في منهج السيد السيد محمد الموسوي البجنوردي: المرجع فضل الله فقيه مجدّد وصاحب فكر متنوّر ۳۱ مارس ۲۰۲٥ ۱٦۸٤ مشاهدة التاريخ: ٢١ صفر ١٤٣٤ هـ الموافق: ٢٠١٣/٠١/٠٣م أكد الدكتور آية الله السيد محمد الموسوي البجنوردي، رئيس كلية الحقوق في جامعة طهران والمسؤول في منظمة إحياء تراث الإمام الخميني ضرورة ملاحظة عنصري الزمان والمكان عند الإفتاء، مشدداً على أهمية الرجوع إلى المختصين وأهل الخبرة في الأمور المستحدثة، مشيراً إلى أنَّ العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (ره) كان فقيهاً مجدداً ومتنوراً في أحكامه، وسيبقى فكره متجدداً مدى الزمن، في كل أرجاء العالم الإسلامي. وفي ما يلي نص الحوار الخاص، الذي أجراه في طهران، الإعلامي غانم اللولاسي: حاضرة علمية بارزة: ما هي أبرز المعالم الفكرية والعلمية والدينية التي حفلت بها النجف الأشرف، وماذا عن الحوزة العلمية التي ارتبطت بها الذاكرة التاريخية للمدينة، ما الذي قدمته على صعيد الفقه والفكر والأدب؟ حوزة النجف الأشرف هي من أقدم الحوزات الإسلامية، أسسها المرحوم الشيخ الطوسي، منذ أكثر من ألف سنة، وقد خرجت الفطاحل وكبار علماء الإسلام في الفقه والأصول والفلسفة والكلام والتاريخ والتفسير والأدب العربي والشعر، فكان أفضل الفقهاء والأصوليين من تلامذتها، كما أنَّ الكثير من الأدباء وشعراء العرب كانوا سابقاً في النجف، أبرزهم محمد مهدي الجواهري.... تعد مدينة النجف مهبط العلم، ودور الاجتهاد فيها كان له سابقة إلى ألف سنة. ومع تطور الزمن تطور الاجتهاد بموازاته، فاستقطبت المدينة طلبة العلم من جميع أ أنحاء العالم، وقد كان أفضل المدرسين متواجدين في حوزة النجف الأشرف آنذاك، كما كان معروفاً أنَّ من يأتي إلى النجف يصير مجتهداً ومتنوّراً. وقد عشت في النجف، على مدى ٣٣ عاماً، ودراساتي كلها كانت فيها، فاعتبر أني ابن هذه المدينة. كيف تتم طريقة التدريس في أوساط الحوزة العلمية، وما الذي أوصل طلاب الحوزة من الناحية العلمية إلى مراحل متقدمة من الاجتهاد؟ لم تكن الدراسات في حوزة النجف الأشرف محصورة في إلقاء الدروس وتلقينها، فكانت سنة المباحثة التي تقوم على المطالعة في موضوع معين والبحث فيه، ومن ثم طرح الإشكاليات على الأستاذ الذي يتولى الإجابة عنها.... وكذلك الأمر في جميع الجلسات، حيث يتم عرض مسائل فقهية وأصولية وفلسفية وأدبية، تساهم في تنوير الطلاب الذين طغت المباحثة والدراسة حتى على أوقات فراغهم وسفرهم. وفي هذا المجال، أذكر أنه حتى عند ذهابهم إلى السباحة خلال العطلة كانوا يبحثون في الاستصحاب الكلي، وهو أحد المباحث في علم الأصول، وعندما سألت أحدهم عن عدد الجولات التي قام بها، كان جوابه طريفاً: ٤ استصحاب كلي! فقد كانوا متحمسين للعلم والدراسة والتعليم والعبادة في آن. اختلاف المدارس الفقهية: في المدرسة الفقهية نوعان؛ مدرسة كلاسيكية تقليدية ومدرسة تجديدية حديثة، ما الفارق بين هاتين المدرستين؟ دعا الإمام الخميني (ره) المجتهدين والفضلاء إلى ملاحظة عنصري الزمان والمكان في الاجتهاد، فالفقيه الذي بيّن مسألة وأوضح فكرة منذ ألف سنة، كان زمانه وعصره يليقان ويناسبان حديثه وأفكاره. أما في عصرنا الحالي، فالأحكام تغيرت ومن الأمثال البارزة في هذا السياق الإفتاء سابقاً بحرمة الشطرنج، باعتباره من آلات القمار، بينما يعد اليوم رياضة فكرية في المدارس والكليات في الغرب، تنوّر الفكر والعقل. وبعدما خرج عن عنوان القمار، بتنا نقول بحلّيّته شرط أن لا يستعمل في الحرام، تماماً كغيره من الآلات التي يستفاد منها في الحلال والحرام، حيث تُحلّل في المواقع التي تتناسب والمعايير الإسلامية الشرعية، وتحرم في الواضع التي لا تتوافق معها. في رأيي الفقه في حالة تجدد وتطور مستمرين يفرضه تطور الزمان والمكان، فكل عصر يقتضي ما لا يقتضيه العصر اللاحق، وهذا ينطبق على المكان أيضاً، لأن فقه المغتربين يختلف عن الفكر الموجود في إيران ولبنان وسوريا، لذلك لا بد للفقيه من أن يلاحظ عنصري الزمان والمكان في الفتيا وبت المسائل الفقهية. فقه متجدّد: المطّلع على بحوثكم الفقهية واجتهاداتكم، يجد مدرسة متكاملة للاجتهاد، لعل سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رض) كان ينتمي إلى المدرسة نفسها.. ولكن بعض الأحكام الشرعية الجديدة قد تأتي بنتائج مخالفة للمشهور، ألا يتعارض المخالف للمشهور مع الحجة أم لا؟ لا بد للفقيه أو المجتهد من أن يفتي بما يراه، حتى لو تعارضت فتواه مع فتاوى الفقهاء الآخرين، فإذا توصل إلى حلية أمر ما يحرم عليه أن يقول بحرمتها، لأنَّ عليه أن يفتي باستنباطه واجتهاده، فالعلامة الحلي ابن المطهر، من كبار علماء الشيعة خالف الفقهاء الآخرين الذين قالوا بوجوب منزوحات البئر، مفتياً باستحبابه. وفي موضع آخر، جاء إفتاء الإمام الخميني بحلية الشطرنج مغايراً لآراء الفقهاء الآخرين، لأنَّ عنصري الزمان والمكان يغيّران من حيثيات الموضوع، والحكم تابع له، فإذا تغير الموضوع تغير الحكم تبعاً له، فنسبة الحكم إلى الموضوع كنسبة المعلول إلى العلة. مواكبة العلم والحداثة: هناك مسائل مستحدثة، كالمسائل الطبية والظواهر الاجتماعية الجديدة، لا بد من أن يرجع الفقيه إلى أهل الخبرة لتشخيصها والإفتاء بها، ما رأيكم في الموضوع؟ ليس عيباً على الفقيه مراجعة أهل الخبرة عند الحاجة، فالفقيه شأنه الإفتاء والحكم، ويعود إلى المتخصصين معرفة الموضوعات وحيثيات المسائل الأخرى.... أنا شخصياً في المسائل المستحدثة الطبية وغيرها أجلس أمام المتخصصين وأتعلم منهم، فليس على الفقيه أن يفتي بما لا يعرفه، وكما أشرنا سابقاً، فإنَّ نسبة الحكم إلى الموضوع كنسبة المعلول إلى العلة، إذا ثبتت العلة يأتي المعلول، وإذا أحرز الموضوع يحرز الحكم أيضاً. والعلامة الكبير، سماحة السيد محمد حسين فضل الله (رض) من الفقهاء المتنورين الذين يراجعون أهل الاختصاص في المسائل الحديثة والمتطورة ثم يفتون بها بناء للمعطيات العلمية، ولهذا له فتاوى جديدة، وهذا ليس خروجاً عن المنهج الفقهي الشيعي. من الخطأ أن نترك القديم على قدمه، ففي الفقه، لا بد من أن يتطابق الحكم مع الموضوع في المسائل الحديثة والمتطورة. أحكام عقلائية متجددة: نجد للآراء الفقهية للعلماء المجددين، حضوراً كبيراً في المجتمع، في الوقت الذي قد لا نسجل هذا الحضور الاجتهادي الجديد في المؤسسة التقليدية، ما السبب في ذلك؟ السبب هو التباعد بين الفقه القديم والموضوعات الجديدة، والإمام الخميني (ره) كان يصر في خطاباته وكتاباته على ملاحظة عنصري الزمان والمكان عند الإفتاء، وخصوصاً أننا في مقام الفتوى نرجع الحكم إلى الله، وبالتالي، عند إسناد الحكم إلى الله يتوجب علينا معرفة الموضوع کمال معرفته. لذلك، لا بد من مراجعة أهل الخبرة والاختصاص في كل جديد وحديث، حتى لا نقع في مغبة الإفتاء بغير ما أنزل الله {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤]، فالإسلام دين عالمي غير محصور في زمان أو مكان خاص، منذ خاتم النبيين إلى يوم القيامة، ومع التطور الحاصل في الجامعات والمجتمعات، كان على الفقه أيضاً أن يذهب في هذا الاتجاه، بدلاً أن يتجمد في مكانه في مقابل تطور المجتمع. يقول الإمام الخميني إنَّ الأحكام الشرعية هي فلسفة الدين، فالدين يبنى على الأحكام الشرعية التي تتغير موضوعاتها مع تطور العصر، وتتبدل معها الأحكام الشرعية، تماماً كما حصل في مسألة الشطرنج، الذي تم الإفتاء بحليته شرط عدم استخدامه في الحرام، وقد أمسى اليوم في إيران من آلات الرياضة الفكرية في الجامعات والكليات العسكرية، تنوّر الأفكار في الخطط الحربية الدفاعية. علاوةً على ذلك، فإنَّ بناء العقلاء يتبوّأ مكاناً عظيماً في الفقه الشيعي، لأن أكثر أحكامنا عقلائية... الأحكام الشرعية في الإسلام: كيف يمكن للعقل أن يكون قاعدة ارتكازية في مسألة الاجتهاد؟ إذا راجعنا الأحكام الشرعيَّة، نجد أنَّ ثمانين في المئة منها أحكام عقلائية، إمضائيَّة لا تأسيسية، فأحكام الإسلام بعضها تأسيسية، فيما يتعلق بالعبادات. أما الأمور الاجتماعية، فهي أحكام عقلائية تواجدت في الأديان والمجتمعات السابقة، وأمضاها الإسلام ونسميها الأحكام الإمضائية. أما الأحكام التأسيسية، فأكثرها في العبادات، ويمكننا أن نلاحظ في كتاب الفقه الجاهلي، للدكتور جواد علي، كثيراً من الأحكام العقلائية تواجدت في الجاهلية ولا زالت حتى اليوم، حيث أمضى الإسلام بعضها وأضاف على البعض الآخر وعدّلها، لكن في الأحكام العقلائية، يتبع الشرع العقلاء، ولا يقف في وجههم. وتقع عدد الركعات في صلاة الصبح والمغرب وغيرها من الصلوات ضمن الأحكام التعبدية التأسيسية، فيما تعتبر قضية المهر والطلاق والأحكام الزوجية وعقد الزواج أحكاماً عقلائية في الشرائع. تكريم الإسلام للإنسان: قلتم إنَّ العقل له مدخليَّة في ضبط الأمور والكشف عن بعض الأحكام، فهل ثمة رؤية شرعية لحقوق الإنسان أم أنها تختص بالعقل، كيف نفهم هذا الجدل في هذه المسألة؟ ثمة آية واحدة في القرآن تتضمن كل المطالب، حيث يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: ۷۰] في البداية يأتي بكلمة بني آدم، التي يقصد بها الكرامة الذاتية، ويخص بها ابن آدم؛ مع حذف الدين والجنسية، ليكون إنساناً فقط. في رأيي، نستطيع أن نضيف مئة بند إلى قوانين حقوق الإنسان التي تحتوي ٤٦ مادة تقريباً، وكلها مستمدة من آية {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}... فالإسلام هو الذي جاء بحقوق الإنسان، وكرم المرأة ومنحها حقوقها بأفضلها. وفي آية أخرى، يقول الله تبارك وتعالى: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الزمر: ٦]، ويتضح هنا أنَّ الرجولة والأنوثة ليستا من عوارض الإنسان، بل من عوارض البدن والجسم. وحول صور المتكلّمين، يقول: "شيئيَّة الشَيء بصورته لا بمادَته"، أي النفس الناطقة والروح، فالنفس الناطقة هي حقيقة الإنسان. أما هذا الجسم وهذه الغرائز، فهي غرائز حيوانية، بينما الإنسان يتكون من الجسم والروح وحقيقة الإنسانية هي الروح والنفس الناطقة، والإنسان أشرف من الملائكة، لأن الملائكة مجردون عن المادة، ولكنهم متمحّضون في العبادة، في حين أنَّ للإنسان حالتين؛ حالة حيوانية وحالة إنسانية، ودائماً ما يكون هناك كفاح بين الحالة الحيوانية والحالة الإنسانية. فالحالة الحيوانية تدعو الإنسان إلى الانحراف والطمع والحسد والغضب والشَّهوة، وغير ذلك من الصفات المذمومة التي تندرج في الصفات الحيوانية. أما الصفات الإنسانية، فتدعو الإنسان إلى الكمال وسعة الصدر، وهو الذي يكافح دائماً الصفات الحيوانية، فإذا غلبت عليه، يمسي {كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الفرقان: ٤٤]، كما يعبر عنهم القرآن، وإذا غلبت الصفات الإنسانية على الصفات الحيوانية، يقول تعالى {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: ٨-٩]. التأثر بالأفكار السائدة: ذكرتم أن لا فرق بين الرجل والمرأة باستثناء التكوين البيولوجي، ولكننا قد نجد في الإسلام أحكاماً شرعية تفرق بين المرأة والرجل ، كأحكام الإرث والعقار... كيف تعالجون هذه النقطة؟ إنَّ الإنسان يتأثر بما هو سائد من أفكار في مجتمعه، فعند العرب في الجاهلية، كانوا يئدون البنات كما عبر القرآن الكريم {وإذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونِ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُرابِ} [النحل: ٥٨-٥٩] ، حيث يحفرون قبراً ويذهبون بالمرأة عند موعد ولادتها إلى جانب القبر، فيدفنون البنت رأساً عند ولادتها، ويهللون ويضحكون ويتباشرون عند ولادة الصبي... ولكن الإسلام حارب هذه الظاهرة {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤]، أي خلقناه من النفس الناطقة، وهذه النفس ليس فيها أنوثة ورجولة، فالرجولة والأنوثة كما بينت سابقاً ليسا من عوارض الجسم والإنسان فحقيقة الإنسان هي الروح، ولا فرق بين الرجل والمرأة من ناحية الروح، فحينئذٍ لا بد من أن نذهب إلى الأحكام المتوجهة إلى النفس الناطقة والروح، والتي يتلاءم بعضها مع جسم المرأة، فيما يتناسب البعض الآخر مع جسم الرجل. أما في الأحكام المشتركة، فلا يوجد مائز بين المرأة والرجل قط، بل هناك تساوٍ بينهما، ولكن في الحضارة الإنسانية، يتأثر الناس بالفكر الجاهلي الذي يفرّق بين الرجل والمرأة، فقد يكون الإنسان على درجة عالية من التقوى، لكن حضارته تؤثر في أفكاره. من جهة ثانية، أنا أفتخر بكوني عربياً، فأنا سيد من قريش؛ أفصح القبائل العربية، ورسول الله (ص) قال: "أنا أفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش واسترضعت من بني سعد"... كما أنني أفتخر بعروبتي وولادتي في النجف، لكن دائماً ما يفترق فقهاء العرب عن فقهاء غير العرب، لأن الحضارة الموجودة عندهم تتأثر في أفكارهم. في المقابل، فإننا نلاحظ الجرأة في الفتيا في الأماكن التي لم تؤثر فيها هذه الحضارات، كما رأينا في آراء العلامة الكبير السيد محمد حسين فضل الله، والقليل ممن يعدون على الأصابع. المرأة، للأسف، عند العرب في الجاهلية، كانت حقيرة بالنسبة إلى الرجل، ما أثر في اختيارات الإنسان الفقهية، ولما تطور الزمن، تنورت معه أفكار المجتمع، وتراجع حدة تأثر الناس بالفكر الجاهلي، وبرزت فتاوى جديدة وأفكار متنورة. القوانين القبلية: في هذا السياق، يبرز موضوع دية العاقلة في المجتمع القبلي. قضيَّة دية العاقلة برزت في الحضارات والمجتمعات القبلية؛ حيث كان رئيس القبيلة إقطاعياً يمتلك الثروة كلها، وأفراد هذه القبيلة كانوا أيضاً يأخذون بالدية، وهي من الأمور التي لم تعد موجودة، لأن ما يحكم اليوم هو القانون. في العراق سابقاً، عرف قوانين العرف القبلي، وتقضي، عند القتل، بأن تتزوج بنتان من القبيلة من رجلين من القبيلة المقابلة، ويطلق على هذا العرف "الفصل العشائري"، ولكن هذه القوانين اندثرت اليوم، إثر التطور الحاصل، وخضعت المجتمعات للقانون الذي يفصل في مختلف القضايا ويصدر الأحكام. الاجتهاد في الفكر السياسي: في الفكر السياسي، يسجل التاريخ نظريات جديدة وحديثة العهد منها نظرية الإمام الخميني، ولاية الفقيه، نظرية الشهيد الصدر المرجعية الرشيدة، وصولاً إلى نظرية العلامة المرجع فضل الله المتمثلة في قاعدة حفظ النظام في الفكر الإسلامي السياسي، هل لكم أن تعطونا نبذة عن الاجتهاد الإسلامي في الفكر السياسي؟ في الأساس، الاجتهاد الشيعي يقتضي السياسة والفكر الشيعي دائماً ما يكون منعزلاً عن القوى الحاكمة وغير خاضع لها، وانطلاقاً من استقلاليته، فإنه يمتلك حرية تامة في الأفكار الأساسية. من جهتهم، يتبع إخواننا السنة الحكومات ويقبضون الرواتب منها، وفقاً لمقولة "أطيعوا ولي الأمر ولو كان فاسقا"، أما نحن، فلا نقول بهذه المقولة ونتبع القاعدة التالية: {أَطِيعُواً اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ} [النساء: ٥٩]. لا بد من أن يكون الفقيه جامعاً للشرائط؛ كالتقوى والعدالة، حتى نتبعه، فلا نتبع دونه أحداً، ولا نخضع للسلطان الجائر، وخصوصاً أنَّ الهيئات العلمية في العالم الشيعي مستقلة لا تخضع للحكومات وتعتمد على الأموال الشرعية التي تستحقها من الزكاة والخمس... وفي حال كانت الحكومة جائرة، يتصدى العلماء لها ويعارضونها ويتبعهم الشَّعب، كما فعل الإمام الخميني، إذ وقف أمام الشاه حتى خلعه من السلطة وأسقطه. تعدد النظريات: نرى في حقل الفكر السياسي الإسلامي تنوعاً كثيراً، مثل نظرية النائيني "بين السلطة والدولة"، ونجد أنَّ الفكر السياسي الشيعي يتطور عبر الزمان والمكان، ما هو السبب في تعدد النظريات الفقهية السياسية في الحقل الفكري السياسي، هل هو إطلاق الاجتهاد؟ هذا مسلّم، والشيخ النائيني (ره) كتب "تنبيه الأمة" تأييداً للمشروطة في إيران، التي أخضعت الحكم للشعب؛ مجلس الشورى، في الوقت الذي كان السلطان وحده هو الأساس في الحكم، وقد طبق الشيخ النائيني المشروطة على النظام الشاهنشاهي. رفض الإمام الخميني النظام الشاهنشاهي، القاضي بتسلم الحكم بالوراثة، فالحكم ليس إرثاً أو مالاً، ولا بد من أن ينتخب الشعب رئيس بلاده، لأنَّ الحكومة للشعب، حتى الولي الفقيه الذي يتولى أعلى سلطة في النظام الإسلامي، لا بد من أن يكون منتخباً من الشعب، ومبايعاً منه، والبيعة تتم عن طريق الانتخاب. أما شروط الفقيه، فأن يكون جامعاً للشرائط، عادلاً شجاعاً، لا ينحرف عن العدالة وعن مديريته والأحكام الشرعية، ويخضع لمجموعة من الضوابط... والشروط نفسها تنطبق على الخليفة، حيث تسقط ولايته عندما ينحرف عن الإسلام. أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فكان الإسلام المتجسّم، والعدالة المتجسّمة، والإنسان الكامل الذي ما انحرف مقدار خطوة عن الإسلام، وطبقه كمال الانطباق، ولم تأخذه في الله لومة لائم. نقاشات فكرية وفقهية: كان لديكم احتكاك بالطبقة المثقفة والمفكرين على امتداد العالم الإسلامي، ومن أبرز ذكرياتكم، لقاؤكم بسماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (ره)، حيث دار بينكما حديث عن مسألة الفكر والاجتهاد، هل لكم أن تحدثونا عن هذه الذكريات؟ أكنُّ حباً كبيراً للعلامة الكبير سماحة السيد محمد حسين فضل الله (قدس الله نفسه الزكية)، وقد جمعتني به علاقة صداقة وإخلاص بدأت من النجف، وكذلك أخوه السيد محمد جواد(قده)، وووالده آية الله السيد عبد الرؤوف فضل الله، الذي كان من العلماء الكبار، كما أن عائلتهم شريفة ومعروفة. وخلال دعوة إلى الغداء، عرضت على السيد موضوع بداية الشهور، ووجهة نظري أنَّ الرؤية ليست موضوعية فالرواية تقول: "صم للرؤية وافطر للرؤية"، والآية تقول: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ۱۸۵] ، ومن شهد تعني من حضر منكم الشَّهر وليس الشهود بمعنى الرؤية بالعين. بالنسبة إلى الرؤية الموضوعيَّة والرؤية الطريقيّة، ما المقصود منهما؟ الرؤية الموضوعية هي التعبّد بالعين المجردة، حيث يرى الإنسان القمر بعينه، أما الرؤية الطريقيَّة، فتعني أنَّ الرؤية ليست موضوعية، إنما هي طريقة لمعرفة أول الشهر. في ذلك الزمان، كان الجميع يقول بالرؤية الموضوعية، ومع تطور العلم، توصلنا إلى أنَّ الرؤية غير موضوعية، وتبيَّن أنَّ للقمر دورة قمرية وحركة انتقالية، حيث يدور حول الأرض دورة واحدة، وفي الشهر نفسه له حركة واحدة وضعية حول نفسه، بحيث يدور من المغرب إلى المشرق. وللقمر دورة قمرية، ففي الليلة الرابعة عشرة، يظهر القمر مكتملاً في نوره، وعندما يدور حول نفسه نحو المشرق، يختفي الجزء النيّر منه، ويظهر منه القسم المظلم، إلى أن يغطي جميع القسم المظلم الكرة الأرضيّة، وهو ما يسمّى "المحاق"، وعند خروج القمر من المحاق، تبدأ ولادة شهر جديد. لعل هذا يوافق الرأي الذي تبناه السيد فضل الله في هذا المجال؟ نعم، هذه النظرية تمكننا من تحديد بداية شهر رمضان وموعد العيد قبل قدومه، لأنَّ وكالة "الناسا" تبيّن الساعة والدقيقة التي يولد فيها القمر، وقد قَبِلَهَا. خسارة عظيمة للإسلام: ما الذي خسره العالم والأمة الإسلامية بشكل خاص برحيل العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (ره)؟ كان فقده خسارة عظيمة للعالم الإسلامي، وقد ثلم في الإسلام برحيله ثلمة لا يسدها شيء، وهذا هو المصداق الحقيقي بالنسبة إلى سماحة العلامة الكبير آية الله العظمى المتجدّد في بياناته، والمتنوّر في أحكامه، السيد محمد حسين فضل الله (قده). حقيقة، لقد بكيت كثيراً عندما وصلني خبر وفاته، إذ شعرت بأنه لم يحن وقت رحيله بعد، ولا سيما أنه كان سنداً كبيراً للبنان والعالم الإسلامي، وداعماً للقضية الفلسطينية ومدافعاً عن حقوق الفلسطينيين والجمهورية الإسلامية. فكر خالد أبداً: كانت وصية سماحة السيد متابعة مسيرة الوعي والتجديد وخدمة الإسلام والمسلمين، لعلنا نكمل هذه المسيرة ونتابعها؟ أتمنى من الله أن يخطو السيد علي خطوات والده، ليملأ الفراغ الذي خلفه رحيل السيد في العالم الإسلامي، وخصوصاً في لبنان الحبيب، لبنان قلب العالم العربي، لأن التشيع في هذا البلد تشيع أصيل، بذره أبو ذر (رضوان الله تعالى عليه) في منطقة جبل عامل، بعد أن نفي إليها. وفي موقف، قال لي السفير الإيراني آنذاك السيد السبحاني، إنَّ كل ما يقوله السيد محمد حسين فضل الله في خطبة الجمعة من تحليل للواقع العام، نلاحظ تحققه بعد أسبوع أو عشرة أيام، وخصوصاً في المسائل السياسية، حيث كان عارفاً في السياسة، بخلاف الفقهاء الآخرين. ختاماً، لقد عاش السيد سعيداً ومات سعيداً، وسيبقى ذكره في لبنان الحبيب وفي شيعة أهل البيت (ع) وفي العالم الإسلامي قاطبة. لقد ذهب عنّا لكن فكره لم يذهب، وسيبقى متجدداً، إن شاء الله، مدى الزمن. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط