الغلو والبدع تأملات نقدية حول ردّ الشمس ۳۰ مارس ۲۰۲٥ ۲٥۷٤ مشاهدة المرجع الديني الشيخ محمد الصادقي الطهراني إنّ بين الشيعة والسنة إفراطًا أو تفريطًا في العقائد والأحكام الفرعية الإسلامية، ويجب تصحيح هذه المفاهيم، وفقًا للقرآن والسنة القطعية للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يُعرَض الإسلام الأصيل على المسلمين والعالم أجمع بوضوح ودقة. وبمناسبة الثالث عشر من رجب 1423 هـ - الذي يصادف الذكرى المباركة لميلاد أكثر الناس مظلومية عبر التاريخ، حتى بين أتباعه، أي أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) - نطرح أمام القرّاء الكرام قضية "ردّ الشمس" المنسوبة إليه، بما تنطوي عليه من إفراط أو تفريط حول شخصيته. إن أعظم مقام للأئمة (عليهم السلام) هو مقام العصمة المطلقة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكل ما يُقال عنهم من نفي أو إثبات يجب أن يُقاس ضمن هذا الإطار. بناءً على ذلك، فإنّ ما يُسمّى معجزة "ردّ الشمس" من منظور العقل والعلم والشريعة المقدسة محالٌ أصولًا، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بالإمام علي (عليه السلام). لنفترض أنّ "ردّ الشمس" كان من أجل أن يؤدي الإمام صلاة العصر التي فاتته أداءً لا قضاءً، فهذا يعني ضمنيًا أنّه قد ترك الصلاة، وهذا اتهام باطل. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الزمن لا يعود إلى الوراء أبدًا، وإذا افترضنا جدلًا أنّه عاد، فسيكون ذلك بمثابة خلقِ زمنٍ مشابه، مما يوجب قضاء الصلاة الفائتة مع أداء صلاة جديدة أخرى، وحتى إن كان ذلك ممكنًا، فسيبقى محالًا من ناحيتين أخريين: 1- لأنّ ذلك يعني أنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) قد تعمّد ترك صلاة العصر. 2- لأنّ هذا سيعني أنّ الله قد أعاد الشمس تكريمًا لمن ترك الصلاة! والأسوأ من ذلك أنّ الروايات الـ 22 التي تتحدث عن "ردّ الشمس" متضاربة ومتعددة الأوجه، ويمكن تصنيفها كما يلي: 1- يُذكر في الحديث الأول الجزء (41) باب "رد الشمس له وتكلّم الشمس معه" من كتاب "بحار الأنوار" أنّ حنانًا سأل الإمام الصادق (عليه السلام): ما العلّة في ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة العصر، وهو يحبّ أن يجمع بين الظهر والعصر؟ فأجاب: إنّه لما صلى الظهر التفت إلى جمجمة تلقاءه، فكلّمها أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أيتها الجمجمة من أين أنت؟ فقالت: أنا فلان بن فلان ملك بلاد آل فلان، قال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): فقُصّي عليّ الخبر، وما كنت؟ وما كان عصرك؟ فأقبلت الجمجمة تقصّ خبرها، وما كان في عصرها من خير وشر، فاشتغل بها حتى غابت الشمس، فكلمها بثلاثة أحرف من الإنجيل لئلا يفقه العرب كلامها، قالت: لا أرجع وقد أفلت، فدعا الله عز وجل فبعث إليها سبعين ألف ملك بسبعين ألف سلسلة حديد، فجعلوها في رقبتها وسحبوها على وجهها حتى عادت بيضاء نقية، حتى صلى أمير المؤمنين (عليه السلام). 2- يُقال في الحديثين الثالث والثالث عشر إنّ الإمام عليًّا (عليه السلام) كان في أرض ملعونة، فقال: إنّه لا يحلّ لنبيّ ولا لوصيّ نبيّ أن يصلّي فيها. رفض الصلاة هناك، فغابت الشمس، ثم عادت الشمس ليصلي! 3- جاء في الحديث الثامن والعشرين والحادي والعشرين أنّ الإمام عليًّا لما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، فصلّى (عليه السلام) بنفسه في طائفة معه العصر فلم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس، وفاتت الصلاة كثيرًا منهم، وفات الجمهور فضل الاجتماع معه، فتكلموا في ذلك، فلما سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه لتجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه الله تعالى في ردها عليه! 4- يُذكر في الحديث الثاني والرابع والسادس والخامس عشر والثامن عشر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى الظهر، ثم جاء علي فقعد إلى جنب رسول الله فأوحى الله إلى نبيه فوضع رأسه في حجر علي حتى غابت الشمس، فقال لعلي (عليه السلام): هل صليت العصر؟ قال: لا فإني كرهت أن أزيل رأسك، ورأيت جلوسي تحت رأسك وأنت في تلك الحال أفضل من صلاتي. فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تعود الشمس، فعادت! 5- ذُكر في الحديث الثامن أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) صلّى جالسًا يومئ بركوعه وسجوده إيماءً، لأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد توسّد فخذه، فدعا الله حتى يرد عليه الشمس ليصليها قائمًا. 6- وقعت حادثة ردّ الشمس - وفقًا لبعض الأحاديث - مرتين، إحداهما قبل رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأخرى بعده. بينما تذكر بعض الروايات أنّها حدثت خمس عشرة مرة، فقد روي عن سلمان أنّ الشمس رُدّت عليه مرارًا: يوم البساط، ويوم الخندق، ويوم حنين، ويوم خيبر، ويوم قرقيسينا ويوم ببراثا، ويوم الغاضرية، ويوم النهروان، ويوم بيعة الرضوان، ويوم صفين، وفي النجف، وفي بني مازر، وبوادي العقيق، وبعد أحد. وفي هذه الحالات تأخر أداء الإمام (عليه السلام) للصلاة عمدًا أو لأسباب أخرى، مما استدعى وقوع ردّ الشمس خمس عشرة مرة لتمكينه من أداء صلاته! ولكن هذه القصص تثير أسئلة وإشكالات خطيرة، منها: 1- إعادة الشمس تعني اضطراب النظام الكوني، وهو أمر مستحيل علميًّا وعقليًّا. 2- إذا كانت الشمس قد عادت، لكان جميع الناس الذين يعيشون في ذلك الأفق قد رأوها، خاصةً إذا عادت في وقت فضيلة صلاة العصر، أي قبل الغروب بثلاث ساعات! 3- هذا الحدث، يعني أنّ الإمام عليًّا (عليه السلام) تعمّد ترك صلاة العصر، وهو أمر غير مقبول. 4- ألم يكن الإمام علي (عليه السلام) يصلّي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعةً، حتى يُقال إنّه ترك الصلاة؟ 5- إنّ الجمع بين صلاتي الظهر والعصر رخصة، بينما المستحب أداء كل فريضة في وقت الفضيلة الخاص بها، فكيف يُقال إنّ الإمام (عليه السلام) كان يحبّ أن يجمع بين الظهر والعصر، ويخالف السنّة المستحبّة؟ 6- هل كان وضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأسه على فخذ علي (عليه السلام) أفضل من أداء الصلاة؟ 7- إذا كان كلٌّ من النبي والإمام قد تركا الصلاة، فلماذا عادت الشمس لعلي (عليه السلام) فقط؟ وهل النبي لم يُصلِّ العصر أصلًا؟ 8- مَن قال إنّ الشمس لو عادت، فإنّ الزمن يعود أيضًا؟ 9- إذا حصل ردّ للشمس، فلن تصبح صلاة العصر وحدها أداءً وعليه قضاؤها، بل عليه أيضًا أداء صلوات الصبح والظهر والعصر مجددًا، لأنّه قد دخل في وقت جديد! 10- كيف يمكن للإمام (عليه السلام) أن ينسى صلاة العصر بسبب حديثه مع جمجمة، في حين أنّ مسلمًا عاديًّا - له مستوى إيماني أدنى بكثير من المعصوم - لن يقوم بذلك العمل العبثي؟ 11- هل هناك مكان ملعون لدرجة أنّ الصلاة تُحرّم فيه، إلى درجة أنّ من يصلّي فيه يصبح ملعونًا أيضًا؟ بينما يعرف الجميع أنّ ترك الصلاة لا يجوز بأي حال من الأحوال. كل هذه الإشكالات تدلّ على أنّ قصة "ردّ الشمس" مجرد خرافة لا أساس لها. فهل الاعتقاد بهذه الخرافة جزء من ولاية الإمام (عليه السلام) أم هو مجرد جهل؟ وهل يمكن قبول مثل هذه الافتراءات من الناحية الشرعية؟ إن الذين يروّجون لهذه القصة يسيئون إلى الإمام علي (عليه السلام) من حيث لا يشعرون، إذ ينسبون إليه ترك الصلاة عمدًا، ممّا يطعن في عصمته وعدالته. كما أنّهم ينسبون إلى الله فعل أمر محال ذاتيًا من أجل من ترك الصلاة! شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط