في منهج السيد الأهلّة بين اشتراط الرؤية وتوجّه الفقهاء إلى اعتماد أقوال الفلكيين ۱۸ أبريل ۲۰۲٥ ۲۲۰٤ مشاهدة ربطت الشريعة ثبوت الشهر العربي برؤية الهلال، وهذا ما يتبيّن للناظر في الأدلة الشرعية حيث يجد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) أكدوا مبدأ الرؤية في تحديد مطالع الشهور القمرية، وعلى هذا سار المسلمون في أصقاع الأرض، ولم يختلف في هذا الأمر اثنان، لا قديمًا ولا حديثًا. وقد كانت لعلم الفلك منذ العصور القديمة مساهمات في حسابات الأهلة، ثم تطورت تلك المساهمات مع تطوّر الآلات والأجهزة، إلّا أن نظرة المتشرعة إليه كانت محل ريبة، نظرًا إلى الخلط بينه وبين التّنجيم المبنيّ على الأوهام، وللفقهاء عذرهم فيما مضى، إلا أن العلاقة انفكت لاحقًا، وخطا الفلك خطوات متقدمة، ولكن فتاوى الفقهاء ظلت تخلط بينهما حتى اليوم، أو تتوجس من الأخذ بالفلك خيفةً، ولكن تم تجاوز هذه المسألة بعد العام 1999، إذ أُعلِن في جمهورية إيران ثبوت عيد الفطر للعام 1419 مساء يوم 17 يناير 1999 رغم أن الفلكيين أعلنوا استحالة رؤية الهلال تلك الليلة (1)، وقد اعتمد على نفيهم عدد من الفقهاء كالسيد فضل الله، ومنذ تلك السنة وما صاحبها من إثارات بدأ علم الفلك يأخذ دورًا أكبر في أذهان المتشرّعة، وباتت مسألة اعتماد الحسابات الفلكية في إثبات الشهر العربيّ مطروحة بشكل جريء لدى الفقهاء المعاصرين الذين يشدّدون على عدم الاكتفاء بمجرد العلم بولادة الهلال للحكم بدخول الشهر الجديد، نظرًا إلى أن الشريعة ربطت ثبوت دخول الشهر برؤية الناس للهلال. ومن هنا فإنهم أفتوا أن للمكلف الاعتماد على الحسابات الفلكية الدقيقة التي تُثبت وجود الهلال في الأفق بنحوٍ يمكن معه رؤيته، لولا وجود العوائق مثل الغيوم أو الغبار. وقد أثيرت أمام هذا الرأي إشكالات عدّة، من أهمها إشكال الموضوعية (الهدف هو الرؤية بالعين حصرًا)، أو الطريقية (الرؤية وسيلة كغيرها) لإثبات دخول الشهر، والواقع أن الرؤية لم تكن يومًا معيارًا أوحد، بل كانت وسيلةً وطريقًا للوصول إلى الحكم الأصلي، وهو اليقين بولادة الهلال عبر قابليّته للرؤية، لذلك يعدّد الفقهاء جميعًا إلى جانب الرؤية: الشاهدين العدلين لمن لم يَرَ الهلال بنفسه، ومضيّ ثلاثين يومًا على الشّهر السّابق إنْ لم يُرَ الهلال في الليلة السابقة، وحُكم الحاكم (على خلاف بينهم) بوصفها كلها طريقًا للإثبات. إن اشتراط الرؤية بالعين المجرّدة كان متناسبًا مع السياق التاريخي الذي نزلت فيه النصوص، إذ إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما عيّن الرؤية البصرية طريقًا لدخول الشهر بقوله للمسلمين: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» (2) إنما اختار لهم وسيلة اليقين المتوفرة آنذاك، ومع تطور العلوم وتوسيع لسان الدليل الشرعي أشار الفقهاء إلى كل ما يُفيد العلم بقابلية الهلال للرؤية، دون ما يبعث على الظنّ، كما جاء في الرواية: «إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني» (3). ومما ينبغي إلفات النظر إليه أن الحسابات الفلكية – كما نصّ على ذلك غير واحد – فيها شقّان: الأول يتعلّق بالمحاسبات المتعلقة بولادة الهلال وخروجه من المحاق بالساعة والدقيقة والثانية، وهذا لا يختلف فيه أحد، ويُرجَع في تحديده إلى الفلكيين حصرًا، وهو مظنّة قبول الشهادات أو ردّها، ولكن لا يثبت الشهر بمحض التولّد الفلكي عند الغالبية الساحقة من الفقهاء. أما الشق الثاني فيتعلق بإمكان الرؤية، وهنا بدأ الاتجاه الفقهي يميل إلى أخذ كلام الفلكي في الحسبان بشرط أن يكون قطعيًّا أو باعثًا على الاطمئنان القويّ، وعادةً ما تكون الرؤية الفعلية مُتحققة معه، ومؤكِّدة له. إن مما يجدر ذكره أن الاعتماد على الحسابات الفلكية لا يُلغي موضوع الرؤية، بل يثبتها واحدةً من الطرق المعتمدة في إثبات بداية الشهر، إلى جانب أية وسيلة أخرى تورث اليقين بولادة الهلال. ولعل المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه) كان - عمليًّا - أول من حاز قصب السبق في اعتماد هذه الوسيلة في تسعينات القرن الماضي. إن فتوى السيد فضل الله لم تقتصر على الفتوى النظرية، بل لقد تصدّى رحمه الله لإثبات دخول الشهر بنفسه، رغم أن ذلك ليس من صلاحيات الفقيه، ولكنه أراد بذلك كسر حاجز الرهبة في نفوس الفقهاء والناس. وقد أثارت فتوى السيد فضل الله بثبوت الهلال - إذا أخبر الفلكيون الموثوقون بإمكانية رؤيته واطمأن المكلف لذلك - جدلًا واسعًا، فيما كان الفقهاء الآخرون يبدون حساسية من قول الفلكي، مصرّين على الرؤية البصرية. وقد تغيّر موقف بعضهم لاحقًا للفتوى برأي السيد فضل الله نظريًّا، ولكنهم تدخلوا في تشخيص الموضوع بالجهة المعاكسة إذ شكّكوا المكلَّفين في قناعاتهم. وقد يكون هذا الأمر طبيعيًّا في ظلّ تأثر العقل الاجتهادي برواسب وتراكمات أملاها الوعي الجمعي، فيما يصرّ السيد فضل الله على كسر المشهور، طالما وصل الفقيه إلى قناعةٍ ما، حينذاك لا يغدو للاحتياط معنًى، مع وضوح الأدلّة. واللافت أن ثمّة مَن اتفق مع السيد فضل الله من معاصريه الذين كانت لهم جرأة علمية، مثل: الإمام السيد موسى الصدر (4)، والشيخ محمد جواد مغنية (5)، والشيخ عبد الهادي الفضليّ (6)، والسيد محمد الموسويّ البجنورديّ (7)، والشيخ محمد الصادقيّ الطهرانيّ (8) وغيرهم. ومع توالي السنوات وتراكم الخبرات وإيكال الفقهاء المسألة إلى المختصّين في علم الفلك، ومع اشتراط اليقين أو الاطمئنان صرّح جملة من الفقهاء المتصدّين بإمكانية الاعتماد على الحسابات الفلكية في ثبوت الهلال، وضرورة ترتيب الأثر الشرعي عند حصول العلم بالرؤية من خلالها، مشدّدين على أن الرؤية التي ذكرتها الروايات الشريفة لم تكن هي الغاية، وإنما ذكرت بوصفها وسيلةً موصلةً إلى غاية ثبوت الهلال، فإذا حصل الاطمئنان بإمكانية الرؤية عبر الحسابات الفلكية وأقوال الفلكيين، فلن تكون هناك حاجة إلى الرؤية البصرية. ومن هؤلاء الفقهاء: السيد علي الخامنئيّ (9)، الشيخ محمد إبراهيم الجناتيّ (10)، السيد كمال الحيدريّ (11)، الشيخ أسد الله بيات الزنجانيّ (12)، الشيح عبد الله الجواديّ الآمليّ (13)، السيد محسن الموسويّ الكركانيّ (14)، السيد محمد أمين الخراسانيّ (15). ومن هنا يعتقد كثيرون أننا سنشهد قريبًا جدًّا حضورًا أكبر لهذا الرأي العلمي لدى غالبية المرجعيات الإسلامية، وهذا هو المشهود عمليًّا حيث يمكن للعوام اليوم التنبّؤ ببدايات الشهور وفق المباني المختلفة بشكل دقيق، ومكاتب المرجعيات بدورها تتابع أقوال الفلكيين في هذا الشأن، بما يعكس مواكبة الفقه الإسلامي للعلوم الحديثة، وإنْ بخُطًى وئيدة. _ _ _ _ _ _ _ _ (1) خبر إعلان عيد الفطر 1999 (1419 ه. ق) يوم الاثنين 18-1-1999 على موقع وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (إرنا)، مع الإشارة أسفل الخبر إلى قول الفلكيين باستحالة رؤية الهلال ليلة الأحد: https://shorturl.at/bP71m وهذا رابط خطبة عيد الفطر المبارك بتاريخ 18-1-1999 لقائد الثورة الإسلاميّة في إيران السيد عليّ الخامنئيّ: https://shorturl.at/WR2n5 (2) هذا الحديث رواه جميع المسلمين، فقد أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081)، وأورده الحرّ العامليّ (وسائل الشيعة: 7-185). (3) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسيّ، ج: 4، ص: 160، الحديث 451. (4) جانب من حديث الإمام السيد موسى الصدر لتلفزيون لبنان بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك 1970 (منقول نصًّا): نحن قدمنا اقتراحًا في مجمع البحوث الإسلامية وفي لبنان ايضًا، طلبنا إما أن يكون هناك اعتمادًا على الوسائل العلمية، فيتوفر بوجود الاختصاصيين والشباب والذين هم أيضًا مسؤولون مثلنا، لأن نحن اختصاصنا في العلوم الدينية وفي التربية الدينية ولسنا اختصاصيين في اكتشاف المراصد ومعرفة أماكن الهلال والقوانين الفلكية الأخرى، إما أن يعتمدوا على الوسائل العلمية، فعند ذلك فعلى مطلق شبابنا المثقف أن يسعوا في سبيل توفير هذه الوسائل لنا، وإما أن يكون هناك اجتماع ولقاء لأجل استماع الشهود ولأجل التأكد من ثبوت الهلال. أما إذا لم يتوفر هذان الاقتراحان فلا يمكن ان نستمر بالاعتماد على توحيد الوقت وتوحيد العيد: https://www.imamsadr.net/Home/news-details.php/6257?srsltid=AfmBOorOQ6Xz5DVfG_c76co8HgfW_7KctXxjyW9bastrjtYcgKagZoKZ (5) الشيخ محمد جواد مغنية: متى جاء الزمن الذي تتوفّر فيه لعلماء الفلك المعرفة الدّقيقة الكافية الوافية - بحيث تتّفق كلمتهم، ويتكرّر صدقهم المرّة تلو المرّة، حتى يصبح قولهم مِن القطعيّات تمامًا كأيّام الأسبوع، وأنّ غدًا السبت أو الأحد - يمكن، والحال هذه، الاعتماد عليهم، بل يتعيّن على مَن يحصل له مِن أقوالهم، ويجب أن يُطرح كل ما يخالفهم. (الفقه على المذاهب الخمسة، ص: 164- 165) (6) الشيخ عبد الهادي الفضليّ: «وإنّ من يحصل له العلم ـ يقينًا أو اطمئنانًا من نتيجة الحساب الفلكيّ بدخول الشهر له أن يعتمد على علمه، ويرتّب الأثر الشرعي بدخول الشهر (...) إنّ الرؤية لم تكن هي الغاية، فلا يُحاد عنها، وإنما ذكرت كوسيلة توصل إلى غاية هي ثبوت الهلال، فدخول الشهر». (مبادئ علم الفقه، العلامة الفضلي، ج: 2، ص: 36) (7) السيد محمد الموسويّ البجنورديّ: «في ذلك الزمان، كان الجميع يقول بالرؤية الموضوعية، ومع تطور العلم، توصلنا إلى أنَّ الرؤية غير موضوعية». في حوار أجراه في طهران الإعلاميّ غانم اللولاسي: https://sayedfadlullah.com/article/1496 (8) الشيخ محمد الصادقيّ الطهرانيّ: «يثبت الهلال بالرؤية، بالاطمئنان الحاصل من قول مَن ادّعوا رؤيته، أو حكم الحاكم الشرعي العادل، أو بمضيّ ثلاثين يومًا من شهر شعبان. ورؤية الهلال ليست محصورة في العين المجردة فقط، فالعين المُسلّحة أو الحسابات الفلكية لها الحكم ذاته (...) فإذا أمكن رؤية الهلال أو التحقق من وجوده بأي طريقة، فهذا كافٍ». (روزه از دیدگاه کتاب وسنت، ص: 11) (9) الشيخ علي رضا موحّد نجاد (رئيس اللجنة العلمية لمكتب الاستهلال التابع لمكتب الإمام السيّد علي الخامنئي): «يرى السيد الخامنئي أن حصول الاطمئنان يكفي. إذا كان بإمكان الشخص أن يطمئن للحسابات الفلكية، فلن يكون هناك حاجة إلى رؤية الهلال. لذلك، فإن قول البعض إن الفقهاء لا يهتمون بالعلم أو يعيرونه اهتمامًا، هو كلام غير صحيح بالمرة». https://farsi.khamenei.ir/others-dialog?id=47693 (10) سُئل الشيخ محمد إبراهيم الجناتيّ: فيما يتعلق بعيد الفطر، هل رؤية الهلال هي المعيار أم أن الحسابات الفلكية تكفي؟ فأجاب: «يكفي الاعتماد على أيّ منهما إذا أفاد الاطمئنان». وسُئل: ما رأيكم في الرؤية، فهل هي وسيلة لإثبات الهلال، أم إنها ذات قيمة ذاتية؟ فأجاب: «الظاهر أنها وسيلة، وهي ليست مقصودة لذاتها. فالرؤية، مثلها مثل العناوين الأخرى كالعلم، والظن، والتبيين، تُستخدم وسيلة لإثبات شيءٍ ما. ولذلك، يُمكن إثبات رؤية الهلال من خلال شهادة شاهدين عادلين لمن لم يره بنفسه». https://t.me/jannaati/4960 https://t.me/jannaati/5120 (11) جاء في جواب سؤال وُجّه للسيد كمال الحيدريّ عن طرق إثبات بداية الشهر: «يمكن الاعتماد على قول الفلكيين مع إمكان الرؤية، وخروج القمر من المحاق إذا كان قولهم يوجب العلم أو الاطمئنان». https://www.instagram.com/alhaydarii.m/p/C4VqQl2oKlY/ (12) سُئل الشيخ أسد الله بيات الزنجانيّ: بالنظر إلى التقدم التكنولوجي وقدرة الفلكيين على التنبؤ بأوائل الشهور القمرية وأواخرها لعدة سنوات قادمة، هل لا تزال الرؤية واجبة للحكم بدخول الشهر؟ فأجاب: «على الإنسان أن يطمئن من رؤية الهلال بداية كل شهر، وهذا الاطمئنان إذا تحصّل بأي طريقة كانت، فهو كافٍ. وبناءً على ذلك، إذا حصل للمكلف الاطمئنان من قول الفلكيين وأهل الخبرة، فإن ذلك يكفيه». https://t.me/bayatzanjani/1839 (13) سُئل الشيخ عبد الله الجوادي الآملي: ما معيار تحقق أول الشهر القمري وطريقة إثباته؟ فأجاب: «المناط في بداية الشهر القمريّ أن تكون الفاصلة والنسبة بين القمر والشمس، والفاصلة والنسبة بين القمر والأرض، ومجموع النسبتين بمقدار تسهل معه رؤية القمر بصورة عادية ممكنة، فإنّ طريق ثبوت بداية الشهر هو إمكان الرؤية بالعين المجرّدة، أما الموضوع الأصلي فهو تحقق النسب الثلاث المذكورة». وسُئل في مكان آخر: هل يمكن أن تكون الحسابات الفلكية الدقيقة واليقينية طريقًا لإثبات أول الشهر؟ فأجاب: «إذا تيقّن أو اطمأنّ الفلكيّ من خلال الحسابات الرياضية الدقيقة بأنّ النسب الثلاث المذكورة في المسألة السابقة بنحوٍ يمكن معها رؤية الهلال - لولا وجود المانع كالغبار والسحاب - فيثبت بها أوّل الشهر له». وسئل أيضًا: هل رؤية الهلال لها جانب طريقي (وسيلة) أم موضوعي (هدف)؟ فأجاب: «رؤية الهلال لها جانب طريقي، وليس موضوعيًا». https://t.me/a_javadiamoli_esra/21689 (14) سُئل السيد محسن الموسويّ الكركانيّ: هل رؤية هلال عيد الفطر هي الملاك أم إن الحسابات الفلكية تكفي؟ وهل يكفي الاعتماد على اليقين بدخول الشهر من خلال المعطيات الفلكية، أم إن رؤية الهلال أمر موضوعي؟ فأجاب: «إذا حصل لديكم اطمئنان بدخول الشهر، فهذا يكفي لاعتبار اليوم التالي عيدًا، ولا يجوز الصيام حينئذ. بل يكفي أن تحصلوا على العلم بأي وسيلة كانت». https://eitaa.com/Mohsen_Mousavii (15) سُئل السيد محمد أمين الخراسانيّ: هل لرؤية الهلال جانب موضوعي في ثبوت دخول الشهر؟ فأجاب: «لا، لرؤية الهلال جانب طريقي، وبدونه يمكن إثبات أول الشهر، كما إذا أعلن الفلكي باستخدام الحسابات الدقيقة والأدوات المتقدمة وقت خروج القمر من تحت شعاع الشمس، فهذا حجة لنا. وإذا كان الخروج قبل طلوع الفجر، ففي رأينا ذلك اليوم هو أول الشهر». (كتاب استفتائات ومسائل مستحدثه بالفارسية، السؤال رقم 984) شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط