في منهج السيد في حوار رهدار مع إذاعة "صوت إيران": فضل الله مفكّر ديني متجدّد جَمع الاجتهاد والرؤية الاجتماعية ۰۱ أبريل ۲۰۲٥ ۱٦٤۱ مشاهدة وصف رئیس مؤسسة "فتوح انديشه" للدراسات والبحوث الإسلامية حجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ أحمد رهدار العلامة فضل الله بأنه كان مفكّرًا دينيًا متجدّدًا جَمَعَ بين الاجتهاد الفقهي والرؤية الاجتماعية، وسعى لاستخراج نظريات إسلامية شاملة بدلًا من الاكتفاء بالأحكام الجزئية. وأشار رهدار، الذي يدير قسم الفقه السياسي في جامعة باقر العلوم (عليه السلام)، إلى أنّ السيد فضل الله تميّز بتفسير عقلاني للقرآن يدمج بين النصّ والواقع، مع إيمان بدَور العقل في الاجتهاد، ما جعله مرجعًا إصلاحيًّا في الفكر الديني والاجتماعي. ونوه رهدار في حوار أجرته معه إذاعة "صوت إيران" (بالفارسية) إلى الدور الكبير الذي أدّاه علماء جبل عامل في تقديم تفسير اجتماعي معاصر للإسلام. وفي ما يلي نصّ الحوار الذي أذيع بتاريخ 11 ذي القعدة 1442 هـ الموافق 22 يونيو 2021 م: السؤال: ما أهمية السيد فضل الله، بحيث يمكن عدُّه عالِمًا دينيًّا ذا شأنٍ خاص ويُؤخذ في الحسبان في دراسته للقرآن؟ الجواب: العلامة فضل الله قبل أن يُطلق عليه لقب «أستاذ»، يمكن منحه لقب «إمام»، لأنّه امتلك صفات تؤهّله ليكون «إمام القوم»، إذ لم يتعمّق في أحد فروع العلوم الدينية فقط كالتفسير ليُطلق عليه لقب «مفسّر قرآن»، كما أنّه ليس مجرد عالم ديني، بل مرجع تقليد شامل. ما معنى ذلك؟ معناه أنّه ملمٌّ بالقرآن، والحديث، وعِلم الكلام، والتاريخ - بالمقدار الذي يحتاجه - مضافًا إلى امتلاكه فهمًا اجتماعيًّا. وهذه هي الجوانب العلمية فقط، أما الجوانب المهارية والخدمية فهي مثيرة للاهتمام، إذ كان مرجع تقليد يمتلك مؤسسات عدة، مثل الحوزة العلمية، والمدارس، ودور الأيتام، والمستشفيات، وحتى الفنادق.. إلخ. السؤال: هناك العديد من المراجع في الطائفة الشيعية يمتلكون هذا، فما الذي يميّز السيد فضل الله عن غيره من المراجع التقليديّين، بحيث ترى أنّه يستحق لقب «إمام»؟ الجواب: أعتقد أنّ جزءًا من تميّز السيد يعود إلى شخصيته ونهجه الفكري، والجزء الآخر مرتبط ببيئته الجغرافية، أي لبنان. فكيف إذا جمعنا هذَين العاملَين؟ ولو عاش بعض العلماء المختلفين عن العلامة فضل الله (منهجًا وأسلوبًا) في بيروت، وقادوا جزءًا من المرجعيّة الدينيّة هناك لربّما توصلوا إلى بعض النتائج الفكرية التي نجدها في مدرسة العلامة فضل الله. يمكننا رؤية أثر ذلك عندما نستذكر شخصية المرحوم الميرزا جواد التبريزي (رحمة الله عليه) مثلًا، وهو الذي خاض سجالات فكرية مع السيد، واختلفا في بعض القضايا، بل حصل أخْذ وردٌّ بينهما حول أدبيات دينية خاصّة بسبب اختلاف البيئة. لذلك أعتقد أنّ وصف العلامة فضل الله بأنّه «مُصلح قرآنيّ» أو «مُصلح اجتماعيّ» لا يجانب الصواب، فهي ألقاب تتناسب مع دوره. السؤال: تتمحور أسئلتنا حول الدراسات القرآنية للشخصيات، ولكن من بين هذه الألقاب: مُصلح ديني، مُصلح اجتماعي، مرجع تقليد اجتماعي، مفكّر ديني، فقيه متجدّد، فأيّ لقب هو الأنسب للسيد فضل الله بنظرة أولية؟ الجواب: أرى أنّ أيًّا من هذه الألقاب يمكن أن ينطبق عليه، إذ لا أجد فصلًا واضحًا بين هذه العناوين بحيث يمكن تصنيفها على درجات متفاوتة من الأهمية. ما يلفت انتباهي في العلامة فضل الله أنّه خلق ارتباطًا عميقًا بين فكره وبين واقعه الاجتماعي، أي البيئة التي تحيط به. للإمام الخميني (رحمة الله عليه) تعبير جميل يقول فيه: «رسالة الفقيه ليست الفقه فقط - أي ليس مجرّد الاستنباط الفقهي- بل تحقيق الفقه هو أيضًا من صلب رسالة الفقه». بمعنى آخر، تحقُّق الفقه هو نفسه جزء من الفقه. لذلك فإنّ لدينا عددًا قليلًا جدًّا من الفقهاء الذين يرون أن تحقيق الفقه هو جزء من الفقه ذاته. أذكر أنّ بعض العلماء قالوا في إحدى الندوات العلمية: «نعم، نرى أنّه من الضروري أن يكون للفقيه اهتمام بتطبيق استنباطاته الفقهية عمليًّا»، ولكنهم أضافوا: «مع ذلك، لا يُعدُّ هذا العمل فقهًا بحدّ ذاته». وهنا يكمن الفارق، إذ إنّنا إذا عدّينا الفقه حقيقة شرعية لا مجرّد حقيقة متشرعية، فلا ينبغي أن نُجمّد مفهومه على تعريفات تاريخية تحدّه بالقدرة على استنباط الأحكام من النصوص الدينية فقط. فما المانع من توسيع هذا التعريف ليشمل قدرة الفقيه - بشكل مباشر أو غير مباشر - على تحقيق ما يستنبطه من الأحكام وتطبيقها، أو على الأقل الإشراف العام على تنفيذها؟! في نظري، إنّ العلامة فضل الله كان شخصية لم تحصر فكرها في الإطار الفقهي فقط، بل تجاوزت ذلك إلى أبعاد فكرية أخرى، كالقرآن وعِلم الكلام والحديث، ولم يترك أفكاره محصورة في نطاقها النظري فقط، بل سعى إلى ربْطها بالواقع الاجتماعي. وحتى لو لم تتحقّق جميع أفكاره بالكامل، إلّا أنّه خصص جزءًا من برنامجه العلمي لإيجاد امتداد اجتماعي لها. وأعتقد أنّ جزءًا كبيرًا من هذا التوجّه ينبع من مبانيه الفكرية. السؤال: هل يمكنكم توضيح المباني الفكرية التي تتحدثون عنها؟ إلى جانب هذه المباني الفكرية، أرجو منكم أن تشرحوا مشروعه أيضًا، لأنّني أريد لاحقًا أن أدرس علاقة القرآن بهذا المشروع. هل يسعى إلى تعزيز حقوق الإسلام في العالم الحديث؟ هل يسعى إلى المصالحة؟ هل يبحث عن الهوية؟ ما الذي يهدف إليه؟ الجواب: كنت أتأمل قبل هذه الجلسة في شخصية يمكن أن نقارنها بالعلامة فضل الله، أي شخص يمكن أن نقول إنّه يشبه العلامة فضل الله، بحيث يكون معروفًا لدى الناس اليوم. فكرت في أن سيد قطب، في العالم السُّني، قد يكون نموذجًا مشابهًا إلى حدٍّ ما، خاصّة من حيث منهجه في فهم القرآن، إذ إنّهما قريبان جدًا من بعضهما البعض في هذا الجانب، ولكن لو نظرنا إلى الموضوع من زاوية أوسع تتجاوز مجرّد منهجيّة فهْم القرآن، فيمكننا أن نقول إنّ العلامة فضل الله شخص يسعى إلى اكتشاف نظرية الإسلام في القضايا المختلفة، لا مجرد تقديم رأي إسلامي في مسألة معيّنة. هذا أمر مهمّ للغاية. فمثلًا، عندما تُطلب مني فتوى حول مسألة معيّنة، يمكنني ببساطة إصدار الحكم الشرعي فيها، ولكن هناك نهجًا آخر، وهو أن أوسّع نطاق المسألة، وأحوّلها إلى موضوع أوسع يضم داخله عشرات المسائل المماثلة، ثمّ أستخرج النظرية القرآنية أو الدينية المتعلقة بهذا الموضوع، وبعد ذلك أطبق هذه النظرية على الحالة المحددة لأستخلص الحكم الشرعي منها. السؤال: إذن، ممّا فهمناه حتى الآن، يمكننا أن نستنتج أن العلامة فضل الله كان يعتقد - ومن المحتمل أن تكون هذه إحدى مبانيه الفكرية - أنّ الدين يحتوي نظريات لمختلف الموضوعات، وهذه النظريات يجب اكتشافها. الجواب: هذا مثير للاهتمام؛ لأنّ هذا يرتبط بأساس مهمّ في علم التفسير لدى كبار العلماء. ففي الجلسة التي تحدثنا فيها عن القرآنيين السياسيين، تطرقنا إلى مسألة تتعلق بتفسير القرآن، وهي: ما نسبة الآيات القرآنية التي يمكن فهمها؟ هل يمكن فهمها جميعًا؟ كان القرآنيّون السياسيّون يعتقدون أنّ القرآن كله قابل للفهم، حتى الحروف المقطعة، في حين يرى البعض أنها ليست كذلك، وأنّ فهمها يقتصر على «الراسخين في العلم»، ولكنّهم مع ذلك يعتقدون أن لها معنًى يمكن إدراكه. كانت للعلامة فضل الله رؤية واسعة في هذا المجال، إذ كان يؤمن بأنّ عامة الناس يمكنهم الرجوع إلى القرآن وفهمه. وكان يدعم هذا الرأي بأدلّة عقلية أيضًا. وعلى رغم أنّ نموذجه الفكري (أو ما يُصطلح عليه بالـ «باراديم») يتّسم بالطابع الاجتماعي، إلّا أنّه كان عقلانيًّا في منهجه، حيث كان يعطي العقل مكانة بارزة حتى في مواجهة الشهرة الفتوائية، أو حتى أخبار الآحاد، إذ كان يرى العقل مرجعًا أساسيًّا في كثير من الأحيان. السؤال: حتى الآن، قلنا إنه يُعتبر من المفسّرين الاجتماعيّين ويسعى لاكتشاف النظريات. هل يمكنك إعطاء مثال على ذلك؟ الجواب: على سبيل المثال، أتذكّر أنّني كنت في لبنان ذات مرة، وكان ذلك في أواخر شهر رمضان. وكما هو معتاد، كان موضوع رؤية الهلال موضع نقاش. وُجّه إليه سؤال حول ما إذا كان يوم الأحد سيكون اليوم الأول من شهر شوال أم لا. لكنّه، بدلاً من الإجابة المباشرة على مسألة رؤية الهلال، استغلّ الفرصة للحديث عن موضوعَين أوسع نطاقًا، حيث إنّ مسائل مثل رؤية الهلال تُطرح ضمن هذه القضايا الأكبر. كان التحليل الذي قدّمه يتناول مسألة أوسع، مثل دور الأدوات التكنولوجية في فهم الفقيه للأحكام الشرعية. على سبيل المثال، هل يجب أن يُرى الهلال بالعين المجرّدة، أم يمكن استخدام التلسكوب؟ كما تطرق إلى قضية أخرى، وهي علاقة العلم الحديث بهذه المسائل. عند مناقشة رؤية الهلال في القرآن، نجد أن أساس السؤال الفقهي هو الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ}. ولكن عندما نطرح هذا السؤال في العصر الحديث، علينا أن نأخذ في الحسبان أنّ الأشخاص الذين كانوا يسألون النبي لم يكن لديهم تلسكوبات، بل كانوا يعتمدون على رؤية الهلال بالعين المجردة لتنظيم شؤون حياتهم. لذا، هناك من يقول إنّ المقصود بالرؤية هنا هو الرؤية بالعين المجردة، وليس باستخدام الأدوات الحديثة. لكنه وسّع النقاش ليشمل الأدوات الحديثة والعلم الحديث، وناقش بدقة الآليات الفلكية ولحظة ولادة القمر الجديد. فالعلم الحديث يخبرنا، وليس الروايات الفقهية، بأنّ رؤية الهلال بالعين المجردة أو حتى بالأدوات البصرية غير ممكنة قبل مرور حوالي تسع ساعات* من ولادته. وبالتالي، هناك فجوة زمنية لا تقلّ عن تسع ساعات بين ولادة القمر وإمكانية رؤيته، وهذه الفترة الزمنية لها تبعات وأحكام شرعية. وهكذا، بدلاً من الإجابة على سؤال محدّد، توسّع النقاش إلى سلسلة من المسائل المتشابكة والمترابطة. السؤال: قلنا إنّ العلامة فضل الله يتّبع نهج الإسلام الاجتماعي، وفي حديثكم أشرتم إلى متابعته لهذا التوجّه وسعيه لتحقيق أفكاره. فما الذي يركز عليه هذا التوجه؟ وما المقصود بالإسلام الاجتماعي؟ هل يهدف إلى استخراج جميع أركان المجتمع من حضارة وعلم وثقافة، من النصوص الإسلامية المقدّسة كالقرآن الكريم؟ أم أنّ لديه مقاربة مختلفة؟ الجواب: لم أتمكن من البحث في هذه النقطة التي أودّ الإشارة إليها، لكنها خطرت ببالي أثناء وجودي في لبنان، وربما أجريت بعض الحوارات حولها، بما في ذلك مع السيد صدر الدين صدر، نجل الإمام موسى الصدر. في رأيي، الإسلام الاجتماعي في لبنان بدأ في العصر الحديث مع المرحوم العلامة عبد الحسين شرف الدين، ثمّ جاء الإمام موسى الصدر وقدم تفسيرًا أوسع لهذا المفهوم. وأرى أنّ العلامة فضل الله قام بتنظير تفسير الإمام موسى الصدر. بالطبع، كان للإمام موسى الصدر تنظيرات حول هذا الموضوع، سواء من حيث النهج العملي أو من حيث الطرح الفكري، لكنّه تركها بشكل مجمل. أما العلامة فضل الله فقد أتيحت له الفرصة لتفصيل هذه الرؤية وتطويرها ضمن امتداد مشروع الإمام موسى الصدر والعلامة شرف الدين. لذلك، أعتقد أن للإسلام الاجتماعي في لبنان تاريخًا خاصًّا، امتدّ حتى العصر الحديث. السؤال: عندما نتحدّث عن الإسلام الاجتماعي في لبنان، فنحن في إيران لدينا فهم مرتبط بأحداث الثورة الإسلامية وما بعدها، من زاوية الإسلام الاجتماعي السياسي. وقد يكون هذا الفهم عائقًا أمام إدراك ثمار جهود هؤلاء في لبنان، ما الذي يميّز معنى الإسلام الاجتماعي هناك؟ الجواب: أودّ أن أذكر نقطتَين. أولًا، لبنان يتمتع بمناخ ملائم جدًّا لكثير من الأمور، فهو بلد جميل بطبيعته، ما يجعل الإنسان مهيأً للتفكير والكتابة. الإمام موسى الصدر أشار في أحد خطاباته إلى أن علماء جبل عامل كتبوا خمسَ ما أنتجه علماء الشيعة عبر التاريخ. ثانيًّا، إنّ الفهم الديني في لبنان يختلف بسبب التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك لأنّ لبنان يمثل ساحة تفاعل فكري لمختلف التيارات في العالم الإسلامي، ما يجعله يفرز فهمًا مميزًا ومختلفًا للدين. * بعد الولادة الفلكية، يمكن للتلسكوب رصد الهلال عادةً بعد 6 إلى 12 ساعة، بينما تحتاج العين المجردة إلى 15 إلى 24 ساعة. رابط التسجيل الصوتي للحوار: https://player.iranseda.ir/epg-player/?VALID=TRUE&e=148724787 شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط