الشروط والأقسام
ونريد به بيان ما يقع به الطلاق من حيث صيغته وما يلحق بها، وبيان ما يعتبر في المطلِّقِ والمطلَّقة، وبيان أقسام الطلاق وما يتميز به كل قسم عن الآخر، وذلك في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في ما يعتبر في الطلاق
يعتبر في إيقاع الطلاق توفر ركنين نذكرهما على النحو التالي:
الركن الأول: في الصيغة
مسألة 889: الطلاق من الإيقاعات، ويقع بكل لفظ يدل عليه، باللغة العربية، بل وغيرها ما دامت هي لغة التخاطب في البلد الذي وقع فيه الطلاق ولو مع القدرة على العربية، وبالفصحى كانت الصيغة أو بالعامية، وبالصحيح منها أو بالملحون، نعم لا يقع الطلاق بألفاظ ورد النص بالنهي عن إيقاعه بها مما يعد من الكنايات، وهي قوله: (أنت خلية، أو: أنت بَرِيَّة، أو: حبلك على غاربك، أو: إلحقي بأهلك)؛ وأكمل صيغة أن يقول المطلق باللغة العربية الصحيحة الفصحى: «زوجتي فلانة طالق». وإذا أراد الزوج طلاق أكثر من زوجة له، كفته صيغة واحدة للجميع، كأن يقول: «زوجتاي فلانة وفلانة طالقتان»، أو: «زوجاتي (...) طوالق»، أو نحو ذلك. وكما يتحقّق الطلاق بإنشائه باللفظ المنطوق فإنه يتحقّق ـ أيضاً ـ بإنشائه بالكتابة المقترنة بقصد إيقاع الطلاق به لا الإخبار عنه، ولو من القادر على اللفظ، نعم لا تكفي الإشارة المبرزة له إلا من العاجز عن النطق، كالأخرس، وإن كان الأولى تقديم الكتابة عليها مع قدرته على الكتابة.
مسألة 890: لا يعتبر مباشرة الزوج للطلاق بنفسه، فيصح التوكيل فيه ويقع من الوكيل بنحو وقوعه من الأصيل، بل يصح جعل المرأة وكيلة من قبل زوجها في طلاق نفسها بالكيفية التي يجعلها عليها، وهو المتعارف عليه بــ (جعل العصمة بيد الزوجة)، كما أن له أن يوكلها في توكيل من يطلقها، وفي الحالتين فإنه حيث تشترط عليه أن يجعلها وكيلة عنه بأحد النحوين المتقدمين، ويكون الإشتراط في ضمن عقد لازم، فليس له أن يعزلها ويلغي وكالتها، بل تبقى نافذة ومحققة لآثارها.
مسألة 891: الأحوط وجوباً ترك تعليق الطلاق على أمر مستقبلي معلوم الحصول أو متوقع الحصول، كأن يقول: «إذا طلعت الشمس فأنت طالق»، أو: «إذا جاء المسافر فأنت طالق»، وكذا ترك تعليقه على أمر حالي محتمل الحصول مع عدم كونه مقوماً لصحة الطلاق، كأن يقول: «إن كنت غير متدينة فأنت طالق»؛ أما إذا علقه على أمر حالي معلوم الحصول، كأن قال حال إشراق الشمس: «إن كانت الشمس مشرقة فأنت طالق» أو علقه على أمر محتمل الحصول مما يتقوم به صحة الطلاق، كأن قال: «إن كنت زوجتي فأنت طالق»، فالطلاق صحيح في الموردين.
الركن الثاني: في الإشهاد
مسألة 892:لا يكفي في تحقّق الطلاق إيقاعه بصيغته الصحيحة كيف كان، بل يجب وقوعه أمام شاهدين عدلين رجلين، فلا تكفي شهادة رجل واحد وأكثر من إمرأة، فضلاً عن عدم كفاية النساء وحدهن؛ فإن أوقعه بدون ذلك كان لغواً ولا أثر له البتة، إلا أن يصدر ممن لا يعتقد وجوب الإشهاد عليه ممن هو على غير مذهبنا، فإن له آثاراً معينة ترجع إلى الأصول التي تحكم العلاقة في مثل هذه الأمور بيننا وبين أتباع سائر المذاهب الإسلامية والقائمة على ما يعرف في الفقه بــ (قاعدة الإلزام) التي سنذكر بعض فروعها في محلها إن شاء الله تعالى. (أنظر المسألتين: 930، 964).
مسألة 893: يكفي في صحة شهادة الشاهدين أن يسمعا إنشاء الطلاق، سواءً طُلبَ منهما الاستماع إليه أو لم يطلب فسمعاه من نفسيهما، ويعتبر كونهما حاضرين معاً حين إيقاع الطلاق، فلو أوقع الطلاقَ أمام شخص في مكانٍ ما، ثم انتقل إلى مكان آخر فأوقع الطلاق مرة ثانية أمام الشاهد الثاني، لم يكف ذلك في الشهادة.
مسألة 894: لا يعتبر في الشاهدين معرفة المرأة بعينها كي تصح الشهادة عليها، فلو قال: «زوجتي هند طالق» بمسمع الشاهدين، صح وإن لم يكونا يعرفان هنداً بعينها، بل وإن اعتقدا غيرها.
مسألة 895: إذا طلّق الوكيل عن الزوج لم يُكتف به مع عدل آخر في الشاهدين، كما أنّه لا يكتفى بالمُوكِّل مع عدلٍ آخر، ويُكتفى بالوكيل عن الزوج في توكيل الغير مع عَدلٍ آخر.
مسألة 896: المقصود بالعدل هنا ما هو المقصود به في سائر الموارد التي اعتبرت فيها العدالة، وهو من كان مستقيماً في جادة الشريعة المقدّسة لا ينحرف عنها بترك واجب أو فعل حرام من دون مؤَمِّن، ولو كان على غير مذهبنا؛ وهذه الاستقامة تنشأ غالباً من خوف راسخ في النفس، ويكفي في الكشف عنها حسن الظاهر، أي: حسن المعاشرة والسلوك الديني.
مسألة 897: إذا كان الشاهدان فاسقين في الواقع بطل الطلاق واقعاً وإن اعتقد الزوج أو وكيله أو هما معاً عدالتهما، ولو انعكس الحال بأن كانا عدلين في الواقع صح الطلاق واقعاً وإن اعتقد الزوج أو وكيله أو هما معاً فسقهما، فمن اطّلع على واقع الحال عمل بمقتضاه، وأما الشاك فيكفيه احتمال إحراز عدالتهما عند المطلِّق، فيبني على صحة الطلاق ما لم يثبت عنده الخلاف، ولا يجب عليه الفحص عن حالهما.
المطلب الثاني: في ما يعتبر في المُطَلِّق والمُطَلَّقة
وتفصيل ذلك يقع في فرعين:
الفرع الأول: في المطلِّق
مسألة 898: يعتبر في المطلق توفر أمور:
الأول: البلوغ، فلا يصح طلاق الصبي لزوجته، لا مباشرة ولا بتوكيله غيره، حتى ولو كان قد بلغ عشراً وكان مميزاً؛ نعم يصح للصبي المميز أن يكون وكيلاً عن غيره في إيقاع طلاق زوجته. وكما لا يصح طلاق الصبي زوجته مباشرة ولا توكيلاً فإنه لا يصح لوليه ـ وهو أبوه أو جده لأبيه ـ طلاق زوجته عنه، فضلاً عن الوصي والحاكم الشرعي، بل لا بد من انتظار بلوغه ورشده حتى يصح طلاقُه لزوجته.
الثاني: العقل، فلا يقع الطلاق من المجنون ولو كان أدوارياً إذا كان الطلاق في دور جنونه، وحيث لا بد من طلاق زوجة المجنون المطبق مع وجود مصلحة له في ذلك فإنه يجوز أن يتولاه عنه وليه، وهو الأب أو الجد للأب أو الوصي لأحدهما بعد فقدهما إذا كان الموصي قد نص له على ذلك، فإن فُقدوا جميعاً تولاَّه الحاكم الشرعي.
أما المجنون الأدواري فينتظر فيه إفاقته، وكذا السكران والمغمى عليه.
الثالث: القصد، وذلك بأن يقترن إنشاء الطلاق بالقصد الجِدِّي لمفارقة الزوجة وفصم عرى زوجيته منها، فلا يقع الطلاق من الساهي والمخطىء والنائم، بل ولا من السكران ولا ممن هو في حالة الغضب الشديد إذا سلبهما السكرُ والغضبُ القصدَ الجدي، فضلاً عن عدم تحقّقه ممن يأتي بصيغة الطلاق للتعليم أو مداراة لمن يريد منه ذلك دون أن يقصد به الفراق، أو لغير ذلك من الأسباب.
وحيث يصدر الطلاق من الزوج فإنه يحمل على إرادته الجدية له وقصده إياه، فإذا ادعى عدم القصد لم يقبل منه ذلك ظاهراً حتى لو صدقته الزوجة، وعليه ـ بمقتضى اعتقاده بقاء زوجيتها ـ إما أن يعاملها معاملة الزوجة فيؤدي لها حقوقها، أو أن يُحدِثَ طلاقاً جديداً يزيل الالتباس.
الرابع: الاختيار، فلا يصح الطلاق من المكره، وإنما يضر الإكراه بالطلاق حيث يكون بغير حق، فلا يضر ما يكون منه بحق، وذلك كما في تخيير الحاكم الشرعي للممتنع عن الإنفاق بين الإنفاق والطلاق، فإنه حيث يختار الطلاق مكرهاً، أو يجبره الحاكم عليه عند امتناعه عنه، يصح منه وتترتب عليه آثاره رغم ذلك. هذا وقد سبق أن ذكرنا المراد بالإكراه في الصفحة (446) من الجزء الثاني من هذا الكتاب.
ولو فرض أَنْ أُكرِه الزوج على طلاق إحدى زوجتيه من غير تعيين، فطلق واحدة منهما خضوعاً للإكراه بطل الطلاق للإكراه رغم عدم تحديد المكْرِهِ لها بعينها، وإذا طلقهما معاً صح طلاقهما.
وإذا رضي بعدما صدر منه الطلاق كرهاً لم يفد ذلك في صحته، وعليه تجديد الطلاق إن أراده، وذلك بخلاف العقد المكره عليه، فإنه إذا تعقبه الرضا صح.
الفرع الثاني: في المُطَلَّقة
يعتبر في المطلقة توفر أمور نفصلها على النحو التالي:
الأول: دوام الزوجية
مسألة 899: يجب في الطلاق أن تكون الزوجة دائمة، فلا يصح طلاق المتمتع بها، بل إن أراد مفارقتها قبل مضي المدة وهبها إياها، أو تنفك عرى الزوجية من نفسها بإنتهاء الوقت، وهو أمر قد سبق ذكره في مباحث (الزواج المؤقت) (أنظر المسألة: 878).
الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس
مسألة 900: يعتبر في صحة الطلاق أن تكون الزوجة طاهرة من الحيض والنفاس، ولو لم تكن قد اغتسلت بعد، وذلك إذا كانت حائلاً غير مستبينة الحمل، وكانت مدخولاً بها، وكان زوجها حاضراً عندها؛ فإن كانت غير مدخول بها، أو كانت مدخولاً بها ولكنها كانت مستبينة الحمل، أو كانت مدخولاً بها وحائلاً، لكنَّ زوجها كان غائباً عنها، صح طلاقها حال حيضها أو نفاسها. وإذا تعمد الزوج طلاق زوجته الحائل أثناء حيضها ثم تبين له أنها كانت حاملاً حين الطلاق صح طلاقها.
مسألة 901: لا بد في صحة طلاق الغائب لو وقع حال الحيض أو النفاس من أن يكون جاهلاً بحالها، وغير قادر على الاستعلام عنها، وأن يكون قد مضت مدة على غيبته عنها يعلم فيها ـ بحسب العادة الجارية ـ انتقالها من طهر إلى طهر آخر، والأحوط استحباباً أن لا تقل المدة عن شهر إذا حصل الاطمئنان قبلها؛ فإن كان قادراً على الاستعلام عنها، أو كان غير قادر عليه لكنه لم يتريث حتى يطمئن بانتقالها إلى طهرٍ جديد، فطلقها فصادف وقت دمها بطل الطلاق، وإن صادف وقت طهرها صح.
هذا، إذا كانت ممن يأتيها الحيض، أما إذا كانت ممن لا تحيض رغم كونها في سن من تحيض، وهي التي يصطلح على تسميتها بــ (المُسْتَرابة)، فإن على الغائب أن لا يطلقها إلا بعد مضي ثلاثة أشهر من حين الدخول بها، فيصح طلاقها ـ حينئذ ـ ولو صادف وقت دمها.
مسألة 902: لا فرق في جريان حكم الغائب الآنف الذكر بين الغائب عن منزله وبلده فعلاً، وبين الحاضر في بلده مع عجزه عن استعلام حال زوجته لمرض أو خوف أو سجن أو غير ذلك، إذ المعيار في ذلك هو: انفصاله عنها بحيث لا يَعلم حالها من حيث الطهر والحيض، بل يجري حكم الغائب المذكور على الرجل الذي لا تصارحه زوجته بحالها من هذه الجهة وتكتم أمرها عنه انزعاجاً منه وتأخيراً لطلاقها أو لغير ذلك من أسباب خفاء أمرها، فإنه ـ في جميع هذه الحالات ـ يجوز طلاقها مع توفر الجهل بحالها ومضي المدة.
مسألة 903: لا فرق في صحة طلاق الغائب ـ مع توفر شروطه ـ بين ما لو أجرى الطلاق بنفسه وبين ما لو وكل غيره في إجرائه، فيصح طلاق ذلك الوكيل ولو كان حاضراً في بلد الزوجة وقادراً على استعلام حالها.
مسألة 904: إذا أخبرت الزوجة أنها طاهر فطلقها الزوج أو وكيله، ثم أخبرت أنها كانت حائضاً حين الطلاق، لم يقبل خبرها الثاني إلا بالبينة، ويكون العمل على خبرها الأول ما لم يثبت خلافه، لكن يجب عليها أن تتعامل مع نفسها بمقتضى علمها، فلو كانت تعلم صدقاً أنها كانت حائضاً حين الطلاق فإنه لا يصح لها التزوج من غيره ما لم يُنشِأ طلاقاً جديداً.
هذا، إذا سبق منها الإخبار بالطهر، أما إذا طلقها زوجها اعتماداً منه على علمه بكونها طاهرة، فادعت بعد الطلاق أنها كانت حين الطلاق حائضاً، فأنكره الزوج، كان القول قوله بيمينه ما لم يكن قوله مخالفاً للظاهر.
الثالث: أن تكون في غير طهر المواقعة
مسألة 905: يعتبر في صحة طلاق الحاضر أن تكون المرأة ـ المدخول بهـا ـ في طهر لم يقاربها زوجها فيه بالجماع قبلاً أو دبراً، ولو لم يتحقّق منه القذف، والمراد بــ (الطهر): الفترة التي تعقب انتهاء الحيض عند من يأتيها الحيض، حتى ولو كانت مستحاضة. وإنما يعتبر هذا الشرط في الزوجة المدخول بها إذا كانت حائلاً، وغير صغيرة، ولا يائسة، فإذا كان قد واقع زوجته هذه في طهرها لم يسغ له طلاقُها إلا بعد مضي طهر المواقعة ومجيء حيضها وطهرها منه، وأما إذا كانت الزوجة المدخول بها صغيرة أو يائسة أو حاملاً مستبينة الحمل لم يعتبر فيها ذلك، بل يصح طلاقها في فترة الطهر التي واقعها زوجها فيها.
مسألة 906: إذا كانت المرأة لا تحيض رغم كونها في سن من تحيض، لم يصح طلاقها إلا بعد أن يعتزلها زوجها ثلاثة أشهر منذ دخل بها، ويدع مواقعتها طوال هذه المدة، فإذا طلقها بعد مضي هذه المدة صح طلاقها رغم كونها ما تزال في طهر المواقعة، من دون فرق بين ما لو كان انقطاع حيضها دائماً أو لعارض مؤقت، كالمرض والرضاع وغيرهما. ويكفي في صحة طلاقها بعد هذه الفترة ما لو كان تَرْكُ مقاربتها خلالها قد حدث منه مصادفة ومن غير قصدٍ منه لطلاقها بعدها.
مسألة 907: لا يضر في احتساب الطهر الذي لم يواقعها فيه ما لو كان قد واقعها حال حيضها عصياناً أو لجهل أو نسيان، فإذا جاء الطهر بعد ذلك الحيض احتسب له وصح طلاقها فيه، وإن كان الأحوط استحباباً أن يدع طلاقها فيه وينتظر حتى يأتيها طهر آخر.
مسألة 908: إذا غاب الزوج عن زوجته في طهر واقعها فيه لم يجز له طلاقها ما دام عالماً بعدم انتقالها إلى طهرٍ غيره، وأما مع الشك في الانتقال فيجوز طلاقها إذا كان غير قادر على استعلام حالها، وكانت قد مضت مدة يَعلم فيها ـ بحسب العادة ـ بانتقالها إلى طهر جديد، والأحوط استحباباً أن لا تقل المدة عن الشهر إذا حصل الاطمئنان قبلها، فإن طلقها عندئذ صح طلاقها حتى لو صادف كونها في طهر المواقعة. كما وأنها إذا كانت مسترابة يلزمه انتظار مضي ثلاثة أشهر منذ دخوله بها. وحكم الغائب في هذا الشرط هو نظير حكمه في الشرط الثاني الآنف الذكر.
مسألة 909: لا يضر عروض الشك في دخوله بزوجته في طهرها هذا وعدمه في الحكم بصحة طلاقها ظاهراً اعتماداً على استصحاب بقاء الطهر أو استصحاب عدم الدخول، غير أنه إذا تبين بعد ذلك كونها في طهر المواقعة يحكم ببطلان الطلاق.
الرابع: تعيين المطلقة
مسألة 910: يشترط في صحة الطلاق تعيين المطلقة، فإن كانت له زوجة واحدة كفاه أن يقول: «زوجتي طالق» دون حاجة إلى ذكرها بالاسم أو بالوصف المميِّز لها، لتعينها بنفسها، وإن كان عنده أكثر من زوجة لزمه تعيين المطلقة منهن بالاسم أو بالوصف المميز، فلا يصح بقوله: «زوجتي طالق»، حتى لو قصد في نفسه واحدة معينة منهن، لتضرر الشهادة عليه بعدم تَميُّزِها، فيما يبطل الطلاق حتماً لو لم يقصد بقوله ذاك واحدة بعينها.
مسألة 911: لا يعتبر في صحة الطلاق إعلام الزوجة به ولا حضورها مجلسه، فضلاً عن رضاها به، فإن كان لأحدهما حق عند الآخر فمنعه منه أو نازعه فيه ترافعا عند الحاكم الشرعي بمعزل عن رضاها بالطلاق أو عدم رضاها؛ وإن كان الأفضل عدم إيقاع الطلاق إلا بعلمها، ولعل ذلك هو ما توحي به كلمة التسريح (بإحْسَان) الواردة في قوله تعالى: ﮋﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮﮊ [البقرة: 229].
المطلب الثالث: في أقسام الطلاق
ينقسم الطلاق إلى قسمين: الطلاق الرجعي والطلاق البائن، وفيما يلي نستعرض خصائص كلِّ قسم ومسائلَه تحت عنوانه الخاص به على النحو التالي:
الأول: الطلاق الرجعي
مسألة 912: الطلاق الرجعي هو: (قيام الزوج ـ اختياراً ـ أو وكيله أو وليه بطلاق الزوجة غير الصغيرة ولا اليائسة إذا كانت مدخولاً بها فعلاً، أو من في حكمها، وهي: الزوجة الحامل بإراقة المني على فرجها)، فلا يعتبر من الطلاق الرجعي ما لو طلق الحاكم الزوجة المدخول بها قهراً عن زوجها الذي لا ينفق عليها عند امتناعه عن طلاقها، بل يقع بائناً كما سيأتي؛ وإنما سمي (رجعياً) لجواز رجوع الزوج عنه بكيفية خاصة خلال فترة العدة دون حاجة إلى عقد جديد؛ وهو مشتق من فعل (رجع) بمعنى: عاد.
مسألة 913: المطلقة الرجعية بحكم الزوجة من معظم النواحي ما دامت في العدة، ما عدا استمتاعه بها كما سيأتي، فلا يجوز لزوجها إخراجها من بيته وتركها دون مسكن يُعِدُّه لها، إلا أن تأتي بفاحشة مُبَيِّنَة في دار سكناها، كمثل الزنى؛ كما وأنه لا يجوز لها الخروج المنافي لحقه في الاستمتاع إلا باذنه؛ ويجب عليها أن تمكنه من الاستمتاع بها بما يشاء، وإن تحقّق به الرجوع الذي قد لا ترغب فيه، إذا كان من قصده الرجوع به، فإن علمت أنه لا يريد به الرجوع لم يجز لها تمكينه لحرمته عليه حينئذ؛ ولها عليه النفقة؛ ويرث كل واحد منهما الآخر إذا مات في العدة، وغير ذلك من لوازم الزوجية وأحكامها، نعم ليس عليه إمتاعها حيث تطلبه إذا لم يُرد الرجوع إليها لحرمة ذلك عليه بدون قصد الرجوع كما ذكرنا؛ فإذا انقضت عدتها استحكم الفراق بينهما ولم يكن له الرجوع إليها إلا بعقد جديد.
مسألة 914: يحـق للـزوج مراجعـة زوجتـه المطلقة رجعيـاً ـ ما دامت في العدة ـ ولو من دون رضاها، إلا إذا كانت قـد اشترطت عليـه ـ في عقـد لازم ـ عدمَ مراجعتها، فيلزمه الوفاء لها، فإذا رجع إليها أثم بمخالفة الشرط، ولزمهما مراعاة الاحتياط ـ وجوباً ـ في آثار هذا الرجوع المخالف للشرط، فيرتب كل منهما على نفسه وعلى علاقته بالآخر آثار الزوجية وعدمها، حتى يتراضيا على حل. هذا، ويتحقّق الرجوع بأمرين:
الأول: بكل لفظ دال على الرجوع، مثل: (أرجعتُكِ إلى نكاحي) و(أَعدْتُكِ إلى عِصْمتي) و(راجعتُك) و(استرجعتُك) ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على إرجاعها إليه والعدول عن طلاقها. ومنه ما لو نفى طلاقها وأكد بقاءها زوجة له، فيُعَدُّ ذلك رجوعاً منه رغم العلم بكذبه بنفي الطلاق. ويصح الرجوع باللغة العربية وغيرها، وبالفصحى من العربية أو العامية، وبالصحيح من الفصحى أو الملحون.
الثاني: أن يأتي بفعل يقصد به الرجوع، كأن تكون خارج بيته فيحضرها إلى منزله بقصد العدول عن الطلاق وإرجاعها إليه، أو بأن يستمتع بها بالجماع أو بما دونه استمتاعاً مقترناً بقصد إرجاعها إليه والتعامل معها من موقع كونها زوجة له، فإن لم يقصد بالاستمتاع بها ـ ولو بالجماع ـ إرجاعها إليه لم يتحقّق به الرجوع، وكان ذلك الجماع منه حراماً وزناً إذا كان ملتفتاً، وشبهةً مع عدم الالتفات، وكذا حكم ما دون الجماع من الاستمتاعات؛ غير أن الأحوط استحباباً لمن جامع زوجته بدون قصد الرجوع أن يجدد طلاقه لها، فتستأنف عدة جديدة منه بعد الطلاق.
مسألة 915: لا يعتبر في الرجعة مباشرة الزوج للإنشاء، فيتحقّق الرجوع من الوكيل إذا أنشأه بالنحو المذكور في المسألة السابقة، كما يتحقّـق ـ أيضاً ـ من الولي في بعض موارده، وذلك كما لو عرض الجنون على الزوج بعد طلاق زوجته، وكان ثمة مصلحة في إرجاعها فأرجعها الولي؛ أو كان وليُّ المجنون قد طلق زوجته ثم بدا للولي إرجاعها إليه، أو نحو ذلك.
مسألة 916: لا يعتبر في صحة الرجوع بالإنشاء إيقاعه أمام الشهود، وإن كان الإشهاد أفضل، حذراً من الوقوع في التنازع؛ وكذا لا يعتبر حضور الزوجة ولا علمها به، ولا كون المطلقة طاهرة من الحيض أو النفاس، ولا غير ذلك من الأمور.
مسألة 917: يثبت الرجوع بمجرد ادّعاء الزوج له أثناء العدة، وكذا لو ادّعاه بعد انقضاء العدة وصدقته الزوجة، فإن لم تصدقه لم تقبل دعواه إلا بالبينة، فإن لم يكن له بينة، وكان عدم تصديقها له من حيث علمها بعدم رجوعه، كان له أن يستحلفها على نفي الرجوع، وإن كان عدم تصديقها من حيث عدم علمها بالرجوع، كان له ـ أيضـاً ـ أن يستحلفها على عدم العلم. وكما تثبت دعوى الرجوع بعد انقضاء العدة بشهادة الرجلين العادلين، فإنها تثبت ـ أيضاً ـ بشهادة رجل عادل وامرأتين عادلتين، فيما لا تثبت بشهادة رجل عادل مع يمين الزوج.
مسألة 918: إذا رجع الزوج فادعت الزوجة كونه بعد انقضاء العدة، فأنكر الزوج ذلك، فالقول قول الزوجة مع يمينها ما لم تكن متهمة في صدقها، وذلك كما لو ادعت حدوث الحيض عندها ثلاث مرات خلال شهر ونيف، فإن كانت متهمة لم يقبل منها غير البينة.
ولو اتفقا على حدوث الرجوع وانقضاء العدة، لكنهما اختلفا على تاريخ حدوث كل منهما، فادعى الزوج تقدم الرجوع على انقضاء العدة، وادعت الزوجة العكس، كان القول قول الزوج مع يمينه، سواء علم تاريخ أحدهما دون الآخر أو جهل تاريخهما معاً.
وإذا طلقها وراجعها فادعت أن لا سبيل له عليها لعدم دخوله بها ليكون لها عدة، فأنكر الزوج ذلك مدعياً دخوله بها، كان القول قول الزوجة بيمينها.
مسألة 919: لا يسقط حق الزوج بمراجعة زوجته المطلقة رجعياً بإسقاطه عن نفسه بعوض أو بدون عوض، فلو أسقطه لم يكن لإسقاطه أثر، وجاز له مراجعتها، نعم يسوغ له أن يلتزم بعدم الرجوع إذا اشترط عليه ذلك، كما أسلفنا القول.
الثاني: الطلاق البائن
مسألة 920: الطلاق البائن هو: (الطلاق الذي لا يحق معه للزوج مراجعة زوجته بعد طلاقها إلا بعقد جديد ولو أثناء عدتها إن كان لها عدة، فضلاً عمن لا عدة لها)، وإنما يكون الطلاق كذلك في الموارد التالية:
1 ـ طلاق الصغيرة التي لم تبلغ سن التكليف، ولو كان قد دخل بها عمداً أو اشتباهاً.
2 ـ طلاق المرأة اليائسة التي أتمَّتْ سن الخمسين قمرية.
3 ـ الطلاق قبل الدخول.
وهذه الثلاث ليس لها عدة كما سيأتي.
4 ـ الطلاق الثالث المسبوق بطلاقين بينهما رجعتان أو ما بحكمهما.
5 ـ طلاق الحاكم الشرعي زوجة الممتنع عن الطلاق بعد لزومه عليه بعجزه عن الإنفاق.
6 ـ طلاق الخلع والمباراة، فان الطلاق الواقع بهما بائن ما لم ترجع الزوجة فيما بذلت، فينقلب رجعياً حينئذ.
مسألة 921: المطلقة بائناً بمنزلة المرأة الأجنبية عن مُطلِّقها من حيث زوال آثار العُلْقة الزوجية وانقطاع العصمة بينهما بمجرد الطلاق، فلا مساكنة ولا نفقة لها إلا إذا كانت حاملاً منه، فإن لها عليه النفقـة ـ ومعهـا السكـن ـ حتى تضع حملها؛ كما وأنه لا يجب عليها طاعته ولا يحرم عليها الخروج من بيتها بدون إذنه، ولا توارث بينهما.
المبحث الثاني: في أحكام تعدد الطلاق
ونريد به بيان أحكام ما لو صدر الطلاق من الزوج مرة بعد مرة حتى بلغ ثلاثاً أو تسعاً، وذلك في مسائل:
مسألة 922: لا يتحقّق الطلاق مرة بعد مرة بمجرد التلفظ بالرقم، بل لا بد من صدوره مرة واحدة على نحو الحقيقة والواقع، وذلك بصدور صيغة الطلاق مستكملة لشروطها ثم إِعادتها إلى زوجيته مرة ثانية بالمراجعة في العدة أو بالعقد عليها في العدة أو بعدها ثم طلاقها مرة ثانية، وهكذا؛ فلو قال من يتبع مذهبنا: «زوجتي طالق ثلاثاً»، أو: «زوجتي طالق، زوجتي طالق، زوجتي طالق» لم يقع به إلا طلاق واحد، ووقع الزائد لغواً، أما لو قالها غيره من أتباع المذاهب الإسلامية الذين يرون صحتَها ووقوعَ الطلاق بها ثلاث مرات فعلاً وتحقّقَ البينونة التامة ما لم تتزوج غيره، فإننا ـ إلزاماً لهم بما التزموا به ـ نرتب الأثر على طلاقهم هذا، ونعامل المرأة المطلقة بهذا النحو معاملة المرأة البائنة. (أنظر المسألة: 930).
مسألة 923: إذا طلق الرجل زوجته ثم راجعها مرة بعد مرة حتى بلغ الثلاث، كان أمره على أنحاء:
الأول: أن يطلقها طلاقاً رجعياً جامعاً للشروط، ثم يراجعها في العدة فيواقعها قبلاً أو دبراً، فتمضي الأيام عليها هكذا حتى يعزم على طلاقها، فيطلقها مرة ثانية ثم يراجعها بنفس النحو، وتمضي عليهما الأيام، فإذا طلقها مرة ثالثة وقع الطلاق بائناً وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، فإذا طلقها زوجها الثاني حلت لزوجها الأول إذا رغب بها وعقد عليها. وهذا النحو من الطلاق هو الذي اصطلح الفقهاء على تسميته بــ (الطلاق العِدِّي)، نسبة إلى (العِدَّة) لتميزه بمراجعة الزوجة وهي ما تزال في عدة الطلاق الرجعي.
الثاني: أن يطلقها رجعياً، ثم يراجعها في عدتها فلا يواقعها، ثم يطلقها كذلك مرة ثانية، فيراجعها في عدتها فلا يواقعها، فإذا طلقها مرة ثالثة وقع الطلاق بائناً وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، على ما في النحو الأول؛ بدون فرق في ذلك بين ما لو تكرر منه الطلاقان الأخيران في نفس طهر الطلاق الأول وبين ما لو وقع كل طلاق في طهر غير طهر الآخر. وهذا النحو قد اصطلح عليه الفقهاء بــ (الطلاق السُّنِّي)، وذلك في قبال (الطلاق العِدِّي) الذي ذكرناه في النحو الأول. وهو مأخوذ من (السُنَّة): أي: سُنة النبي w، ربما تأكيداً على كونه موافقاً للشريعة المطهرة.
الثالث: أن يطلقها رجعياً ويدع مراجعتها حتى تنقضي عدتها فيتزوجها بعقد جديد، يفعل ذلك مرة بعد مرة، فإذا طلقها مرة ثالثة بانت منه حتى تنكح زوجاً غيره. وهذا النحو قد اصطلح عليه بــ (الطلاق السني بالمعنى الأخص)، وذلك في قبال ما اصطلحوا عليه بــ (السني بالمعنى الأعم)، والذي أرادوا به كل طلاق موافق للشروط الشرعية، والذي يقابله (الطلاق البِدْعِي) الذي أرادوا به كل طلاق غير موافق للشروط الشرعية، وهو مأخوذ من (البدْعة). هذا، ولا يختص هذا النحو الثالث بما لو كان الطلاق رجعياً، بل يشمل ما لو كان الطلاق بائناً، بحيث طلقها ثم عقد عليها ثم طلقها ثم عقد عليها ثم طلقها، فإنها تحرم عليه حتى تنكح غيره.
وخلاصة ما تقدم في هذه المسألة هو: كلما طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً أو بائناً ثم أعادها إلى عصمته ثم طلقها، بانت منه في الطلاق الثالث، ولم يكن له أن يتزوجها إلا بعد أن تتزوج رجلاً غيره، وذلك بدون فرق بين ما لو كان حين راجعها قد راجعها في العدة وواقعها، أو راجعها في العدة وطلقها ثانية دون أن يواقعها، أو ترك مراجعتها حتى انقضت عدتها فعقد عليها ثم طلقها ثانية، ففي جميع ذلك لا تحل له بعد الطلاق الثالث إلا بعد أن يتزوجها شخص آخر بكيفية معينة سيأتي بيانها ثم يطلقها وتنقضي عدتها، فيحل له حينذاك أن يعقد عليها إن رضيت به.
مسألة 924: يعتبر في النكاح المُحَلِّل أن يكون الزواج دائماً والعقد صحيحاً، وأن يتحقّق الدخول بها في الفرج لا في الدبر؛ نعم لا يعتبر فيه أن يكون الزوج بالغاً فيكتفى بزواج المراهق إذا كان بإذن وليه وتحقّق منه الدخول، كما لا يعتبر ـ إضافة إلى الدخول ـ تحقّق القذف المعبر عنه بالإنزال، وإن كان الأحوط استحباباً كون الزوج بالغاً، واقتران الدخول بالإنزال. فإذا تحقّق هذا الزواج ثم فارقها زوجها بموت أو طلاق، وانقضت عدتها منه، حَلَّ لزوجها الأول أن يتزوجها ثانية.
مسألة 925: إذا تزوجت المطلَّقة غير زوجها ـ بعد طلاقها الأول أو الثاني من زوجها ـ بذلك النحو من الزواج المذكور في المسألة السابقة لم يؤثر هذا الزواج في هدم ما سبقه من الطلاق، فلو فارقها ذلك الزوج وعاد إليها زوجها الأول فطلقها مرة أو مرتين، بحيث صار مجموع طلاقها اللاحق والسابق ثلاث طلقات، حرمت على زوجها الأول ولم تَحُلَّ له إلا إذا تزوجت زواجاً ثالثاً، سواءً من زوجها الثاني أو من غيره.
مسألة 926: لا يضر بالجماع الذي يتحقّق به التحليل ما لو كان مُحرَّماً على الزوج بسبب طارىء، كأن يقاربها في الحيض، أو حال الإحرام، أو أثناء النهار من الصوم الواجب، أو نحو ذلك، فإنه رغم كونه حراماً يُكتفى به في تحقّق الدخول المعتبر في حصول التحليل.
مسألة 927: إذا كان الزوج مِطْلاَقاً، أي: كثير الطلاق لزوجته، فإن كان ـ بعد أن طلقها ثلاثاً على مقتضى النحو الأول السالف الذكر، وهو الذي يسمى بــ (الطلاق العِدِّي)، ونكحها شخص آخر ثم فارقها بموت أو طـلاق ـ قد عاد إليها (أي: زوجها الأول) فتزوجها ثم طلقها بنفس النحو ثلاث طلقات، فنكحها غيره نكاح تحليل، ثم فارقها فتزوجها زوجها الأول، فطلقها بنفس النحو ثلاث طلقات، فتم له بذلك تسع طلاقات مترتبة على النحو التالي: طلاقان رجعيان ثم طلاق بائن ثم زواج من شخص آخر، ثم طلاقان رجعيان ثم طلاق بائن ثم زواج من شخص آخر، ثم طلاقان رجعيان ثم طلاق بائن، وهو الطلاق التاسع، إذا حَدَثَ ذلك حرمت عليه مؤبداً فلم تحل له بعد ذلك. هذا إذا طلقها بما يوافق النحو الأول، أما إذا طلقها بأحد النحوين الآخرين، أي طلقها وراجعها في العدة وترك مواقعتها، ثم طلقها بهذا النحو مراراً وتكراراً، وكان يتزوجها شخص آخر بعد كل ثلاثٍ للتحليل؛ أو أنه طلقها ثم ترك مراجعتها حتى انقضت عدتها فتزوجها بعقد جديد، ثم طلقها بنفس النحو مراراً وتكراراً بعد أن كان يتزوجها شخص آخر بعد كل ثلاثٍ، أما إذا طلقها بأحد هذين النحوين مئة مرة فإنها لا تحرم عليه مؤبداً، وإن كان الأحوط استحباباً له ترك التزوج منها بعد التسع.
مسألة 928: إذا طلقها ثلاثاً فبانت منه وتفارقا، وبعد مضي مدة رغب في تزوجها، فادّعت أنها كانت ـ خلال تلك المدة ـ قد تزوجت من غيره وطلقها أو مات عنها وانقضت عدتها منه، فإن كانت المدة المنقضية من الطول بحيث يمكن حدوث ذلك فيها، وكانت المرأة غير متهمة في صدقها، جاز لزوجها الأول ترتيب الأثر على خبرها والتزوج منها بغير فحص عن حالها؛ وأما إذا كانت متهمة في ما تدعي فالأحوط وجوباً ترك التزوج بها قبل التثبت من صدقها.
مسألة 929: إذا خلا المُحلِّل بزوجته المطلقة ثلاثاً من زوجها السابق، ومضت الأيام فطلقها واعتدت منه، فلما رغب بها زوجها الأول وسألها عن حالها معه، ليرى إن كانت قد تحللت له بذلك الزواج أَوْ لاَ، ادّعت دخولَه بها، فإن صدَّقَها الزوج الثاني حلت للأول، وإن كذبها لم يكن لزوجها الأول أن يتزوجها ما لم يحصل له الاطمئنان بصدقها رغم تكذيب الثاني لها. وإذا ادعت الدخول، ثم رجعت عن ادعائها وأكدت عدم الدخول، فإن كان الرجوع قبل أن يعقد عليها زوجها الأول لم تحل له، وإن كان بعد أن عقد عليها لم يكن لرجوعها أثر واستمر الزواج صحيحاً.
مسألة 930: إذا طلق غير الإمامي من المسلمين من أتباع المذاهب الإسلامية زوجته ثلاث طلاقات في مجلس واحد، وحيث إنه يرى حرمتها حتى تنكح زوجاً غيره، يحكم بعدم صحة رجوعه إليها قبل التحليل ما دام ملتزماً برأي مذهبه في هذا المورد، وذلك إلزاماً له بما التزم به، كما وأنه يجوز للإمامي عدم الاعتداد برجوعه هذا فيصح منه التزوج من زوجته هذه بعد انقضاء عدتها، كما يجوز لمطلقته الإمامية أن ترفض الرجوع إليه وتتزوج بغيره بعد انقضاء عدتها.
نعم إذا عدل عن مذهبه إلى مذهبنا في جميع أموره أو في هذا المورد بخاصة لزمه ـ حينئذ ـ ترتيب آثار طلاق واحد مع توفر سائر الشروط الأخرى المعتبرة عندنا، من الشهود وعدم كونها في الحيض وغيرهما، فلا يحتاج في رجوعه إليها إلى محلل، ووجب على الإمامي أخذ ذلك بنظر الاعتبار.
المبحث الثالث: في أحكام العدة
(العِدَّة) في الأصل اللغوي مأخوذة من (عَدَّ) بمعنى حَسَبَ وأحْصى، و(العِدَّة) مقدارُ ما يُعدُّ ومَبْلغُه؛ وفي مصطلح الفقهاء: (مدةٌ حَدَّدها الشرع، تقضيها المرأة بعد مفارقة زوجها بطلاق أو موت أو نحوهما، بحيث لا يجوز لها التزوج من غيره إلا بعد مضيها). وموارد وجوبها هي:
1 ـ مفارقة الزوجة بالطلاق.
2 ـ مفارقة الزوجة بالفسخ بالعيب أو غيـره أو بالانفسـاخ القهري بالإرتداد ونحوه مما سبق ذكره في مباحث عقد الزواج، فلا نعيده هنا.
3 ـ وفاة الزوج.
4 ـ الجماع بالشبهة، سواءً مع العقد عليها أو بدونه.
5 ـ إنقضاء المدة أو هبتها في الزواج المؤقت، وهو ما قد عرضنا له تفصيلياً في مباحث الزواج المؤقت، فلا نعيده هنا.
وحيث إننا قد عرضنا لحكم بعض هذه الأمور في بعض المباحث السابقة فإن ما بقي منها نعرض له هنا في مطالب ثلاثة على النحو التالي:
المطلب الأول: في عدة الطلاق
يختلف نوع وأحكام العدة باختلاف الحالة التي تكون عليها المطلقة، وذلك ما بين الحامل وغير الحامل، وغير الحامل يختلف الأمر فيها بين من ترى الحيض بالنحو المعتاد وبين من لا تراه كذلك، أو أنها لا تراه، وتفصيل ذلك يقع في ثلاثة فرع:
الفرع الأول: في عدة الحائل
مسألة 931: إنما تعتد المطلقة الحائل إذا كانت مدخولاً بها ولم تكن صغيرة ولا يائسة، فإن كانت صغيرة لم تبلغ سن التكليف بعدُ لم يكن عليها عدة ولو كانت مدخولاً بها شبهة أو عصياناً؛ وكذا اليائس التي أتمت خمسين عاماً قمرية من عمرها ولو كانت قرشية، فإنها لو طلقت لم يكن لها عدة ولو كانت مدخولاً بها، هذا، فضلاً عن غير المدخول بها، فإنها لا عدة لها ولو كانت قد تعدت سن الصغر وكانت ما تزال دون سن اليأس. فيجوز لهؤلاء الثلاث التزوج من غير الزوج بعد طلاقهن منه مباشرة دون انتظار مضي فترة عليه.
مسألة 932: يتحقّق الدخول الموجب للعدة بإيلاج مقدار الحشفة من العضو ـ على الأقل ـ في فرج المرأة ولو من دون إنزال، بل إنّ الاعتداد مع الدخول بالدبر مبني على الاحتياط، فلا عبرة بما لو دخل مَنِيُّه إلى الفرج من دون إيلاج، ولا بالملاعبة بالتقبيل والتفخيذ ونحوهما، فضلاً عن مجرد الخلوة بالزوجة بدون ذلك جميعاً. ولا فرق في الدخول بين ما يكون منه في حال القصد والالتفات أو بدونهما، كالذي يحدث قهراً عنه أو في حال الغفلة أو النوم أو نحو ذلك؛ وكذا لا فرق بين الدخول المحلَّل للزوج والمحرَّم عليه، كأن واقعها في حال حيضها، أو أثناء الإحرام أو الصوم.
مسألة 933: لا يخلو حال المـرأة غير الحامل ـ من حيث الحيـض وعدمـه ـ من حالات ثلاث تختلف مدة العدة باختلافها، وهي:
الأولى: أن تكون ممن تحيض، ويكون بين الحيض والآخر فترة تقل عن ثلاثة أشهر، سواء كانت ممن لها عادة منتظمة تأتيها في كل شهر مرة على النحو المتعارف، أو كانت غير منتظمة العادة لكنها لا تقطعها ثلاثة أشهر متواصلة، بل ترى الحيض خلالها مرة أو مرتين أو أكثر؛ فإذا طُلِّقت لزمها الاعتداد ثلاثة قروء. و(القُروء) جمعٌ مفردُها: (قُرْء)، وهو من الألفاظ التي لها معنيان متضادان: الحيض، والطهر من الحيض؛ والمراد به هنا: الطهر من الحيض؛ ويبدأ احتساب الأطهار الثلاثة (أي: القروء) من الطهر الذي طلقت فيه إذا كانت له بقية حتى أتى الحيض الذي بعده ولو بمقدار لحظة، فيكون طهرها الأول هو طهر طلاقها مهما بلغ من الوقت، ساعة أو ثلاثة أسابيع، فإذا حاضت بعده ونقت من الدم وطهرت كان ذلك طهرَها الثاني الذي لن يقل عن عشرة أيام، فإذا حاضت بعده ثم نقت من الدم فطهرت كان ذلك طهرَهـا الثالث الذي لن يقل ـ أيضاً ـ عن عشرة أيام، وهو آخر أطهارها وآخر عدتها، فإذا حاضت فقد خرجت من عدتها بمجرد رؤية الدم من حيث هو إيذان بانتهاء طهرها الثالث في تلك اللحظة.
وبناءً على ذلك فإن فترة العدة تقصر وتطول تبعاً لطول فترة الطهر بين كل حيض وآخر وقصرها، وهي تتراوح ـ في الغالـب ـ ما بين شهرين وثلاثة أشهر للمرأة التي ترى الحيض في كل شهر مرة، على ما هو حال معظم النساء، في حين تعتبر أقصر فترة للعدة هي: ستة وعشرون يوماً ولحظتين، وذلك بأن يكون طهرها الأول الذي وقع فيه طلاقها، لحظة، ثم تحيض ثلاثة أيام فتطهر ويستمر طهرها الثاني عشرة أيام، ثم تحيض ثلاثة أيام فتطهر ويستمر طهرها الثالث عشرة أيام، ثم تحيض فتخرج من عدتها في أول لحظة من بداية حيضها، فهذه ستة وعشرون يوماً ولحظتان مقدار أقل عادة متصورة؛ أما أقصى مدة للعدة المقدرة بالأقراء فهي: حوالي ثمانية أشهر ونيِّف.
هذا، ولا فرق في الحيض الحادث عليها بين الحيض الطبيعي وبين ما يكون منه بعلاج فيحدث في غير وقته المعتاد، فيُرتَّب عليه الأثر في كلتا الحالتين ما دام حيضاً شرعاً.
الثانية: أن تكون ممن تحيض، ولكن يطول طهرها ما بين الحيض والآخر ثلاثة أشهر فصاعداً؛ وعدتها مضي ثلاثة أشهر قمرية من حين طلاقها، فإذا انقضت الأشهر الثلاث خرجت من عدتها، وذلك دون أن يضرها تحيضها في الأثناء. وكيفية احتسابها هي أنها إذا طلقت في أول الشهر حسبت ثلاثة أشهر هلالية، بحيث إذا هل الشهر الرابع خرجت من عدتها، وإذا طلقت أثناء الشهر اعتدت بقية شهرها مع شهرين هلاليين مع إكمال ما نقص من شهرها الأول من هذا الرابع، ولكن بمقدار ثلاثين يوماً على الأحوط وجوباً.
هذا إذا جرت على نسق واحد من حيث تحيضها كل ثلاثة أشهر فصاعداً، أما إذا اختلف حالها، بحيث كان يأتيها هكذا في بعض السنة، كما في أيام البرد مثلاً، فيما يأتيها الحيض قبل ثلاثة أشهر في أيام الصيف، فحكمها أن تبدأ عدتها ـ بعد طلاقها ـ وترى، فإن استمر طهرها إلى ثلاثة أشهر كان ذلك عدتها، وإن أتاها الحيض قبل ذلك اعتدت بالأطهـار ـ على الأحـوط وجوبـاً ـ حتى ولو طال الأمر بها، ما دام سيأتيها أكثر من مرة على هذا النحو، وهكذا. نعم إذا كانت ممن ترى الحيض لدون ثلاثة أشهر، فلما طلقها زوجها رأت الدم مرة ثم ارتفع على خلاف عادتها، فالمشهور هو الاعتداد بالأقراء، وهو الأحوط، ولكن الإعتداد بالأشهُر لا يخلو من وجه.
الثالثة: أن تكون ممن لا تحيض وهي من سن من تحيض، لمرض أو رضاع أو غيرهما؛ وعدتها ثلاثة أشهر بالتفصيل المتقدم في الحالة الثانية.
الفرع الثاني: في عدة الحامل
مسألة 934: عدة المطلقةِ الحاملِ من زوجها هي مدةُ حملها، فتنتهي عدتها بوضع الحمل ولو بعد الطلاق بساعة، سواء وضعته لوقته أو لغير وقته، تام الخلقة أو ناقصها، حيًّا كان حين وضعته أو ميّتاً. نعم، لو كانت تحمل توأماً لم تنقض عدتها إلا بوضع الجميع.
مسألة 935: يعتبر في اعتداد المطلقة الحامل بوضع الحمل أن يكون حملها من زوجها الذي طلقها، سواءً كان حملها منه قبل أن يعقد عليهـا ـ بمثل وطىء الشبهة أو الزنا ـ ثم عقد عليها أثناء حملها ثم طلقها، أو كان حملها منه شرعياً بعد زواجه منها؛ أما إذا حملت من غير زوجها بوطىء شبهة أو زناً، ثم طلقها زوجها أثناء حملها، فإن عدتها من زوجها لا تكون بوضع الحمل، بل بالأطهار أو الشهور كغير الحامل. نعم إذا كان حملها من غيره قد حدث شبهة، فإن عليها الاعتداد من وطىء الشبهة هذا ـ كما سيأتي ـ بوضع الحمل، إضافة إلى لزوم اعتدادها بالأطهار أو الشهور من طلاق زوجها لها، ويكون هذا المورد ـ حينئذ ـ من موارد اجتماع عدتين على المرأة الواحدة مما سيأتي بيانه لاحقاً. (أنظر المسألة: 945).
مسألة 936: إذا ادّعت المطلَّقة الحامل أنها وضعت فانقضت عدّتها وأنكر الزوج، أو انعكس الأمر بأن ادّعى الوضع وأنكرت هي، أو ادّعت الحمل وأنكر، أو ادّعت الحمل والوضع معاً وأنكرهما، يقدم قولها بيمينها في جميع ذلك من حيث بقاء العدّة وانقضائها لا من حيث سائر آثار الحمل، ويشترط في تقديم قولها أن لا تكون متهمة في دعواها وإلاّ لم تقبل إلاّ بالبيّنة.
مسألة 937: إذا اتفق الزوجان على إيقاع الطلاق ووضع الحمل واختلفا في المتقدم والمتأخر منهما، فقال الزوج مثلاً: «وضعتِ بعد الطلاق فانقضت عدتك»، وقالت الزوجة: «وضعتُ قبل الطلاق فأنا بعدُ في العدّة»؛ أو انعكس الأمر بينهما، فقال الزوج: «وضعتِ قبل الطلاق فأنت بعدُ في العدّة»، رغبة منه في الرجوع إليها، فادّعت الزوجة خلافه؛ فالظاهر أنّه يقدّم قولها بيمينها في بقاء العدّة وانقضائها ما لم تكن متهمة، دون فرق في ذلك بين ما لو لم يتفقا على زمان أحدهما وبين ما لو اتفقا عليه.
الفرع الثالث: في أحكام عدة الطلاق
مسألة 938: يبدأ احتساب عدة الطلاق من حين وقوعه لا من حين تبلغها خبر الطلاق، فلو مضت مدة على الطلاق دون أن تكون قد علمت به احتسبت عدتها من حين وقوعه، فإن بقي منها شيء تريثت حتى يمضي، وإن كانت قد انقضت تمام عدتها صارت خلية منه وجاز لها التزوج من غيره، وذلك من دون فرق بين ما لو كان الزوج غائباً عنها أو حاضراً عندها.
هذا إذا علمت تاريخ وقوع الطلاق، أما إذا علمت بالطلاق وجهلت تاريخه، فإن جزمت أنها قد كانت مطلقة منذ شهر ـ مثـلاً ـ مع احتمال صدور الطلاق قبله، جاز لها احتساب عدتها منذ الوقت المتيقن، وإلا لزمها الإعتداد منذ بلغها الخبر، وهو الأحوط استحباباً على كل حال.
مسألة 939: إذا طلق زوجته المدخول بها طلاقاً رجعياً، وصادف أن راجعها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، لم يجر عليها حكم غير المدخول بها من حيث عدم احتياجها إلى العدة، بل يبقى حكمها الأول بلحاظ كونها مدخولاً بها هو الجاري، وعليها استئناف عدة جديدة منذ الطلاق الثاني دون احتساب ما كان قد مضى من عدتها عند الطلاق الأول، وكذا حكم ما لو كانت في العدة البائنة، والتي من مواردها: مفارقته لها بعد الدخول بها بهبة المدة أو انتهائها إذا عقد عليها أثناء عدتها ثم فارقها قبل الدخول؛ غير أنه في هذا الفرض (أي: كونها في العدة البائنة) يكفيها إكمال ما كان قد انقضى من عدتها من الطلاق الأول دون حاجة لاستئناف عدة جديدة بعد مفارقتها ثانية.
مسألة 940: إذا اختلف الزوجان في انقضاء العدة وعدمه قدم قول الزوجة بيمينها، سواء ادعت الإنقضاء أو ادعت عدمه، وسواء كانت عدتها بالأطهار أو بالشهور، نعم إذا كانت متهمة في دعواها، كما لو ادعت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيضات فانقضت عدتها، لم يقبل قولها إلا بالبينة.
المطلب الثاني: في عدة وطىء الشبهة
مسألة 941: كما تثبت العدة في الطلاق الذي تنفك به عرى عقد الزواج وميثاقه، فإن العدة قد تثبت بعد المواقعة الحادثة بين غير الزوجين اشتباهاً وخطأً، أما المواقعة بالزنى فلا تجب لها العدة بالمعنى المصطلح، نعم لا يجوز للزاني وغيره ـ على الأحوط وجوباً ـ أن يتزوج بالزانية الخلية وغير الحامل إلا بعد أن تستبرىء بحيضة، فيما لا استبراء على الزانية الحامل ولا على الزانية ذات البعل، بل يجوز للأولى أن تتزوج من الزاني ومن غيره دون استبراء، كما يجوز للثانية أن يقاربها زوجها دون استبرائها من الزاني. (أنظر المسألتين: 609، 619).
مسألة 942: المعيار في كون المواقعة عن شبهة هو: اعتقاد الرجل أن المرأة زوجة له، سواء كان الاشتباه بالعقد عليها وانكشاف بطلان التزوج بها لكونها محرَّمة عليه بالرضاع أو النسب أو المصاهرة، أو لاعتقاده أنها خلية فتبينت ذات بعل، أو لغير ذلك؛ أو كان الاشتباه بدون العقد، كأن ظنها زوجته لظلمة ونحوها؛ فيجب عليها الإعتداد منه سواءً كانت جاهلة بالحال ومشتبهة مثله ومعتقدة زوجيتها له أو كانت عالمة بالحال، إذ المهم أن يكون الاشتباه من طرف الزوج ولو وَحْدَهُ؛ أما إذا كان الاشتباه من طرف المرأة وحدها مع علم الرجل والتفاته إلى أنها ليست زوجته، فإنها إذا طاوعته معتقدة أنه زوجها لزمتها العدة ـ أيضاً ـ على الأحوط وجوباً.
مسألة 943: عدة وطىء الشبهة كعدة الطلاق المتقدمة، فتجب بالأطهار أو بالشهور أو بوضع الحمل، إن لم تكن الزوجة صغيرة ولا يائسة، وإلا لم تجب عليها العدة، وجميع ذلك بالتفصيل الذي تقدم، سواءً في ذلك ذات البعل والخلية؛ فإذا حدث وطىء الشبهة على ذات البعل وجب على زوجها الامتناع عن مقاربتها بالجماع حتى تمضي عدتها، أما الاستمتاع بها بغير الجماع فهو جائز، والظاهر أنه لا تسقط نفقتها في أيام العدة حتى لو قلنا بحرمة جميع الاستمتاعات عليه.
وأما غير ذات البعل فإنه يجوز للواطىء أن يعقد عليها أثناء عدتها، بخلاف غيره فإن عليه انتظار مضي عدتها ليتزوج منها.
مسألة 944: مبدأ عدة وطىء الشبهة مع عدم العقد على المرأة المُشْتَبَهِ بزوجيتها هو حين الفراغ من وطئها لا حين تَبيُّنِ الحالِ، فلو صادف أنه واقعها وغاب عنها شهراً ثم تبين اشتباهه، إحتسبَ العدة منذ واقَعَها لا حين تَبَيُّنِ الحال؛ وكذا الحكم فيما لو كان الاشتباه مع العقد عليها واعتقاد صحة زواجه منها، فإذا واقعها وغاب عنها مدة ثم تَبيَّنَ له الحال، كانت عدتها منذ واقعها.
مسألة 945: قد تجب على الموطوءة شبهة عدة أخرى، من طلاق أو وفاة أو غيرهما، أثناء اعتدادها من وطىء الشبهة، وذلك كأن تكون في واحدة من حالات أربع:
أ ـ أن تكون في عدة طلاق أو وفاة، فيطؤها رجل آخر غير زوجها شبهة أثناء عدتها تلك.
ب ـ أن تكون قد وُطِئَت شبهة، ثم طلقها زوجها أو توفي عنها أثناء عدتها ـ أيضاً ـ.
ج ـ أن تكون قد وطئت شبهة من رجل، ثم وطئت كذلك من رجل آخر أثناء عدتها.
د ـ أن تكون في عدة بائنة فيطؤها زوجها اشتباهاً أثناء عدتها.
وحكم هذه الحالات يختلف على صورتين:
الأولى: ما لو كان الواطىء شبهة هو نفس الزوج، وذلك كما في الحالة (د) المفترضة، وحكمها هو: أن تهدم ما مضى من عدة الطلاق وتستأنف عدة لوطىء الشبهة تشترك معه فيها عدة الطلاق، فإذا انقضت عدتها هذه صارت خلية. وهذا هو الذي يعبر عنه في لغة الفقه بــ (تداخل العدتين).
الثانية: ما لو كان الواطىء شبهة هو غير من كانت في عدته، زوجاً كان الأول أو غير زوج، وذلك كما في الحالات المفترضة (أ) و(بــ) و(جــ)، وحكم هذه الحالات جميعها هو عدم تداخل العدتين على الأقرب، ولكن تطبيق هذا الحكم يختلف باختلاف نوع العدة المطلوبة على نحوين:
الأول: أن تكون إحدى عدتيها عدةَ حمل، سواءً من وطىء الشبهة أو من غيره، فيجب عليها تقديم عدة الحمل على كل حال، فإذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها ممن له الحمل، ثم تنظر في أمر العدة الأخرى:
فإن كـان الحمـل هـو السابق عليها لزمهـا ـ بعـد انقضـاء عـدة الحمل بالوضع ـ الشروع بالعدة الأخرى بالنحو المناسب لها، أي: بالأطهار أو الشهور. وإن كانت العدة الأخرى هي السابقة على عدة الحمل، كأنْ كانت تعتد بالأطهار أو الشهور، ومضى منها بعضها، فعرضت أثناءها عدة الحمل، كفاها أن تستكمل ما بقي لها منها بعد وضعها حملها.
الثاني: ما إذا لم يكن فيهما عدة حمل، بل كانتا ـ كلتاهما ـ بالأطهار أو الشهور، وحكمها هو أن تتم العدة التي هي فيها، ثم تستأنف عدة أخرى للثاني.
المطلب الثالث: في عدة الوفاة
مسألة 946: إذا مات أحد الزوجين انفسخ عقد النكاح ولَغَتْ آثاره، سوى أنه يجوز لأحدهما النظر واللمس لما كان يجوز له لمسه والنظر إليه حال الحياة. وعلى الزوجة ـ إذا مات زوجها ـ أن تعتد منه عدة الوفاة التي هي من أفراد العدة البائنة، سواءً الصغيرة والكبيرة، والعاقلة والمجنونة، والمسلمة والكافرة، والمدخول بها وغير المدخول بها، والزوجة الدائمة أو المتمتع بها، كما لا فرق في الزوج بين الصغير والكبير والعاقل وغيره.
وعدة المرأة غير الحامل من وفاة زوجها هي: أربعة أشهر وعشرة أيام بحسب الهلال، أما الحامل فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل ومن هذه المدة، أي: يُنتظر بالحامل حتى تضع حملها، فإن كان قد مضى ما بين موته ووضع الحمل أربعة أشهر وعشرة فصاعداً، فقد انقضت عدتها، وإن كان قد مضى أقل من ذلك فوضعت، لزمها إتمام عدتها بعد الوضع حتى يمضي على وفاته أربعة أشهر وعشرة، فإذا انقضى أبعدُهما صارت خلية.
مسألة 947: إذا مات الزوج في عدة طلاق زوجته، فإن كانت العدة من طلاق رجعي بطلت ولزمها استئناف عدةٍ لوفاته بالنحو المذكور آنفاً، وإن كانت العدة من طلاق بائن اقتصرت على إتمام عدة الطلاق دون أن تزيد عليها.
مسألة 948: مبدأ العدة لوفاة الزوج الحاضر هي من حين وقوع الموت، وأما إذا كان غائباً عن بلد الزوجة أو بحكم الغائب، كأن كان حاضراً في بلدها ولكن لم يبلغها خبر موته لمرض أو حبس أو نحوهما من الموانع، فبداية عدتها من حين بلوغها خبر وفاته، غير أن في عموم حكم زوجة الغائب هذا للزوجة الصغيرة أو المجنونة إشكالاً، وإن كان لا يبعد الإكتفاء فيهما باحتسابها من حين الوفاة.
هذا، ولا بد في الإخبار بالوفاة الموجب للاعتداد من حينه أن يكون مرتكزاً على ما يعتبر حجة شرعاً، كأن يكون بينة عادلة، أو شياعاً مفيداً للإطمئنان، أو غيرهما، فلو أخبرها شخص بوفاة زوجها، ولم تثق بصحة خبره، لم يجب عليها الاعتداد، ولو اعتدت ـ رغـم عـدم تصديقـه ـ ثم ظهرت صحة خبره كفاها ذلك عن الاعتداد مرة ثانية، وبانت منه.
مسألة 949: كما يجب على الزوجة أن تعتد عند وفاة زوجها كذلك يجب عليها الحداد ما دامت في العدّة، والمقصود به ترك ما يعدّ زينة لها سواء في البدن أم في اللباس، فتترك الكحل والطيب والخضاب والحمرة ونحوها، كما تجتنب لبس المصوغات الذهبيّة والفضيّة وغيرها من أنواع الحلي، وكذا اللباس الأحمر والأصفر ونحوهما من الألوان التي تعد زينة عند العرف، بل وربّما يكون اللباس الأسود كذلك في نظر العرف، إما لكيفيّة تفصيله أو لبعض الخصوصيات المشتمل عليها، مثل كونه مخططاً، وبالجملة عليها أن تترك في فترة العدّة كل ما يعدّ زينة للمرأة بحسب العرف الإجتماعي الذي تعيشه، ومن المعلوم اختلافه بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والتقاليد؛ وأما ما لا يعد زينة لها، مثل تنظيف البدن واللباس وتقليم الأظفار والاستحمام وتمشيط الشعر والإفتراش بالفراش الفاخر والسكنى في المساكن المزينة وتزيين أولادها، فلا بأس به.
هذا، وليس من الحداد بقاء الزوجة في البيت الذي كانت تسكنه عند وفاة زوجها، بل يجوز لها تغييره والسكن في غيره، كما وأنه لا يحرم عليها الخروج من بيتها أثناء العدة، بل يجوز لها الخروج لضروراتها، كأداء حق أو فعل طاعة أو قضاء حاجة، وإن كره لها الخروج لغير ضرورة، بل والمبيت خارج بيتها.
مسألة 950: لا فرق في وجوب الحداد على الزوجة بين المسلمة والكافرة، ولا بين الدائمة والمتمتع بها، أما الصغيرة والمجنونة فلا يجب على وليهما إلزامهما بمظاهر الحداد. وكذا لا فرق في الزوج الذي يجب الحداد لموته بين الصغير والكبير والعاقل والمجنون.
مسألة 951: إذا تركت المرأة الحداد أثناء العدة ـ أو أخلت ببعض ما يجب فيها ـ عصياناً أو جهلاً أو نسياناً، لم يضر ذلك بعدة الوفاة واحتسبت لها، فإذا انقضت عدتها صارت خلية منه رغم تركها الحداد عليه، وإن كانت آثمة مع العصيان.
المبحث الرابع: في أحكام المفقود زوجها
مسألة 952: المراد بــ (المفقود) ـ في الاصطلاح الفقهـي ـ: (من انقطعت أخباره عن أهله، وجُهِل مكان وجوده، سواء عُلمت حياتُه أو جهلت حياته أو موته، وسواءً في ذلك المسافر، ومن كان في معركة، ومن غرقت سفينته في بحر، ومن اعتقلته السلطات الحكومية فانقطعت أخباره ولم يعلم مكان اعتقاله، وغير ذلك من أسباب الفقد).
مسألة 953: إذا فقد الزوج بالنحو المذكور في المسألة السابقة، وصبرت زوجته على ما يفوتها من حقوق واجبة لها عليه، كالنفقة، ولم تخش على نفسها الوقوع في الحرام، فرغبت في البقاء على زوجيتها له، كان لها ذلك بدون إشكال، ولم تنفصم بفقده وعدم إنفاقه عرى العلاقة الزوجية بينهما مهما طال الزمان ما لم تعلم وفاته.
وأما إذا أرادت نفقتها وطالبت بها، فإن كان لزوجها مال يمكن الوصول إليه والإنفاق منه، أو أنفق عليها وليُّه أو من هو بحكمه ـ وهو أبوه أو جده لأبيه أو المفوض من قبله بالإنفـاق عليهـا ورعايـة أمورها ـ ولم تخش على نفسها الوقوع في الحرام، لزمها الاكتفاء بذلك والبقاء على زوجيتها له مهما طال الزمن. ثم إن جرى الأمر على هذا النحو كان خيراً، وإلا فإن لم تصبر على حاجتها الجنسية، فصارت تخشى على نفسها من الوقوع في الزنى ونحوه من المحرمات، رغم الإنفاق عليها، أو صبرت على حاجتها الجنسية ولكن لم يكن للزوج مال يُنْفَق منه ولا أَنفقَ عليها الولي، اختلف حكمها على نحوين:
الأول: أن يكون زوجُها المفقودُ معلومَ الحياة ومجهولَ المكان، بحيث لا يتيسر الوصول إليه والتفاهم معه؛ وهنا: يجوز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي وتطلب منه الطلاق، وبعد أن يتثبت الحاكم من كونه مفقوداً بهذا النحو، وبعد أن يثبت له عدم الإنفاق عليها، يسوغ له أن يستدعي وليه ويأمره بطلاقها، فإن استجاب كان خيراً، وإلا أجبره على طلاقها، فإن لم يمكن إجباره طلقها الحاكم، وكان طلاقه بائناً، وحيث يجب عليها الاعتداد منه فإن عليها عدة الطلاق، فإذا انقضت عدتها صارت خلية منه وساغ لها التزوج من غيره. وكذا الحال فيمن طلبت الطلاق لخشيتها من الوقوع في الحرام، سوى أنه حيث لا يمكن التثبت من صدق ادعائها خوف الوقوع في الحرام تصدق في دعواها ويعمل بمقتضاها. ثم إن عاد زوجها بعد أن طلقت ـ ولو أثنـاء عدتهـا ـ لم يكن له عليها سبيل.
الثاني: أن يكون الزوجُ المفقودُ مجهولَ الحياة والموت؛ وحكمه أنَّ لزوجته أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي في حالة خوفها من الوقوع في الحرام ولو مع الإنفاق عليها، وفي حالة عدم الإنفاق عليها، فيمهلها الحاكم أربع سنين، تبدأ من تاريخ رفع دعواها، ثم يباشر بالفحص عن الزوج لاستعلام حياته أو موته، فإذا انقضت السنون الأربع ولم تتبين حياته ولا موته، أمر الحاكم وليَّه بطلاقها، فإن لم يستجب أجبره عليه، فإن لم يمكن إجباره، أو لم يكن له ولي، طلقها الحاكم بنفسه أو بوكيله، ولزمتها عدةٌ كعدة الوفاة، أي: أربعة أشهر هلالية وعشرة أيام، لكنَّها عدة رجعية، تثبت لها فيها النفقة ويرجعها زوجها إذا عاد في أثنائها، ويرث كل واحد منهما صاحبه إذا مات خلال العدة فإذا انقضت بانت منه وجاز لها التزوج بغيره.
مسألة 954: لا يعتبر في الفحص قيام الحاكم به بنفسه أو بتكليف غيره بعد رفع الأمر إليه، فلو كانت المرأة قد بادرت إلى الفحص عن زوجها بعد فقده وقبل رفع الأمر إليه، بالنحو المعتبر مدة أربع سنين أو أقل أو أكثر، ثم رفعت أمرها إلى الحاكم، كفى بحثها عن بحثه، واحتسبت لها المدة التي فحصت فيها، فإن كان قد بقي شيء من المدة لم يُفحص فيه أُكمل الفحص بأمر الحاكم واكْتُفي به، وإن تمت السنون الأربع قبل رفع الأمر إليه، كفى ـ حينئذ ـ قيام الحاكم بتجديد الفحص عنه مقداراً مَّا، إذا احتُمل تَرَتُّبُ أَثرٍ عليه، وإلاَّ فلا حاجة له، فيُكتفى به ويجري الأمر على النحو السابق.
وكذا لا يعتبر في الفحص حدوثُه عند وجود المسوغ لرفع الأمر إلى الحاكم، من عدم الإنفاق عليها أو عند خشيتها من الوقوع في الحرام، فلو جرى الإنفاق عليها بالنحو المطلوب، وخشيت من توقف النفقة، ورغبت في تفادي الحاجة إلى من ينفق عليها خلال مدة الفحص الطويلة، جاز لها الطلب إلى الحاكم ليفحص عنه رغم الإنفاق عليها، بل جاز لها أن تقوم هي بالفحص ولو دون رفع الأمر إلى الحاكم، فإذا انقضت السنون الأربع أو بعضها، وكان قد تم الفحص فيها مستكملاً لشروطه، أمكن الإكتفاء به إذا طالبت بالطلاق عند وجود المسوغ له، وذلك بالنحو الذي ذكرناه آنفاً في صدر هذه المسألة.
مسألة 955: ليس للفحص عن المفقود كيفية خاصة وطريقة معينة، بل المدار على ما يعدّ طلباً وفحصاً وتفتيشاً، ويختلف ذلك باختلاف أَنواع المفقودين، فالمسافر المفقود يُبعث من يعرفه بإسمـه وشخصـه ـ أو بصفاتـه ـ إلى مظان وجوده للظفر به، أو يُكتب إلى من يعرفه ليبحث عنه في ما يحتمل وجوده فيه من البلاد، أو يُطلب من المسافرين إليها من الزوار والحجاج والتجار وغيرهم أن يبحثوا عنه في مسيرهم ومنازلهم ومقامهم ويستخبر منهم إذا رجعوا من أسفارهم. وإذا علم أنه كان في بلد معين وفي زمن معين، ثم انقطع أثره، يتفحص عنه أولاً في ذلك البلد على النحو المتعارف، بأن يسأل عنه في جوامعه ومجامعه وفنادقه وأسواقه ومتنزهاته ومستشفياته وسجونه ونحوها، ولا يلزم استقصاء تلك المحال بالتفتيش والسؤال، بل يكتفى بالبعض المعتد به من مشاهيرها، ويلاحظ في ذلك زي المفقود وصنعته وحرفته، فيبحث عنه في المحال المناسبة له ويسأل عنه أبناء صنفه وحرفته، فإذا كان طالب علـم ـ مثـلاً ـ فالمحل المناسب له هو المدارس ومجامع العلم، فيُسأل عنه العلماء وطلبة العلم؛ وهكذا بقية الأصناف من الحرفيين والأطباء ونحوهم.
فإذا تم الفحص في ذلك البلد ولم يظهر منه أَثر، ولم يعلم موته ولا حياته، فإن لم يحتمل انتقاله منه إلى محل آخر بقرائن الأحوال سقط الفحص والسؤال، واكتفي بانقضاء مدة التربص أربع سنين كما تقدّم، وإن احتمل الإنتقال احتمالاً معتداً به، فإن تساوت الجهات في احتمال انتقاله منه إليها بُحث عنه في تلك الجهات، ولا يَلزم الاستقصاء بالتفتيش في كل قرية قرية ولا في كل بلدة بلدة، بل يُكتفى ببعض الأماكن المهمة والمعروفة في كل جهة، مع مراعاة الأقرب فالأقرب إلى البلد الأوّل، وإذا كان احتمال انتقاله إلى بعضها أقوى فاللازم جعل محل الفحص ذلك البعض، ويكتفى بالفحص فيه إذا بَعُد احتمال انتقاله إلى غيره.
هذا فيما إذا علم أن المسافر المفقود كان في بلد معين. وأما إذا علم أنّه كان في بعض الأقطار كإيران والعراق ولبنان والهند ثم انقطع أثره كفى الفحص عنه مدة التربص في بلادها المشهورة التي تشد إليها الرحال مع ملاحظة صنف المفقود وحرفته في ذلك.
وإذا علم أنّه خرج من منزله قاصداً التوجه إلى بلـد معيـن ـ كالعراقي إذا خرج براً يريد زيارة الإمام الرضا y في مشهده المقدّس بخراسان ثم انقطع خبره ـ يكفي الفحص عنه في البلاد والمنازل الواقعة على طريقه إلى ذلك البلد، وفي نفس ذلك البلد، ولا يجب الفحص عنه في الأماكن البعيدة عن الطريق فضلاً عن البلاد الواقعة في أَطراف ذلك القطر.
وإذا عُلم أنّه خرج من منزله مريداً للسفر ـ أو هرب ـ ولا يُدرى إلى أَين توجّه، وانقطع أثره، لزم الفحص عنه مدة التربص في الأطراف والجوانب التي يحتمل وصوله إليها احتمالاً معتداً به، ولا ينظر إلى ما بَعُد احتمال توجهه إليه.
وأما المفقود في جبهات القتال فتراجع بشأنه الدوائر المعنية بأحوال الجنود المشاركين في المعركة أو يسأل عنه رفاقه العائدون من الجبهات والأسرى العائدون من الأسر؛ وأما المعتقل المفقود فتُسأل عنه دوائر الشرطة والجهات الأمنية ذات العلاقة، وهكذا.
مسألة 956: يجوز للحاكم الاستنابة في الفحص وإِن كان النائب نفسَ الزوجة، فإذا رفعت أمرها إليه فقال: «تفحصوا عنه إلى أن تمضي أربع سنوات»، ثم تصدت الزوجة أو بعض أقاربها للفحص والطلب حتى مضت المدة كفى.
مسألة 957: إذا تحقّق الفحص التام قبل انقضاء المدة، فإن بقي احتمال ـ ولو بعيد ـ بالوجدان إذا استمر الفحص وجب الاستمرار به في ما بقي من المدة، وإن حصل اليقين بعدم الوجدان سقط وجوب الفحص، ولكن لا يصح طلاقها قبل انقضاء المدة؛ ولو تمت السنون الأربع واحتمل وجدانه بالفحص بعدها لم يجب، وصحَّ طلاقها ـ رغم ذلك ـ على رأس المدة المضروبة.
مسألة 958: لا تلزم المرأة بعد رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، ولو بعد تحقّق الفحص وانقضاء الأجل، بالاستمرار على طلب الطلاق، بل يصح لها التراجع عن ذلك قبل إيقاع الطـلاق، واختيار البقـاء على الزوجيـة، بل إن لها ـ أيضاً ـ بعد هذا العدول إلى البقاء على الزوجية أن تعدل عنه إلى الطلاق من جديد.
مسألة 959: إذا تعذر الفحص عن المفقود لم يسقط، ووجب على زوجته الإنتظار إلى حين تيسره، فإذا زال المانع منه قبل مضي المدة المضروبة وفُحص عنه في ما بقي منها بالنحو المطلوب، ولا سيما إذا حصل اليقين بعدم وجدانه، اكتفي به وجاز طلاقها بعد انقضاء المدة، وأما إذا لم يكن قد اكتمل الفحص في المدة الباقية، أو ظل المانع من الفحص موجوداً إلى أن انقضت المدة، كفى الفحص عنه بعد المدة إلى أن يحصل اليأس بعدم وجدانه، ثم يصح طلاقها.
مسألة 960: لا يشترط الإسـلام ـ فضـلاً عن العدالـة ـ فـي من يستناب للبحث عن المفقود، كما لا يشترط ذلك في من يُستخبر منهم عن حال المفقود، بل يكفي الوثوق بصدقهم.
مسألة 961: إذا علمت حياة الزوج، أو رجع إلى بيته، بعد الفحص عنه وانقضاء الأجل الذي ضربه لها الحاكم، فإن كان قبل الطلاق فهي زوجته، وإن كان أثناء العدة تخير بين الرجوع إليها وبين إبقائها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وإن كان بعد انقضاء عدتها فقد بانت منه ولم يكن له عليها سبيل إلا بعقد جديد.
وإذا علم موت المفقود، فإن كان أثناء الأجل أو بعده وقبل الطلاق لزمتها عدة الوفاة، وإن كان أثناء العدة لزمها استئناف عدة وفاة جديدة، وإن كان بعد انقضاء العدة أكتفي بها، سواءً كان انكشاف الموت قبل أن تتزوج من غيره أو بعده، وسواء كان موته قد حدث قبل شروعها في العدة أو أثناءها أو بعدها أو بعد التزوج من الغير.
مسألة 962: إذا تبين بعد الطلاق وانقضاء العدة وقوع خلل في بعض الإجراءات المتقدمة، كأن تبيَّن حدوث تقصير في الفحص من حيث الكيفية أو من حيث المدة، أو تبيَّن وجود خلل في بعض شروط الطلاق، أو نحو ذلك، جرى على المرأة حكم ذات البعل، فإن لم تكن قد تزوجت لزم تدارك الخلل الذي حصل، وإن كانت قد تزوجت فزواجها باطل حتى لو تبين بعد ذلك انه كان متوفى حين العقد عليها، ولم تحرم عليه مؤبدا مع جهله بالحال حتى لو كان قد دخل بها. (أنظر المسألة: 615).
مسألة 963: إنما تحتاج زوجة المفقود إلى ما سبق ذكره في المسائل المتقدمة، من رفع الأمر إلى الحاكم والفحص عنه، في حالة عدم علمها بحال زوجها، إذ لا يمكنها الخروج عن عصمتـه ـ حينئـذ ـ إلا بهذا النحو الذي ينتهي بالطلاق، إضافة إلى حاجتها إليه من أجل أن يكون وثيقة بيدها تبرزها عند الحاجة لإثبات كونها خلية فيمكنها التزوج، حتى في صورة علمها ويقينها ـ دون غيرها ـ بوفاة زوجها. وعليه، فلو فرض علم الزوجة بوفاة زوجها المفقود فإنه يجوز لها ـ في ما بينها وبين الله تعالى ـ ترتيب الأثر على ذلك، فتعتد عدة الوفاة مقرونة بالحداد، فإذا انقضت جاز لها أن تتزوج من غيره، وذلك دون حاجة إلى مراجعة الحاكم ولا إلى التربص ولا الطلاق، فإن فعلت ذلك لم يكن لأحد معارضتها إلا أن يَعلم كِذْبَها في دعوى الوفاة، كما أنه يجوز الاكتفاء بقولها لمن يريد التزوج بها إذا لم تكن متهمة عنده، وإلا لزمه ترك التزوج بها على الأحوط وجوباً. (أنظر المسألة: 608).
المبحث الخامس: في أحكام عامة
وفيه مسائل:
مسألة 964: إذا طلق غير الإمامي زوجته بما يوافق مذهبه ويخالف مذهبنا جاز للإمامي أن يتزوج مطلقته بعد انقضاء عدتها حيث تجب عليها العدة في مذهبه، كما يجوز لمطلقته الإمامية أن تتزوج من غيره، وذلك انسجاماً منا مع ما يلتزمه المسلم الذي على غير مذهبنا في نفسه وسائر أموره، رغم اعتقادنا بأن مثل هذا التصرف مخالف للصواب من وجهة نظرنا.
ولو فرض رجوع هذا المخالف في بعض أموره أو جميعها إلى المذهب الإمامي جاز له ترتيب آثار الصحة على طلاقه السابق الذي لم يكن موافقاً للشروط المعتبرة عندنا، فيصح له مراجعة زوجته المطلقة رجعياً إذا كانت ما تزال في العدة، وعليه أن يعقد عليها بعد مضي عدتها إذا أراد مراجعتها بعد انقضائها. وهكذا حال زوجته الإمامية إذا طلقها ثم التزم بمذهب الإمامية، فإنها ترتب آثار الصحة على طلاقها السابق.
مسألة 965: إذا وقع خلل في شيء مما يعتبر في الطلاق، من حيث الصيغة أو الشاهدين، أو من حيث شروط المُطلِّق أو المطلَّقة، وَقع الطلاق باطلاً ولم تتحقّق به البينونة بين الزوجين، فإن عُلِمَ الحالُ قَبل أن تتزوج من غيره، وبقي الزوج راغباً في طلاقها، لزمه إعادة الطلاق، وإن لم يعلم إلا بعد أن تزوجت من غيره بطل عقد ذلك الغير عليها، ولحقه حكم من عقد على ذات البعل. (أنظرالمسألة: 607).
مسألة 966: إذا شك الزوج في طلاق زوجته وعدمه بنى على بقاء الزوجية بينهما، دون أن يكون لشكه أثر، وإذا عَلِم إيقاع الطلاق لكنه شك في عدده بنى على الأقل، ومن ذلك ما لو كان مطلاقاً فشك في أنه هل طلقها ثلاث طلقات أو تسعاً، بنى على الثلاث وحلت له بالمحلِّل.
مسألة 967: إذا ادّعى أحد الزوجين الطلاق وأنكره الآخر، كان القول قول المنكر بيمينه، سواءً كان هو الزوج أو الزوجة؛ وإذا اتفقا على وقوع الطلاق واختلفا في زمانه، وذلك لاختلافهما في استحقاقها النفقة عليه وعدمه، فادعى الزوج حدوثه قبل سنة من تاريخ هذا التنازع، وادعت المرأة حدوثه لأقل من ذلك ليكون لها عليه نفقة أشهر عدة، كان القول قول الزوجة بيمينها.
الفصل الثاني
في الخلع والمباراة
المبحث الأول: في الخلع
المبحث الثاني: في المباراة
تمهيد:
يراد بــ (الخُلْع) في اصطلاح الفقهاء: (الطلاق الحادث بطلب من الزوجة الكارهة مقروناً بمال تبذله للزوج). ويراد بــ (المباراة): (الطلاق المتوافق عليه بين الزوجين المتكارهين والمقترن بمال تبذله الزوجة للزوج). والمباراة في اللغة مأخوذة من لفظ: (أبرأ)، بمعنى: سامح وأسقط حقه، والمباراة: أصلها: المبارأة، وهي صيغة (مفاعلة) تعني الاشتراك في فعل الإبراء، إذا أبرأ كل واحد منهما الآخر وأسقط عنه ماله عليه من حق.
وكل من الخلع والإبراء نوع من الطلاق يراد به إيقاع المفارقة بين الزوجين، فيعتبر فيهما ما يعتبر في الطلاق وزيادة، كما وأنه لا يختلف الخلع عن المباراة إلا في بعض أمور يسيرة، وفيما يلي سوف نخص الخلع بمبحث نستوعب فيه أحكامه، ثم نخصص مبحثاً للمباراة نقتصر فيه على ما تتميز به عن الخلع، وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: في الخلع
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في ما يتحقّق به الخلع
ونريد به بيان ما يتقوم به الخلع، وهو أمران:
الأول: كراهة الزوجة لزوجها
مسألة 968: يعتبر في الخلع أن تكون الزوجة كارهة لزوجها وعازفة عن البقاء معه، بحيث يخشى عليها التمرد عليه والنشوز عن طاعته في حقوقه الواجبة له عليها، فتعصي الله تعالى فيه، سواء كانت كراهتها من غير سبب واضح معلوم، أو بسببٍ لا علاقة للزوج به، أو بسبب بعض تصرفات الزوج العَادِيَّة أو الأخلاقية التي ليس فيها ظلم لها ولا تركٌ لحقها الواجب مما هو مخالف لآداب العشرة المستحبة أو التقاليد الإجتماعية المرغوبة، أو بسبب ظلمها وترك أداء حقها الواجب إذا كان نتاج سوءٍ في طبعه، دون ما لو كانت كراهتها له لظلم مُتعَمَّد منه بهدف إلجائها إلى طلب الطلاق وتقديم الفداء له للتخلص من ظلمه غير المبرر.
وبناءً عليه، لا يتحقّق الخلع إذا كان الزوج ـ أيضاً ـ كارهـاً لهـا، إذ يكون ـ حينئذ ـ مباراة لا خلعاً، كما سيأتي؛ كما لا يتحقّق الخلع بما لو كان سبب كراهة الزوجة هو ظلم الزوج المتعمَّد لها بالشتم والضرب، بل أو بترك حقها الواجب لها من نفقة وحق استمتاع ومبيت وقَسْم، وذلك بهدف إجبارها على البذل وطلب الطلاق. ثم إنها إذا طلبت الطلاق منه لأجل ذلك، وبذلت له كي يطلقها، لم يصح البذل وحرم عليه أخذه، وإذا أخذه وطلقها أثم في أخذه ولم يصح منه الطلاق خلعياً، بل ولا غيرَ خلعي أيضاً؛ وأما إذا ظلمها بذلك النحو عن غير تعمِّد ولا بقصد إلجائها إلى البذل وطَلبِ الطلاق، بل لخشونة في مزاجه وسوء في أخلاقه، صح منها البذل وصح منه الخلع.
مسألة 969: إذا رغبت الزوجة في فكاك نفسها مع عدم كراهتها له، فطلبت الطلاق مع بذل العوض، فرضي زوجها وطلقها بصيغة الخلع، لم يصح الخلع ولم يملك العوض المبذول الذي افتدت نفسها به؛ نعم، إذا أوقع الخلعَ بصيغة الطلاق، أو أَتْبعَ الخلعَ بالطلاق، وكان ـ إضافة إلى ذلك ـ قد ملك الفدية بسبب مستقل قد أُخِذَ الطلاق شرطاً فيه، وذلك بأن كانت قد صالحته على مقدار من المال على أن يطلقها، فاستحق عليها المال بالصلح ولزمه الوفاء لها بالشرط، إذا طلقها ـ والحال هذه ـ وقع الطلاق رجعياً أو بائناً بحسب حالهما فيه، وإذا كان رجعياً صح له مراجعتها إلا أن تكـون قد اشترطت عليه ـ أيضاً ـ عدم الرجوع، فيجب عليه الوفاء بالشرط، فإذا خالفه فراجعها أثم حتماً، ولزمهما مراعاة الاحتياط الوجوبي في آثار هذا الرجوع المخالف للشرط، بمعنى: أنَّ على الرجل أن لا يقاربها كما يقارب زوجته، وأن ينفق عليها، ونحو ذلك، وأن على المرأة أن لا تتزوج من غيره، ونحو ذلك، وحينئذ لا بد لهما من التوافق على حل، فإما أن يجدد طلاقها ولا يراجعها بعده، أو تَرجِعُ بالمال ويرجع إلى زوجته بدون عقد إن كانت ما تزال في العدة، أو مع العقد عليها إذا كانت قد مضت عدتها.
الثاني: دفع الفداء
مسألة 970: يعتبر في الطلاق الخلعي اقتران طلب الطلاق من الزوجة بعَرضها بذلَ مقدارٍ من المال لزوجها ليطلقها، فإن خلا من ذلك كان ـ بالبداهة ـ طلاقاً غير خلعي، وجرى عليه حكمه؛ ويعتبر في العوض (أو: الفداء) المبذول أمور:
1 ـ أن يكون مملوكاً للزوجة فتدفعه من مالها، فلا يتحقّق الخلع ببذل غيرها فداءها من ماله ولو كان وليها، سواء تصدى هو للبذل عنها أو أذن لها فبذلت هي من ماله، إلا أن يهبها المال فتبذله هي في الفداء؛ وإذا بذل الغير فداءها فخالعها مقتصراً على لفظ الخلع وحده أو مقترنـاً بصيغـة الطـلاق ـ من قبلُ أو من بعدُ ـ صح منه طلاقاً غيرَ خلعي، وجاز له أخذ المال.
وإذا قال أبوها: «طَلِّقها وأنت بريء من صداقها»، فطلقها زوجها، فإذا كانت بالغة رشيدة لم تبرأ ذمته من صداقها ولم يقع بطلاقه خلع ولا غيره، نعم إذا كان عالماً بعدم ولاية أبيها على إبرائه من صداقها فخالعها بصيغة الطلاق أو بدونه قاصداً به طلاقها من غير عوض صحَّ كذلك. وأما إذا كانت صغيرة وكان من مصلحتها ذلك فلا إشكال في صحته خلعاً وبراءته من صداقها.
2 ـ أن يكون مُتَمَوَّلاً ومما يصح تَملُّكُه للمسلم، فلا يصح أن يكون خمراً ولا خنزيراً ولا ميتة، ويصح أن يكون غير ذلك، ديناً أو عيناً أو منفعة، ما دام مالاً يعتد به وله قيمة عند الناس، فلو كان مثل الثوب البالي أو نحوه مما لا مالية له لم يصح جعله عوضاً.
3 ـ أن يكون معلوماً على النحو المعتبر في المعاوضات، أي: إنه إضافة إلى لزوم كونه معلوم الجنس والنوع بالنحو الذي يخرجه عن الإبهام، يجب ـ أيضاً ـ أن يكون معلوم المقدار بالكيل أو الوزن أو نحوهما، أو معلوماً بالمشاهدة فيما يعتبر فيه المشاهدة، وكذا يجوز جعله حالاًّ أو مؤجلاً مع ضبط الأجل.
4 ـ أن يكون بذله باختيار الزوجة، فلا يصح البذل مع الإكراه عليه، من الزوج أو من غيره.
مسألة 971: لا يعتبر مقدار معين للعوض، فتجوز فيه الزيادة عن المهر والنقص عنه والمساواة له.
مسألة 972: إذا خالعها على عين معينة فظهر عيب في العوض المبذول، فإن رضي به صح البذل والخلع، وإن لم يرض به صح الخلع ولزمها الأرش أو تعويضه بالمثل أو القيمة.
مسألة 973: إذا جعلت الفداء مال الغير بدون إذنه، فمع علمها بذلك يبطل البذل والطلاق، خلعياً وغير خلعي؛ ومع جهلها يصح البذل والخلع، وعليها تعويض الزوج عنه بالمثل أو القيمة. وإذا كان في البذل خللٌ غيرُ ذلك، كأن كان غير معلوم الجنس أو المقدار، أو كانت مكرهة على بذله، بطل البذل ولم يصح الطلاق خلعياً ولا غيره.
المطلب الثاني: في ما يعتبر في المتخالعين
مسألة 974: يشترط في الزوج الخالع جميع ما سبق اشتراطه في المطلِّق، من البلوغ والعقل والقصد والاختيار. وكذا يشترط في الزوجة المختلعة ما سبق ذكره في الزوجة المطلَّقة، وهو: لزوم تعيينها، وكونها زوجة دائمة، وإذا كانت مدخولاً بها ولم تكن صغيرة ولا يائسة ولا حاملاً ولا غائباً زوجها عنها، فإنه يعتبر فيها أن تكون حين الخلع طاهرة من الحيض والنفاس، وفي طهر لم يواقعها زوجها فيه؛ وإلا تكن مدخولاً بها، أو كانت، ولكنَّها كانت صغيرة أو يائسة أو حاملاً أو غاب عنها زوجها ولم يمكنه استعلام حالها، جاز خلعها ولو كانت في الحيض أو في طهر قد واقعها فيه، وجميع ذلك بنفس التفصيل الذي تقدم في مباحث الطلاق. هذا، وكما لا يشترط في المطلَّقة أن تكون بالغة عاقلة فإنه لا يشترط ذلك في المختلعة، بل يتولى الولي البذلَ عنها حيث يمكن تحقّق الكراهة منها بالنحو الذي يهدد حسن طاعتها له.
المطلب الثالث: في صيغة الخلع
مسألة 975: الخلع ـ في ذاته ـ إيقاع مثل الطلاق، غير أنه لما كان متقوماً بالبذل، فإن البذل عَقْد متحقّق ببذل الزوجة وقبول الزوج، وبذلك فإن الخلع ـ في الحقيقة ـ هو نتاج اقتران أو تمازج ذلك الإيقاع وهذا العقد بحيث يشكلان معاً ما يشبه العقد الواحد المكون مما يشبه الإيجاب والقبول؛ ثم إنه يكفي في البذل من الزوجة، وفي الخلع من الزوج، كل لفظ يدل عليه من ألفاظ لغة البلد التي يقع فيها الخلع، سواء العربية وغيرها، وسواء الفصحى والعامية والصحيح والملحون؛ إضافة إلى إمكان تحقّق البذل وقبوله، بالمعاطاة، فلو سلَّمتْه المالَ بقصد أن يخلعها، فتسلَّمه منها بقصد القبول بخلعها وبادرَ لخَلْعها، صح الخلع. والصيغة الأكمل والأحوط للخلع كما يلي:
أولاً: أن تبدأ المرأة إنشاء البذل باللغة العربية الفصحى الصحيحة فتقول: «بَذَلْتُ لك ألف دينار لتخلعني عليه»، فيقول الزوج ـ مباشرة ـ: «قبلت البذل».
ثانياً: يبادر الزوج بعد قبوله البذل إلى إيقاع الخلع بقوله: «زوجتي فلانة مُخْتَلَعةٌ على ما بذلت، فهي طالق».
وجميع ذلك باللغة العربية الفصحى الصحيحة، مع تقديم البذل من الزوجة، ومع المبادرة إلى إيقاع الخلع بعد البذل؛ وإن كان يصح إيقاعه بلفظ الخلع منفرداً أو بلفظ الطلاق كذلك، وكذا يصح إيقاعه بصيغة الطلب، وذلك بطلبه من قبل الزوجة مقترناً بالبذل، وبإيقاعه من قبل الزوج، فإذا قالت له الزوجة: «طلقْني على ألف دينار» فقال الزوج: «أنت طالق» وَقع الطلاق خلعياً ولزمها دفع العوض.
مسألة 976: يعتبر في صحة الخلع الموالاة بين إنشاء البذل وإيقاع الطلاق ويكفي فيه الموالاة العرفيّة والأفضل المبادرة إليه في مجلس الخلع قبل أن ينفّض. وكذا يعتبر فيه ما سبق اعتباره في صيغة الطلاق من لزوم كونها منجزة ومن لزوم الإشهاد عليها، وذلك بنفس التفصيل المتقدم في مباحث صيغة الطلاق.
مسألة 977: كما يصح الخلع والبذل بمباشرة الزوجين لهما بنفسيهما، فإنهما يصحان أيضاً بالتوكيل فيهما، فيجوز أن يوكل كل منهما غيره، كما يجوز أن يوكل أحدهما الآخر فيما هو له، أو يكون أحدهما أصيلاً ووكيلاً عن الآخر، وهكذا. وحيث يرغب أحدهما في توكيل الغير فإنه يصح أن يوكله في جميع ما هو من شؤون الموكِّل من الأمور التفصيلية التي تتعلق بالخلع، من جانب المرأة أو من جانب الرجل.
مسألة 978: طلاق الخلع بائن لا يحق للزوج الرجوع عنه، إلا أنه لما كان الخلع بسبب كراهة المرأة لزوجها وتلبية منه لطلبها له، فإن لها أن ترجع عن البذل ما دامت في العدة، فإذا رجعت لزمه إعادة العوض إليها، وبعدئذ يتخير بين البقاء على الطلاق الذي ينقلب عن البائن إلى الرجعي، وبين أن يراجعها ما دامت في العدة ويعيدها إلى عصمته.
وإنما يصح لها الرجوع بالبذل في صورة ما لو كان يمكنه الرجوع إليها بعد رجوعها عن البذل، فلو كان ثمة مانع من رجوعه إليها، كأن كان الطلاق في نفسه بائناً، لكون الزوجة المختلعة غير مدخول بها أو يائساً، أو لكون الخلع طلاقاً ثالثاً، أو كان قد تزوج بأختها، أو نحو ذلك من الموانع، لم يكن لها أن ترجع بالبذل، ولو رجعت كان لغواً، ولا يُلزم الخالع بشيء. ومن ذلك ما لو رجعت عن البذل دون أن يَطَّلع عليه الزوج حتى انقضت العدة، فإنه لا أثر لرجوعها حينئذ.
مسألة 979: لا توارث بين الزوج والمختلعة إذا مات أحدهما أثناء العدة إلا إذا رجعت في الفدية، وكان المورد مما يمكن للزوج الرجوع فيه.
المبحث الثاني: في المباراة
مسألة 980: لا تختلف المباراة عن الخلع في جميع ما تقدم من الشروط والأحكام سوى في أمرين:
الأول: يعتبر في المباراة كراهة كلٍ من الزوجين للآخر، بخلاف الخلع، فإن الكراهة فيه تكون من الزوجة دون الزوج كما تقدم.
الثاني: أن لا تزيد الفدية فيها عن المهر، بل يجب أن تكون مساوية له أو أنقص منه، بخلاف الخلع الذي تجوز فيه الزيادة عن المهر.
مسألة 981: لا يختلف حكم صيغة المباراة عن حكم صيغة الخلع التي قلنا فيها: «إنها لا تختلف عن صيغة الطلاق في شيء مما ذكرناه فيها»، سوى في أن لها لفظاً خاصاً يحسن منه استخدامه، إذ رغم أنه يصح إيقاعها بكل لفظ يدل عليها، بما في ذلك لفظ الخلع والطلاق، فإن الأفضل والأحوط استحباباً أن يقول ـ بصيغة الغائب ـ: «بَارَأْتُ زوجتي على ألف دينار فهي طالق»، أو يقول ـ بصيغة المخاطب ـ: «بَارَأْتُكِ على ألف دينار فَأنتِ طالق».
مسألة 982: طلاق المباراة بائن كالخلع إلا أن ترجع الزوجة بالفدية بنحو رجوعها بها في الخلع، فإذا رجعت بها صار الطلاق رجعياً وجاز للرجل مراجعتها ما دامت في العدة.
خاتمة في الظهار:
(الظِهار) أو ـ (المظاهرة) ـ مأخوذ في اللغة من (ظاهر) امرأته، أو ظاهر من امرأته، بمعنى أنه قال لها: «أنت علي كظهر أمي»، من (الظَهْر) بمعنى: العضو من الجسد الذي هو خلاف البطن، وقد كان بهذا المعنى طلاقاً في الجاهلية، فإذا أراد العربي طلاق زوجته أنشأ طلاقها بصيغة يجعلها فيه كظهر أمه، قاصداً به مفارقتها ومظهراً قصده هذا بتشبيه تحريمها على نفسه بتحريم ظهر أمه عليه. ولما جاء الإسلام حرَّم طريقة المفارقة هذه وشرَّع لآثارها، وصار الظهار واحداً من موضوعات الفقه الإسلامي؛ ورغم حرمته فإن بعض الناس قد يستخدمه مع زوجته فيُحرِّمها على نفسه بهذه الصيغة وما يشبهها، وإن كانوا ـ غالباً ـ لا يستخدمونه بالنحو الموافق لما جعله له الشرع من ضوابط، الأمر الذي يستدعي بيان أحكامه ليتضح حد الحرام والحلال فيه عند الإبتلاء به. والظهار في مصطلح الفقهاء هو: (قصد الزوج مفارقة زوجته، وإبراز قصده بصيغة يشبهها فيه بظهر أمه في حرمتها عليه، وذلك بكيفية وشروط خاصة).
وفيما يلي تفصيل أحكامه في مسائل:
مسألة 983: يتحقّق الظهار بتشبيه الزوج لزوجته بأنها كظهـر أمه ـ أو غير أمه من محارمه النَّسبيات ـ قاصداً به تحريمها على نفسه من حيث الاستمتاع بها بالجماع وغيره، وذلك بأي لفظ يدل عليه وبكل لغة يتخاطب بها أهل البلد الذي وقع فيها الظهار، فلا يتحقّق بتشبيهها بغير الظهر من أمه أو من سائر محارمه النسبيات، كالبطن واليد والرجل وغيرها من أعضاء جسدهن، ولا بتشبيهها بظهر واحدة من محارمه بالرضاع أو المصاهرة؛ كما وأنه لا يتحقّق إلا إذا صدر من الرجل في حق المرأة، ولم يكن الغرض منه إيذاءَها والإضرار بها بترك الاستمتاع، وكان أمام شاهدين عادلين؛ فلو صدر من المرأة في حق الرجل، بأن قالت له: «أنت عليّ كظهر أبي» أو أراد به الرجلُ الإضرارَ بالمرأة، أو صدر منه دون حضور شاهدين عادلين، كان ذلك لغواً.
مسألة 984: كما يتحقّق الظهار إذا أطلق الصيغة ولم يعلقه على شيء، فإنه يتحقّق ـ أيضاً ـ إذا كان معلقاً، حتى لو كان التعليق على الوطىء أو على مجيء زمان معين، فإذا قال لها: «أنت علي كظهر أمي» بنحو مطلق، أو قال لها: «أنت عليّ كظهر أمي إن قدم زيد من السفر»، أو: «أنت عليّ كظهر أمي إن قاربتك» أو: «...إن جاء يوم الجمعة»، صح الظهار في الجميع وترتبت عليه آثاره.
نعم لا يصح تعليقه على فعل شيء بقصد زجر نفسه عنه، كأن يقول: «إن كلمتك فأنت عليّ كظهر أمي»، أو على ترك شيء بقصد بعث نفسه إليه، كأن يقول: «إن تركت الصلاة فأنت عليّ كظهر أمي»، على ما هو شأن اليمين، بل يقع لغواً لا أثر له.
وأما إذا قيد الظهار بزمن معين، كأن قال: «أنت عليّ كظهر أمي إلى شهر» أو: «... إلى سنة»، بطل القيد وصح الظهار بدونه.
مسألة 985: يعتبر في المظاهِر ما يعتبر في المطلِّق، ويعتبر في الزوجة المظاهَر منها أن تكون زوجة دائمة ومدخولاً بها، كما يعتبر فيها ما يعتبر في المطلَّقة المدخول بها، من الخلو من الحيض والنفاس، ومن كونها في طهرٍ غير طهر المواقعة، وذلك بالنحو الذي ذكرناه في مباحث الطلاق، في المسألة (899) وما بعدها، فإن كانت غير مدخول بها، أو كانت مدخولاً بها لكنها كانت زوجة مؤقتة، لم يصح ظهارها.
مسألة 986: إذا تحقّق الظهار بشروطه المتقدمة لم يقع به الفراق بين الزوجين، وكان الزوج آثماً به، ولزمه القيام بحق زوجته من النفقة والإمتاع بالنحو الذي هو واجب عليه، وحيث لا بد له من مواقعتها ـ إن لم يطلقها بعدما ظاهرها ـ فإنَّ ذلك على نحوين:
الأول: أن يكون الظهار مطلقاً غير معلق على شيء، فإذا أراد العود عن الظهار ومواقعة زوجته جاز له ذلك، ولكن بعد أن يتم أداء كفارة الظهار، فإن أدَّى الكفارة جاز له وِصَالُها؛ وأما إذا واقعها قبل التكفير فإنه يأثم بذلك وتلزمه كفارة على فعله هذا بخاصة، ثم يجب عليه ترك مواقعتها حتى يكفر مرة ثانية لإرادة عوده عن الظهار، وذلك على الأحوط وجوباً؛ بل إنه لو تكررت منه المواقعة قبل التكفير لزمه التكفير على الأحوط وجوباً للمواقعة الثانية دون الثالثة فما بعدها.
الثاني: أن يكون الظهار معلقاً على شيء معين، فإذا حصل المعلق عليه أثَّر الظهار أَثرَه وحَرُمَ عليه مواقعة زوجته منذئذٍ، فيجري عليه ما جرى في النحو الأول الآنف الذكر من لزوم التكفير حين إرادته العود عن الظهار ومواقعة زوجته، فإذا أتم التكفير جازت مواقعتها حينئذ. هذا إذا كان المعلقُ عليه أمراً آخرَ غيرَ الوطىء، أما إذا كان قد علَّقه على مواقعتها، بأن قال: «أنت عليّ كظهر أمي إن قاربتك»، فهو ما دام لم يقاربها لا يتحقّق الظهار المنوط بالوطىء، فإذا قاربها كان فِعلُه هذا مُحَلَّلاً وخارجاً عن تأثير الظهار وليس عليه كفارة بسببه، إذ به يكون قد حصل المعلَّق عليه فيُوثر الظهارُ أثرَه للمستقبل، فإذا أراد العودَ عنه لزمه التكفير ولم يجز له مواقعتها مرة ثانية إلا بعد التكفير، وهكذا يجري عليه ما جرى في غيره من الاحتياط بتكرر الكفارة عند تكرر المواقعة بالنحو الذي ذكرناه آنفاً.
هذا بالنسبة للوطىء، أما سائر الاستمتاعات غير الوطىء فلا تحرم بالظهار على الزوج.
مسألة 987: لا ينحل الظهار ولا يسقط حكمه إذا طلقها بعد الظهار طلاقاً رجعياً ثم راجعها أثناء العـدة، فـلا يحـل لـه وصالهـا ـ حينئـذ ـ إلا بعد التكفير، بخلاف ما لو عقد عليها بعد انقضاء عدتها الرجعية أو أثناء عدتها من الطلاق البائن، فإنه يسقط الظهار وتحل مواقعتها بدون تكفير، وهكذا حكم كل مورد يكون فيه الفراق بين الزوجين بائناً أو رجعياً كالإرتداد وغيره.
مسألة 988: كفارة الظهار مرتبة، وهي: عتق رقبة، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكيناً، وذلك بالتفصيل الذي تقدم في باب الكفارات، فإن عجز عن الإطعام كفاه الاستغفار وحل له وطؤها إلى أن يتمكن من التكفير بإحدى الخصال الثلاث المتقدمة.
هذا، وإذا تكرر منه الظهار أكثر من مرة في مجالس متعددة لزمته الكفارة عن كل ظهار إلا إذا كان من قصده التأكيد للظهار الأول فلا تتعدد الكفارة، كما لا تتعدد الكفارة إذا أوقع الظهار عدة مرات في مجلس واحد لأن الظاهر من التكرار في المجلس الواحد هو التأكيد، لا التأسيس لظهار جديد.
مسألة 989: إذا صبرت الزوجة المظاهَر منها على ترك المواقعة فلا إشكال، وإن لم تصبر عليه جاز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيخيِّره بين العودة عن الظهار بالتكفير وبين طلاقها، فإن اختار أحدهما تحقّق المطلوب، وإلا أنظره الحاكم ثلاثة أشهر من حين المرافعة، فإن انقضت ولم يختر أحد الأمرين حَبَسهُ وضيَّق عليه في المطعم والمشرب حتى يختار أحدهما دونَ أن يجبره على أحدهما، فإن بقي على امتناعه طلقها الحاكم الشرعي حينئذ.
إلفات:
ينبغي إلفات النظر إلى أن الظهار بالنحو الذي بيناه لا يكاد يصدر من أحدٍ من المؤمنين، وإن صدر من المؤمن كلام يريد به تحريم زوجته على نفسه، مثل: «أنت حرام عليّ»، أو: «أنت كأختي فلا أقاربك» أو ما أشبه ذلك فإنها ـ في الحقيقة ـ ألفاظ تقال غالباً على غضب ودون أن تستكمل شروط الظهار التي بيّناها آنفاً، إذ تقال تلك الألفاظ بقصد الإضرار بالزوجة، وحيث لا تكون الزوجة مستكملة للشروط المعتبرة فيها، من كونها طاهرة من الحيض والنفاس وفي طهر لم يواقعها فيه، كما أنها لا تقال أمام شاهدين عادلين؛ لذا فإن مثل هذا الكلام في مثل هذه الحالة يعتبر لغواً لا أثر له ولا إثم عليه، حتى لو قال لها: «أنت عليّ كظهر أمي».
ملحق حول اللعان:
(اللِّعان) ـ في اللغة ـ مأخوذ من (لاعَنَ) من أفعال المشاركة، وأصله: (لَعَنَ) بمعنى: سبّ وشتم. وفي مصطلح الفقهاء هو: (تحالف الزوجين، أمام الحاكم الشرعي، بكيفية خاصة تتضمن لعن الكاذب، بهدف إثبات الزنى على الزوجة من قبل الزوج ورد هذه التهمة من قبل الزوجة)، وربما ينتج عنه نفي الولد المتولد من ذلك الزنى بحسب اعتقاد الزوج، فإن لم يقذفها بالزنى، ونفى كون الولد الذي تحمله ولداً له، لم يقبل منه هذا النفي في كل مورد يمكن إلحاقه به، فإن لم يمكن إلحاقه به فإنه ينتفي عنه تلقائياً بدون لعان.(أنظر المسألة: 804). ونظراً لترتب الحرمة الأبدية عليه بين الزوجين فإننا ذكرناه هنا تبعاً لما درج عليه الفقهاء، لكنْ على أنه ملحق، وذلك إشارة منَّا إلى أن موضعه ليس هنا بل إنه أقرب ما يكون في موضوعه إلى مباحث الزنى من باب الحدود؛ وكيف كان الأمر فإننا نفصِّله في مسائل على النحو التالي:
مسألة 990: لا يجوز للزوج أن يتهم زوجته بالزنى ويصرح بذلك ويقذفها به لمجرد الشك أو الظن المعتمد على بعض القرائن غير المفيدة للقطع، بل ولا على الشياع، ولا على إخبار من يثق بصدقه من الأشخاص؛ فإذا رأت عينه وجزم بحدوث الزنى بمشاهدة نفس الجماع جاز له التصريح بقذفها، لكنها إذا لم تعترف بالزنى، ولم يكن معه بيِّنة تشهد به، استحق حدَّ القذف إذا طلبت زوجته إيقاعه عليه، وحينئذ لا يَدفعُ عنه الحد إلا أن يشهد هو أربع مرات بزناها ويلعنَ نفسَه ـ في المرة الخامسة ـ إن كان كاذباً، فيثبت عليها الزنى وتستحق الحدَّ بهذه الشهادة التي تقوم مقام البيِّنة من الزوج بحق زوجته بخاصة، فإذا أصرت الزوجة على كذبه في شهادته، لزمها ـ لدرء الحد عنها ـ أن تشهد أربع شهادات أنه من الكاذبين، وأن تجعل ـ في المـرة الخامسـة ـ غضب الله تعالى عليها إن كان من الصادقين؛ وهذا هو اللعان الذي سنبين كيفيته لاحقاً.
مسألة 991: يعتبر في ثبوت اللعان أمور نذكرها كما يلي:
أولاً: يعتبر في ثبوت اللعان أن يكون الزوج القاذف بالغاً عاقلاً، فلا يعتد بقذف غير البالغ وإن كان مميزاً، ولا بقذف المجنون ولو كان أدوارياً إذا كان حين القذف في نوبة الجنون.
وكذا يعتبر فيه أن لا يكون معه بيِّنة يثبت بها الزنى، فإن كان معه بينة لزمته إقامتها ولا لعان. ويعتبر فيه ـ أيضاً ـ ادعاء المشاهدة، فلو لم يدع المشاهدة مع إمكانها منه، أو كانت غير ممكنة في حقه، كالأعمى، فقذفها بدون بيِّنة استحق الحد.
ثانياً: يعتبر في الزوجة المقذوفة أن تكون بالغة عاقلة سالمة من الصمم والخرس، وأن تكون زوجة مدخولاً بها، ولو كان متمتعاً بها على الأحوط وجوباً، وأن تكون غير مشهورة بالزنى. فإن قذف غير البالغة أو غير العاقلة أو غير المدخول بها، دون أن تكون له بيِّنة استحق حد القذف ولا لعان، وكذا ما لو قذف المرأة الأجنبية؛ وإذا قذف زوجته الخرساء حرمت عليه مؤبداً بدون لعان، وكذا الصمَّاء على الأحوط وجوباً؛ وإذا قذف زوجته المشهورة بالزنى فلا حد عليه كي يدفعه باللعان إذا كانت متجاهرة بالزنى، وإلا عزره الحاكم على قذفه إذا لم يدفعه عن نفسه بالبينة.
مسألة 992: لا يقع اللعان إلا أمام الحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله، وصيغة الملاعنة وكيفيتها كما يلي:
1 ـ أن يبدأ الرجل فيقول: «أَشْهَدُ بالله أني من الصادقين في ما قلت في زوجتي فلانة»، أو: «... في هذه المرأة» أو نحو ذلك من الألفاظ التي تفيد تعيينها وتمييزها عن غيرها، فيكرر ذلك أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: «إن لعنة الله عليَّ إن كنتُ من الكاذبين».
2 ـ ثم تليه المرأة فتقول: «أشهد بالله أنه لمن الكاذبين في ما رماني به»، تكرره أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: «إن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين».
هذا، ورغم أنه يجوز أن تقال تلك الصيغة بغير العربية من اللغات المتداولة في بلد الملاعنة، فإنه يجب الاقتصار على نفس الصيغة إذا قالها باللغة العربية سوى في فقرة: «ما رماني به»، وفي فقرة: «زوجتي فلانة»، فإنه يجوز استبدالهما بكل ما يفيد معناهما وإن كان الأحوط استحباباً أن يقول الصيغة بتمامها بالعربية مع القدرة عليها. كما يجب أن يعين المرأة المقذوفة، وأن يأتي كل منهما بالشهادة الخاصة به بعد طلب الحاكم ذلك منه، فلو بادر قبل أن يأمره الحاكم به لم يُكتف بها. وأن تتقدم الشهادة على اللعن عند الرجل، وعلى الغضب عند المرأة. وأن يبدأ الرجل بشهادته قبل المرأة. وأن يكون كل منهما واقفاً ـ مع القدرة ـ حين إدلائه بالشهادات الخمس المطلوبة منه، دون حاجة لقيام الآخر.
كما يستحب أن يجلس الحاكم في مواجهة المتلاعنين مستدبر القبلة ليكونا مستقبلين لها. وأن يقف الرجل أمام الحاكم على يمينه، والمرأة كذلك على يساره. وأن يَعِظَهُما قبل اللعن والغضب. وأن يحضر من يستمع اللعان من الناس.
مسألة 993: إذا وقع اللعان الجامع للشروط ترتب عليه ما يلي:
أولاً: انفساخ عقد النكاح بينهما بمجرد وقوع الملاعنة دون حاجة إلى إنشاء صيغة معينة، ولزم الزوجَ أداءُ ما لَهَا في ذمته من مهر متأخر إذا كان مؤجلاً إلى أقرب الأجلين، أي: إلى حين مفارقتها بموت أو طلاق أو شبهه.
ثانياً: حدوث البينونة الدائمة بينهما، فلا تحلُّ له بعد ذلك بمراجعةٍ ولا بعقد جديد أبداً حتى لو تزوجت من غيره وطلقها زوجها الثاني.
ثالثاً: يسقط عن الزوج حد القذف، ويسقط عن الزوجة حد الزنى، وهو ما سبق ذكره في مستهل هذا المبحث.
مسألة 994: إذا كان الزوج كاذباً أو مشتبهاً في دعواه، فتراجع عن اتهامها بالزنى وكذَّب نفسه، فإن كان تراجعه بعد اللعان، لم تَزُلْ الحرمة الأبدية، ولم يُحَدَّ حد القذف، وإن كان أثناءه بطل اللعان واستحق حدَّ القذف.
كما أنه لا أثر لتصديق المرأة دعوى الرجل واعترافِها بالزنى أربع مرات بعد الملاعنة، فلا تزولُ الحرمةُ الأبدية ولا تُحَدُّ حد الزنى.
الباب الثالث
في الميراث
الفصل الأول: في موجبات الإرث وأقسام الوارث وشروطه
الفصل الثاني: في كيفية توزيع التركة
تمهيد:
(الميراث) ـ لغة ـ صيغة على وزن (مِفْعال) من (الإرث)، والإرثُ هو: بقية الشيء، و: الأصل، و: الأمر القديم يتوارثه الآخِر عن الأول. وفي الاصطلاح الفقهي هو: (استحقاق شخصٍ، في أصل التشريع، مال غيره بموته، لاتصاله به بنسب أو سبب). فخرج بقوله: «في أصل التشريع» مِلكيَّةُ البطن الثاني للموقوف، فهو وإن استحقه بموت البطن الأول، لكن استحقاقه له بسبب طارىء وهو الوقف، لا بأصل التشريع كما هو شأن الميراث. وخرج بقوله: «لاتصاله به بنسب أو سبب» ما يستحقه الغير بالوصية بعد موته، فإنه وإن استحقه بعد موته، لكن استحقاق الغريب أو القريب للموصى به إنما هو بسبب الوصية المبرزة لرضا الموصي، لا أنه بسبب اتصاله به بنسب أو سبب ولو كان كارهاً، كما هو شأن الميراث.
والميراث بهذا المعنى المصطلح معروف منذ القدم، ولعل شيوعَه واهتداءَ الإنسان إليه قد كان بتسديدٍ من الوحي الإلهي للأنبياء الذين رافقوا الإنسان منذ القدم وشرَّعوا له ما يتوافق مع مصالحه وينسجم مع فطرته؛ ولا سيما وأن انتقال المال الذي أجهد المورِّثُ نفسَه في حياته لإنتاجه وتحصيله، إلى أبنائه وذوي قرابته يُثلج صدره ويُسعده، بل إنه ما كان ليجِدَّ في كسب ما يزيد عن حاجته ولا في تخزينه وجمعه لولا اعتقاده بانتقاله إلى أبنائه وذوي قرابته الذين يُعتبرون الإمتداد له والاستمرار لذِكْره؛ كذلك فإِنَّ التزام الإسلام به والتشريع له بهذا النحو المفصل، وإصرارَه على توزيع الميراث على أكثر من شخص واحد ـ بالنحو الذي سيأتي ـ يُبرز رغبته في تبديد الثروات وعدم تكديسها في يد شخص واحد، لتتداولها الأيدي بالإنماء والانتفاع فتعمر البلاد ويثرى المجتمع؛ كما أن في قَصْرِه على ذوي الأرحام، الأقربِ منهم فالأقرب، ما يعزز أواصر التضامن في داخل الأسرة، فتقوى ويتعاون أفرادها في حياتهم على ما فيه خير فقيرهم وعاجزهم، كما وأنهم يتحابُّون بذلك فيتواصلون فتنمو العلاقات وتكثر الخيرات وتشيع المودة بين الناس؛ بل إن في النسق الذي قُسِّم الميراثُ عليه قدراً وافراً من العدل، إذ لحظ التشريع ـ في جملـة ما لحظـه ـ مقدار حاجة الوارث للمال على حسب دوره ومسؤوليته في الحياة، ففاضل ـ أحيانـاً ـ بين الذكر والأنثى بعد تفاضلهما في التبعات والأدوار، كما وأنه ربما لاحظ اشتراك سائر أفراد الأسرة في تحمل شيء من الجهد في حيازة مال المورث وتَكَسُّبِه بقدرٍ صغير أو كبيرة، فلم ينس تعبهم معه وأولويتهم بماله؛ كما أن فيه شيئاً من رد الجميل لمن يكون قد أنفق على المورِّث إن كان قد احتاجه في حياته؛ وهكذا فإننا في تشريع الميراث الإسلامي أمام صفحة من صفحات الإعجاز التشريعي لا تكاد تنتهي دلالاتها البديعة ومراميها السامية.
إننا في هذا الباب سوف نُطلُّ في عدد من الفصول والمباحث على أحكام الميراث المفصَّلة التي لا غنى عن معرفتها لمعظم الناس، وسوف نتناول في الفصل الأول موجبات الإرث وأقسام الوارث وأنواع السهام، وفي الفصل الثاني كيفية توزيع التركة على ذوي الاستحقاق من جهة النسب أو السبب، ثم نختم هذا الباب بخاتمة نتناول فيها ميراث ذوي الحالات المُشْكِلَة، كالخنثى وذي الرأسين والغرقى والمهدوم عليهم ونحوهم.
الفصل الأول
في موجبات الإرث وأقسام الوارث وشروطه
المبحث الأول: في موجبات الإرث وطبقات الوارث
المبحث الثاني: في مرتكزات تقدير الحصص
وأقسام الوارث من هذه الجهة
المبحث الثالث: في الشروط المعتبرة في الوارث
تمهيد:
تتركز معظم مسائل مباحث الميراث على تحديد نصيب كل واحد من الورثة، غير أنه قبل ذلك لا بد من ذكر المرتكزات التي انبنى عليها استحقاق كل وارث لنصيبه، وذلك لأنَّه لا يكفي مجرد اتصال شخصٍ بالميِّت بنسبٍ أو سببٍ كي يكون مستحقاً لشيء من ماله، بل إن لهم طبقاتٍ يترتبون فيها الأقرب منهم نسباً فالأقرب، والأَوْلى سبباً فالأولى، كما أن النصيب الذي يأخذه بعضهم قد يكون مقدَّراً وقد لا يكون، كما أن الوارث إذا لم يتصف بصفاتٍ معينةٍ لا يستحق نصيبَه من الميراث، فهي أمور عدة يحتاج بيانها إلى مباحث عدة نذكرها على النحو التالي:
المبحث الأول: في موجبات الإرث وطبقات الوارث
حيث إنه لا يرث شخص مال غيره إلا إذا اتصل به بنسب أو سبب، وحيث إن لكلٍ من النسب والسبب طبقاته وأصنافه، فإن بيان أحكام هذا المبحث يقع في مطلبين:
المطلب الأول: في الوارث بالنسب
وفيه مسائل:
مسألة 995: يُقتَصَر في النسب ـ هنا في باب المـيـراث ـ على المتحقّق منه بتولد شخص من شخص بالمباشرة وغير المباشرة من جهة العمودين، وذلك بالتفصيل الذي تقدم منا في مباحث الزواج، إذا كان تولده منه بنكاح صحيح شرعاً أو ما بحكمه، وهو وطىء الشبهة، أما التولد من الزنى، ولو كان ثبوت الزنى باللعان، فلا يوجب التوارث رغم ثبوتِ النسب به وتَرَتُّبِ آثاره الأخرى، وسيأتي تفصيل حكم ولد الزنى والولد المنفي باللعان في (المسألة: 1019) وما بعدها، وانظر أيضاً حول النسب (المسألة: 784) وما بعدها.
مسألة 996: ينقسم الورثة النَّسبيون من حيث مراتبهم في الأولوية إلى ثلاث طبقات، ويراد بــ (الطبقة) في اصطلاح الفقهاء: (قسمٌ من الأقارب يتميز عن غيره بأَقْرَبِيَّته)؛ كما وأنه قد تنقسم بعض الطبقات إلى أكثر من صنف، ويريدون بــ (الصنف): (القسم من الطبقة، رغم أن أفراده لا يمنعون أفراد الصنف الآخر الذين يشاركونهم في الطبقة). وهذه هي الطبقات وأصنافها نذكرها كما يلي:
1 ـ الطبقة الأولى: وهي صنفان:
الصنف الأول: الأبوان المباشران وحدهما دون الأجداد والجدات؛ و(الأبوان) لفظ يراد به: الأب والأم على نحو التغليب، مثل القمران، تقال: للشمس والقمر.
الصنف الثاني: الأولاد، وأولادهم مهما نزلوا.
هذا، ويرث الموجود من كل صنف مع الآخر دون أن يمنع أحدهما الآخر من الميراث، حتى لو كان الموجود من الصنف الثاني مع الصنف الأول هم أولاد أولاد. أما أفراد الصنف الثاني فإن الأقرب منهم يمنع الأبعد، أي أن وجود الولد يمنع وراثة ولد الولد، ووجود ولد الولد يمنع وراثة ولد ولد الولد، وهكذا. وسيأتي تفصيل ذلك.
2 ـ الطبقة الثانية: وهي صنفان أيضاً:
الصنف الأول: الأجداد والجدات مهما علوا، من جهة الأب كانوا أو من جهة الأم.
الصنف الثاني: الإخوة والأخوات وأولادهم مهما نزلوا.
هذا، ويرث الأفراد الموجودون من كل صنف دون أن يمنع أحدهما الآخر سواء كانوا مباشرين أو غير مباشرين أو مختلفين. فيما يمنع الأقربُ من أفراد كل صنف الأبعد منهم إذا زاحمه، فلا يرث الجدُّ الأعلى مع الجد الأدنى، كما لا يرث ابنُ الأخ مع الأخ، وهكذا.
3 ـ الطبقة الثالثة: الأعمام والعمات والأخوال والخالات مهما علوا، فتشمل الأخوال والأعمام المباشرين وغير المباشرين من جهة العمودين كليهما، أي: أخوال وأعمام الأب والأم وأخوال وأعمام آبائهما وأمهاتهما، مهما علوا. وكذلك يدخل في هذه الطبقة الثالثة أولاد العم والخال مهما نزلوا، لكن نزولهم مشروط بأن لا يصل في البعد إلى حدٍ لا يَصدُقُ معه النَّسب عرفاً، رغم انتمائهم إلى عشيرة واحدة.
هذا، ويعتبر الأعمام والأخوال صنفاً واحداً فيرثون جميعاً مهما تعددوا، لكن الأقربَ منهم يمنع الأبعد، ومعنى ذلك أن أعمام الميت وأخواله وعماته وخالاته المباشرين يمنعون أعمام وعمات وأخوال وخالات أبيه وأمه، كما أن أعمام وأخوال وعمات وخالات أبيه وأمه يمنعون أمثالهم لجده، وهكذا. أما أولاد العم والعمة والخال والخالة فإنهم لا يرثون إلا مع خلو الطبقة من الأعمام والأخوال والعمات والخالات المباشرين جميعاً، فلو وُجد ابنُ عم، لم يرثْ مع وجود الخال أو الخالة، وهكذا.
المطلب الثاني: في الوارث بالسبب
مسألة 997: كما يتحقّق التوارث بين المتصلين بالنسب بالنحو الذي ذكرناه فإنه يتحقّق بين المتصلين بغير النسب، وهو واحد من أمرين قد اصطلح عليهما بــ (السبب) من باب تسمية الخاص باسم العام، وبيانهما كما يلي:
الأول: الزوجية، وشرطها الدوام، فلا توارث بين الزوجين المقترنين بعقد زواج مؤقت؛ فإذا مات أحد الزوجين حالة كون الآخر ما يزال زوجاً له أو بحكم الزوج، كما لو كانت الزوجة في عدة طلاق رجعي أو في عدة وفاةٍ مِنْ فَقْد الزوج إذا تبين موته أثناء العدة، أو كانت زوجته المعتدة منه قد ماتت في العدة قبل تبين حاله ثم تبينت حياته، فإنهما يتوارثان رغم كونهما في العدة الرجعية.
هذا، وتجتمع الزوجية مع جميع طبقات النسب، وكذا مع السبب، فلا يَحجُب وراثةَ أحد الزوجين للآخر حاجبٌ، واحدة كانت الزوجة أو متعددة، كما سيأتي تفصيله.
الثاني: الولاء، ويراد به أمور ثلاثة هي: (ولاء العتق)، وهو: وراثة السيد لعبده الذي أعتقه؛ وهو أمر لا ينفع التعرض له في زماننا. و(ولاء ضمان الجريرة)، و(ولاء الإمامة):
أما ولاء ضمان الجريرة فهو: (تعاقد بين شخصين أو أشخاص على أن يضمن أحدهما ـ أو كل منهما ـ جناية الآخر)، وذلك بتفصيل سوف يأتي.
وأما ولاء الإمامة فهو: (ولاية الإمام y حال حضوره، ثم ولاية الحاكم الشرعي في زمن غيبته y).
وكلا هذين السببين لا يثبت به التوارث إلا عند فقد الوارث النَّسبي، وكذلك فإن هذين السببين مترتبان فيما بينهما، فإذا مات الإنسان الذي ليس له قرابة ترثه، ورثه ضامن الجريرة إن وجد، وإلا ورثه الإمام.
المبحث الثاني: في مرتكزات تقدير الحصص وأقسام الوارث من هذه الجهة
ونريد به بيان الركائز التي اعتمدتها الشريعة في تعيين مقدار حصة كل وارث، وذلك لأننا بعد استقراء ما ورد في ذلك من أحكام وجدنا أن الشريعة قد عينت لبعض الورثة نصيباً محدداً منصوصاً عليه، رغم أن النص عليه لم يمنع ـ أحياناً ـ من الزيادة عليه أو النقص عنه، وهو ما يصطلح عليه بــ (الفرض)؛ في حين لم (تفرض) لآخرين حصة محددة، فترى حصتهم تزيد تارة وتنقص أخرى، لأن الشريعة أعطتهم ما يبقى بعد أخذ أصحاب الفروض ما فرض لهم، وهو ما يرجع إلى أمرين: الأول: إلى ما يصطلحُ عليه بــ (القرابة)، أي: إن حصتهم يأخذونها بالغة ما بلغت في قلتها أو كثرتها لقرابتهم، دون أن يفرض لهم سهم معين، وهو مجرد مصطلحٍ يُراد به تمييز هذا الوارث عن غيره ممن يرث بالفرض أو بالولاء. الثاني: ما يرجع إلى الولاء، وهو الوارث الذي لا يرث بالفرض ولا بالقرابة، بل بالولاء. وهذا الاختلاف في موجبات وركائز تعيين حصص الورثة قد صار سبباً في تقسيم الوارث من هذه الجهة إلى خمسة أقسام، وصار يسمى الوارث باسم القسم الذي هو منه، فقيل: هذا الوارث يرث بالفرض، و: هذا يرث بالقرابة، وهكذا. وفيما يلي سوف نتعرض لهذا وغيره من الموضوعات المناسبة لهذا المبحث في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في الفرض وأنواعه وفي تفصيل أرباب الفروض
مسألة 998: الفرض هو: (السهم المقدَّر لبعض الورثة بالنص عليه في القرآن الكريم)، وهو ستة سهام: ثلثان، ونصف، وثلث، وربع، وسدس، وثمن؛ وهي فرضٌ لثلاثة عشر نوعاً من الوارثين:
فالثلثان فرضٌ لمن يلي:
1 ـ للبنتين ـ فصاعداً ـ مع عدم الإبن المساوي، ويراد بــ (المساوي): (من يكون مثلَهما في التولُّد من الأبوين معاً أو من الأب وحده)، فشرط ثبوت الثلثين للبنتين هو انفرادهما عن الولد المساوي لهما، فلا يضر بانفرادهما وجود ولد غير مساوٍ لهما، كما سيأتي تفصيله.
2 ـ للأختين ـ فصاعداً ـ عند انفرادهن عن الأخ المساوي لهن، سواء في ذلك ما لو كنّ مع الأخ المورِّث لأبوين، أو كن معه لأب واحد في صورة فقد الإخوة والأخوات من الأبوين، حيث لا يرث الإخوة من الأب مع وجود أخ أو أخت من الأبوين، كما سيأتي.
والنصف فرض لمن يلي:
1 ـ للبنت الواحدة إذا انفردت ولم يكن معها إبن مساوٍ لها.
2 ـ للأخت الواحدة إذا انفردت ولم يكن معها أخ مساوٍ لها، سواءً كانت للأبوين، أو كانت للأب دون الأم.
3 ـ للزوج، حيث لا يوجد إبن لزوجته ولو من غيره، وإن نزل، أي: كان حفيداً لها أو سِبْطاً، مهما تعددت الوسائط نزولاً.
والثلث فرض لمن يلي:
1 ـ للأم مع عدم وجود ولد للميت وإن نزل، وكذا مع عدم الإخوة إن كان معها الأب.
2 ـ للاثنين ـ فصاعـداً ـ من الإخوة من الأم، ذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين.
والربع فرض لمن يلي:
1 ـ للزوج مع وجود ولد للزوجة ولو من غيره، سواء كان الولد مباشراً أو حفيداً أو سبطاً، ومهما نزل.
2 ـ للزوجة مع عدم الولد لزوجها ولو من غيرها، مهما نزل؛ فإن كانت واحدةً كان جميعه لها، وإن كان له أكثر من زوجة تقاسمنه فيما بينهن بالسوية.
والسدس فرض لمن يلي:
1 ـ لكل واحد من الأبوين مع الولد وإن نزل.
2 ـ للأم إذا كان معها الأب، وكان معها ـ أيضاً ـ إخوة للميت من أبويه أو من أبيه.
3 ـ للأخ من الأم إذا انفرد بالميراث، وكذا للأخت الواحدة من الأم إذا انفردت به.
والثمن فرضٌ لمن يلي:
1 ـ للزوجة مع الولد للزوج ولو من غيرها، مهما نزل الولد، فإن كانت واحدة كان لها جميعه، وإن تعددت تقاسمنه بالسوية.
فهذه ستة سهام موزعة على ثلاثة عشر نوعاً من الورثة.
المطلب الثاني: في أقسام الورثة من جهة نوع الحصة
وذلك أن ما ذكرناه في المطلب السابق من السهام المفروضة والورثة المفروض لهم لا يعني اقتصارهم في الاستحقاق على ما فرض لهم، بل إن الكثيرين منهم يـرث ـ أيضـاً ـ بالقرابة زيادة عما أخذه بالفرض في بعض الحالات، كما أن منهم من لا يرث أزيد من فرضه، كما أن غيرهم من الورثة ممن لا يرث بالفرض هو ممن يرث بالقرابة وحدها، وبعضهم لا يرث بالفرض ولا بالقرابة، بل بالولاء، فاستدعى ذلك ذكر هذه الأقسام في هذا المطلب المستقل، فنقول:
مسألة 999: إن الـوارث بالنسب أو السبب ـ من حيث كونه ممن يرث بالفرض أو بالقرابة أو بغيرهما ـ هو على أقسام خمسة:
الأول: من يرث بالفرض ـ لا غير ـ دائماً، وهو الزوجة فإِن لها الربع مع عدم الولد، والثمن معه، ولا يُردّ عليها أبداً.
الثاني: من يرث بالفرض دائماً وربما ورث معه بالردّ، كالأم فإنَّ لها السدس مع الولد والثلث مع عدمه إذا لم يكن حاجب، وربما يُردّ عليها ما هو زائد على الفرض، كما إذا زادت الفريضة على السهام. وكالزوج فإنه يرث الربع مع الولد والنصف مع عدمه، ويردّ عليه الباقي إذا لم يكن وارث إلاّ الإمام..
الثالث: من يرث بالفرض تارة وبالقرابة أخرى، كالأب فإنه يرث بالفرض مع وجود الولد وبالقرابة مع عدمه، والبنت والبنات فإنهن يرثن مع الابن بالقرابة وبدونه بالفرض، والأخت والأخوات للأب أو للأبوين فإنهن يرثن مع الأخ بالقرابة ومع عدمه بالفرض، وكالإخوة والأخوات من الأم فإنهم يرثون بالفرض إذا لم يكن جد للأم وبالقرابة معه.
الرابع: من لا يرث إلاّ بالقرابة، كالإبن، والإخوة للأبوين أو للأب، والجد والأعمام والأخوال.
الخامس: من لا يرث بالفرض ولا بالقرابة بل يرث بالولاء، وهو المُعتِق، وضامن الجريرة، والإمام y أو نائبه العام في زمن غيبته y.
هذا وسوف يأتي ذكر ذلك مفصلاً عند الحديث عن توزيع الميراث على الورثة حسب طبقاتهم.
المطلب الثالث: في حكم زيادة الفروض على التركة ونقصها عنها
لا يخفى أن الأقسام الخمسة التي ذكرناها للوارث في المطلب السابق تجتمع جميعها أو معظمها في أكثر حالات الميراث، وسوف لن تحدث مشكلة إذا وسعت التركة أصحاب السهام بأنواعها، أي ما كان منها بالفرض أو بالقرابة أو بالولاء، ولو بأن يُرَدَّ الزائد عن السهام المفروضة على نفس أصحاب السهام؛ إنما تحدث المشكلة في صورة ما لو كان الجميع من ذوي الفروض وزادت عن التركة أو نقصت، فكيف نوفق بين حقوق الورثة المفروضة وبين التركة؟ وقد جرى الفقهاء على تخصيص هذه المسألة بالذكر رغم أن حكمها سيذكر في ثنايا البحوث القادمة، ربما لأن بعض فروعها قد صارت موضع نزاع بين المذاهب الإسلامية، فاقتضى ذلك إلفات النظر إليها وإبرازها، كما وأن فيها نوعاً من المواكبة لعموم المسائل التفصيلية على نحو التمهيد لها ببعض القواعد العامة التي تُعدُّ هذه منها، وجرياً منّا على ما جَرَوْا عليه نقول:
مسألة 1000: إذا تعدد الورثة اختلفت حالهم من حيث كونهم من ذوي الفروض أوْ لا على أنحاء:
الأول: أن يكون بعضهم من ذوي الفروض وبعضهم من غيرهم، أي: ممن يرث بالقرابة أو بالولاء، فسيأتي أنه يعطى ذو الفرض فرضه ويقدم على غيره، وما بقي عنه يعطى لغيره ممن يرث بالقرابة أو الولاء، وهذا هو حال أكثر حالات الميراث.
الثاني: أن يكونوا جميعاً ممن يرث بالقرابة أو بالولاء، أي: من غير ذوي الفروض، كما لو مات عن أولاد ذكور وإناث، فإنهم يتوزعون المال بينهم بالنحو الذي سيأتي تفصيله لاحقاً.
الثالث: أن يكونوا جميعاً من ذوي الفروض، وتكونَ فروضهم مساوية للتركة، فيأخذ كل ذي فرض سهمه بالنحو الذي بيناه سابقاً والذي سنزيده تفصيلاً لاحقاً.
وجميع هذه الأنحاء الثلاثة لا مشكلة فيها كما هو واضح.
الرابع: أن يكونوا جميعاً من ذوي الفروض، وتكون فروضهم زائدة على التركة، كأن ترك الميِّتُ ـ إذا كان امرأة ـ زوجاً وأبوين وبنتين، فإن السهام الثابتة لهم هي: الربع والسدسان والثلثان، وهي زائدة على التركة؛ وحُكمنا في هذه المسألة أن النقص يدخل فيها على بعضهم دون البعض الآخر، فإذا كان الجميع من الطبقة الأولى، كما في المثال المتقدم، دخل النقص على البنت أو البنتين، وإن كانوا من الطبقة الثانية دخل النقص على المتقرب بالأبوين، وذلك كما لو ترك الميت زوجاً وأختاً من الأبوين وأختين من الأم، فإن سهم الزوج هو النصف، وسهم الأخت هو النصف أيضاً، وسهم الأختين الثلث، ومجموعها زائد على التركة، فيدخل النقص على الأخت التي هي من الأبوين، دون الزوج ودون الأختين من الأم.
في حين أن حكمها عند بعض المذاهب الإسلامية هو وُرود النقص على كل واحدٍ من ذوي الفروض على نسبة فرضه، وهذا هو الذي يصطلح عليه عندهم بــ (العَوْل).
الخامس: أن يكونوا جميعاً من ذوي الفروض، وتكون فروضهم ناقصة عن التركة، بحيث تستوعبُ سهامَهم ويبقى من التركة بقية، وذلك كما لو ترك بنتاً واحدة، فإن لها النصف بالفرض كما هو معلوم، وأما النصف الباقي فإنَّ رأْيَ (الإمامية) فيه أن يُردَّ على البنت فتستحقُّه بالقرابة زيادةً عما استحقتْه بالفرض؛ وأما رأي بعض المذاهب الإسلامية فهو إعطاؤه لما يُعرف بــ (العَصَبَة)، والعصبة هم: (الذكور الذين ينتسبون إلى الميت بغير واسطة، أو بواسطة الذكور، كالعم وعم الأب ونحوهما)، وربما عمموا العصبة للأنثى، على تفصيل عندهم في ذلك. ومن العصبة اشتهر هذا الرأي باسم (التعصيب).
المبحث الثالث: في الشروط المعتبرة في الوارث
ونريد به بيان ما يجب توفره من الشروط في الوارث، بل وفي المورِّث، بعد وجود موجب الميراث بينهما من نسب أو سبب، وقد تداول الفقهاء في هذا المجال مصطلحين للتعبير عن تلك الشروط، هما: (المانع) و(الحاجب)، وذلك بلحاظ الجانب السلبي من الشرط ومن حيث أثره في منع الوارث أو حجبه عن نصيبه الذي كان يستحقه كلاً أو بعضاً لولا وجود ذلك المانع أو الحاجب، ومثال ذلك: شرط إسلام الوارث إذا كان المورِّث مسلماً، فإنهم أخذوا عنوان (الكفر)، وتحدثوا عنه من حيث هو مانع من استحقاق الوارث لنصيبه، وهكذا سائر الموانع؛ غير أننا اعتمدنا طريقةً مخالفةً لما جروا عليه، فأخذنا الجانب الإيجابي من الشروط، واعتبرنا أن الشرط صفة توجد في الوارث وتُحقق تأثيرَ موجِب الميراث ـ نسباً أو سبباً ـ في أصل استحقاق الوارث لنصيبه، وأضفنا إلى ما يعبِّرون عنه بــ (الموانع)، وهي ـ في زماننا ـ مانعان: الكفر والقتل، شرطين آخرين هما: شرط حياة الوارث وموت المورث، من حيث هو مجال لبحث ميراث المرتد والحَمْل والمفقود، وشرط التولد من نكاح شرعي، من حيث هو مجال لبحث ميراث إبن الزنى وولد الملاعنة، فصارت الشروط أربعة.
أما الحَجْب فهو: حالة منتزعة من حيلولة شخص لآخر عن أن يرث مطلقاً، أو عن أن يرث جميع حصته. وسبب وجود (الحَجب) هو نفس نظام الميراث المرتكز على أولوية بعض الأقارب من البعض الآخر، والنص فيه على (حاجبِيَّة) بعضهم لبعض؛ ولذا فإن الحجب على نوعين:
الأول: حجبٌ عن أصل الإرث، كما في حجب القريب في كل مرتبة من هو بعيد عنها، فالآباء والأولاد يحجبون الأجداد والإخوة، ثم الإخوة وأولادهم والأجداد يحجبون الأعمام والأخوال، وهكذا.
الثاني: حجبٌ عن بعض الإرث، والحاجب فيه تارة: يكون من نفس الطبقة، كالولد يحجب الزوجين عن نصيبهما الأعلى، وكالولد الذكر يحجب الأبوين عما زاد عن السدسين، أو أحدَهما عما زاد عن السدس، وذلك بتفصيل سيأتي. وأخرى: يكون الحاجب من طبقة أخرى، وله مورد واحد هو: حجب الأخ للأم عن الثلث وإسقاط نصيبها إلى السدس.
وعلى كل حال فإن موارد الحجب سوف نعرض لها أثناء المباحث القادمة، فيما نخصص هذا المبحث بتمامه للشروط المعتبرة في الوارث، بل والمورِّث، والتي نستعرضها على النحو التالي:
الأول: موت المورِّث وحياة الوراث
مسألة 1001: لا يستحق الوارث على المورِّث شيئاً من تركته إلا بعد تحقّق عنوان (حياة) الوارث حين موت مُورِّثِه، وإلا بعد تحقّق عنوان (موت) المورِّث حال حياة وارثه، فلو تقارنا في الموت لم يرث أحدهما الآخر، ويكفي في موت المورِّث ـ إضافة إلى تحقّقه بالموت الطبيعي ـ تحقّقه بما هو في حكم الموت شرعاً، وله موردان، الأول: الارتداد عن فطرة، فإنه يجوز لورثة المرتد اقتسام تركته حال حياته، وبمجرد ثبوت ارتداده ولو قبل إقامة الحد عليه، فيما لا يورث المرتد عن ملة إلا بعد قتله بالحد. الثاني: الفقد الذي لا يعلم معه موت المفقود ولا حياته، فإنه بعد تربص عائلته أربع سنين يُفحص فيها عنه بالنحو الذي تقدم في مباحث الطلاق يجوز لهم اقتسام تركته.
مسألة 1002: يثبت الموت بالعلم الجازم الحاصل من المشاهدة وغيرها، وكذا بما يشبه العلم، وهو: الاطمئنان الحاصل من كل سبب، كالشياع ونحوه، وكذا بشهادة البيِّنة، بل بشهادة العدل الواحد والثقة.
مسألة 1003: إنما يجوز تقاسم تركة المرتد الفطري حال حياته، فيما لو كان رجلاً، أما المرأة فلا أثر لارتدادها من هذه الجهة ولو كانت عن فطرة، فلا تنتقل أموالها عنها إلى ورثتها إلا بالموت.
مسألة 1004: لا ينتقل من أموال المرتد الفطري إلى ورثته إلا الأموال التي كانت مملوكة له حين ارتداده، وأما ما يتجدد منها بعد ذلك إلى حين إقامة الحد عليه، أو حيث لن يقام عليه الحد، فإنها مملوكة له، سواءً ما ملكه منها بأسبابه الاختيارية، كإجارة نفسه أو كالحيازة ونحوهما ولو قبل توبته، أو ما ملكه بأسبابه القهرية، كالمال الموروث الذي ورثه بعد توبته وعودته إلى الإسلام.
مسألة 1005: يقتصر في وراثة المرتد الفطري على من اجتمعت فيه الشروط المعتبرة في الوارث حين ارتداده، فلا يرث غيرُه من ماله شيئاً إذا وجدت فيه الشروط بعد ذلك، ولو قبل توزيع أمواله على الورثة.
مسألة 1006: لا يعتبر المفقـود بحكم الميت ـ شرعـاً ـ إلا بعد مضي أربع سنين يفحص فيها عنه، فإذا جهل خبره جاز لورثته اقتسام تركته؛ بل الأظهر جواز تقسيم تركته بعد مضي عشر سنين على فقده بدون حاجة إلى الفحص عنه؛ وورثته هم الذين تجتمع فيهم الشروط حين انتهاء مدة التربص لا بعدها. وكما يرثه غيره بعد مضي المدتين المذكورتين فإنه يرث غيرَه إذا مات مورِّثه مطلقاً، أي: سواءً كان موت المورث قبل الشروع في الفحص أو أثناء المدتين المذكورتين أو بعدهما، فيُضم ما يرثه إلى أمواله ويتملكه كسائر أمواله، فإن عاد من غيبته تصرف به، وإن تَبَيَّن موته أو ظلَّ مفقوداً ورثه وُرَّاثُه، فإذا توزع الورَّاثُ تركته بعد مضي إحدى المدتيـن لم يـرث ـ حينئـذ ـ غيرَه، لأنه بتوزيع تركته قد صار محكوماً بالموت شرعاً من جهة الميراث بخاصة، فلا يعقل وراثته لغيره، في حين تبقى سائر آثار حياته من غير هذه الجهة، فيجب الاستمرار في الإنفاق على زوجته، ولا تبين منه زوجته بدون طلاق، ونحو ذلك. هذا، وقد مضى في باب الطلاق الكلام في تعريف المفقود وفي مدة الفحص في (المسألة: 952 وما بعدها).
مسألة 1007: لا بد لإحراز حياة الوارث من تحقّق أمرين: الأول: العلمُ بانعقاد نطفته قبل موت مورِّثه رغم كونه ما يزال حَمْلاً لم تلجه الروح، والثاني: سقوطُه حياً من بطن أمه ولو لمدة يسيرة كاللحظة، فإذا انفصل عن أمه حياً استحق نصيبَه ومَلَكَهُ وتَرتبتْ عليه الآثار، بحيث لو عرض عليه الموت بعد ذلك وَرِثَه وارثُهُ كغيره من الأموات، وأما إذا وُلد ميتاً، فضلاً عما لو كان قد مات قبل مدة من ولادته، لم يَرِث ولم يُورث. هذا، ولا فرق في وَارِثِيَّة الحَمْل ومُورثيَّته ـ بعد انفصاله حيـاً ـ بين كونه كامل الأعضاء أو ناقصها، ولا بين سقوطه بنفسه أو سقوطه بجناية جانٍ، ولا بين كونه سليماً أو مريضاً، وعاقلاً أو مجنوناً.
مسألة 1008: لا يرث الحمل مدة كونه جنيناً حتى لو كان معلوم الحياة في بطن أمه إلا بعد انفصاله حياً، غير أنه يجب لحاظه عند اقتسام التركة في الحالات التي يتأثر فيها نصيبُه منها بغيره من الورثة، وتفصيل ذلك كما يلي:
إذا كان الحمل وحيداً في طبقته أو درجته، بحيث يكون غيره متأخراً عنه ولا يرث مع وجوده، لم يجز تقسيم التركة إلا بعد وضع الحمل، ليتبين إن كان الميراث له بولادته حياً أو لغيره إذا سقط ميتاً.
وإذا كان معه من يشاركه في الطبقة والدرجة، فإن كان فيهم من يُنْتَقصُ من نصيبه بلحاظ وجود الحمل وفيهم من لا يُنتقص، قُدِّم من لا يُنْتَقصُ فرضُه مهما كان الوارث، كالزوج والزوجة ونحوهما، وأعطي نصيبَه كاملاً، ووجب الإنقاص من نصيب من يتأثر نصيبه بوجود الحمل وعدمه، مقدارَ ما يجب لحاظُه حصةً للحمل، فيعزل نصيب الحمل جانباً ويعطى سائر الورثة حصصهم المقدرةَ على قاعدة افتراض ولادة الحمل حياً ووراثته معهم؛ ثم يُرى ـ بعد ذلـك ـ فإن ولد الحمل حياً، وكان ما عُزلَ له موافقاً لنصيبه، مضى الأمر على ما وقع، وإن كان المعزول أقل أخذ من نصيب سائر الورثة بنسبة حصة كل منهم إلى الناقص ما يتمم حصة الحمل، وإن ولد ميتاً، أو كان المعزول أكثر مما يستحق، أُرجع لكلٍ منهم من المعزول بنسبة حصته إلى الزائد المعزول.
وحيث تمكن معرفة ما إذا كان الحمل واحداً أو أكثر، وذكراً أو أنثى، كما هو الحال في زماننا، عزل نصيبه الموافق له، وحيث لا يعرف فالأحوط وجوباً أن يُعزل له نصيب الذكر ـ لا الأنثى ـ وبحسب العدد المحتمل احتمالاً معتداً به، واحداً أو أكثر.
مسألة 1009: تعرف حياة الجنين بعد انفصاله عن أمه ـ إذا مات للحظتـه ـ بالصياح وبالحركة البَيِّنة التي لا تكون إلا في الإنسان الحي، فلا يعبأ بما كان حركةَ تشنجٍ في العضلات مما يُمكن أن يحصل ممن مات لِتَوِّه.
الثاني: موت المورِّث بغير قتل الوارث له
مسألة 1010: يعتبر في استحقاق الوارث لنصيبه من تركة الميت أن لا يكون موته بقتل الوارث المتَعمَّد له، فلا يرث القاتل من المقتول إذا كان القتل عمداً وظلماً، ويرث منه إذا كان بحقٍ قِصاصاً أو حَدًّا أو دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله، وكذا إذا كان خطأً محضاً، كما إذا رمى طائراً فأخطأه وأصاب قريبه المورِّث فإنه يرثه، نعم لا يرث من ديته التي تتحملها العاقلة على الأقوى. و(العاقلة) اسم من (عَقَل) القتيل، أي: وَدَاهُ. والعاقلة: عَصَبَةُ الجاني، وهم: القرابة من جهة الأب الذين يشتركون في دفع الدية لأهل القتيل عن قريبهم الجاني.
وأما إذا كان القتل خطأً شبيهاً بالعمد وهو: (ما إذا كان قاصداً لإيقاع الفعل على المقتول، ولم يكن قاصداً للقتل، وكان الفعل مما لا يترتب عليه القتل في العادة)، كما إذا ضربه بما لا يقتل ـ عادة ـ قاصداً ضربه وغير قاصد قتله، فأدى إلى قتله، فالأقوى أنه كالخطأ المحض، فلا يَمْنَعُ من الميراث، لكنـه ـ أيضاً ـ لا يَرِثُ من الدية.
هذا، ولا فرق في مانعية القتل العمدي ظلماً عن الإرث بين أن يكون بالمباشرة، كما لو ضربه بالسيف، أو أطلق عليه الرصاص، فمات، وبين أن يكون بالتسبيب، كما لو ألقاه في مَسْبَعةٍ فافترسه السبعُ، أو حبسه في مكان زماناً طويلاً بلا قوت فمات جوعاً أو عطشاً، أو نحو ذلك من أفعال التسبيب التي تختلف درجة مسؤولية القاتل فيها، مما لا بد معه من نظر أهل الخبرة المرتكز على القواعد المذكورة في باب القصاص؛ كما وأنه لا فرق في مانعية القتل بين ما لو كان القاتل واحداً أو متعدداً، كما لا فرق ـ مـع التعـدد ـ بين ما لو كان بعضهم وارثاً والبعضُ الآخرُ غيرَ وارث.
مسألة 1011: إذا أمر الوارثُ شخصاً عاقلاً بقتل مُورّثه، متوعداً إياه بإيقاع الضرر عليه أو على من يتعلق به إن لم يفعل، فامتثل أمره باختياره وإرادته فقتله، لم يُحرم الآمر من ميراثه؛ لأنه ليس قاتلاً حقيقة وإن كان آثماً ومحكوماً بالحبس المؤبد إلى أن يموت؛ ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما تَوعده به هو القتل أو ما دونه؛ وكذلك لا يحرم المأمور من الميراث ـ أيضاً ـ إذا كان ما توعده به الآمرُ القتلَ، لدخوله في باب الدفاع عن النفس، وإلا فإنه يكون ظالماً له بقتله فلا يرثه.
مسألة 1012: لا يحجب القاتل الممنوع عن الإرث من المقتول مَنْ هو دونه في الدرجة ومتأخر عنه في الطبقة، لأنّ وجوده من هذه الجهة كعدمه، فلو قتل شخص أباه وكان له ابن، ولم يكن لأبيه أولاد غير القاتل، ورثه حفيده لا ولده القاتل، وكذا لو انحصر وارث المقتول من الطبقة الأولى في ابنه القاتل وله إخوة كان ميراثه لهم دون ابنه، بل لو لم يكن له وارث إلاّ الإمام y ورثه دون ابنه.
مسألة 1013: الدية في حكم مال المقتول، فتقضى منها ديونه، ثم تخرج منها وصاياه أولاً قبل الإِرث ما دامت بمقدار الثلث أو أنقص، ثم يوزع الباقي على ورثته كسائر الأموال؛ ولا فرق في ذلك بين كون القتل خطأ محضاً، أو شبه عمد، أو عمداً محضاً فأُخذت الدية صلحاً أو لتعذر القِصاص بموت الجاني أو فراره أو نحوهما، كما لا فرق في مورد الصلح بين أن يكون ما يأخذونه أزيد من الدية أو أقل أو مساوياً وكذا لا فرق بين أن يكون المأخوذ من أصناف الدية أم من غيرها.
هذا، ويرث الديةَ كلُّ وارث، سواءً أكان ميراثه بالنسب أم السبب، حتى الزوجين في القتل العمدي وإن لم يكن لهما حق القصاص، فإذا وقع الصلح والتراضي بالدية ورثا نصيبهما منها كغيرهما من الورثة، نعم لا يرث منها الأخ والأخت للأُم، بل ولا سائر من يتقرب بها وحدها كالأخوال والأجداد من قِبَلِها.
مسألة 1014: إذا كانت الجناية على الميت بعد الموت لم تُدفع الدية إلى الورثة، بل تصرف ـ بخاصة ـ في وجوه البر عنه إن لم يكن عليه دين، وإلا جاز قضاء دينه منها كسائر أمواله.
الثالث: إسلام الوارث إذا كان المورِّث مسلماً
مسألة 1015: لا إشكال في أن المسلمين يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب الفقهية أو اختلفوا في بعض العقائد، فلا يمنع كون الوالد على مذهب والولد على مذهب آخر من أن يرث كل منهما الآخر، نعم إذا كان المخالف منكراً لضرورةٍ يَستلزمُ إنكارُها الكفرَ بالنحو الذي بيّناه في باب الطهارة من الجزء الأول فإنه لا يرثُ المسلـم ـ حينئذ ـ كما سيأتي (أنظر في الجزء الأول: فقرة (العاشر)، ص: 46).
كما أنه لا إشكال في أن الكفار يتوارثون مهما اختلفت مللهم وأديانهم، فلا يمنع ـ في شرعنا ـ كون الوالد يهودياً أو بوذياً والولد نصرانياً أو مجوسياً من أن يرث كل واحد منهما الآخر ويورثه.
هذا إذا كان المتوارثون كلهم مسلمين أو كفاراً، أما إذا كانوا مختلفين في الإسلام والكفر فإن الحكم يختلف بالنحو الذي سيأتي بيانه.
مسألة 1016: إذا مات المسلم وكان في ورثته كافر ومسلم لم يرثه الكافر مهما كان قريباً في النسب، بل ولم يرثه بالسبب إذا كان زوجة، بناءً على جواز تزوج المسلم بالكتابية، ويرثه المسلم مهما كان بعيداً، فلو مات مسلم عن ولد كافرٍ وعن ضامن جريرةٍ مسلم ورثه ضامن الجريرة المسلم لا ولدُه الكافر؛ وكذا لو لم يكن له من ورثته المسلمين غير الإمام أو من يقوم مقامه، ورثه الإمام ولم يكن للكافر نصيب في ميراثه، بنسبٍ ولا بسبب. نعم إذا أسلم واحد منهم أو أكثر بعد موت المورث بلا فصل كثير يُعتدُّ به ورثه من أسلم دون غيره من أقربائه الكفار، ودون الإمام.
هذا، ولا فرق في الكافر بين الكافر الأصلي الحربي أو الذمّي وبين المرتد الفطري أو الملي، كما لا فرق في المسلم بين الإمامي وغيره.
مسألة 1017: إذا مات الكافر، وكان في ورثته مسلم وكافر، كان حكمه نفس ما مر في المسألة السابقة فيرثه المسلم مهما كان بعيداً في نسبه دون الكافر مهما كان قريباً، فلو مات الكافر عن ولد كافر وعن ضامن جريرة مسلم ورثه ضامن الجريرة المسلم لا ولده الكافر، نعم يختلف عنه في أمر واحد، وهو ما إذا كان جميع ورثته ـ نسباً وسبباً ـ كفاراً، فإنهم يرثونه دون الإمام إذا كان المورِّث كافراً أصلياً، وكذا إذا كان مرتداً عن ملة، بل عن فطرة على الأقرب.
هذا، ويستثنى من الحرمان التام من تركة الكافر ولدُه الصغيرُ الذي يُلحق به في الكفر تَبَعِيَّةً، فإن الأحوط وجوباً للوارث المسلم أن ينفق عليه مما ورثه ـ ولو كان متعدداً ـ إلى أن يبلغ، فإن أسلم حينئذ دفع إليه ما بقي من التركة إن كان قد بقي شيء عن نفقته وعن ما يكون قد صرفه المسلم منها على نفسه بالنحو الذي يشاء، بل إنه لو ظهر الإسلام على ذلك الصغير قبل بلوغه فالأجدر بالوارث المسلم من باب الاحتياط تسليم ما بقي من التركة إلى الحاكم الشرعي ليتولى هو الإنفاق على الصبي، ثم إذا بقي مسلماً بعد بلوغه دفع إليه الحاكم ما بقي من التركة إن كان لها بقية، وإلا رد الحاكم ما بقي من التركة إلى الوارث المسلم.
مسألة 1018: لقد تبين مما سبق أن الكافر لا يرث المسلم، وأن المسلم يرث الكافر، بل ينفرد بميراثه دون الكافر من سائر ذوي قرابته نسباً وسبباً، فيجري الأمر على هذا النحو ما لم يُسلم ـ بعد موته ـ أحد الورثة الكفار؛ فإن أسلم أحد ورثته الكفار، إضافة إلى وارثه المسلم فِعْلاً أو الكافر، فإنَّ حكمَ هذه المسألة هو ما يلي:
أولاً: إذا أسلم الكافر بعدما أخذ الوارث المسلم أو الكافر التركة لم ينفع ذلك الذي أسلم إسلامُه، سواءً كان الوارث واحداً أو متعدداً، وسواءً كان هو الإمام أو غيره. هذا، وإنما يتحقّق الأخذ من الإمام بقبض المال وجعله في بيت المال، فإن كان الإمام قد قبضه ولم يجعله في بيت المال بعدُ، كان ذلك الذي أسلم من الورثة أولى بما في يد الإمام فيدفعه إليه.
ثانياً: إذا أسلم الكافر قبل اقتسام التركة من قِبَل الوارثِ الكافر أو المسلم فِعْلاً، دخل ذلك الذي أسلم في الميراث، فإن كان المورث كافراً، وكان جميع الورثة كفاراً انفرد ذلك الذي أسلم بالتركة، وأما إذا كان في الورثة مسلم، سواءً كان المورث كافراً أو مسلماً، نُظِر في ذلك الذي أسلم، فإن كان شريكاً للمسلم في طبقته ودرجته شاركه في ميراثه، وإن كان أولى منه انفرد بالتركة دونه، سواءً كان الوارث المسلم واحداً أو متعدداً، نعم لو كان ذلك الوارثُ الواحد هو الإمام، فقد قلنا سابقاً: «إنه إذا كان المورِّث كافراً، وكان ورثته ـ جميعـاً ـ كفاراً، لم يرثه الإمام، وإذا كان المورِّث مسلماً، وكان ورثته ـ جميعاً ـ كفاراً، ورثه الإمام دونهم»، وبناءً عليه فإن فَرْضَ ما لو كان المورِّث كافراً خارج عن موضوع الكلام، لأن الإمام عليه السلام لا يرثه ـ أصلاً ـ مع وجود ورثته الكفار كي يكون شريكاً لمن أسلم منهم بعد ذلك أو منافساً له. وأما فرضُ ما لو كان المورِّث مسلماً فهو الذي يعنينا، إذ لو فرض أن أحدَ ورثة هذا المسلم قد أسلم قبل أن يأخذ الإمام التركة كان هذا الذي أسلم أولى من الإمام، سواءً كان الذي أسلمَ واحداً أو متعدداً.
هذا، ولا يضر في توريث من أسلم كونُ إسلامه حالَ القسمة، أي حين جلوسهم وشروعهم في تحديد السهام مقدمةً لتوزيعها، فإنها في الحكم لا تختلف عما لو أسلم قبل القسمة.
ثالثاً: لو أسلم الكافر أثناء اقتسام التركة، بحيث قُسِّم بعضها فَتَسَلَّمَهُ أصحابه وبقي بعضها لمَّا يوزع بعدُ، ورثَ من أسلم مما بقي ولم يرث مما وُزِّع.
رابعاً: لا فرق في جميع ما ذكر في الفقرات الثلاث الآنفة الذكر بين ما لو كان الوارث المسلمُ ممن يرث الميت بالقرابة وبين ما لو كان ممن يرثه بسبب الزوجية، فلو مات المسلم عن زوج أو زوجة مسلمين، أو ماتت المرأة الكتابية عن زوج مسلم، وكان مع هذا الزوج المسلم ـ أو الزوجة ـ ورثة كفار، إضافة إلى الإمام، فإذا أسلم الكافر قبل أن يستبد الإمام بما يبقى عن فرض الزوجة، أو قبل أن يستبد الزوج المسلم بتمام التركة فرضاً ورداً، ورث هذا الذي أسلم ما بقي من التركة دون الإمام ودون الزوج، وإلا لم ينفعه إسلامه في استحقاق ما ضمه الإمام إلى بيت المال، ولا في شيء مما ضمه الزوج إليه. وهكذا سائر فروع هذه المسألة بالنسبة للزوجية أو ضمان الجريرة.
الرابع: التولد من نكاح شرعي
مسألة 1019: لا بد في التوارث بالقرابة من كون النسب ناشئاً عن نكاح شرعي لا عن زناً وسفاح، ويشمل النكاحُ الشرعيُّ الزواجَ القائم على عقد صحيح والوطىءَ الحادث بين الرجل والمرأة بسبب الخطأ والإشتباه، بدون فرق بين ما لو انعقدت نطفته بجماع محلَّل أو محرَّم، وذلك كما لو قارب زوجته أو الموطوءة شبهة أثناء حيضها أو إحرام أحدهما، إذ لا يضر ذلك في كونه ولداً شرعياً؛ وبناءً عليه فإن كان التولد ناشئاً من الزنى لم يرث الولدُ أبويه الزانيين ولا أحداً من أقربائهما مهما علوا، ولم يرثا ولدَهما من الزنا ولا أحداً ممن تولد منه من أحفاد وأسباط مهما نزلوا.
مسألة 1020: كما يمنع زنى الأبوين من التوارث بينهما وبين ولدهما من الزنى، فإن زنى أحد الأبوين مع اشتباه الآخر يمنع من التوارث بين الزاني منهما وبين المتولد من نكاحهما هذا، كما يمنع من التوارث بين الولد وبين أقارب الزاني منهما؛ فيما لا يمنعُ من التوارث بينه وبين المُشْتَبِهِ من أبويه ولا من يتقرب بالمشتبه منهما.
مسألة 1021: لا يضر كون الولد ابن زنى بالتوارث بينه وبين من يتصل به بنسب من غير الزنى أو بسبب، كالولد والزوج والزوجة، إضافة إلى ضامن الجريرة ثم الإمام، عند فقد الوارث.
مسألة 1022: لمَّا كان اللعان نتيجةً لاتهام الزوجة بالزنى، فإنه يترتب عليه ـ في جملة ما يترتب عليه مما ذكرناه في محلـه مـن مباحـث الطـلاق ـ نفيُ الولد، وهذا النفي مرتكز من جانب الزوج على اعتقاد كونه من الزنى، وبذلك فإنه يكون ابنَ زنى من جهة الأب وحدَه لتكذيب أمِّه زوجَها وإصرارِها على براءتها من الزنى، وعلى أن ولدها متولدٌ من زوجها لا من غيره، وأنها أمُّه من نكاح صحيح لا من زناً وسفاح. ويترتب على ذلك أن اللعان يمنع من التوارث بين الولد ووالده، وكذا بينه وبين أقاربه من قِبَل والده كالأعمام والأجداد والإخوة للأب، ولا يمنع من التوارث بين الولد وأمه، وكذا بينه وبين أقاربه من قبلها من إخوة وأخوال وخالات ونحوهم.
فولد الملاعنة ترثه أمه ومن يتقرب بها وأولاده والزوج والزوجة، ولا يرثه الأب ولا من يتقرب به وحده، فإن ترك أُمه منفردةً كان لها الثلث فرضاً والباقي يردّ عليها على الأقوى؛ وإن ترك مع الأم أولاداً كان لها السدس والباقي لهم للذكر ضعف حظ الأنثى، إلاّ إذا كان الولد بنتاً فلها النصف ويردّ الباقي أرباعاً عليها وعلى الأم؛ وإذا ترك زوجاً أو زوجة كان له نصيبه كغيره، وهكذا تجري الأحكام الآتية في طبقات الإرث جميعاً، إذ لا فرق بينه وبين غيره من الأموات إلاّ في عدم التوارث بينه وبين الأب ومن يتقرب به وحده.
مسألة 1023: لو كان بعض إخوته أو أخواته من الأبوين وبعضهم من الأم بخاصة، ورثوه بالسوية من جهة انتسابهم إلى الأم بخاصة، ولا أثر للانتساب إلى الأب.
مسألة 1024: لو اعترف الرجل بعد اللعان بأن الولد له، لحق به فيما عليه لا فيما له، فيرثه الولدُ ولا يرثه الأبُ ولا من يتقرب به؛ كما أنه لا يرث الولدُ من يَتَقرَّبُ بالأب قبل أن يعترف الأبُ به، بل، ولا إذا اعترف به. هذا، ولا أثر لإقرار الولد ببنوته لمن نفاه، ولا لإقرار سائر الأقارب بقرابته منهم، في التوارث بينهم في اللعان، فيُقتصر في المقام على أثر إقرار الأب في وراثة ولده منه، فقط.
فائدة:
إذا تبرأ الوالد من جريرة ولده، أي: مِنْ تحمل مسؤولية دية جناية ولده على غيره خطأً بالقتل، لم يكن لتبرؤه أثر، ولزمه نصيبُه من الدية مع العاقلة؛ وكذا لا أثر لتبرؤ الوالد من ميراث ولده، بل يتوارثان على النحو المقرر في الشريعة.
الفصل الثاني
في كيفية توزيع التركة
المبحث الأول: في إرث المتقربين بالنسب
المبحث الثاني: في تفصيل إرث ذوي الأسباب
خاتمة: في ميراث ذوي الحالات المشكلة
المبحث الأول: في إرث المتقربين بالنسب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في ميراث الطبقة الأولى
وهم الأبوان والأبناء وأبناء الأبناء، وتفصيل إرثهم يقع في خمسة فروع:
الفرع الأول: في إرث الأبوين مع عدم الولد
مسألة 1025: للأب المنفرد تمام تركة الميت بالقرابة.
وإذا كان معه زوج، فللزوج نصف التركة بالفرض وللوالد الباقي بالقرابة.
وإذا كان معه زوجة، فللزوجة الربع بالفرض وللوالد الباقي بالقرابة.
وللأم المنفردة تمام التركة أيضاً، ثلث بالفرض والباقي بالقرابة، دون أن يحجبها عن نصيبها هذا وجود إخوة للميت، وذلك لأن حجبهم لها مشروط بوجود الأب، وهو ـ حسب المفروض ـ غير موجود. وإذا كان معها زوج كان للزوج النصف، وكان للأم الباقي، ثلث بالفرض والباقي بالقرابة. وإذا كان معها زوجة كان لها الربع، وللأم الباقي، ثلث بالفرض والزائد عنه بالقرابة.
مسألة 1026: إذا اجتمع الأبوان معاً كان إرثهما كما يلي:
1 ـ إذا لم يكن معهما زوج ولا زوجة: فللأم ثلث التركة بالفرض إذا لم يكن للميت إخوة لهم أهلية الحجب، وإلا فنصيبها السدس بالفرض. ثم يكون الباقي عن نصيب الأم ـ ثلثاً كان أو سدساً ـ للأب بالقرابة.
2 ـ إذا كان معهما أحد الزوجين، فإن كان زوجاً فله النصف، وإن كان زوجة فلها الربع، وللأم الثلث مع عدم الحاجب والسدس مع الحاجب، فرضاً، وللأب الباقي بالقرابة.
مسألة 1027: رغم أن إخوة الميت لا يرثون إذا اجتمعوا مع الأبوين، فإنهم يحجبون الأم عن الثلث ويَحُطُّون نصيبها إلى السدس، إذا توفرت فيهم شروط سبعة:
الأول: وجود الأب حياً حين موت الولد؛ وإذا كان مفقوداً غير معلوم الحياة أو الموت، فهو بحكم الحي مدة التربص المذكورة في باب الطلاق، أو قبل مضي عشر سنين على فقده بدونها.
الثاني: أن لا يقلوا في عددهم عن أخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات.
الثالث: أن يكونوا إخوة الميت لأبويه أو لأبيه فقط، فلا يحجب إخوة الميت لأمه.
الرابع: أن يكونوا مولودين، فلا يكفي من كان حملاً منهم.
الخامس والسادس: أن يكونوا مسلمين، وأحراراً غير أرقاء.
السابع: أن يكون من يتحقّق به الحجب غير قاتل للموِّرث، فإذا كان قاتلاً لزم مراعاة الاحتياط في هذا المورد.
الفرع الثاني: في إرث الأولاد مع عدم الأبوين
مسألة 1028: للإبن المنفرد تمام تركة الميت بالقرابة.
وللبنت المنفردة تمام التركة أيضاً، نصفها بالفرض والزائد عنه بالقرابة، فلا ينازعها في ذلك الزائد أحد من الورثة من الطبقات الأخرى.
وللإبنيـن المنفرديـن ـ فمـا زاد ـ تمام التركة بالقرابة، يتقاسمونها بينهم بالسوية.
وللبنتين المنفردتين ـ فما زاد ـ الثلثان بالفرض والزائد عنهن يرد عليهن بالقرابة، ويتقاسمن التركة بينهن بالتساوي.
وإذا اجتمع الإبن والبنت بدون واحد من الأبوين، واحداً كان كل منهما أو أكثر، فإن لهم تمام التركة يتقاسمونها بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة 1029: إذا كان مع الإبن الواحد أو الأكثر زوج، فللزوج الربع بالفرض والباقي عنه للإبن الواحد بتمامه، أو للأبناء بالسوية، بالقرابة؛ وإذا كان معه زوجة فللزوجة الثمن بالفرض والباقي للإبن الواحد أو للأبناء بالنحو الآنف الذكر.
وإذا كان مع البنت الواحـدة أو الأكثـر زوج، فللـزوج الربـع ـ كذلـك ـ بالفرض، وللبنت الواحدة النصف فرضاً والباقي رداً بالقرابة؛ وكذا حكمه مع البنتين، فإن له الربع فرضاً، وللبنتين فما زاد الثلثين فرضاً والباقي رداً، يتقاسمنه بالسوية. وإذا اجتمع مع البنت الواحدة أو الأكثر زوجة: فللزوجة الثمن، وللبنت أو البنتين فما زاد بنفس النحو المذكور آنفاً.
وإذا اجتمع الزوج مع البنين والبنات فله الربع، وإذا اجتمعوا مع الزوجة فلها الثمن، والباقي عن الربع أو الثمن ـ في الموردين ـ يتقاسمه الأبناء والبنات بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
الفرع الثالث: في إرث الأبوين والأولاد معاً
مسألة 1030: إذا اجتمع الإبن الواحد مع الأبوين كليهما أو أحدهما، ومع أحد الزوجين أو بدونه، فحكمه كما يلي:
1 ـ إذا اجتمع مع الأبوين: فلكل واحد من الأبوين السدس، والباقي للإبن.
2 ـ إذا كان معه ـ إضافة إلى الأبوين ـ زوج أو زوجة أيضاً: فلكل واحد من الأبوين السدس، وللزوج الربع، وللزوجة الثمن، ثم يكون الباقي للإبن.
3 ـ إذا اجتمع مع أحد الأبوين، والداً للمتوفى كان أو والدة، فلأحدهما السدس فرضاً، والباقي للابن قرابة.
4 ـ إذا كان معه ـ إضافة إلى أحد الأبوين ـ زوج أو زوجة أيضاً، فالحكم كما في الفقرة (3) بعد إعطاء الزوج الربع، أو الزوجة الثمن.
هذا ولا يختلف حكم هذه المسألة عما لو كان مفروضها إبنان أو أكثر، فحيث لا يكون مع البنين بنات يتوزع البنون ما يفضل من التركة عن نصيب الوالدين كليهما أو أحدهما وعن نصيب أحد الزوجين، بينهم بالسوية.
كما وأنه لا يختلف حكمها عما لو كان مفروضها اجتماع إبن وبنت أو أكثر مع المذكوريـن فيها، إذ إنهـم ـ حينئـذ ـ يتقاسمون ما يبقى عن نصيب الأبوين والزوجين الآنِفِي الذكر بينهم، للذكر مثل حظ الأُنثيين.
مسألة 1031: إذا اجتمعــت البنـت مـع الأبويـن ـ كليهـمـا ـ ومـع أحد الزوجين أو بدونه، فحكمها كما يلي:
1 ـ إذا اجتمع الأبوان مع البنت الواحدة، ابتنى التقسيم على ملاحظة وجود حاجب للأم وعدمه، فإن لم يكن للميت إخوة لهم أهلية الحجب لزم تقسيم المال خمسة سهام، سهم للأب وسهم للأم وثلاثة سهام للبنت.. يأخذونها ـ جميعاً ـ فرضاً ورداً، وإن كان له إخوة أعطيت الأم سدسها بدون رد شيء عليها من الزائد، وأخذ الوالد ربع الباقي والبنت ثلاثة أرباعه.
هذا، وإنما صـارت الحصـص كذلـك فـلأن الباقي ـ وهـو السدس ـ عن سهم الأَبوين، وهو الثلث، وعن سهم البنت، وهو النصف، يُردّ عليهم بنسبته إلى حصة كل واحد منهم، فتكون النتيجة بعد تعديل السهام هي: توزيع المال أخماساً أو أرباعاً بالنحو الذي ذكرناه. وهي قاعدة تجري في كل رد يستوجب توزيعُه تعديلَ السهام، كما سيأتي في أكثر من مورد في هذا المطلب.
2 ـ إذا اجتمع الأبوان والبنت الواحدة وأحد الزوجين:
فإن كان هو الزوج، فللزوج الربع، ولكل واحد من الأبوين السدس، والباقي للبنت، فينقص من فرضها ـ وهو النصف ـ نصف السدس، وذلك على قاعدة: (من له الغنم فعليه الغرم)، وهي تعني: أن من يكون له ما يزيد عن فرضه بالرد عليه عند زيادة التركة عن الفروض، فإنه هو الذي يُنقَـص ـ غالباً ـ من نصيبه عند زيادة الفروض على التركة. وهي قاعدة سوف تستخدم في موارد عدة.
وإن كان هو الزوجة، فإن للزوجة الثمن، وحيث إن التركة ـ هنا ـ سوف تزيد على الفروض، وحيث سيُرَدُّ الزائد على الجميع ما عدا الزوجة، فإن الحكم في هذا الفرع من هذه المسألة يجري بين البنت والأبوين بنحو ما جرى عليه في الفقرة (1) الآنفة الذكر، فيُرى، فإن لم يكن للميت إخوة لهم أهلية الحجب كان الباقي عن الزوجة أخماساً، فيعطى خمس لكل واحدٍ من الأبوين، وثلاثة أخماس للبنت الواحدة، وهو في الجميع على قاعدتي الفرض والرد؛ وإن كان للميت إخوة لهم أهلية الحجب، أخذت الأم سدسها بدون رد، وكان الباقي عن الزوجة والأم بين الأب والبنت أرباعاً بالفرض والرد، فللوالد الربع وللبنت ثلاثة أرباع.
مسألة 1032: إذا اجتمع الأبوان مع بنتين فصاعداً، مع أحد الزوجين أو بدونه، فالحكم كما يلي:
1 ـ إذا اجتمع الأبوان مع بنتيـن فصاعداً، فالتركة بينهم على قدر فروضهم، فللوالدان الثلث مناصفة بينهما، وللبنتان فصاعداً الثلثان يتقاسمنه بالسوية.
2 ـ إذا اجتمع مع الأبوين والبنتين فما زاد أحدُ الزوجين، فإن كان هو الزوج فله الربع، وإن كان هو الزوجة فلها الثمن، ثم لكل واحد من الأبوين فرضه، وهو السدس، والباقي للبنتين أو البنات يتقاسمنه بالسوية، حيث يرد النقص عليهن ـ بخاصة ـ بمقدار ما أخذه أحد الزوجين، ربعاً أو ثمناً، دون أن يشاركهن في النقص كلا الأبوين أو أحدهما عند زيادة التركة على السهام، رغم وراثتهما مثلهن بالفرض وبالقرابة.
مسألة 1033: إذا اجتمع أحد الأبوين ـ بخاصة ـ مع البنت أو الأكثر، ومع أحد الزوجين أو بدونه، فحكمه كما يلي:
1 ـ إذا اجتمع أحد الأبوين مع البنت الواحدة لا غير، كان لأحد الأبوين الربع فرضاً ورداً، وللبنت الواحدة الباقي فرضاً ورداً، أيضاً.
وإذا كان معهما أحد الزوجين، فإن كان هو الزوج كان له الربع، وإن كان هو الزوجة فلها الثمن، ويقسم الباقي أرباعاً: ربع لأحد الأبوين، أباً كان أو أماً، وثلاثة أرباع للبنت الواحدة، وجميعه فرضاً ورداً.
2 ـ إذا اجتمع أحد الأبوين مع البنتين فصاعداً، كان المال بينهم أخماساً، فللوالد الخمس فرضاً ورداً، والباقي للبنتين أو البنات كذلك.. يتقاسمنه بالسوية.
وإذا كان مع البنتين أو البنات ـ إضافة إلى أحد الأبوين ـ أحد الزوجين، فإن كان زوجة فلها الثمن، ويقسم الباقي أخماساً: خمس لأحد الأبوين فرضاً ورداً، وأربعة أخماس للبنتين فما زاد فرضاً ورداً، فيتقاسمنه بالسوية؛ وإن كان زوجاً كان له الربع، ولأحد الأبوين السدس، والباقي للبنتين أو البنات ناقصاً عن نصيبهن، وهو الثلثان.
الفرع الرابع: في إرث أولاد الأولاد
مسألة 1034: أولاد الأولاد وإن نزلوا يقومون مقام الأولاد في مقاسمة الأبوين وحجبهما عن أعلى السهمين إلى أدناهما، ومنع من عداهم من الأقارب، ولا يشترط في توريثهم فقد الأبوين على الأقوى.
مسألة 1035: لا يرث أولاد الأولاد إذا كان للميت ولد، وإن كان أنثى، فإذا ترك بنتاً وإبن إبنٍ كان الميراث للبنت.
مسألة 1036: أولاد الأولاد مترتبون في الإرث، فالأقرب منهم يمنع الأبعد، فإذا كان للميت ولدُ ولدٍ وولدُ ولدِ ولدٍ، كان الميراث لولدِ الولد دون ولدِ ولدِ الولد.
مسألة 1037: يرث أولاد الأولاد نصيب من يتقربون به، فيرث ولد البنت نصيب أمه ـ ذكراً كان أم أنثى ـ وهو النصف، سواء انفرد أو كان مع الأبوين، ويُردُّ عليه وإن كان ذكراً كما يردّ على أمه لو كانت موجودة؛ ويرث ولدُ الإبن نصيبَ أبيه ذكراً كان أم أنثى، فإن انفرد كان له جميع المال، وإن كان معه ذو فرض فله ما فضل عن حصته.
مسألة 1038: لو كان للميت أولاد بنت وأولاد إبن كان لأولاد البنت الثلث نصيب أمهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولأولاد الإبن الثلثان نصيب أبيهم يقسم بينهم كذلك.
مسألة 1039: تقدم أن أولاد الأولاد ـ عند فقـد الأولاد ـ يُشاركون أبوي الميت في الميراث، لأن الأبوين مع أولاد الأولاد صنفان من طبقة واحدة، ولا يمنع قربُ الأبوين إلى الميت إرْثَهم منه:
فإذا ترك أبوين وولد إبنٍ، كان لكلٍ من الأبوين السدسُ، ولولد الإبن الباقي.
وإذا ترك أبوين وأولادَ بنتٍ، كان للأبوين السدسان، ولأولاد البنت النصف، ويُردّ السدسُ على الجميع بالنسبة إذا لم يكن للميت إخوة تتوفر فيهم شروط الحجب، فيُقسم مجموع التركة أخماساً: ثلاثةٌ منها لأولاد البنت فرضاً وردّاً، وإثنان منها للأبوين كذلك، وأما مع وجود الإخوة فللأم السدس، والباقي بين الوالد وأولاد البنت أرباعاً: ربع للأب فرضاً ورداً، والباقي لأولاد البنت يتقاسمونه بالسوية فرضاً ورداً أيضاً.
وإذا ترك أحدَ الأبوين مع أولاد بنتٍ، كان لأولاد البنت ثلاثة أرباع التركة فرضاً وردّاً، والربعُ الرابع لأحد الأبوين كذلك.
وإذا ترك زوجاً وأبوين وأولاد بنت، كان للزوج الربعُ، وللأبوين السدسان، ولأولاد البنت سدسان ونصف سدس، فينقص عن سهم البنت ـ وهو النصف ـ نصف سدس، فيَرِدُ النقصُ على أولاد البنت كما يرد على البنت فيما إذا ترك زوجاً وأبوين وبنتاً.
وهكذا الحكم في بقية الصور، فلا يتغير فيه سوى إبدال عنوان الإبن أو البنت بعنوان أولاد الإبن أو البنت في جميع الفروض المحتملة الآنفة الذكر في الفرع الثالث.
الفرع الخامس: في الحبوة
مسألة 1040: (الحَبوة) في اللغة مصدرٌ من: حَبَا، بمعنى أعطى، مصدره: حِباءٌ وحَبْوةٌ. و (الحَبوة) ـ بفتح الحاء وكسرها وضمها ـ: إسم لما يُحتبى به، من ثوب ونحوه، وهي في مصطلح الفقهاء تستخدم بهذا المعنى الثاني، لكنْ يقتصر فيها على أمور معينة من مختصات الميت الوالد، وهي: الثياب التي كان يلبسها الميت، وخاتمه وسلاحه ومصحفه، دون غيرها من مختصاته، كدابة ركوبه، وساعته وكتبه. نعم، يدخل مع السلاح ما يعد من توابعه عرفاً، كالغمد للسيف، ومخازن الذخيرة للبندقية الحربية، وما أشبه ذلك.
والأقوى أن الحبوة ـ بهـذا المعنـى المتقـدم ـ ليست حقاً مفروضاً للولد الذكر الأكبر، ولا هو يأخذها مجاناً زيادة عن حصته، نعم يستحب لسائر الورثة تخصيص الولد الأكبر بالحبوة من بين سائر الأعيان التي تشتمل عليها التركة، على أنها جزء من نصيبه من الميراث لا مجاناً، إلا أن يرضوا بتقديمها له مجاناً.
مسألة 1041: لا يحبى الوارث من مورِّثٍ غيرِ الوالد، كالأم والجد، كما لا يحبى من الورثة غير الولد الأكبر الذكر، فإن كان قد مات في حياة والده لم يُحبَ مَنْ بَعدَهُ من الذكور من أبناء الميت. ويقتصر على الولد المباشر، فلا يستحقها حفيده من ولده الأكبر. ولا يشترط في المَحْبُوِّ الرشدُ، ولا كونه قد انفصل بالولادة حياً، بل يحبى السفيه والحمل الذي لم يولد بعد، فتعزل الحبوة إلى حين ولادته حياً.
مسألة 1042: يدخل في الثياب مختلف أنواع الألبسة التي كان يلبسها المتوفى أو التي كان قد أعدها ليلبسها ولو لم يلبسها، صيفية وشتوية، واحدة ومتعددة، مما يستر العورة كانت أو مما لا يسترها.
وكذا يدخل في الحبوة كل ما كان متعدداً من غير الثياب، كما لو كان عنده أكثر من خاتم، أو أكثر من مصحف، فإنه يستحب تخصيصه بالجميع مما كان يستخدمه المورث أو أعده لاستخدامه الشخصي. بل يدخل في الخاتم ما كان من الذهب رغم حرمة لبسه.
تتمة في طعمة الأجداد
مسألة 1043: لا يرث أجداد الميت مع وجود كلا أبويه أو أحدهما، لكن يستحب للأبوين الوارثين أن يطعم (أي: يعطي) كل واحدٍ منهما شيئاً من نصيبه لأجداد الميت الموجودين عند موت حفيدهم أو سبطهم، سواءً كانوا أجداداً من جهة الأب أو من جهة الأم. ويُقتصر في المقدار على سدس مقدار التركة،لا سدس مقدار حصة كلٍ منهما، وهو يعني اختصاصه بصورة ما لو كان نصيب كل منهما زائداً على السدس. هذا، ولا فرق في ثبوت الاستحباب بين صورة انفراد الأبوين بميراث الميت وصورة مشاركة ولد الميت لهم فيه.
مسألة 1044: إذا تعدد الأجداد تقاسموا الطعمة بينهم بالسوية، ذكوراً وإناثاً، ولأب كانوا أو لأم، وإذا فقد بعضهم انفرد الباقي بها، ولو كان واحداً.
المطلب الثاني: في ميراث الطبقة الثانية
وهم الإخوة والأجداد.
وهي الطبقة الثانية التي لا يرث أفرادها إلا بعد فقد جميع أفراد الطبقة الأولى الذين تقدم ذكرهم. وتشتمل هذه الطبقة على الإخوة والأجداد، أما الإخوة فيتساوى فيها في الاستحقاق الإخوة من الأبوين والإخوة من الأب وحده والإخوة من الأم وحدها، ذكوراً وإناثاً، إضافة إلى أولادهم عند فَقْد جميع الإخوة؛ كما أنه يتساوى فيها في الاستحقاق الأجداد والجدات وإن علوا، لأب كانوا أو لأم. هذا، ولا يحجب أحد النوعين النوع الآخر، بل يرث الإخوةُ والأجدادُ وإن علوا جميعاً إذا اجتمعوا، وكذا أولاد الإخوة والأجداد؛ نعم قد تحجب بعضُ درجات كلِّ نوعٍ درجةً منه، فإذا اجتمع الإخوة حجب الإخوةُ من الأبوين الإخوةَ من الأب وحده، دون الإخوةِ من الأم، ودون أن يحجب الإخوةُ من الأب الإخوة من الأم، وكذا يحجب الإخوةُ أولادَهم مع المزاحمة؛ وإذا اجتمع الجد الأعلى مع الجد الأدنى ورث الأدنى دون الأعلى، وذلك مع المزاحمة كما سيأتي تفصيله، فلا يرث الأعلى إلا بعد فقد الأدنى، مع الأخ وبدونه. إضافة إلى ذلك كله فإن الزوج والزوجة يشاركان هذه الطبقة في الميراث في جميع الأحوال، وجميع ذلك هو ما سوف نفصله فيما يلي في فروعٍ أربعة:
الفرع الأول: في ميراث الإخوة وحدهم
مسألة 1045: يتساوى إخوة الميت في استحقاقهم لميراثه بعد فَقْد الوارث من الطبقة الأولى، رغم اختلاف نصيب كل واحد منهم باختلاف عدده وجنسه في الذكـورة والأنوثـة ودرجـة القرابـة، وذلك مـن دون فـرق ـ فـي أصل استحقاقهم ـ بين ما لو كانوا جميعهم من درجة واحدة، أي: كانوا ممن يتقرب إلى الميت بالأبوين أو بالأب وحده أو بالأم وحدها، وبين ما لو اختلفوا في درجة قرابتهم منه، لا يستثنى من ذلك إلا صورة هي: أنه لا يرث الإخوة لأب مع الإخوة لأبوين، بل يختص بميراثه إخوته لأبويه وإخوته لأمه وحدها إن كانوا. وبناءً على ذلك فإن مسائل هذا الفرع وما سيليه من فروع هذا المطلب ستخلو من فرضية اجتماع الإخوة لأبوين مع الإخوة لأب، لعدم وجود نصيب لإخوة الأب في جدول المواريث عند اجتماعهم مع الإخوة لأبوين.
مسألة 1046: إذا انفرد الأخ أو الأخت أو تعددا، وكانوا جميعاً من الأبوين أو من الأب وحده، فميراثهم ـ مع الزوج أو الزوجة وبدونهما ـ كما يلي:
1 ـ للأخ المنفرد تمام المال بالقرابة. فإن كان معه زوج المتوفَّاة فله النصف فرضاً، وإن كان معه زوجة المتوفَّى فلها الربع فرضاً، وما بقي عنهما يكون للأخ بالقرابة.
2 ـ للأخوين فما زاد تمام المال بالقرابة أيضاً، يتقاسمونه بالسوية، فإن كان معهم زوج أو زوجة كان له نصيبه الأعلى، وما بقي فللأخوين بالقرابة وبالسوية.
3 ـ للأخت المنفردة نصف المال بالفرض ونصفه بالقرابة، يُرَدُّ عليها دون أن يشاركها أحد من عَصَبة الميت من الطبقة الثالثة.
فإن كان معها زوج المتوفَّاة كان له النصف بالفرض فيبقى للأخت نصفها المفروض لها، وإن كان لأخيها المتوفَّى زوجة، فلزوجته الربع، وللأخت الباقي: النصف بالفرض والباقي بالقرابة.
4 ـ للأختيـن ـ فمـا زاد ـ تمام التركة، ثلثان بالفرض والباقي بالقرابة يتقاسمنها بالسوية. فإن كان معهن زوجة أخذت الربع، وكان الباقي لهن فرضاً ورداً بالسوية، وإن كان معهن زوج كان له النصف، وكان لهن الباقي ناقصاً عن الثلثين.
5 ـ للأخ والأخت معاً، وكذا للإخوة والأخوات جميعاً، تمام التركة بالقرابة، يتقاسمونها بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإذا كان معهم زوج أو زوجة أعطي نصيبه الأعلى، وتوزع الإخوة والأخوات ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة 1047: إذا انفرد الأخ أو الأخت أو تعددا، وكانوا من الأم وحدها، فميراثهم ـ مع الزوج أو الزوجة وبدونهما ـ كما يلي:
1 ـ للأخ المنفرد ـ وكذا للأخت المنفردة ـ تمام المال، يرث سدسه بالفرض والباقي يرثه رداً بالقرابة.
2 ـ للإثنين فما زاد من الإخوة، ذكوراً أو إناثاً أو مختلفين، المالُ كلُّه أيضاً، يرثون ثلثه بالفرض والباقي رداً بالقرابة، ويتقاسمونه بينهم بالسوية حتى في صورة اجتماع الإخوة والأخوات.
هذا، ولو كان مع الوارث في كلا الموردين المتقدمين زوج أو زوجة فإنه لن تضيق التركة بسهام الجميع، بل ويفضل منها فيعطى أحد الزوجين نصيبه الأعلى المفروض له، ويعطى الباقي لإخوته فرضاً ورداً بالقرابة؛ وهو أمر واضح عند أدنى تأمل.
مسألة 1048: إذا اجتمع الإخوة من الأبوين مع الإخوة من الأم، فميراثهم كما يلي:
1 ـ للأخ الواحد أو الأخت الواحدة من الأم السدس، والباقي لمن هو من الأبوين، فإن كان متعدداً تقاسموه بالنحو الذي ذكرناه في ميراثهم، أي: بالسوية مع الاتحاد في الذكورة أو الأنوثة، وللذكر مثل حظ الأنثيين مع الاختلاف في الذكورة والأنوثة.
2 ـ للإثنين فما زاد من الأم ذكوراً أو إناثاً أو مختلفين الثلث يتقاسمونه بالسوية، والباقي لمن هو من الأبوين، فإن كان متعدداً توارثوه بالنحو الآنف الذكر في الفقرة (1).
وهنا لا بد من تسجيل ملاحظة، ومفادها ما يلي:
في كل مورد تزيد فيه التركة على الفروض لا يُرَدُّ إلا على المتقرب بالأبوين أو بالأب عند اجتماع أحدهما مع المتقرب بالأم، دون أن يُرَدَّ على المتقرب بالأم شيء؛ فيما يُرَدُّ عليه ما يزيد عن فرضه عند انفراده بميراث الميت كما ذكرناه في المسألة السابقة.
3 ـ إذا كان مع الإخوة من الأبوين والإخوة من الأم أحدُ الزوجين، لزم ـ بحسب القاعدة ـ تقديمُ فَرْضِ من لا يَرِدُ النقص على فرضه أبداً، وهو ـ هنا ـ الزوجان والمتقربُ بالأم، ثم يُرى: فإن وسعت التركة جميع ذوي الفروض فلا إشكال، وإن ضاقت عنها وقع النقص على نصيب المتقرب بالأبوين ـ أو بالأب ـ وحده، ومن موارده: ما لو اجتمع الزوج مع الإثنتين فصاعداً من أخوات الميت لأبويه، ومع واحد أو أكثر مـن إخوتـه المتقربيـن بالأم، فإن الفـروض ـ حينئذ ـ هي: نصف للزوج وسـدس للواحد من الأم وثلثان للأخوات من الأبوين، فيقدم نصيب الزوج ونصيب المتقرب بالأم، ثم ما يبقى يكون للمتقربين بالأبوين مهما قلَّ؛ إضافة إلى موارد أخرى تستخرج عند أدنى تأمل.
مسألة 1049: إذا اجتمع الإخوة للأب وحده مع الإخوة من الأم وحدها ورثوا جميعاً بنفس النحو الذي ذكرناه في ميراث الإخوة من الأبوين مع الإخوة من الأم في المسألة السابقة، بما في ذلك ورود النقص على المتقرب بالأب عند اجتماعهم مع الزوج.
الفرع الثاني: في ميراث أولاد الإخوة
مسألة 1050: لا شك في أن إخوة الميت أقربُ إليه من أولادهم، كما لا شك في أنهم مشمولون للقاعدة المأخوذة من قوله تعالى: ﮋﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁﮊ، وهي القاعدة التي بمقتضاها يجب أن لا يرث ابنُ الأخ إلا بعد فَقْد كلِّ واحـدٍ من إخـوة الميت الذكـور والإنـاث، وإلا كان ميراثـه ـ حينئـذ ـ للموجود من إخوته ولو كان لأمه، دون الموجود من أبناء إخوته ولو كان والدهم أخاً للمتوفـى مـن أبيـه وأمـه؛ وإذن، فـإن أولاد الإخوة ـ بحسب تلك القاعدة ـ يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم من إخوة الميت وأخواته عند فقدهم في مشاركتهم للأجداد في ميراث عمهم بمقدار نصيب إخوة الميت على فرض وجودهم. غير أن جريانها في هذه الطبقة الثانية هو أقل في دقته وصرامته من جريانها في الطبقة الأولى، وذلك لأن النسق الذي وزعت به التركة على الورثة من هذه الطبقة لا يجعل الأبعد منهم مزاحماً ـ دائماً ـ للأقرب، سواءً في ميراث الإخوة وأولادهم، أو في ميراث الجد الأعلى مع الجد الأدنى، كما سيأتي في ميراث الجد، ولذا فإنَّ حَجْبَ الأخ لميراث إبن الأخ إنما يتحقّق في كل موردٍ زاحم فيه ابنُ الأخ ذلك الأخَ الآخرَ في نصيبه الذي كان سيأخذه كاملاً بدون ابن أخيه، وذلك كما في المورد الذي لا يكون للميت فيه إلا إبن أخ لأبوين وأخ لأبيه، فإن تركته جميعها ـ من حيث المبدأ ـ سوف تكون لأخيه هذا بالقرابة، فلو فرض أننا أشركنا معه إبن أخيه هذا الذي هو من الأبوين وأقمناه مقام أبيه المتوفى، فإنه سوف يحرم الأخ من الأب من تمام التركة ويحجبه عنها جميعها، لأن المفترض أنه من الأبوين وذاك من الأب؛ وكذا لو فرض اجتماع أخ لأم مع إبن أخ لأبوين أو لأب فإنه ـ أيضاً ـ سوف يزاحم الأَخَ الذي هو من الأم ويَحرِمه من خمسة أسداس التركة، لأن إبن الأخ من الأبويـن ـ أو من الأب ـ إذا جعلناه بمنزلة أبيه فإن حكمه عند اجتماعه مع الأخ من الأم، أنَّ للأخ من الأم السُدُس والباقي للأخ من الأبوين. فإذن: لا يمكن توريث إبن الأخ من الأبوين مثلاً مع الأخ من الأب أو الأم، لأنه يزاحم ذلك الأخ فيحرمه: إما من جميع التركة أو من قدر كبير منها؛ وبما أن الأقربين أولى بالمعروف، وبما أنَّ الأخ أقربُ من إبن أخيه فإنه أولى بميراث أخيه منه في كل مورد زاحمه ابنُ أخيه فيه.
وأما إذا أمكن اجتماع إبن الأخ مع الأخ من دون أن يزاحمه فيما هو له، فإنهما يرثان معاً ـ حينئذ ـ دون أن يحجب الأخ إبن أخيه، ومثاله ما يلي:
إذا اجتمع جد لأم وأخ لأبوين وكان معهما إبن أخ لأم، فإن توريث إبن الأخ للأم ـ في هذه الصورة ـ مع الأخ للأبوين لا يستلزم حرمان الأخ من شيء من حصته المفروضة له، وذلك لأنه كلما اجتمع جد لأم مع أخ لأبوين أو لأب فإن نصيب الأخ هو الثلثان ونصيب الجد هو الثلث، فإذا وَرَّثنا (إبن الأخ للأم) مع هذين فإن حكمه ـ الذي سيأتي ـ هو الاشتراك مع الجد بالثلث الذي له، فيبقى نصيب الأخ للأبوين ـ وهو الثلثان ـ على حاله لا يزاحمه فيه إبن الأخ للأم، فيرث إبن الأخ في هذه الصورة مع الأخ رغم أنه أبعد منه، لعدم مزاحمته له.
وخلاصة ما تقدم هي: إنما يُمنع إبن الأخ من الميراث مع وجود إخوة للميت، في كل مورد زاحَمَ فيه إبنُ الأخِ الأخَ الآخر وأخذ شيئاً من نصيبه، فلا يرث إبن الأخ ـ حينئذ ـ إلا بعد فقد الأخ، وأما مع عدم المزاحمة بذلك المعنى المتقدم فإنهما يرثان معاً ويكون لإبن الأخ نصيبُ أبيه الذي كان سيعطى له على فرض وجوده.
هذا، وإذا لم يكن للمتوفَّى إخوة ولا أولادُ إخوة صلبيون (أي: مباشرون) فالميراث لأولاد أولاد الإخوة، وهكذا مهما نزلوا، وذلك بنفس المقياس الذي ذكرناه آنفاً في أن الأقرب يمنع من يزاحمه ممن هو أبعد منه، وإلا ورث معه.
كذلك ـ ومن جهـة أخـرى ـ فإن أولاد المنتسب بالأبوين يمنعون أولاد المنتسب بالأب.
مسألة 1051: إذا فقدَ الميتُ الإخوةَ بالنحو الذي بيناه في المسألة السابقة قام أولادُهم مقامهم في الإرث، وفي مقاسمة الأجداد، وذلك على قاعدة: (أن كلَّ واحد من الأَولاد يرث نصيب من يتقرب به إلى الميت)، وذلك من خلال النموذج التالي:
1 ـ إذا ترك المتوفَّى أولادَ أخٍ أو أختٍ لأم، فلهم جميع التركة: سدس بالفرض والباقي بالقرابة، يتقاسمون المال بينهم بالسوية ولو اختلفوا في الذكورة والأنوثة.
وإذا ترك أولاد أخ لأب أو لأبوين فلهم جميع التركة بالقرابة يتوارثون المال بالسوية مع اتحادهم في الذكورة والأنوثة وبالتفاضل مع الاختلاف.
2 ـ إذا ترك أولاد أخ وأولاد أخت لأبوين أو لأب، كان المال بين فريقي الأولاد بالتفاضل: سهمان لأولاد الأخ وسهم لأولاد الأخت، يتقاسم كل فريق منهما المال بينهم على قاعدة التفاضل مع الاختلاف في الذكورة والأنوثة والتساوي مع الاتحاد فيهما، فإن اتحد أولاد هذا الفريق في الذكورة والأنوثة كان نصيبه بينهم بالتساوي، وإن اختلفوا فيهما فللذكر مثل حظ الأنثيين.
3 ـ إذا ترك أولاد أخ لأم وأولاد أخ لأب، فلأولاد الأخ للأم السدس وإن كثروا، يتقاسمونه بينهم بالتساوي ولو مع الاختلاف في الذكورة والأنوثة، ولأولاد الأخ للأب الباقي وإن قلُّوا، يتقاسمونه بينهم بالتساوي مع الاتحاد في الذكورة والأنوثة، وبالتفاضل مع الاختلاف فيهما.
وهكذا ينظر في جميع صور اجتماع الإخوة وحدهم أو مع الأجداد ويُجعلُ بدلَ الإخوة أولادُهم، فيعطى في كل صورة لأولاد الإخوة ما كان يُعطى للإخوة على فرض وجودهم؛ ويُجعلُ المقياسُ في تقسيم نصيب كل فريق من الأولاد فيما بينهم نَفْسَ مقياس تقسيمه بين أصولهم، فإذا كان فريقٌ من الأولاد ينتسب إلى أخ لأم فالمال بينهم بالتساوي ولو مع اختلافهم بالذكورة والأنوثة؛ وإذا كان فريق منهم ينتسب إلى أخ لأبوين أو لأب، فالمال بينهم بالتساوي مع الاتحاد في الذكورة أو الأنوثة وبالتفاضل مع الاختلاف فيهما.
الفرع الثالث: في ميراث الأجداد مع عدم الإخوة
مسألة 1052: إذا لم يكن للميت وارث من الطبقة الثانية سوى الأجداد، فميراثهم كما يلي:
1 ـ للجد وحده، وكذا للجدة وحدها، لأب كان كل منهما أو لأم، المالُ كلُّه بالقرابة.
2 ـ إذا اجتمع الجد والجدة معاً، فإن كانا لأبيه فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كانا لأمه فالمال بينهما بالسوية.
3 ـ إذا اجتمع الأجداد، وكان بعضهم لأب وبعضهم لأم، واحداً كان كل منهما أو أكثر، ذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين، فللجد للأب الثلثان يتقاسمونهما ـ مع التعدد واختلاف الجنس ـ للذكر مثل حظ الأنثيين، وللجد للأم الثلث يتقاسمونه ـ مع التعدد ـ بالسوية ولو مع الاختلاف في الجنس.
وذلك بدون فرق في هذه الموارد الثلاثة بين ما لـو كانـوا ـ جميعاً ـ أجداداً مباشرين أو كانوا جميعاً غير مباشرين، وهو ما يصطلح عليه بــ (الجد الأدنى) أي: المباشر، وبــ (الجد الأعلى) أي: غير المباشر.
مسألة 1053: لا يقتصرُ استحقاق الجـد ـ كما ألمحنـا لذلك أكثـر مـن مـرة ـ على ما لو كان جداً مباشراً للميت، بل يشمل كلَّ جدٍ له مهما علا؛ نعم إذا اجتمع الجد الأدنى مع الجد الأعلى لم يَحْجبْ الأولُ الثاني إلا إذا كان الثاني مزاحماً له وآخذاً لشيءٍ من نصيبه الذي يستحقه كاملاً لولا مزاحمة الجد الأعلى له، وهذه المزاحمة هي التي ذكرنا مرتكزها في الفرع الثاني الآنف الذكر الذي خصصناه لميراث أولاد الإخوة مع الإخوة؛ وحيث إن المزاحمة لا تحصل دائماً بين الجدين الأعلى والأدنى فإن ميراثهما معاً وعدمه مرهون بوجود المزاحمة وعدمها، وهذا نموذج عنها وجوداً وعدماً:
أما مثال المزاحمة فهو: أن يكون للميت جدة واحدة مع والدها؛ وحيث إن للجدة المنفردة تمام التركة بالقرابة.. لأب كانت أو لأم، فإن توريث والدها معها (وهو الجد الأعلى للميت) موجب لأخذ الثلثين منها إن كان كلا الجدة وأبيها جدين لأب، مثلاً. وحيث يزاحمها لا يرث معها شيئاً، وهكذا أمثاله.
وأما مثال عدم المزاحمة فهو: أن يترك الميت إخوة لأم وجَدّاً بعيداً لأم وجَدّاً قريباً لأب، وحيث إن ميراث الأخ للأم والجد للأم هو الثلث يتقاسمانه بالسوية، ونصيب الجد للأب عند اجتماعه مع أخ أو جد لأم أو معهما جميعاً، هو الثلثان، فإن توريث الجد الأعلى لأم من الثلث مع الأخ لأم لا يأخذ من ثلثي الجد الأدنى الذي هو جدٌ لأبٍ شيئاً، وحيث لا يزاحمه الجد الأعلى فإنه يرث معه دون أن يحجب هذا ذاك. وهكذا أمثاله.
مسألة 1054: إذا اجتمع أحد الزوجين مع الأجداد، أعطي الموجود من الزوجين نصيبه الأعلى على كل حال وفي جميع الموارد، ثم يُرى الموجود من الأجداد: فإن كان ذا فرض، ووسعت التركة جميع الفروض فلا إشكال، وإن لم تسع كان النقص في نصيب المتقرب بالأب، وقُدِّم نصيبُ المتقرب بالأم دون أن ينقص منه شيء؛ وإن لم يكن الموجود من الأجداد ذا فرض كان له الباقي بعد نصيب أحد الزوجين. وهكذا تجري هذه القاعدة هنا بنحو ما جرت عليه في كل طبقة.
الفرع الرابع: في ميراث الإخوة والأجداد
إن المبدأ العام الذي يحكم ويحدد ميراث الأجداد عند اجتماعهم مع الإخوة هو اعتبار كل واحد من الأجداد رِدْفاً وعِدْلاً لكل من يشاكله من الإخوة، فالجد ـ وإن علا ـ كالأخ، يقاسمه نصيبه الذي يكون له بالفرض أو بالقرابة، بحيث يَنْزعُ أحدهما صفة الواحد عن الآخر فيكونان كما لو وُجِدَا أخوين من الأصل؛ كذلك فإن الجدة كالأخت، فتقاسم الجدةُ ـ وإن علتْ ـ أُختَ الميت نصيبَها الذي يكـونُ لها بالفـرض أو بالقرابـة، بحيث ـ أيضاً ـ تَنْزع إحداهما عن الأخرى صفة الواحدة، فتكونان كما لو وُجِدَتا أختين من الأصل.
إن هذا المبدأ سوف يتجلى في مسائل كثيرةٍ هي نتاج تشابك وتكاثر صور تلاقي الأجداد مع الإخوة الذين ينطوي كل منهم على درجاتٍ متعددةٍ في مدى قربه من المورِّث وبُعده عنه؛ وذلك أنّ الجميع قد تتحد جهة قرابتهم بالمُتوفَّى من حيث كونها من جهة الأب أو من جهة الأم، وقد تختلف فيكون بعضهم من جهة الأم وبعضهم من جهة الأب، مع ما ينكشف عنه ذلك من صور متعددة، كما وأنه سوف ينظر إليهم ـ أيضاً ـ من جهة الوحدة والتعدد، وأيضاً من جهة الذكورة والأنوثة؛ وفي جميع ذلك صور عديدة محتملة، الأمر الذي لا بدَّ معه من جمْع ما يمكن جمعه منها في طي هذه المسائل:
مسألة 1055: إذا اجتمع الجد والأخ، وكانا كلاهما من قبل الأب، واحداً كان كل منهما ـ أو أحدهما ـ أو متعدداً، فإن اتحدوا في الذكورة أو الأنوثة كان المال بينهم بالسوية، وإن كانوا ذكراناً وإناثاً فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة 1056: إذا اجتمع الجد والأخ، وكانا كلاهما من جهة الأم، واحداً كان كل منهمـا ـ أو أحدهمـا ـ أو متعدداً، وذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين، فالمال بينهم بالسوية.
مسألة 1057: إذا اجتمع الأجداد والإخوة، وكان في فريق الأجداد من هو لأب ومن هو لأم، وفي فريق الإخوة من هو لأب ومن هو لأم، واحداً كان كل نوع من كل فريق أو متعدداً، فإن المال يتوارثونه كما يلي:
أ ـ ثلث لمن يتقرب إلى الميت بالأم من الأجداد والإخوة يتقاسمونه بالسوية ذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين.
ب ـ ثلثان لمن يتقرب إليه منهم بالأب يتقاسمونهمـا بالسوية ـ أيضاً ـ إن اتحدوا في الذكورة أو الأنوثة، وبالتفاضل مع الاختلاف فيهما.
مسألة 1058: إذا اجتمع الجد للأب مع الأخ للأم:
فإن كان الأخ واحداً، ذكراً كان أو أنثى، فله السدس، وإن كان متعدداً فله الثلث، يتقاسمونه بالسوية ذكوراً أو إناثاً أو مختلفين.
وللجد الباقي واحداً كان أو متعدداً، فإن كانوا جميعاً ذكوراً أو إناثاً تقاسموه بالسوية، وإن كانوا مختلفين فيهما فللذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة 1059: إذا اجتمع الجد للأم مع الأخ للأب:
فللجد الثلث، واحداً كان أو متعدداً، ذكراً كان أو أنثى، ومع التعدد يتقاسمونه بالسوية، سواء اتحدوا ذكورة أو أنوثة أو اختلفوا.
وللأخ من الأب الثلثان، واحداً كان أو متعدداً، وذكراً كان أو أنثى، فإذا تعددوا واتحدوا ذكورة أو أنوثة فهو بينهم بالسوية، وإن اختلفوا فهو بينهم بالتفاضل، للذكر مثل حظ الأنثيين.
غير أنه ينبغي الالتفات إلى صورة ما لو كان الموجود مع الجد للأم أخت واحدة لأب، فإن فرض الأخت هنا هو النصف، ولما كان فرض الجد هو الثلث، فإن التركة ستزيد عن الفروض سدساً، وحكم هذا السدس أن يرد على الأخت للأب، وإن كان الأحوط استحباباً أن يرد عليها وعلى الجد بالتراضي.
مسألة 1060: إذا اجتمع الأجداد مع الإخوة، وكان في الأجداد من هو لأب ومن هو لأم، وكان الأخ أو الأكثر لأب:
فللجد للأم الثلث، واحداً كان أو متعدداً، وذكراً كان أو أنثى، ومع التعدد يتقاسمونه بالسوية ولو مع اختلافهم في الذكورة والأنوثة.
وللجد للأب مع الإخوة للأب الثلثان، يتقاسمونهما بالسوية مع اتحادهم بالذكورة أو الأنوثة، وبالتفاضل مع الاختلاف.
مسألة 1061: إذا اجتمع الأجداد والإخوة، وكان في الأجداد من هو لأب ومن هو لأم، وكان الأخ أو الأكثر لأم:
فللجد للأم مع الأخ للأم ثلث المال بالسوية ولو مع اختلافهم ذكورة وأنوثة.
وللجـد للأب ـ واحداً كـان أو أكثـر ـ الثلثان، ومع التعدد والاتحاد في الذكورة أو الأنوثة فهو بينهم بالتساوي، ومع الاختلاف فبالتفاضل.
مسألة 1062: إذا اجتمع الأجداد والإخوة، وكان في الإخوة من هو لأب ومن هو لأم، وكان الأجداد للأب: فللأخ للأم السدس إن كان واحداً، والثلث إن كان متعدداً، فيتقاسمونه بالسوية ولو مع الاختلاف في الذكورة والأنوثة.
وللجد للأب مع الأخ للأب الباقي، يتقاسمونه بالسوية مع الاتحاد في الذكورة والأنوثة وبالتفاضل مع الاختلاف.
مسألة 1063: إذا اجتمع الأجداد والإخوة، وكان في الإخوة من هو لأب ومن هو لأم، وكان الجد أو أكثر للأم:
فللأجداد للأم مع الإخوة للأم ثلث المال بالسوية مطلقاً.
وللأخ للأب الباقي، يتقاسمونه بالتساوي مع التعدد والاتحاد بالذكورة والأنوثة، وبالتفاضل مع الاختلاف.
مسألة 1064: إذا اجتمع أحد الزوجين مع الأجداد والإخوة، ففي كل مورد من الموارد المذكورة في المسائل السابقة من هذا الفرع الثالث يُقدَّم الزوج أو الزوجة ويعطى نصيبه الأعلى، ثم ما يبقى يتقاسمه الأجداد والإخوة بالنحو الذي فصلناه، وفي كل مورد نقصت فيه التركة عن الفروض كان النقص من نصيب المتقرب بالأب دون المتقرب بالأم ودون الزوجين.
المطلب الثالث: في ميراث الطبقة الثالثة
وهم الأعمام والأخوال وأولادهم.
وهؤلاء هم أفراد الطبقة الثالثة، وتشتمل على الأعمام والعمات والأخـوال والخــالات، مهمـا علـوا، ولأب كانـوا أو لأم، كمـا تشتمـل ـ بعد فقدهم ـ على أولادهم المنتسبين إليهم بالأبوين أو بأحدهما، مهما نزلوا، ولكن بشرط أن لا تصل الوسائط في بُعدها إلى حدٍ لا تصدق معه القرابة عرفاً؛ وتفصيل أحكامهم يقع في تمهيد وخمسة فروع:
تمهيد:
مسألة 1065: يعتبر أفراد هذه الطبقة صنفاً واحداً، أي: إن الأعمام والعمات والأخوال والخالات هم فريق واحد، فلا يرث أحدٌ من أبنائهم مع وجود واحد منهم، فإذا اجتمع إبن عمٍ لأبوين مع خالة لأم لم يرث معها إبن العم، بل تنفرد الخالة بالميراث كله. نعم قد ورد النص على استثناء حالة واحدة هي: ما إذا اجتمع إبن عم لأبوين مع عم لأب فإن الميراث في هذه الحالة لإبن العم دون العم، وسيأتي تفصيله. كما أنه يستثنى من ذلك: كلُّ موردٍ اجتمع فيه الأعمام، وكان بعضهم لأبوين وبعضهم لأب، فيقدَّم العم للأبوين على العم للأب، فلا يورَّث العم للأب إلا عند فقد العم للأبوين، وكذا يحجب الخال للأبوين الخال للأب أيضاً.
مسألة 1066: يبتني الاستحقاق بين أفراد هذه الطبقة الأصليين، أو من يقوم مقامهم من أولادهم عند فقدهم جميعاً، على مبدأ الأقربية؛ فالعم أو الخال المباشر يمنع عمَّ الأم وعم الأب وخالهما، كذلك فإن عم الأم أو الأب وخالهما هو أقرب من عم أم الأم أو أب الأب وخالهما، بل إن أولاد العم أو الخال المباشر ـ وإن نزلوا ـ أولى من العم أو الخال غير المباشر، فضلاً عن أولويتهم على أولادهم.
الفرع الأول: في ميراث الأعمام وحدهم والأخوال وحدهم
وتفصيله في عنوانين:
1 ـ في ميراث الأعمام وحدهم:
مسألة 1067: إذا انفرد الأعمام بتركة الميت دون أحد من أخواله، وكانوا متحدين في قرابتهم للميت، فهم جميعاً لأبوين أو لأب أو لأم، فميراثهم كما يلي:
1 ـ للعم المنفرد تمام المال، ذكراً كان أو أنثى، يرثه بالقرابة.
2 ـ للعميـن ـ أو العمتيـن ـ فما زاد المال كله، فإن اتحدوا في الذكورة والأنوثة فالمال بينهم بالسوية، وإن اختلفوا فالأقوى توزيعه بالتفاضل، للذكر مثـل حـظ الأنثييـن، وإن كان الأحـوط استحبابـاً ـ مع التعدد والاختلاف في الذكورة والأنوثة ـ أن يتصالحوا فيما بينهم على ما ينقص من حصة الإناث على فرض التوزيع بالتساوي، ولا سيما إذا كانوا جميعاً متقربين بالميت بالأم.
مسألة 1068: إذا انفرد الأعمام بتركة الميت، وكانوا في قرابتهم للميت مختلفين، فميراثهم كما يلي:
1 ـ كلما اجتمع عم لأبوين وعم لأب لم يرث إلا العم للأبوين، سواءً كانوا وحداناً أو متعددين، وذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين.
2 ـ إذا اجتمع الأعمام لأبوين أو لأب مع الأعمام لأم: فللمتقرب بالأم إذا كان واحداً سدس المال، وإذا كان متعدداً فثلث المال يتقاسمونه بينهم بالسوية مع الاتحاد في الذكورة والأنوثة، وبالتفاضل مع الاختلاف فيهما على الأقرب، وإن كان الأحوط استحباباً التصالح بينهم.
وللمتقرب بالأبوين أو بالأب باقي التركة يتقاسمونه مع الإتحاد في الذكورة والأنوثة بالتساوي، ومع الاختلاف بالتفاضل على الأقرب، مع استحباب الاحتياط بالتصالح.
2 ـ ميراث الأخوال وحدهم:
مسألة 1069: إذا انفرد الأخوال بالتركة، وكانوا جميعاً لأبوين أو لأب أو لأم، فميراثهم كما يلي:
1 ـ للخال وحده، وكذا للخالة وحدها، تمام المال بالقرابة.
2 ـ وللخالين فما زاد، أو للخالتيـن فما زاد، تمام المـال بالقرابـة ـ أيضاً ـ يتقاسمونه بالسوية ذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين في الذكورة والأنوثة.
مسألة 1070: إذا اجتمع الأخوال والخالات، وكانوا مختلفين في جهة القرب من الميت، فكان بعضهم لأبوين وبعضهم لأب وبعضهم لأم، فميراثهم كما يلي:
أولاً: لا يرث المتقرب من الأخوال بالأب مع المتقرب إليه بالأبوين إلا عند فقده.
ثانياً: إذا كان بعضهم لأبوين أو لأب وبعضهم لأم:
فللمتقرب بالأم إذا كان واحداً سدس المال، وإذا كان متعدداً ثلث المال، يتقاسمونه بالسوية، ذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين.
وللمتقرب بالأبوين أو بالأب باقي المال، واحداً كان أو متعدداً، ومع التعدد يتوارثون المال بالسوية، سواءً اتحدوا في الذكورة والأنوثة أو اختلفوا.
وإن كان الأحوط استحباباً في صورة الاختلاف في الذكورة والأنوثة أن يتراضى الإناث مع الذكور في أخذهن ما يزيد عن نصيب الإناث لو اقْتُسِمَ المالُ بالتفاضل، لأبوين أو لأب كانوا أو لأم.
الفرع الثاني: في ميراث الأعمام والأخوال معاً
مسألة 1071: إذا اجتمع الأعمام والأخوال فميراثهم كما يلي:
1 ـ للخال الثلث، واحداً كان أو متعدداً، وذكراً كان أو أنثى، ومع التعدد يتقاسمون الثلث بالسوية، سواءً اتحدوا في تقربهم بالأبوين أو الأب أو الأم، أو كانوا مختلفين، فكان بعضهم لأب أو أبوين وبعضهم لأم، وذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين.
2 ـ للأعمام الثلثان، واحداً كان العم أو متعدداً، وذكراً كان أو أنثى، ومع التعدد والاختلاف في الذكورة والأنوثة يتقاسمون المال بالتفاضل، للذكر مثل حظ الأنثيين، سواء كانوا متحدين في جهة القرب أو مختلفين.
الفرع الثالث: في ميراث أولاد الأعمام والأخوال
مسألة 1072: أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم إذا فقد آباؤهم وأمهاتهم، أي: إذا فُقِدَ جميعُ من في الدرجة الأولى، ويأتون بالدرجة الثانية بعد آبائهم وأمهاتهم، ويقدَّمون على عمومة الأب والأم وخؤولتهما؛ فلا يرث ولدُ واحدٍ من هؤلاء الأربعة مع وجود واحد من الأربعة، أي: لا يرث إبن العم مثلاً ولو كان لأبوين مع وجود الخالة ولو كانت لأم، وهكذا؛ نعم، يستثنى من ذلك ما لو وجد ابنُ عمٍ لأبوين مع عم لأب دون أن يكون معه أحد من أفراد درجته غيره، فإن إبن العم يمنع العم ويكون المال كله لابن العم، وذلك في هذا المورد بخاصة، فلو اختلف الأمر فكان معه عم لأم لم يمنعه، وكذا لو كان معه عمة لأب، أو خال لأب أو لأم، بل يُقتصر في المنع على هذا المورد، للنص عليه. كذلك فإنه كما يحجب العمُّ المتقربُ بالأبوين العمَّ المتقربَ بالأب، فإن أولاد الأول يحجبون أولاد الثاني، وكذا الحكم في أولاد العمة، وأيضاً في أولاد الخال والخالة، إذ إن حجب المتقرب بالأبوين للمتقرب بالأب سارٍ في جميع أنواع القرابة، سواء اتحدوا في نوع القرابة أو اختلفوا، وسواءً اتحدوا في الذكورة والأنوثة أو اختلفوا، أي: إن الأخ، كما يحجب الأخ كذلك يحجب الأخت، وكما يحجب العمُّ العمَّ، كذلك يحجب الخالَ، وهكذا.
مسألة 1073: إذا خلت الدرجة الأولى من الوارث بالنحو الذي ذكرناه في المسألة السابقة، ورث كل واحد من أبناء العمومة والخؤولة نصيب من يتقرب به: فلو لم يكن للميت إلا أولاد خال أو أولاد خالة كانت التركة كلها لهم يتقاسمونها بالسوية، ذكوراً أو إناثاً، ومهما كانت درجة قرابة خؤولة أبيهم أو أمهم للمتوفَّى، من حيث كونها لأبوين أو لأب أو لأم.
كما أنه لو اجتمع أولاد الأعمام وأولاد الأخوال: فلأولاد الأخوال الثلث مهما كان عددهم، فيتقاسمونه بالسوية، سواءً كانوا أولاد خال أو خالة، وسواءً كان تَقَرُّبُ الأخوالِ بالأبوين أو بالأب أو بالأم، متحدين في ذلك أو مختلفين، وسواءً كان أولادهم ذكوراً أو إناثاً أو مختلفين؛ كما أن لأولاد الأعمام الثلثين، فإن كان الأعمام ذكوراً كلهم أو إناثاً كلهم فالثلثان بين أولادهم بالتساوي سواءً اتحد الأولاد في الذكورة والأنوثة أو اختلفوا؛ وإن كان الأعمام بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، أي: كان الأولاد بعضهم لعم وبعضهم لعمة: فلأولاد الأعمام سهمان من الثلثين، ولأولاد العمات سهم واحد، وذلك لأن آباءهم كانوا يتوارثون هذين الثلثين بالتفاضل على الأقرب، فتأخذ كل مجموعة من الأولاد حصة من تنتسب به ـ ذكراً كان أو أنثى ـ بالتفاضل، لكنَّ أولاد كل طرف يتوزعونه بينهم بالتساوي.
مسألة 1074: كما لا يرث إبن العم أو غيره من أفراد الدرجة الثانية مع العم أو غيره من أفراد الدرجة الأولى، فكذلك لا يرث إبن إبن العم، أو غيره من أفراد المرتبة الثانية فما بعدها من مراتب أولاد العمومة أو الخؤولة مهما نزلوا، لا يرث مع وجود الابن المباشر للعم أو الخـال أو غيـره مـن أفراد المرتبة الأولى من أبناء الأعمام والأخوال؛ فلو كان للميت أولاد خالة لأم وأولادُ أولاد عم لأبوين انفرد أبناء الخالة بالتركة دون سائر أحفاد العم للأبوين، وهكذا سائر مراتب أولاد العمومة والخؤولة، فإن الأقرب دائماً يمنع الأبعد.
الفرع الرابع: في ميراث الأعمام والأخوال غير المباشرين
مسألة 1075: أعمام الأب أو الأم أو أخوالهما هم درجة ثالثة بعد الأعمام والأخوال المباشرين وبعد أولادهم مهما نزلوا في مراتب الأحفاد والأسباط مع صدق القرابة عرفاً، فلا يرث عم الأب ـ مثلاً ـ مع وجود العم، ولا مع وجود إبن العم عند فقد العم، مهما نزل، فلو اجتمع عمُّ الأب مع إبن إبن خالة الميت لأمه قُدِّم الأخيرُ دون عم الأب، وهكذا يقاس على ذلك سائر الصور المحتملة.
مسألة 1076: إذا انفرد بتركة الميت أعمامُه أو أخوالُه غير المباشرين كانت التركة لهم، لأبوين كانوا أو لأب أو لأم، وذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين، وأعمام أبٍ كانوا أو أعمام أُمٍّ، أو أخوالاً لأحدهما، وحداناً كانوا أو متعددين؛ ويتقاسمون التركة بنفس النحو الذي ذكرناه في ميراث الأعمام والأخوال المباشرين.
مسألة 1077: يقوم أولاد أعمام الأب والأم وأولاد أخوالهما مقام آبائهم وأمهاتهم من عمات الأب والأم وخالاتهما، فيرثون نصيب من يتقربون به منهما، مهما نزلوا في مراتب الأحفاد والأسباط لهؤلاء الأعمام والأخوال غير المباشرين، بشـرط خلـو الدرجة الثالثة ـ وهي درجة الأعمام والأخوال غير المباشرين ـ من جميع أفرادها، بحيث يصير أولادهم هم الدرجة الرابعة التي ترث عند فقد الميت لكل وارث من الدرجات الثلاث السابقة.
وحينئذ يجري عليهم ما جرى في ميراث أولاد الأعمام والأخوال المباشرين، من دون اختلاف بينهم وبينهم مطلقاً.
الفرع الخامس: في ميراث أحد الزوجين مع الأعمام والأخوال
مسألة 1078: في كل مورد يشارك فيه الزوجُ أو الزوجةُ الأعمامَ والأخوالَ بدرجاتهم الأربع ومراتبهم المتعددة يأخذ الزوج أو الزوجة نصيبَه الأعلى، وهو النصف أو الربع، ثم يتوارث الأعمام والأخوال ما يبقى عن أحدهما من التركة، وحيث إنه لا يوجد سهم مفروض لأحدٍ من الأعمام والأخوال فإن جميع ما ذكرناه في فروع هذا المطلب الثالث لكيفية توزيع التركة على الورثة يتم فيما هو الموجود من التركة، فإذا كان الفاضل عن الزوج هو نصف التركة فإن هذا النصف هو تمام الموجود، فيتوزعونه بالنحو المتقدم الذي يتوزع فيه النقص على الجميع، لا على المتقرب بالأب بخاصة، كما هو الشأن عند تعدد السهام المفروضة وزيادتها عن التركة بالنحو الذي تقدم في ميراث الطبقة الأولى والثانية.
المبحث الثاني: في تفصيل إرث ذوي الأسباب
وهم ثلاثة، الأول: الزوج والزوجة، والثاني: ضامن الجريرة، والثالث: الإمام y أو من يقوم مقامه في غيبته، وتفصيل أحكامهم يقع في مطالب ثلاثة:
المطلب الأول: في ميراث الزوج والزوجة
مسألة 1079: يرث الزوج من زوجته نصف تركتها إذا لم يكن لها ولد، ويرث الربع مع الولد، وإن كان من غيره؛ وترث الزوجة من زوجها ربع تركته إذا لم يكن له ولد، وترث الثمن مع الولد، وإن كان من غيرها. هذا، ولا فرق في حجب الولد كلاً من الزوجين عن نصيبه الأعلى بين الولد المباشر وبين ولد الولد مهما نزل.
أما غير الولد من الورثة فلا يحجب كلا الزوجين عن نصيبه الأعلى فضلاً عن الأدنى، بل يرث كل منهما مع كل وارثٍ غيرهما بنسب أو سبب كما بيَّناه فيما سبق، بل قد يذهب الزوج بجميع الميراث ويقدم على الإمام y كما سيأتي.
مسألة 1080: إذا لم تترك الزوجة وارثاً لها ذا نسب أو سبب إلاَّ الإمام y فالنصف لزوجها بالفرض والنصف الآخر يردّ عليه على الأقوى، وإذا لم يترك الزوج وارثاً له ذا نسب أو سبب إلاّ الإمام y فلزوجته الربع فرضاً ولا يردّ عليها الباقي بل يكون للإمام y على الأقرب.
مسألة 1081: إذا كان للميت زوجتان فما زاد اشتركن في الثُّمن بالسوية مع وجود الولد للزوج، وفي الربع بالسوية مع عدم الولد له.
مسألة 1082: يشترط في التوارث بين الزوجين دوام العقد فلا ميراث بينهما في الزواج المؤقت، وكذا يشترط قيام العلاقة الزوجية على العقد الصحيح، فلو انكشف بطلان الزواج لخلل في أركانه أو شروطه، كأن انكشف أنها كانت متزوجة من أخيها من الرضاع، أو أنه متزوج من ذات بعل، لغى توارثهما بعد انكشاف البطلان ووجب على آخذ المال إرجاعه إلى الورثة؛ فيما لا يشترط فيه الدخول، فيتوارثان ولو مع عدم الدخول، نعم إذا تزوج المريضُ ولم يدخل بزوجته، ولم يبرأ من مرضه حتى مات، حكم ببطلان الزواج، ولم يكن بينهما توارث، ولم يثبت لها مهر؛ وقد تقدم ذلك في كتاب النكاح. (أنظر المسألة: 666).
مسألة 1083: يتوارث الزوجان إذا انفصلا بالطلاق الرجعي ما دامت العدة باقية، فإذا انتهت، أو كان الطلاق بائناً فلا توارث؛ نعم إذا طلق الرجل زوجته في حال المرض طلاقاً بائناً أو رجعياً ومات قبل انقضاء السنة القمرية من حين الطلاق، ورثت الزوجة عنه عند توفر ثلاثة شروط:
الأول: أن لا تتزوج المرأة بغيره إلى موته أثناء السنة، وإلاّ فالأظهر عدم ثبوت الإرث وإن كان الصلح أحوط.
الثاني: أن لا يكون الطـلاق بسؤالهـا ورضاهـا ـ بعـوض أو بدونه ـ وإلاّ لم ترثه على الأقوى.
الثالث: موت الزوج في ذلك المرض بسببه أو بسبب آخر، فلو برىء من ذلك المرض ومات بسبب آخر لم ترثه الزوجة إلاَّ إذا كان موته في أثناء العدة الرجعية كما مرّ.
مسألة 1084: إذا كان المريض قد طلق واحدة أو أكثر من زوجاته بالنحو المذكور في المسألة السابقة، ثم تزوج غيرهن فدخل بهن، فإذا توفي في مرضه ذاك، كان نصيب الزوجة ـ وهو الثمـن أو الربـع ـ لزوجاته اللواتي هنَّ معه واللواتي كان قد طلقهن ومات قبل انقضاء سنة على طلاقهن، مهما كان عدد الجميع، ستة أو سبعة أو ثمانية أو دون ذلك، فيتوزعن ذلك النصيب بينهن بالتساوي.
مسألة 1085: يرث الزوج من كل ما تركته زوجته بالنحو الذي مر، بدون فرق بين ذات الولد وغيرها، ولا بين المنقول من أموالها وغيره، كما لا فرق في غير المنقول بين العقار وبين ما عليه من منشآت وزروع؛ أما الزوجة فإنها ترث من مال زوجها بنفس النحو الذي يرثه منها الزوج إن كانت قد ولدت له، بما في ذلك أعيان العقار والمنشآت التي عليها، وأما إن لم تلد له ـ ولو كانت قد ولدت من غيره ـ فالأقوى أنها كذلك أيضاً، والأفضل التصالح مع الورثة في هذه الحالة الأخيرة.
المطلب الثاني: في إرث ضامن الجريرة
يراد بضمان الجريرة: تعاقد شخصين على أن يضمن كل واحد منهما ـ أو أحدهما ـ ما يرتكبه الآخر من (جريرة)، أي: من جناية موجبة لتحمل ديتها، فيتحملها الضامن عن المضمون، وفيما يلي تفصيل هذا العقد وما يترتب عليه من أثر في الميراث:
مسألة 1086: يجوز لأحد الشخصين أن يتعاقد مع الآخر على أن يضمن جريرته ـ أي جنايته ـ فيقول له مثلاً: (عاقدتك على أن تضمن عني ما يقع مني من جناية وترثني) فيقول الآخر: (قبلت)، فإذا عُقدَ العقدُ المذكور صحَّ وترتب عليه أثرُه وهو الضمان والإرث، ويجوز الاقتصار في العقد على ضمان الجناية وحده من دون ذكر الإرث، فيترتب عليه الإرث، وأما الاقتصار على ذكر الإرث فلا يبعد عدم تَرتُّبُ الإرثِ عليه فضلاً عن ترتب العَقْل؛ هذا، ويصطلح الفقهاءُ على تسمية ضمان الجريرة بــ (العَقْل) والمراد من العقل: الدية، فمعنى (عَقْلُه عنه): قيامه بدية جنايته.
مسألة 1087: يجوز التولي المذكور بين الشخصين على أن يعقل أحدهما بعينه عن الآخر دون العكس، كما يجوز التولي على أن يعقل كل منهما عن الآخر، فيقول أحدهما مثلاً: (عاقدتك على أن تعقل عني وأعقل عنك وترثني وأرثك) ثم يقول الآخر: (قبلت) فيترتب عليه العقل من الطرفين والإرث كذلك.
مسألة 1088: لا يصح العقد المذكور إلاَّ إذا كان المضمونُ لا وارث له من النسب ولا مولًى مُعتِق، فإنْ كان الضمان من الطرفين اعتبر عدم الوارث النسبي والمولى المعتق لهما معاً، وإن كان من أحد الطرفين اعتبر ذلك في المضمون لا غير، فلو ضمن من له وارث نسبي أو مولى معتق لم يصح، ولأجل ذلك لا يرثُ ضامنُ الجريرة إلاّ مع فقد القرابة من النسب والمولى المعتق.
مسألة 1089: إذا وقع الضمان مع من لا وارث له بالقرابة ولا مولى معتق، ثم ولد له بعد ذلك، فالأقوى بطلان عقد الضمان بمجرد ولادته، فإذا مات بعد ذلك في حياة أبيه لم يكن لعقد الضمان السابق أثر، وورثه الإمام y، وإن كان الأحوط استحباباً تصالح ذلك الذي كان ضامناً مع الإمام y.
مسألة 1090: إذا وُجد الزوجُ أو الزوجةُ مع ضامن الجريرة كان له نصيبه الأعلى وكان الباقي للضامن.
مسألة 1091: إذا مات الضامن لم ينتقل الوَلاءُ إلى ورثته.
المطلب الثالث: في إرث الإمام y
مسألة 1092: إذا فُقد الوارث النسبيُّ والمولى المعتق وضامن الجريرة كان الميراث للإمام y، إلاَّ إذا كان له زوج، فإنه يأخذ النصف بالفرض ويُرَدّ الباقي عليه، أو كانت له زوجة فيكون لها الربع والباقي يكون للإمام y كما تقدم.
مسألة 1093: ما يرثه الإمام y بولاء الإمامة يكون أَمره في عصر الغيبة بيد الحاكم الشرعي، وسبيله سبيل سهمه y من الخمس، فيصرف في مصارفه، وقد تقدم بيانها في كتاب الخمس من الجزء الأول.
مسألة 1094: إذا أوصى من لا وارث له إلاّ الإمام y بجميع ماله للفقراء والمساكين وإبن السبيل، فالأقرب نفوذ وصيته، وقد تقدم ذلك في (كتاب الوصية من الجزء الثاني في المسألة: 454)؛ في حين لا تنفذ الوصية بغير الثلث مع وجود وارثٍ غير الإمام إلا بإجازة ذلك الوارث، كما هو معلوم في باب الوصايا.
خاتمة
في ميراث ذوي الحالات المشكلة
المبحث الأول: في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ونحوهم
المبحث الثاني: في ميراث الخنثى
المبحث الثالث: في أمور مشكلة متفرقة
تمهيد:
إن ما سبق ذكره من مباحث الميراث هو بيان لأحكام الحالة الطبيعية التي يكون عليها الأطراف المتوارثون، وذلك من حيث وضوح كون هذا وارثاً وهذا مُورِّثاً، ومن حيث كون هذا معلوم الذكورة وذاك معلوم الأنوثة، ومن حيث وضوح العلاقات النسبية بين الأشخاص في أخوتهم وبنوتهم ونحو ذلك؛ أما الحالات الشاذة الموجودة فعلاً بين الناس، والتي تربك أفراد الأسرة ومن يرتبط بهم بسبب، عندما يواجهون فَقْدَ عزيز أو أكثر، فيتحيرون في ميراثه، فقد اهتم التشريع الإسلامي الرشيد بهذه الحالات الخارجة عن المألوف وشرَّع لها، ومن هذه الحالات: ميراث الأقرباء الذين يُتَوَفَّوْن معاً بغَرَقٍ أو هدْم أو نحوهما من أسباب الموت الجَمْعي؛ ومنها: الخنثى التي تجمع صفات الأنوثة والذكورة، ومنها: أهل بعض الأديان التي تجيز التزوج من بعض المحارم وتختلط بذلك أنسابهم، ومنها: ذو الرأسين الذي لا يُعلم أهو شخص واحد أو شخصان؛ إن جميع هذه الأمور المشكلة هي التي عقدنا لبيانها هذه الخاتمة بمباحثها المتعددة.
المبحث الأول: في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ونحوهم
ومورد الإشكال في ميراثهم هو جهالة من هو الذي مات منهم قبل الآخر ليتعين من يرث منهم الآخر، وهو ما سوف نفصله في هذا المبحث في مسائل:
مسألة 1095: إذا توفي شخصان أو أكثر بينهما نسب أو سبب موجبان للإرث، فإن عُلم أنَّ الوفاة قد حدثت لهما في وقتٍ واحد، سواءً كان الموت حتف الأنف أو كان بأي سبب من الأسباب، كالحرق والغرق والقتل وغيرها، لم يرث أحدهما الآخر ما دام كل منهما لم يتوفر فيه شرط الميراث الأساس وهو: أن يكون الوارث حياً حين موت المورِّث؛ بل يرث كلَّ واحد منهما وارثُه الحي، وهكذا الحكم في موت أكثر من شخصين في وقت واحد؛ فلو مات الزوجان في وقت واحد لم يرث أحدهما الآخر، بل يرثهما أبناؤهما وآباؤهما مع وجودهم، وإلا فغيرهم من سائر الطبقات، ومثله ما لو مات الوالد والوالدة وأبناؤهما جميعاً في وقت واحد، فلا يرث أحدهم الآخر، بل يرثهم سائر الورثة الأقرب فالأقرب. وإن لم يعلم حالهما هذه الجهة، فجُهل إن كانا قد تقارنا في الموت أو سبق أحدهما الآخر، أو عُلم سبق أحدهما وجُهل السابق، ففي هذه الحالة يرث كل واحد منهما الآخر، كما يرث كلَّ واحد منهما ورثتهُ الأحياءُ، سواءٌ في ذلك أسبابُ الموت الواقعة عليهم، وسواءٌ ما لو اتحد السببُ فيهم جميعاً أو اختلف، وذلك كالغرق والحرق والخسف وحوادث السير والوقوع من شاهق والتَسمُّم والقصف وغيرها مما لا يكاد يُحصى. نعم إذا كان الموتُ حتفَ الأَنفِ، أي: بدون سبب ظاهر، فإن وراثة كل منهما للآخر محل إشكال، والأحوط وجوباً تصالح الورثة فيما بينهم بالنحو الذي يُرضي الطرفَ المتضرر منهم على تقدير عدم ثوريثه أو نقصان نصيبه بذلك.
مسألة 1096: إن توزيع التركة بين الأطراف الذين تُوفوا معاً بعضهم مع البعض الآخر، من جهة، ثم توزيعها نفسها ـ بضميمة ما زاد عليها وما نقص منها نتيجةً لتوارث المُتوفِّين بعضهم للبعض الآخر ـ بين الأحياء الوارثين لكلا الطرفين الميتين، من جهة أخرى، إن توزيع التركة بين هؤلاء جميعاً يجب أن يُنطلَقَ في حلِّ تعقيداته من لحاظين:
اللحاظ الأول: وراثة أحد الميتين للآخر
وهو يرتكز على قاعدتين:
الأولى: إن المال الذي يتوارثانه هو ما كان يملكه كل واحد منهما حين موته، أي: تركتهما الأصلية، فلا يتوارثان في المال الذي سيرثه كل واحد من الآخر. ومثال ذلك ما لو توفي زوجان يملك كلُّ واحدٍ منهما ثروة مقدارها أربعون ألف دينار ذهباً، وكان لهما ولد، فيرث الزوج من زوجته هذه ربع تركتها، فتصير تركته خمسين ألف دينار، لكنَّ الزوجة عندما ترث من زوجها الثُمُن فإنها تأخذه من تركته الأصلية ـ وهي الأربعون ألفاً ـ لا منها ومما ورثه منها وهي الخمسون ألفاً.
الثانية هي: إن كل واحدٍ من الميِّتيْن ينبغي أن يُعتبر حياً حين موت الآخر، وذلك كي يتحقّق الشرط الأساس في التوارث الذي هو: (كون الوارث حيّاً حين موت المُورِّث)، والذي بدونه لا يرث أحدهما الآخر. فمثلاً: إذا غرق زوجان ليس لهما ولد، وكان لكل منهما والدان، فإن ميراثهما يكون كما يلي:
أولاً: حيث إن المفروض أن الزوجة قد توفيت قبل زوجها، فإن ميراثه منها مع عدم الولد هو النصف، فإذا اعتبرنا أن تركتها أربعون ألفاً، فإنه يكون لزوجها منها عشرون ألفاً، فتصير تركته ستين ألفاً.
ثانياً: وحيث إن المفروض أن الزوج بدوره قد توفي ـ أيضاً ـ قبل زوجته، فإن ميراثها من ثروته التي مات عنها ـ والتي هي: أربعون ألف دينار ـ هو الربع مع عدم الولد. فتستقر ثروتها على ثلاثين: عشرون منها هي الأصلية، وعشرة من زوجها وراثة، كما تستقر ثروة زوجها على الخمسين: ثلاثون هي الأصلية، وعشرون من زوجته وراثة.
ثالثاً: يرث والدا كل منهما مجموع تركة مورِّثهما، الأصلي منها والموروث، بطريقة معينة سنذكرها في اللحاظ الثاني.
وهكذا نجري في جميع الفروض على هذا النحو، فنُورِّث كلاً منهما نصيبه من تركة الآخر الأصلية على تقدير موته قبله، ثم ما تستقر عليه تركة كل منهما بعد الإنقاص منها والزيادة عليها، يرثه الحيُّ من ورثة كل منهما.
اللحاظ الثاني: وراثة الحي لكلٍ منهما
وفي هذا اللحاظ يختلف حكم ميراث الأحياء لمن ماتوا جَمْعاً، بين إرثهم لمالهم الأصلي وإرثهم للمال الذي ورثه الأموات بعضُهم من البعض الآخر، فهنا حالتان:
الأولى: وراثة الحي لمال الأموات الأصلي؛ والحكم فيه هو ارتكاز تحديد نصيبه على قاعدة مفادها: (افتراض موت المورِّث قبل رفيقه الذي مات معه)، ومثاله: ما لو ماتت أم وإبنتها، ولم يكن لهما وارث غير والد الفتاة الذي هو في نفس الوقت زوج الأم.
فالزوج يرث من مال زوجته الأصلي الربع، على أساس افتراض أن الزوجة قد ماتت قبل إبنتها، وهذا الإفتراض يمنع الزوج من وراثة النصف رغم احتمال موت البنت قبل أمها وزوالها كعائق بين الزوج وبين أخذ النصف. أما بنتها التي فرضناها حية بعد أمها فإنها ترث من أمها ما يبقى عن أبيها (زوج الأم) وهو ثلاثة أرباع التركة، يضاف إلى تركة البنت الأصلية إن كان لها مال آخر حسب الفرض.
كذلك فإن الزوج بصفته والداً يرث بنته في تركتها الأصلية على نفس الأساس، أي: افتراض كون البنت قد ماتت قبل أمها، وبذلك تشارك الأمّ الوالدَ في وراثة بنتهما، فيكون للأم الثلث وللأب الثلثين.
وبذلك، فإن الحي الذي هو والدٌ وزوجٌ قد ورث من مال الميتتيْن الأصلي رُبْعَ تركة زوجته وثلثي تركة بنته مرتكزاً في تحديد نصيبه هذا على افتراض موت كل واحدة من المورثتين قبل الأخرى؛ وهو غير ما سيرثه من مالهما الذي ورثته كل منهما عن الأخرى، والذي سيتقاطع مع نصيبه هذا بين الزيادة والنقص قبل أن يستقر المجموع منهما على رقم معين. كما سيتضح بعد بيان الحالة الثانية. وهكذا يجري الأمر في هذه الحالة مع كل وارث ومورِّث مهما اختلفت الصور التي لا تكاد تحصى في كثرتها الممتدة مع الطبقات الثلاث للأفراد الذي يرثون بالنسب، وكذا مع الأفراد الذين يرثون بالسبب.
الثانية: وراثة الحي لمال الأموات الموروث، والمراد بــ (المال الموروث) هو: المال الذي أخذه كل واحدٍ من الموتى بوراثته الآخر، وهو الذي جرى فيه توريث الموتى بعضهم للبعض الآخر على القاعدة التي ذكرناها في (اللحاظ الأول) الآنف الذكر. ذلك أن الصورة المفترضة هنا أن تركة كل واحد من المتوفاتين المذكورتين في المثال السابق مشتملة في قسم منها على مالهما الأصلي الذي ذكرنا كيفية وراثة الحي له في الحالة الأولى الآنفة الذكر، وفي قسم آخر منها على مالهما الموروث من الآخر الذي مات معه، وهو الذي سنذكر كيفية وراثة الحي له في هذه الحالة الثانية، فنقول:
يرث الزوج من الثلث الذي ورثته الأم (أي: زوجته) من ابنتها، وكذا يرث من ثلاثة أرباع التركة التي ورثتها البنت عن أمها، يرث منهما على قاعدة هي عكس القاعدة التي يرث بها من مالهما الأصلي المذكورة في الحالة الثانية، ومفاد هذه القاعدة المعاكسة هي: (أن يفترض موت المورِّث بعد رفيقه الذي مات معه)، وهي الموافقة لقاعدة توارث المتوفِّين لبعضهم والمذكورة في اللحاظ الأول؛ وبناءً عليه:
فإنه يرث (ثلاثة أرباع) تركة الأم التي ورثتها ابنته بتمامها، حيث افترضنا أن أمها ماتت قبلها وأن الأب قد انفرد بميراث ابنته، فيأخذه جميعه.
كما أنه يرث النصف من ثلث زوجته الذي ورثته من بنتها، لأن المفروض أن البنت قد ماتت قبل الأم، فيخلو الزوج ممن يحجبه عن نصيبه الأعلى، فيرث النصف حيث لا ولد، ثم يرث النصف الآخر من الثلث بالرد عليه حيث لا وارث لزوجته غيره.
وهكذا يجري الأمر على هذا النحو في جميع الصور المحتملة في الميراث.
وخلاصة طريقة توزيع ميراث الغرقى ومن يشبههم هي كما يلي:
أولاً: يرث كل واحد من الغريقين الآخر على قاعدة موته قبله، من أصل تركته، فيما لا يرث أحدهما الآخر فيما يرثه الآخر منه. وتكون المحصلة: إشتمال تركة كل من الغريقين على مالٍ أصلي ومالٍ موروث من الآخر، وذلك بمقدار معلوم.
ثانياً: يرث الحيُّ من مالهما الأصلي بطريقة مختلفة عن وراثته لمالهما الموروث:
فيرث من المال الأصلي على قاعدة افتراض موت المُورِّث قبل رفيقه، والتي تعني تشارك الرفيق والحي في وراثة من افتُرض موتُه قبلُ، ويُحدد نصيب الحي على هذا الأساس.
فيما هو يرث من المال الموروث على قاعدة معاكسة هي: افتراض موت المورِّث بعد رفيقه، والتي تعني انفراد الحي بميراث المورِّث أو حيازته النصيب الأعلى منه، في المحصَّلة النهائية.
أما كيفية حساب ذلك، فهو أمر معقد بدون شك، فلا يُستغنى فيه عن مشاركة أهل الخبرة في الحساب، إضافة إلى لزوم إشراف المُتفقِّه المحيط بتفصيلات أحكام الميراث ودقائقها.
مسألة 1097: يشترط في ثبوت التوارث بين أطراف الموت الجَمْعي ما كان يشترط في التوارث بينهم عند حدوث الموت الأفرادي، ومن ذلك الموارد التالية ـ كأمثلةٍ على موانع التوارث ـ:
الأول: ما لو توقَّفَ توارثُ بعضهم على حصول أمرٍ لم يكن معلوم الحصول بسبب الموت الجمعي للأطراف، وذلك كما لو غرق والد وولداه، فإن الوالد يرثهما وهما يرثان الوالد، لكن الولدين لا يرثان بعضهما بعنوان الأُخُوَّة إلا إذا علمت وفاة الوالد قبلهما، وحيث إن ذلك غير معلوم فلا يتوارثان، رغم احتمال موت الوالد قبلهما، لكنه احتمال لا يغني عن العلم.
الثاني: ما لو كانا كلاهما محجوبين بالكفر مع وجود وارث مسلم لكل منهما، وكذا ما لو كان أحدهما محجوباً دون الآخر على الأقرب، فلو كان أحدهما كافراً أو قاتلاً دون الآخر، ورث غير المحجوب صاحبه دون أن يرثه صاحبُه المحجوب.
الثالث: ما لو كان المانع من إرث أحدهما فقدان صاحبه ما يورث، فمن كان مُعدَماً لا يملك شيئاً يَرثُ صاحبَه المالكَ ولو لم يكن عنده ما يرثه صاحبه منه.
المبحث الثاني: في ميراث الخنثى
ومورد الإشكال فيه هو جهالة كونه ذكراً أو أنثى، وتفصيل أحكامه في مسألتين:
مسألة 1098: الخنثى هو الإنسان الذي له فرج الذكر وفرج الأنثى، فإن أمكن تمييز كونه ذكراً أو أنثى ولو بمعونة الطرق العلمية الحديثة عُمل به، وإلا لزم الرجوع إلى الأمارات المنصوص عليها، ومنها: أن ينظر من أي العورتين يبول، فإن كان من فرج الذكورة فهو ذكر، وإن كان من فرج الأنوثة فهو أنثى. وإن لم يمكن تمييز جنسه أعطي نصف سهمه لو كان ذكراً ونصف سهمه لو كان أنثى.
مسألة 1099: إن الطريقة المعتمدة ـ حسابياً ـ في استخراج نصيب الخنثى هي تكثير السهام إلى أن يمكن فرز سهمه بما يناسب نصف سهم الذكر ونصف سهم الأنثى، ولنأخذ لذلك المثال التالي ونطبق هذه القاعدة عليه:
إذا خلف الميت ولدين: ذكراً وخنثى، لزم فرضهما ذكرين تارة، وذكراً وأنثى تارة أخرى، فيكون معنا سهمان عند فرضهما ذكرين، وثلاثة سهام عند فرضهما ذكراً وأنثى: سهمان للذكر وسهم للأنثى تُضرب السهام ببعضها لتكثيرها، فنضرب السهمين بالثلاثة، وحاصل الضرب ستة، ثم يُضرب الحاصل، وهو: الستة، بمخرج النصف، وهو: الإثنان، فيصير اثني عشر. وحينئذ يمكن توزيع السهام كما يلي:
لو فرضناهما ذكرين، فلكل ذكر ستة، وحيث إن للخنثى نصف نصيب الذكر فإن له ثلاثة، ولو فرضناه أنثى فإن لها مع الذكر سهم واحد من ثلاثة سهام، فيكون لها أربعة من الإثني عشر، وحيث إن للخنثى نصف نصيب الأنثى إضافة إلى نصف نصيب الذكر، فإن له إثنين من الأربعة، وقد كان لها نصف نصيب الذكر وهو ثلاثة من ستة، فيكون مجموع النصيبين خمسة من اثني عشر للخنثى، وسبعة من اثني عشر للذكر.
وهكذا الأمر لو كان للميت ذكران وخنثى، فنستخدم نفس الطريقة لنصل بالسهام إلى ثلاثين، يكون نصيب الخنثى منها ثمانية، ولكل من الذكرين أحد عشر. وهكذا سائر الموارد والحالات.
تتمة في حكم مجهول الذكورة والأنوثة:
مسألة 1100: إن ما سبق ذكره مختص بالخنثى الذي يتميز باشتماله على عضو الذكورة والأنوثة مع جهالة غلبة أيهما عليها، وهو أمر مختلف عما لو وجد شخص ليس له فرج الذكورة ولا الأنوثة، كما أنه مختلف عما لو جهلنا كون هذا الميت بخصوصه ذكراً أو أنثى، لفقدان جثته بالغرق ونحوه أو لتحلل جثته وفقدان علامات الذكورة والأنوثة؛ والحكم في أمثال هذه الموارد هو إجراء القرعة، وطريقتها: أن يكتب على سهم (عبد الله) أو ما يفيد أنه ذكر، وعلى سهم آخر: (أمة الله) أو ما يفيد أنه أنثى، ثم يقول استحباباً: «اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، فبيّن لنا أمر هذا المولود كيف يورَّث ما فرضت له في الكتاب». ثم يُجعل هذان السهمان بين سهام مبهمة، ثم يُستخرج السهام حتى يخرج أحد السهمين المكتوبين، فيعتبره كما خرجت القرعة ويُرتِّبُ عليه الأثر. والأفضل أن يكون إجراؤها بيد الحاكم الشرعي أو وكيله في ذلك.
المبحث الثالث: في أمور مشكلة متفرقة
وهي عدة أمور لا يجمعها سوى أنها على خلاف الوضع الطبيعي للمتوارثين، وهي كما يلي:
الأول: من له رأسان
مسألة 1101: من كان له رأسان على صدر واحد، أو كان له صدران على حقو واحد وبرأس واحد، فإن علم أنه شخصان أو شخص واحد عومل في الميراث وغيره على أنه كذلك، وإن لم يعلم حاله فطريقة التعرف عليه أن يُختبر حَالَ النوم، فيُوقَظ من إحدى الجهتين، فإن استيقظ الجانبان فهو شخص واحد، وإن استيقظ جانب واحد فهو شخصان.
الثاني: في ميراث أصحاب المذاهب والملل الأخرى
مسألة 1102: إذا تزوج غيرُ الإمامي مَنْ يَحرم عليه نكاحها عندنا، فأولدها، فلا إشكال في ثبوت التوارث بين الولد وأبويه، وكذا بينه وبين من يتقرب بهما، كما أن الظاهر ثبوت التوارث بين أبيه وأمه كزوجين لأن زواج سائر المذاهب الإسلامية غير الإمامية يوجب التوارث بين الزوجين إذا جرى وفق مذهبهم وإن كان باطلاً بحسب مذهبنا، كالزواج من المطلقة بالطلاق البِدْعي (الطلاق البدعي: هو كل طلاق مخالف للشروط المعتبرة في مذهبنا. أنظر تفصيل ذلك في المسألة: 923).
مسألة 1103: إذا تزوج المجوسي أو غيره من الكفار من يحرم عليه نكاحها في الشريعة الإسلامية فأولدها ثبت التوارث به بين بعضهم مع بعض، نسباً وسبباً على الأقوى، فيتوارث الولد وأبواه مثلاً، وكذا يتوارث الأبوان كزوجين.
الثالث: اجتماع أسباب متعددة للميراث
قد يجتمع أكثر من نسب وسبب في شخص واحد في ميراثه منه، وتفصيل ذلك كما يلي:
مسألة 1104: لما كان عنوان الزوجية من العناوين التي تجتمع مع غيرها من العناوين النسبية والسببية، فإنه قد يجتمع في أحد الزوجين أكثر من عنوان موجب للميراث، ومثاله:
أ ـ أن يكون أحد الزوجين إبن عم أو إبن خال للآخر، فيرثه الآخر بعنوان كونه زوجاً وبعنوان كونه واحداً من أقربائه من طبقة العمومة والخؤولة، بحيث قد يرث تمام تركته بذينك السببين.
ب ـ أن يكون أحد الزوجين ضامناً لجريرة الآخر فيرث كل منهما الآخر بالزوجية وبضمان الجريرة. وهكذا أمثال ذلك.
مسألة 1105: إذا اجتمع لشخص عنوانان نسبيان موجبان للإرث، كان حكمه على نحوين:
النحو الأول: أن لا يمنع أحد العنوانين العنوان الآخر، وحينئذ يرث بهما معاً، سواء اتحدا في العنوان أو اختلفا، ومثال الأول: ما لو انحصر وارث الحفيد بجد واحد هو جده الأعلى من جهة أبيه وجده الأدنى لأمه، وذلك متصور في أحفاد وأبناء من تزوج أخت أخيه. ومثال الثاني: ما لو تزوج أخو شخص لأبيه أخته لأمه، فولدت ولداً له، فإن ذلك الشخص هو عم لذلك الولد وخال، فإذا مات ذلك الولد ورثه هذا الشخص من جهة كونه عماً له وخالاً.
النحو الثاني: أن يمنع أحد العنوانين العنوان الآخر، فيرث ذلك الشخص بالعنوان المانع، ومثاله: ما إذا تزوج أخوان زوجتين، فولدتا لهما، ثم مات أحدهما وتزوج الآخر زوجته فولدت له أيضاً، فولد هذه الزوجة الثانية من زوجها الأول إبن عم لولدها من زوجها الثاني وأخ له لأم، فيرث كل منهما الآخر بالأخوة لا بالعمومة.
وهكذا أمثال هذه الموارد في شتى طبقات الإرث.
مسألة 1106: كما يتحقّق التوارث بأكثر من سبب بين الورثة المسلمين، فإنه قد يتحقّق بين الورثة الكفار رغم أنَّ تكثُّر الأسباب عندهم قد يكون ناشئاً من زواج غير صحيح في شرعنا، وذلك كما إذا مات المجوسي وكانت زوجته خالته أيضاً ولم يترك وارثاً من الطبقتين الأولى والثانية فإنها ترث منه نصيب الخالة بالإضافة إلى نصيب الزوجة.
وإذا اجتمع سببان أحدهما يمنع الآخر ورث من جهة المانع دون الممنوع كما لو تزوج خالته فأولدها، فإن الولد يرثه من حيث كونه ولداً له ولا يرثه من حيث كونه إبن خالته.
الفهرست
|
مقدمة الطبعة التاسعة ......................................................................................................... مقدمة الطبعة الأولى ............................................................................................................ الجزء الثالث القسم الأول: في عوارض التملّك تمهيد ........................................................................................................................................... المقصد الأول: في الشركة ولواحقها تمهيد ........................................................................................................................................... الباب الأول:في الشركة المبحث الأول: في التعريف والأسباب ............................................................................... المبحث الثاني: في الشركة العقدية .............................................................................. المطلب الأول: في أحكام الشركة العقدية المجردة .................................. المطلب الثاني: في أحكام الشركة العقدية الاستثمارية ........................ المبحث الثالث: في كيفية التصرف بمال الشركة .................................................. المطلب الأول: في حكم التصرف بمال الشركة غير الاستثمارية ....... المطلب الثاني: في حكم التصرف بمال الشركة الاستثمارية .............. تتمة في موجبات فسخ الشركة الاستثمارية .................................................. المبحث الرابع: في إزالة الشيوع بالقسمة ....................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المطلب الأول: في تعريف القسمة وطرقها ................................................... المطلب الثاني: في قسمتي الإجبار والتراضي ............................................ المطلب الثالث: في تعديل السهام وتوزيعها ................................................. فائدة ............................................................................................................................ الباب الثاني:في المضاربة المبحث الأول: في التعريف والعقد والشروط ................................................................. المطلب الأول: في التعريف ................................................................................... المطلب الثاني: في العقد ....................................................................................... المطلب الثالث: في الشروط ................................................................................. المبحث الثاني: في كيفية القيام بالمضاربة .................................................................. المبحث الثالث: في الربح والخسارة ................................................................................... المبحث الرابع: في أحكام الفسخ والتلف والخلل ....................................................... الباب الثالث:في الشفعة تمهيد ........................................................................................................................................... المبحث الأول: في ما تثبت فيه الشفعة ........................................................................... المبحث الثاني: في ما يعتبر في الشفيع ............................................................................. المبحث الثالث: في الأخذ بالشفعة ................................................................................... المطلب الأول: في كيفية الأخذ بالشفعة ........................................................ المطلب الثاني: في موانع الأخذ بالشفعة .................................................... المقصد الثاني: في الدين ولواحقه تمهيد ........................................................................................................................................... الباب الأول:في القرض والدين تمهيد ........................................................................................................................................... الفصل الأول: في القرض ..................................................................................................... المبحث الأول: في العقد ........................................................................................ المبحث الثاني: في حكم الاشتراط في القرض ......................................... المبحث الثالث: في الوفاء بالقرض .................................................................. فائدة ............................................................................................................................ الفصل الثاني: في أحكام الدين ..................................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في التأجيل وأحكامه ................................................................. المبحث الثاني: في وفاء الدين ............................................................................ تتمة فيها فائدتان ................................................................................................. الفائدة الأولى: في الإبراء .............................................................................. الفائدة الثانية: في المقاصة .............................................................................. المبحث الثالث: في بيع الدين ............................................................................. المبحث الرابع: في الفلس ..................................................................................... تفريع: في أفضلية بعض الغرماء أو (خيار التفليس) ........................ الباب الثاني: في ما يضمن به الدين تمهيد ........................................................................................................................................... الفصل الأول: في الرهن ....................................................................................................... المبحث الأول: في العقد والمتعاقدين وتفصيل أحكامه ....................... المطلب الأول: في التعريف ....................................................................................... المطلب الثاني: في العقد ........................................................................................... المطلب الثالث: في المتعاقدين .................................................................................. المبحث الثاني: في العين المرهونة .................................................................. المبحث الثالث: في ما يرهن له .......................................................................... المبحث الرابع: في كيفية التصرف بالمرهون .............................................. المبحث الخامس: في استيفاء الدين من الرهن ........................................ الفصل الثاني: في الكفالة ............................................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في العقد والشروط ................................................................... المبحث الثاني: في كيفية القيام بها ................................................................. الفصل الثالث: في الضمان ................................................................................................. تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في العقد والشروط ................................................................... المبحث الثاني: في كيفية الأداء .......................................................................... المبحث الثالث: في أحكام التنازع ...................................................................... الباب الثالث: في الحوالة تمهيد ........................................................................................................................................... المبحث الأول: في العقد والشروط ...................................................................................... المبحث الثاني: في أحكام الأداء والتنازع ....................................................................... تفريع فيه مطلبان ....................................................................................................... المطلب الأول: في أنواع أخرى من الحوالة ................................................... المطلب الثاني: في الحوالات المصرفية ........................................................ ملحق في أعمال البنوك ....................................................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المطلب الأول: في شرعية العمل المصرفي .................................................. المطلب الثاني: في الإيداع .................................................................................... المطلب الثالث: في الإقراض ................................................................................ المطلب الرابع: في فتح الاعتماد ....................................................................... المطلب الخامس: في الوساطة في الأعمال التجارية ............................. 1 ـ الاستثمار ............................................................................................................... 2 ـ بيع السلع والسهام .............................................................................................. 3 ـ بيع السندات ........................................................................................................ 4 ـ خزن البضائع ........................................................................................................ المطلب السادس: في تحصيل الكمبيالات وأداء الديون .......................... المطلب السابع: في الكفالة .................................................................................. المقصد الثالث: في مسؤولية صاحب اليد عما بيده من مال الغير تمهيد ........................................................................................................................................... الباب الأول: في الوديعة المبحث الأول: في العقد والمتعاقدين ................................................................................ المبحث الثاني: في أحكام الحفظ والرد ......................................................................... المبحث الثالث: في أحكام الضمان والتنازع ................................................................ المطلب الأول: في أحكام الضمان ...................................................................... المطلب الثاني: في أحكام التنازع ....................................................................... الباب الثاني: في اللقطة تمهيد ........................................................................................................................................... المبحث الأول: في أحكام اللقيط ..................................................................................... المبحث الثاني: في لقطة الحيوان ...................................................................................... المبحث الثالث: في لقطة المال ............................................................................................. المطلب الأول: في ما به تتحقّق اللقطة ........................................................ المطلب الثاني: في التعريف عنها ..................................................................... المطلب الثالث: في أحكامها العامة .................................................................. الباب الثالث: في العدوان على مال الغير تمهيد ........................................................................................................................................... الفصل الأول: في أحكام الغصب ..................................................................................... المبحث الأول: في ما به يتحقّق الغصب ........................................................ المبحث الثاني: في رد العين المغصوبة .......................................................... المبحث الثالث: في ضمان المنافع والحقوق المفوَّتة بالغصب ........ المطلب الأول: في ضمان المنافع ................................................................................ المطلب الثاني: في ضمان الحقوق ............................................................................ المبحث الرابع: في أحكام التنازع ....................................................................... فائدة في حكم تلف المغصوب .............................................................................. تتمة في حكم المأخوذ بالعقد الفاسد ونحوه .............................................. الفصل الثاني: في ضمان التالف ....................................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في التلف الموجب للضمان .................................................. المبحث الثاني: في كيفية الضمان ..................................................................... المطلب الأول: في ضمان المثل .................................................................................... المطلب الثاني: في ضمان القيمة ............................................................................ المقصد الرابع: في أبواب متفرقة تمهيد ........................................................................................................................................... الباب الأول: في الوكالة المبحث الأول: في التعريف والعقد والمتعاقدين ........................................................... المطلب الأول: في التعريف ................................................................................... المطلب الثاني: في العقد والمتعاقدين .......................................................... المبحث الثاني: في ما يصح التوكيل فيه ...................................................................... المبحث الثالث: في كيفية قيام الوكيل بعمله ......................................................... تتمة في مهنة المحاماة .................................................................................................. الباب الثاني: في الإقرار المبحث الأول: في صيغة الإقرار و طبيعته ...................................................................... المبحث الثاني: في شروط المُقر والمُقَر له .......................................................................... المطلب الأول: في المُقِر ......................................................................................... المطلب الثاني: في المقر له ................................................................................. المبحث الثالث: في المُقَر به ................................................................................................... الباب الثالث: في اليمين والنذر والعهد تمهيد ........................................................................................................................................... المبحث الأول: في التعريف والصيغة والأقسام ............................................................. المطلب الأول: في تعريف اليمين وصيغته وأقسامه .................................. المطلب الثاني: في تعريف النذر وصيغته وأقسامه ................................... المطلب الثالث: في تعريف العهد وصيغته وأقسامه ................................. المبحث الثاني: في شروط الحالف والناذر والمعاهد ....................................................... المبحث الثالث: في متعلق اليمين والنذر والعهد ........................................................... المبحث الرابع: في أحكام الوفاء والحنث ....................................................................... إلفات ......................................................................................................................................... الباب الرابع: في الكفارات تمهيد ........................................................................................................................................... المبحث الأول: في موجبات الكفارة وخصالها .............................................................. المبحث الثاني: في كيفية القيام بكل خصلة ........................................................... المطلب الأول: في عتق الرقبة ............................................................................. المطلب الثاني: في صيام الكفارة ....................................................................... المطلب الثالث: في الإطعام .................................................................................. المطلب الرابع: في الكسوة ..................................................................................... المطلب الخامس: في الاستغفار ......................................................................... المطلب السادس: في ما به يتحقّق العجز عن كل خصلة ..................... الباب الخامس: في الأطعمة والأشربة تمهيد ........................................................................................................................................... المبحث الأول: في ما يحرم تناوله من الأطعمة والأشربة ........................................ الأول: الأعيان النجسة ............................................................................................... الثاني: المسكرات ......................................................................................................... الثالث: ما يوجب الضرر ........................................................................................... الرابع: في أمور شتى .................................................................................................. 1 ـ الطين ................................................................................................................... 2 ـ الدم والفضلات الطاهرة ........................................................................... 3 ـ مال الغير ........................................................................................................... المبحث الثاني: في ما يحل تناوله عند الاضطرار ....................................................... خاتمة في أحكام المائدة والآداب ................................................................................ القسم الثاني: في أحكام الزواج والأسرة تمهيد ........................................................................................................................................... مدخل في أحكام العلاقة بين الرجل والمرأة ............................................................... المطلب الأول: في ما يحرم على الرجل من الرجل .................................. المطلب الثاني: في ما يحرم على المرأة من المرأة .................................. المطلب الثالث: في ما يحرم على الرجل والمرأة من الآخر ................ المطلب الرابع: في ما يحرم على المكلف من نفسه ................................ الباب الأول:في الزواج تمهيد ........................................................................................................................................... الفصل الأول: في صفات الزوجين ..................................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في الكفاءة في الدين ................................................................ المبحث الثاني: في من يحرم تزوجه بالقرابة ............................................. المطلب الأول: في من يحرم بالنسب ....................................................................... المطلب الثاني: في من يحرم بالرضاع ................................................................... أولاً: ذكر من يحرم من جانب صاحب اللبن والمرضعة ................. ثانياً: ذكر من يحرم من جانب الرضيع .................................................. المطلب الثالث: من يحرم بالمصاهرة ...................................................................... أولاً: من يحرم التزوج منها عيناً ................................................................ ثانياً: من يحرم التزوج منه جمعاً ................................................................. المبحث الثالث: في من يحرم التزوج منه لغير القرابة .......................... المطلب الأول: في من يحرم بعقد أو جماع غير شرعيين ..................................... أولاً: حكم العقد على ذات البعل أو الزنى بها ............................... ثانياً: حكم العقد على المعتدة أو الزنى بها ......................................... فائدة: في حكم التصريح بالخطبة لذات البعل وللمعتدة ....... ثالثاً: حكم الزنى ببعض المحارم أو بغيرهم .......................................... رابعاً: في أثر فاحشة اللواط ........................................................................ المطلب الثاني: في من يحرم بغير العقد أو الجماع غير الشرعيين .................. أولاً: أثر الإحرام للحج أو العمرة .......................................................... ثانياً: في عدد الزوجات ................................................................................. ثالثاً: في التزوج من المطلقة ثلاثاً أو تسعاً ............................................. خاتمة في ما يستحب من الصفات في الزوجين .................................. الفصل الثاني: في العقد والمتعاقدين ............................................................................. تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في صيغة العقد ........................................................................... المبحث الثاني: في أهلية المتعاقدين ............................................................. المطلب الأول: في ما يعتبر في المتعاقدين ............................................................... الأول: البلوغ .................................................................................................... الثاني: العقل ..................................................................................................... الثالث: القصد .................................................................................................. الرابع: الاختيار ................................................................................................ المطلب الثاني: في أحكام قيام الغير بالعقد ....................................................... أولاً: في عقد الوكيل ...................................................................................... ثانياً: في عقد الولي ......................................................................................... ثالثاً: في عقد الفضولي ................................................................................. المبحث الثالث: في أحكام البطلان والفسخ ................................................. المطلب الأول: في ما يوجب البطلان قهراً ............................................................... الأول: الارتداد ................................................................................................ أولاً: في عروض الكفر على زواج المسلميْن ............................... ثانياً: في عروض الإسلام على زواج الكافرين .......................... الثاني: الرضاع المحرِّم ..................................................................................... الثالث: الوفاة حال المرض .......................................................................... الرابع: اللعان وما بحكمه ............................................................................. المطلب الثاني: في موجبات خيار الفسخ ............................................................... الفرع الأول: في خيار العيب ..................................................................... أولاً: عيوب الزوجة ............................................................................... ثانياً: عيوب الزوج .................................................................................. ثالثاً: في أحكام خاصة بالعيب ........................................................... الفرع الثاني: في خيار التدليس .................................................................. المطلب الثالث: في آثار بطلان عقد الزواج وانفساخه وفسخه ......................... أولاً: في أثر البطلان ....................................................................................... ثانياً: في أثر الانفساخ .................................................................................... ثالثاً: في أثر الفسخ .......................................................................................... الفصل الثالث: في آثار الزواج ........................................................................................... المبحث الأول: في المهر وأحكامه ...................................................................... المطلب الأول: في لزوم المهر وعدمه ....................................................................... المطلب الثاني: في ما يعتبر في المهر ........................................................................ المطلب الثالث: في الأداء والتسليم ........................................................................ المبحث الثاني: في نفقة الزوجة ........................................................................ المطلب الأول: في ما يعتبر في الزوجة ..................................................................... الأول: الزوجية الدائمة ................................................................................ الثاني: أداء حق الزوج ................................................................................. المطلب الثاني: في نوع النفقة ومقدارها ............................................................... المطلب الثالث: في أحكام العجز والتنازع ............................................................. المبحث الثالث: في حق الاستمتاع ................................................................... المطلب الأول: في حق الزوج على زوجته ............................................................... المطلب الثاني: في حق الزوجة على زوجها ........................................................... المطلب الثالث: في أحكام الأداء والنشوز ............................................................... الفرع الأول: في نشوز الزوج ..................................................................... الفرع الثاني: في نشوز الزوجة ................................................................... تتمة في الإيلاء ...................................................................................................... المبحث الرابع: في التحكيم في الشقاق ........................................................ المبحث الخامس: في القرابة ولواحقها ......................................................... المطلب الأول: في المصاهرة ....................................................................................... المطلب الثاني: في النسب ......................................................................................... الفرع الأول: ما به يتحقّق النسب ........................................................... الفرع الثاني: ما به يثبت النسب ............................................................... الفرع الثالث: في نفي الولد ........................................................................ تتمة في أحكام الحمل والولادة .............................................................. المطلب الثالث: في الرضاع ........................................................................................ المطلب الرابع: في حقوق الأقرباء ............................................................................ تمهيد ...................................................................................................................... الفرع الأول: في حقي الولاية والحضانة ............................................... الفرع الثاني: في نفقة الأقارب ................................................................... تتمة في الإنفاق على المضطر ............................................................... الفرع الثالث: في حقوق الأقرباء الأخلاقية ........................................ أ ـ في تربية الولد ....................................................................................... ب ـ في بر الوالدين وطاعتهما ........................................................... ت ـ في صلة الرحم ................................................................................ الفصل الرابع: في خصائص الزواج المؤقت ..................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... الأول: في العقد والمتعاقدين .................................................................................... الثاني: في المهر ........................................................................................................... الثالث: في ذكر المدة ................................................................................................... الرابع: في حق الاستمتاع ......................................................................................... الخامس: في المفارقة والعِدَّة .................................................................................... السادس: في خصائص أخرى ..................................................................................... السابع: في التنازع ..................................................................................................... الباب الثاني:في الطلاق تمهيد ........................................................................................................................................... الفصل الأول: في الطلاق .................................................................................................... المبحث الأول: في الشروط والأقسام ............................................................... المطلب الأول: في ما يعتبر في الطلاق ...................................................................... الركن الأول: في الصيغة .............................................................................. الركن الثاني: في الإشهاد ............................................................................. المطلب الثاني: في ما يعتبر في المُطَلِّق والمُطَلَّقة .................................................... الفرع الأول: في المطلِّق ..... ........................................................................... الفرع الثاني: في المُطَلَّقة ................................................................................. الأول: دوام الزوجية ........... .................................................................. الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس ............................................... الثالث: أن تكون في غير طهر المواقعة ............................................ الرابع: تعيين المطلقة ................................................................................ المطلب الثالث: في أقسام الطلاق ............................................................................ الأول: الطلاق الرجعي ................................................................................ الثاني: الطلاق البائن ..................................................................................... المبحث الثاني: في أحكام تعدد الطلاق .......................................................... المبحث الثالث: في أحكام العدة ......................................................................... المطلب الأول: في عدة الطلاق .................................................................................. الفرع الأول: في عدة الحائل ....................................................................... الفرع الثاني: في عدة الحامل ...................................................................... الفرع الثالث: في أحكام عدة الطلاق ..................................................... المطلب الثاني: في عدة وطء الشبهة ...................................................................... المطلب الثالث: في عدة الوفاة ................................................................................... المبحث الرابع: في أحكام المفقود زوجها ..................................................... المبحث الخامس: أحكام عامة ............................................................................. الفصل الثاني: في الخلع والمباراة ....................................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في الخلع ........................................................................................ المطلب الأول: في ما يتحقّق به الخلع ..................................................................... الأول: كراهة الزوجة لزوجها ................................................................... الثاني: دفع الفداء ........................................................................................... المطلب الثاني: في ما يعتبر في المتخالعين ............................................................. المطلب الثالث: في صيغة الخلع ................................................................................ المبحث الثاني: في المباراة ................................................................................... خاتمة في الظهار ......................................................................................................... إلفات ............................................................... .................................................................. ملحق حول اللعان ...................................................................................................... الباب الثالث:في الميراث تمهيد ........................................................................................................................................... الفصل الأول: في موجبات الإرث وأقسام الوارث وشروطه ...................................... تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في موجبات الإرث وطبقات الوارث ..................................... المطلب الأول: في الوارث بالنسب ............................................................................. المطلب الثاني: في الوارث بالسبب .......... ............................................................... المبحث الثاني: في مرتكزات تقدير الحصص وأقسام الوارث من هذه الجهة ....................................................................................................................... المطلب الأول: في الفرض وأنواعه وفي تفصيل أرباب الفروض .......................... المطلب الثاني: في أقسام الورثة من جهة نوع الحصة ....................................... المطلب الثالث: في حكم زيادة الفروض على التركة ونقصها عنها .................... المبحث الثالث: في الشروط المعتبرة في الوارث ...................................... الأول: موت المورِّث وحياة الوراث ............................................................................. الثاني: موت المورِّث بغير قتل الوارث له ................................................................ الثالث: إسلام الوارث إذا كان المورِّث مسلماً .......................................................... الرابع: التولد من نكاح شرعي ............................................................................... فائدة ............................................................................................................................ الفصل الثاني: في كيفية توزيع التركة ..................................................................... المبحث الأول: في إرث المتقربين بالنسب .................................................... المطلب الأول: في ميراث الطبقة الأولى .................................................................. الفرع الأول: في إرث الأبوين مع عدم الولد ..................................... الفرع الثاني: في إرث الأولاد مع عدم الأبوين ................................. الفرع الثالث: في إرث الأبوين والأولاد معاً ...................................... الفرع الرابع: في إرث أولاد الأولاد ....................................................... الفرع الخامس: في الحبوة .............................................................................. تتمة في طعمة الأجداد ..................................................................................... المطلب الثاني: في ميراث الطبقة الثانية .............................................................. الفرع الأول: في ميراث الإخوة وحدهم .............................................. الفرع الثاني: في ميراث أولاد الإخوة .................................................... الفرع الثالث: في ميراث الأجداد مع عدم الإخوة ........................... الفرع الرابع: في ميراث الإخوة والأجداد ........................................... المطلب الثالث: في ميراث الطبقة الثالثة ............................................................. تمهيد ...................................................................................................................... الفرع الأول: في ميراث الأعمام وحدهم والأخوال وحدهم ..... 1 ـ في ميراث الأعمام وحدهم ......................................................... 2 ـ ميراث الأخوال وحدهم .............................................................. الفرع الثاني: في ميراث الأعمام والأخوال معاً ................................. الفرع الثالث: في ميراث أولاد الأعمام والأخوال ........................... الفرع الرابع: في ميراث الأعمام والأخوال غير المباشرين ............ الفرع الخامس: في ميراث أحد الزوجين مع الأعمام والأخوال المبحث الثاني: في تفصيل إرث ذوي الأسباب .............................................. المطلب الأول: في ميراث الزوج والزوجة ................................................................ المطلب الثاني: في إرث ضامن الجريرة ................................................................... المطلب الثالث: في إرث الإمام y .......................................................................... خاتمة: في ميراث ذوي الحالات المشكلة ...................................................................... تمهيد .................................................................................................................................... المبحث الأول: في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ونحوهم ................ اللحاظ الأول: وراثة أحد الميتين للآخر ................................................................. اللحاظ الثاني: وراثة الحي لكلٍ منهما ................................................................ المبحث الثاني: في ميراث الخنثى .................................................................... تتمة في حكم مجهول الذكورة والأنوثة ........................................................... المبحث الثالث: في أمور مشكلة متفرقة ........................................................ الأول: من له رأسان ................................................................................................... الثاني: في ميراث أصحاب المذاهب والملل الأخرى ................................................. الثالث: اجتماع أسباب متعددة للميراث ............................................................... الفهرست ................................................................................................................................. |
5 7
13
17
21 27 28 30 32 32 35 38 40 40 41 46 54 59
63 63 65 67 71 76 80
87 88 91 93 93 97
101
107 109 111 113 117 119 121 123 123 125 132 132 132 138 144 149
155 157 159 159 159 160 161 165 166 168 173 175 176 180 185 187 188 192 197
201 201 205 207 207 209 213 215 215 216 218 218 220 220 220 221 222 222 223
227
233 236 241 241 244
249 249 253 258 258 263 270
275 277 279 285 293 294 296 297 297 298 301 303 303 309 309 311
315
319 319 320 325 330 335
339 344 344 345 346
351 352 352 356 360 361 364 367 372
375 376 380 381 381 384 386 388 388
393 395 395 396 398 398 399 399 400 400 404
409 413 413 414 415 420
423 427 429 429 431 432 435 436 438 442 442 443 445 445 446 448 450 451 452 452 453 453 453 454 457 459 459 465 465 465 465 466 466 466 466 468 470 472 472 472 472 473 474 477 478 479 479 479 480 482 483 485 485 486 487 491 493 493 495 500 505 506 506 507 509 513 516 517 520 523 523 525 526 530 533 533 534 534 543 546 547 555 560 560 561 567 572 573 574 575 576 579 581 582 584 584 586 587 589 590
593 595 597 597 597 598 600 600 602 602 602 604 605 606 606 609 610 615 616 616 619 620 621 624 627 634 637 639 639 639 639 641 643 643 645 646 650 651
657 659 661 661 661 663
664 665 667 669 671 672 675 678 681 683 685 687 687 687 688 690 693 695 696 696 697 701 704 706 709 710 710 710 711 712 713 715 716 716 716 718 720 721 723 723 724 726 729 731 731 731 732 732 735
|