كتب السيّد فضل الله وطن ممنوع من الصرف ۱۸ فبراير ۲۰۲۰ ۲۱٥۷ مشاهدة وطن ممنوع من الصرف المرجع الديني السيّد محمّد حسين فضل الله (دام ظلّه) دار الملاك بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة عندما ندرس لبنان فإنّنا نجد أنّه يمثّل الساحة التي تلتقي في داخلها أكثر الإتجاهات السياسية العربية والدولية، لأنّ لبنان هو البلد المنفتح على الغرب كما أنّه منفتح على الشرق، ولعلّ من الأمور التي يتداولها الوسط السياسي، هي أنّ الساحة اللبنانية تجتمع فيها أكثر وكالات الاستخبارات الدولية والإقليمية حتى إنّ بعض المسؤولين الأمريكيين قال: «إنّ لبنان هو أفضل مكان للتنصّت». لذلك فإنّ الساحة اللبنانية قد تكون ساحة التجارب التي تتحرك فيها المحاور الدولية، باعتبار أنّ لبنان هو بلد حرّ تلتقي فيه أكثر الاتجاهات اليسارية واليمينية، ولهذا فإنّ الأحداث الأخيرة التي عاشها أوجدت الكثير من إمكانيات التدخل في أكثر من خطّ سياسيّ، ونحن نلاحظ أنّ هناك وضعاً لبنانياً داخلياً انطلق من خلال التعقيدات في لبنان في مدى يزيد على خمس عشرة سنة ما خلق بعض الأوضاع الخاصة في الأطياف اللبنانية سواء المسيحية أو الإسلامية. كما أنّ العلاقات الأمريكية السورية أدّت ـــــ في تعقيداتها ـــــ إلى أن تستفيد الإدارة الأمريكية من الساحة اللبنانية ومن المشاكل التي حصلت في لبنان ولا سيّما بعد اغتيال الحريري، لتلعب الإدارة الأمريكية بالواقع اللبناني كورقة للضغط على سوريا، ما أدّى إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان وإلى تعقيد العلاقات السورية اللبنانية، وإلى الضغط على سوريا في مسألة الاحتلال الأمريكي للعراق أو في مسألة علاقة سوريا مع الفصائل الفلسطينية. نحن نعتقد أنّ الوضع في لبنان، هو الوضع الذي يتحرّك فيه كلّ الجهات الإقليمية والدولية، إضافة إلى المحلية، اللّعبة السياسية التي يستفيد منها أكثر من طرف، ولكنّني مطمئن إلى أنّ هذا الوضع الصعب وهذه المشاكل السياسية في لبنان لن تصل إلى إثارة الحرب اللبنانية من جديد. من جهة أخرى؛ إسرائيل لا ترتاح إلى الاستقرار في لبنان، وهي تعمل لتعقيد العلاقات أكثر بين لبنان وسوريا، وهناك الدور الأميركي الذي يتحرّك لخدمة الطموحات السياسية والأمنية الإسرائيلية، هنا يجب الحذر من التساهل مع هذا الدور لأنّ عدم فهم أبعاد التحرّكات الأميركية قد يقود اللبنانيين إلى مشاكل سياسية وأمنية، لا تحمد عقباها. وهنا ألفت اللبنانيين إلى ألاّ يتناسبوا الدور الأميركي في الحرب اللبنانية التي أرادها وزير خارجتهم الأسبق، هنري كينسجر، لحرق القضية الفلسطينية في لبنان. ولا يجب أن يغيب عن البال أنّه لا يزال لبنان في حالة عداء مع إسرائيل، ولا تزال هناك أرضٍ لبنانية محتلّة، ولا يزال هناك معتقلون لبنانيون لدى العدوّ، ونحن نلاحظ أنّ المسؤولين الإسرائيليين يعلنون صراحة عن تخطيطهم لضرب البنى التحتية اللبنانية، ويواصلون تهديداتهم ضدّ لبنان، وحتى إنّ البعض يتحدّث عن إمكانية قيام إسرائيل باجتياح لبنان من جديد... فهل تبدو ـــــ بعد تحصيل كلّ هذه المعطيات ـــــ الكلمات عن نزع سلاح المقاومة كلمات بريئة أو مسؤولية. إنّنا نعتقد أنّ المقاومة ركن من أركان السلام اللبناني، وهي ضمانة كبرى لهذا السلام من خلال صونها للبلد وحمايتها له من الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية ومن خلال توازن الرعب الذي فرضته على العدوّ بسبب ارتكابه حماقات جديدة في لبنان، وسلاح المقاومة ليس سلاحاً شيعياً موجهاً لبقية اللبنانيين، بل هو سلاح لردع إسرائيل... إنّ لبنان بحاجة إلى قوّة احتياطية ـــ إلى جانب الجيش اللبناني ـــ لحمايته من إسرائيل، والمقاومة هي هذه القوّة الاحتياطية وهي الجيش اللبناني الشعبي للدفاع عن لبنان. محمّد حسين فضل الله طبيعة الحكم في لبنان إنّ القابض على مفاصل الأزمة السياسية في لبنان، يعرف جيّداً أنّ المؤامرة هي أكبر من وطن، كونها رسمت ثمّ هندست لتمتدَّ على مساحة المنطقة بأسرها، وإن اختلفت الأهداف والتسميات. فالقوى الدولية اختارت لبنان كساحة لتصفية حساباتها، رغم أنَّ مصالح الدول تسعى إلى رسم صورة مغايرة لحقيقة الأحداث على أرض الواقع. وأنَّ الدلائل تشير إلى أنّ عالمنا العربيّ والإسلاميّ على عتبة تحوّل مصيري جديد، فهل تتّسع له البصيرة لتجنّب المزالق واتّخاذ المسار الذي يؤدِّي إلى تقديم نموذج آخر للحضارة يختلف عن هذه الحضارة المدنية السائدة؟ وهل تتيسَّر له إرادة التغيير بالعودة إلى الإشراقات والنَّفحات الأولى؟ إنَّنا اليوم مشغولون بالمسألة السياسية التي تمثِّل المصير، أو المسألة الأمنية التي تجتاح بلداننا، ولكن في هذا الخطّ تنطلق المسألة الثقافيَّة لتشويه صورة الإسلام في العالم، ووضع الحواجز أمام الدُّعاة الإسلاميين في حركتهم، منعاً من امتداد الدَّعوة الإسلامية إلى الشّعوب الأخرى، سواء من خلال الهجمة الثقافية في الغرب على الإسلام تحت ذريعة حرية الفكر والرأي، أو ما نراه في وسائل الإعلام ونقرأه في الصحافة، حيث باتت حرية الفكر جسراً يعبرون عليه لمهاجمة الإسلام، والتخطيط لإسقاط الواقع الإسلامي تحت عنوان محاربة الإرهاب. لبنان نموذجاً وإذا أخذنا لبنان نموذجاً نجده في كلّ تاريخه لم يُحكَم ولا يُحكَم لبنانياً، وإنّما يُحكم من الخارج، والخارج يحاول أن يحرّك المسائل السياسية حسب مصالحه الإقليمية المنفتحة على المصالح الدولية. فمنذ كان الاستقلال، كنّا نرى الصراع الفرنسي ـــــ البريطاني، الذي تحرّك بداية فرنسياً، من خلال الرؤساء رياض الصلح وبشارة الخوري وكميل شمعون، أي ما سمّي حينها بـــ رجال الاستقلال الأُول، وانطلق بعد ذلك ليكون بريطانياً، ثمّ في عهد الرئيسين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر، صار أمريكياً، وهكذا دخلنا الحرب الباردة، ثمّ كانت المسألة الإسرائيلية. ومعلوم أنّ الحرب اللبنانية كانت حرب أمريكية بإدارة هنري كيسنجر، الذي أراد أن يسقط القضية الفلسطينية في لبنان، ويسقط البندقية الفلسطينية لصالح إسرائيل، ثمّ يخرج هذه البندقية مكسورة من لبنان، وهكذا كان. وحين انتهت المهمّة الأمريكية بإبعاد البندقية الفلسطينية، ثمّ خلق المُناخ الذي أغرى السلطة اللبنانية أيام الاحتلال بتوقيع اتفاق الطائف الذي هو اتفاق أمريكي بعقال عربي وطربوش لبناني. وهكذا فإنّ المشكلة أنّ لبنان يُحكم في مدى تاريخه القريب "بالسحرة" الدوليين الإقليميين، ومن الطبيعي أن ينطلق الساحر السياسي ليحرّك خيوط اللّعبة التي يريد أن يلعب بها على الواقع، تماماً كما يلعب الذين يمارسون حيل السحر على الناس الآخرين في عملية استغلال لسذاجتهم وبساطتهم. وربّما ينطلق السحر من خلال التخطيط لهدف مُعيّن، قد يكون هدفاً سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً، أو لمصالح إقليمية أو دولية، ولذلك فقد كانت المسألة ترتكز على لعبة دولية، فيها شيء من الإقليمية. قضاء السياسة وقدرها في لبنان إذاً وكما تبيّن في السياق لبنان بحسب تاريخه لا يُحكم من خلال أبنائه ومواطنيه، إنّما يُحكم من الخارج، وهكذا رأينا بعد كلّ الشعارات الفضفاضة التي أطلقها بعض اللبنانيين مؤخّراً: السيادة والاستقلال والحرية، رأينا كيف أنّ الحكومة لم تؤسّس إلاّ من خلال خلفية فرنسية تختفي وراءها الخلفية الأمريكية، لتنضمّ إليها الخلفية السعودية والمصرية، وليس للّبنانيين إلاّ أن يتقبّلوا ما يُراد لهم أن يفعلوه. وهذا هو قضاء السياسة وقدرها في لبنان. التدخل الأميركي نموذجاً عندما ندرس تاريخ اللّعبة السياسية للإدارة الأمريكية، نرى التدخّل الأمريكي المباشر وغير المباشر في المسألة اللبنانية، والذي خضع له فريق كبير من اللبنانيين بحُجّة أنّ مصالحنا تلتقي مع مصالح أمريكا، وذلك لحفظ ماء الوجه. المسألة إذاً تتّصل بالاستراتيجية الأمريكية للمنطقة، التي أعلنت منذ الولاية الثانية للرئيس بوش، أنّ رسالة الإدارة الأمريكية هي إثارة الفوضى البنّاءة، التي تفتح المجال لأكثر من محاولة لنشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وما إلى ذلك، مع تخفيف أكثر من ضغط على دولة هنا وأخرى هناك، من خلال المصالح الأمريكية الاستراتيجية والتكتيكية. فنحن نلاحظ أنّ العلاقات الأمريكية السورية قد تعقّدت في المدّة الأخيرة، ولا سيّما بعد احتلال العراق، سواء من خلال اتّهام أمريكا سوريا بأنّها تتدخّل أمنياً في العراق، من خلال إفساح المجال للمقاومة والإرهابيين للدخول إلى العراق عبر حدودها، أو من خلال المطالب التقليدية الأمريكية من سوريا، وهي إغلاق مكاتب القيادات الفلسطينية كحماس والجهاد، انتهاءً بإغلاق مكاتب حز//ب الله، والضغط على سوريا للامتناع عن تأييده، لأنّ أمريكا في الوقت الذي تفكّر باستراتيجيتها في حماية وجودها في العراق، تفكّر أيضاً في الاستراتيجية الإسرائيلية، وفي منع أيّة قوّة عربية يمكن أن تشكّل قوّة ممانعة أو خطراً على إسرائيل. تعقيدات العلاقة السورية ــ الأمريكية لذلك، فإنّ التعقيد في العلاقات الأمريكية السورية، جعل أمريكا تضغط على سوريا من خلال الورقة اللبنانية، لأنّ سوريا لا تملك في التطوّرات السياسية الأخيرة، إلاّ الموقع اللبناني كامتداد لنفوذها السياسي والأمني وما إلى ذلك، كمصدر لقوّتها السياسية في المنطقة العربية. لذلك فقد كانت المسألة اللبنانية ضمن الحسابات الأمريكية الضاغطة، ومن الطبيعي أنّ أمريكا حين تخطّط للضغط على بلد، فإنّها تحاول أن تجمع كلّ مفردات الضغط التي تضعف كلّ هذا البلد، ليقدّم التنازلات للمطالب الأمريكية. وكلّ ما حدث في لبنان، بقطع النظر عمّا إذا كان القائمون عليه أصحاب حقّ أم لا، يمثِّل المفردات التي أرادت أمريكا أن تضغط بها على سوريا، إضافةً إلى عناصر الضغط الأخرى، في الحديث عن النظام السوري والحريات ومسألة الديمقراطية وما إلى ذلك. حُجّة قوّة لبنان في ضعفه مشكلتنا الأخرى هي أنّ الكثير من اللبنانيين ـــــ ولا أتحدّث عن فريق معيّن ـــــ لا يزالون يعتبرون أنّ قوّة لبنان في ضعفه، ولا يزالون يعتبرون أنّ إسرائيل لا تمثّل خطراً على لبنان، وأنّ اللبنانيين لا يجوز أن يكونوا أقوياء أمام أيّ عدوان خارجيّ، ولذلك فإنّ الكثيرين يتحدّثون بطريقة نفاقية، عن مسألة رفض إسرائيل ورفض المصالحة معها، أو أنّ لبنان سيكون آخر من يوقّع معاهدة صلح. أنا أعتقد أنّ التعامل مع موضوع حسّاس ومصيري بهذا الشكل يُعدّ نوعاً من النفاق السياسي. إنّ الكثيرين ممّن يتحدّثون بهذه الطريقة، لو أُتيحت لهم الظروف العربية والدولية الملائمة، لبادروا إلى مصالحة إسرائيل اليوم قبل الغد، والدليل على ذلك، أنّ البعض من هؤلاء بادروا إلى الموافقة على اتّفاق 17 أيار، وأنّ الكثير منهم يوم كانوا في المجلس النيابي صوَّتوا لصالح هذا الاتفاق. لذلك، أن يكون لبنان قويّاً أمام إسرائيل، فهذه مسألة مرفوضة عند الكثيرين، إنهم يخافون من أن يكونوا أقوياء. ولعلّنا نعرف ذلك من خلال وعينا أن أغلب هؤلاء الفرقاء لم يتحركوا خطوة واحدة أثناء الاحتلال الإسرائيلي قياساً بما تحركوا به ضد الوجود السوري! مع أنّ إسرائيل دخلت محتلة، وسوريا دخلت بتوافق لبناني عربي ودولي، ولم تكن جيوشها تندرج في تصنيفات الجيوش المحتلة، وإذا كان هناك نوع من السلبيات التي حصلت في فترة وجودها، فإنّها من خلال طبيعة الممارسات الخاطئة التي قد تتحمّل مسؤوليّتها المخابرات السورية بالتوازي مع الاستخبارات اللبنانية. من هنا نقول إنّ الجيش السوري لم يمثّل مشكلة بالنسبة إلى لبنان، ومع ذلك فأغلب هؤلاء المعترضون لم يتحرّكوا عندما تحرّكت المقاومة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وعندما حرّرت الأرض اللبنانية، لم يكن لهم أيّ دور في التحرير، بل هم يمنّون على المقاومة بأنّهم أيّدوها. ولعلّهم تجاهلوا أنّ مسألة أن تكون لبنانياً في لبنان محتلّ، هي أن تشارك المقاومين في إنهاء الاحتلال، فرفع العلم اللبناني لا يمثِّل حريةً وسيادةً واستقلالاً، العلم اللبناني لا يمثّل حرية لبنان إلاّ من خلال تحرير لبنان، وبعد تحرير الأرض من الاحتلال والذي يؤكّد عدم إيمان هؤلاء بالعلم المرفوع عن أراضي محرّرة من العدوان أنّ الكثيرين منهم اليوم يثيرون جدلاً حول لبنانية مزارع شبعا، مع أنّ الأهالي يؤكّدون من خلال وثائقهم أنّها أرض لبنانية.. سلاح المقاومة لا يُنـزع إلاّ بتسوية من هنا فإنّي لا اتصوّر حلاًّ آخر غير الحوار والتفاهم سبيلاً لايجاد صيغة وطنية مناسبة لمسألة سلاح المقاومة لأنّ المبدأ الأوليّ أنّ هذا السلاح مرتبط بأزمة الشرق الأوسط وهو ككلّ القضايا الأخرى المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي. وحين تتحدّث الولايات المتحدة وإسرائيل ومجلس الأمن عن أنّ مزارع شبعا سورية، فهذا يعني أنّ هذه القضية لا تحلّ إلاّ عند حلّ النـزاع السوري ـــــ الإسرائيلي، وسلاح حز//ب الله هو جزء من هذا النـزاع. ونحن نعرف أنّ المقاومة تملك عقلاً سياسياً راشداً في هذا المجال، وهي تسأل كلّ الذين يتحدّثون عن نزع سلاحها واعتبارها ميليشيا: إذا تركنا السلاح وكشفنا بذلك أرضنا ووطننا أمام الإسرائيلين فهل هناك ضمانات أنّ إسرائيل لن تخلق مبرّراً للعدوان على لبنان بعد ذلك... وما هي الضمانات لذلك... بمعنى آخر من يضمن عدم الاعتداء على لبنان من قِبَل الصهاينة إذا تركت سلاح الدفاع عن وطننا أمام تهديداته واطماعه؟!! ليس هناك من يستطيع أن يقدّم هذه الضمانات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هل يملك الجيش اللبناني بما يملك الآن من الأسلحة ومن القوّة ومن الموقف السياسي، أن يُقاتل إسرائيل؟! هذا سؤال برسم المستقبل وحين يصبح الجيش اللبناني عدّة وعدّاً وعقيدة قتالية قادراً على درء أخطار العدوان الصيوني فلن نجد أحداً يزاحم هذا الجيش على دوره الوطني بل سيتعاون الجميع معه وحتّى يحصل ذلك فمن أكبر الأخطاء الاستراتيجية الممكن أن ترتكب بحقّ لبنان وشعبه هو تحقيق الحلم الإسرائيلي بمعاقبة حز//ب الله على طرده جيشها ذليلاً مكسوراً من لبنان يجرّ وراءه أذيال الخيبة والهزيمة. الأساس الثقافي للمشكلة الطائفية بالعودة إلى صلب الاشكالية الطائفية للكيان اللبناني نرى أنّه عندما ندرس المسألة الطائفية التي تولد مع الإنسان اللبناني من خلال طبيعة الثقافة التي أريد له أن يبنيَ شخصيّته من خلالها، نجد أنّها أساساً كانت مرتبطة ببعض الخطوط الخارجية التي استفادت منذ المسألة الشرقية من الوجود المسيحي الطائفي، رغم أنّنا نقدّر ونحترم خدمة المثقفين المسيحيين للعروبة ودورهم في مسألة الصراع العربي اليهودي، فكثير من المفكّرين اللبنانيين المسيحيين أدّوا هذا الدور الريادي في حركة الصراع ضد الإسرائيلية والصهيونية اليهودية، كميشال شيحا وريمون إدّه مثلاً وغيرهم كثير... لكن بالإجمال كانت الوظيفة الغربية للوجود المسيحي في لبنان والشرق عموماً هي خدمة الخطوط السياسية الغربية من اجل إسقاط الخلافة العثمانية في ذاك الوقت، إلى أن دخلت المسألة في تطوّرات الحرب الباردة بين الشرق والغرب. هذه هي الصورة التي انطبع فيها الوجود السياسي المسيحي، سواء وافق عليه البعض أو لم يوافق ـــــ ولا أدّعي أنّ كلّ المسيحيين يوافقون على ذلك، إنّما نجد أنّ هناك بعض المسيحيين أكثر عروبةً من المسلمين، كفارس الخوري (اللبناني) في سوريا، وريمون إدّه في مواجهته المسألة الإسرائيلية بكلِّ دقّة ـ. لذلك بقيت جذور هذا الدور تتفاعل بطريقة وأخرى، وتتطوّر وصولاً إلى مرحلة القومية العربية ورائدها حينذاك جمال عبد الناصر، ثمّ جاء بعدها الاحتلال الإسرائيلي وما أحاط بالموقف منه من تجاذبات ترك تأثيره على الواقع السياسي الذي انعكس خوفاً مسيحيّاً من المسلمين وخصوصاً عندما دخلت القضية الفلسطينية ودخل الفلسطينيون في حرب إلى جانب المسلمين في لبنان.. والذي استدعى فيما بعد دخول سوريا لوقف الحرب الطاحنة تحت غطاء عربي دولي.. ونحن نعرف أنّ المسيحيين، رحَّبوا بداية بالدخول السوري الذي جاء لأنقاذهم، حسب العناوين السياسية آنذاك، ولكنّ المسألة انقلبت بعد ذلك بطريقة وأخرى. إنّ مثل هذا عمّق التصور المسيحي في الإحساس الطائفي، كما أثار ردّ فعل في الموقع الإسلامي، ولهذا أصبحت المسألة الطائفية تملك من الحساسية ما يصعب على أيّ مواطن أن يبتعد بها عن الجانب الطائفي لمصلحة الجانب الوطني. لذلك نحن لا نتصوَّر أنّ في لبنان فكرة الوطنية اللبنانية أو المواطن اللبناني. وهذا ما نلاحظه في الوسط السياسي، وخصوصاً المسيحيّ، فعندما تطرح مسألة إلغاء الطائفية السياسية وإبدالها بالمواطنية السياسية، فإنّ الجميع يصرخون بالرفض، لأنّ هذا معناه أنّ لبنان سيقع تحت الهيمنة الإسلامية، مع أنّه ليس مطروحاً ديمقراطية عددية بهذا المعنى، وإنما المطروح هو المواطنية، والمسلمون يرفضون ذلك، لأنّهم يعتبرون أنّ وجود لبنان مرتبط بالوجود المسيحي، ولكنّ هناك فرقاً بين وجود الطوائف كشعب متكامل في القيم الإسلامية المسيحية وفي العيش المشترك، وبين أن يكون النظام طائفياً؛ بمعنى أن آخذ حقوقي السياسية بحجم طائفتي، وأن يأخذ الآخر مكاسب أيضاً بحجم طائفته. وحتى إنّنا في هذا البلد الطائفي أدمنّا الطائفية المذهبية التفصيلية. ونحن نعرف أنّ الشيعة يفكّرون في حقوقهم الشيعية في لبنان، وكذلك السنّة والموارنة والدروز والأرثوذكس وغيرهم... فلم يبقَ هناك شخص يفكّر في لبنان، وحتّى لو فكّر فيه فإنّه يفكّر فيه في الإطار الطائفي؛ أن يكون لبنان لبنانه. إنّي أعتقد أنّ المسألة تنشأ من شخصية اللبناني، ولو فرضنا أنّ اللبنانيين عاشوا مواطنيتهم ودرسوا خطوط هذه المواطنية في علاقاتها بالمنطقة، أو علاقاتها الدولية في هذا المجال، فلا أعتقد أنّ أيّة دولة قادرة على أن تصادر حريّتهم أو استقلالهم أو قضاياهم. لا شكّ أنّ المسيحيين استُعملوا في الماضي كما قلت لمصلحة مشروع ضرب السلطنة العثمانية. لكنّ الحرب في لبنان انتهت وخسرها المسيحيون، وتقلّص حجمهم الديموغرافي، وتالياً لم يعد هناك مشروع مسيحي للبنان أو فيه. ثمّ جاء المجتمع الدولي ومعه المجتمع العربي، وفي المقدّمة سوريا، ووُضِعَ مشروعٌ وطني للبنان سمِّي اتفاق الطائف. صحيح أنّ في لبنان طوائف، وصحيح أنّ سوريا أتت إلى لبنان وحمت المسيحيين مثلما حمت الشيعة والسُّنّة والدروز، لكنّ الصحيح أيضاً أنّها أقامت علاقة مباشرة مع كلِّ من هذه الطوائف، ولم تسع لتنسج هذه الطوائف علاقات فيما بينها، الأمر الذي يؤدّي لو حصل إلى عيش مشترك إسلامي ـــــ مسيحي فعلي تضمنه دمشق..؟ الطائف: اتّفاق الضرورة أتصوّر أنّ اتفاق الطائف كان اتفاق الضرورة الذي لم يشارك الشعب اللبناني فيه، وإنّما كان نتيجة توافق السياسيين الذين دخلوا البرلمان في أوائل السبعينات، ما جعل الشعب اللبناني ينساهم أو لا يرتبط بهم إلا من خلال بعض الجوانب الشخصية، ونحن نعرف أنّ اتفاق الطائف هو الاتفاق الذي أريد له أن يمنع الحرب من خلال برنامج دوليّ، كان اللّبنانيون يريدون وقف الحرب بأيِّ ثمن، وأنا أزعم أنّ أكثر اللبنانيين لم يقرأوا اتفاق الطائف حتى عندما تحوَّل إلى ميثاق. لذلك نحن لا نعتبر أنّ اتفاق الطائف الذي نؤكّده لأنّه يمنع الحرب، ولأنّه يضع أمام اللبنانيين بعض العناوين التي يمكن أن يحاور بعضهم بعضاً فيها، لا نعتبر أنّ هذا الاتفاق انطلق من إرادة لبنانية شاملة، لأنّ الذين وقّعوه لم ينتخبهم الجيلُ الذي كان في عهد اتفاق الطائف، والجيل الذي كان مخضباً بالدم والأحقاد وبكلِّ الرواسب العفنة. في هذا المجال، كان الدور السوري في ذلك الوقت متداخلاً مع الدور الدولي والإقليمي. ونحن نعرف أنّ النظام العراقي كان يتدخّل في لبنان وكذلك النظام المصري والليبـي... وأنّ المسألة الفلسطينية كانت في عمق الحرب اللبنانية. فأعتقد أنّ المسألة لم تتحرّك من خلال خطٍّ واضح تمسكه دولة معينة، بل كان مزيجاً من خطوط إقليمية ودولية ربّما ابتعد بعضها عن الساحة، ولكن بقيت الخطوط الضخمة في المجال الدولي، ودخلت عليه إسرائيل أيضاً في تحالفها مع أميركا بشكل جعل التعقيدات متحرّكة بطريقة وبأخرى، ربّما تطرح العناوين الكبرى التي قد تضغط هنا وهناك، لكن لم تصل إلى الطريق المسدود في علاقة سوريا بلبنان. العلاج بالمواطنية لذلك أعتقد أنّ العلاج لكلّ هذه التعقيدات هو في المواطنية. علينا أن نثقّف الشعب بهذا المفهوم وليس بالتوازن بين المسيحيين والمسلمين في مسألة (6 و6 مكرّر) في الوظائف الكبرى والثانوية، وأن يكون المواطن هو اللبناني والكفاية هي الأساس، وأن نأخذ ما أخذ به الآخرون، وخصوصاً أنّه ليست هناك أيّة فكرة قابلة للتطبيق في هذه الظروف في ما كان يتحدّث فيه من قضية الدولة الإسلامية والجمهورية الإسلامية، والتي يعرف حتى الذين كانوا يستهلكون هذا العنوان أنّه ليس واقعياً لا في لبنان ولا في المنطقة. فوضى النظام السياسي في لبنان لذلك مارست النقد لبنانياً منذ ما يسمّى الاستقلال، الذي لم تحكمه قاعدة سياسية واضحة ومحدودة، فالذين جاؤوا كمسؤولين عن لبنان، كانوا يعيشون تجربة الحكم دون أن يكون هناك برنامج لما عليه الحكم في معنى الدولة، لذلك عشنا دائماً في حالة طوارئ سياسية داخل دولة الأمر الواقع. ويمكن هنا الإشارة إلى دور الرئيس فؤاد شهاب في تنظيم شيء من الدولة وذلك عندما استدعى أحد الخبراء للاستعانة به في دراسة كيفية تنظيم لبنان، سواء من الناحية الاقتصادية أو الناحية الإدارية. لذلك لم ينشأ لبنان كدولة، بل نشأ كشخصيات تملك وهجاً معيّناً في الواقع اللبناني، خصوصاً مع النظام الطائفي الذي كان عرفاً ولم يكن قانوناً. لكنّ الشيء الذي نسجّله للفريق الأول الذي حكم لبنان، أنّه كان فريقاً يملك قاعدة سياسية، بحسب تصوّره للسياسة، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا صواباً أو خطأً، توافق عليه أو لا توافق، فأنت تستطيع عندما تدرس شخصيات من تاريخ لبنان الحديث مثل رياض الصلح أو بشارة الخوري وإميل إدّه، تستطيع أن تحدّد الخطوط التي تحكم ذهنيتهم السياسية، وتناقشهم على أساس القاعدة التي تحكم أداءهم السياسي. أمّا مع التطوّر السلبي للأداء السياسي في لبنان، حدثت الصراعات الطائفية، أو من خلال الحرب التي لا أسمّيها حرباً طائفية، بل حرباً كسنجرية، وهذا النوع من الإرباك السياسي، ومجيء سياسيين من هنا وهناك نتيجة تسويات، جعل الخطّ السياسي في لبنان لا يتبع لقاعدة، بل يتبع لتسويات. ولذلك، فقد لبنان الشخصيات التي تفكّر على أساس قاعدة سياسية تحكم برنامجها السياسي في الحكم. وأصبح من الصعب جداً أن تناقش أحد السياسيين الطارئين في سياستهم، لأنّه ليست هناك عناصر يمكن أن تمسك فيها هذا الخطّ السياسي أو ذاك، حتى نناقشه كما نناقش الخطوط السياسية السابقة التي كانت لدى السياسيين القدامى. لذلك، من الطبيعي جداً، عندما لا يكون هناك قاعدة للبنان الدولة والحكم، أن لا يكون هناك استقرار في لبنان. وأنا أعتقد أنّه من غير المستبعد أن يكون النظام الطائفي، مسؤولاً عن ذلك، لأنّ النظام الطائفي يجعل كلّ فريق يفكّر في أن يأخذ لنفسه موقعاً أمام مواقع الآخرين، بالطريقة التي يفسح فيها في المجال لأكثر من ثغرة يمكن أن ينفذ منها الآخرون، لأنّه عندما تفقد القوّة الذاتية الداخلية التي تجعلك قوّةً تجاه الطائفة الثانية، فإنّك تلجأ لأن تأخذ هذه القوّة من خلال الخارج، وهكذا تصبح كلّ طائفة محسوبة على فريق خارجي معيّن، أو على محور دولي أو إقليمي معيّن. لا استقرار في النظام الطائفي لذلك، عندما تتجاذب المحاور الدولية والمحاور الإقليمية، إضافة إلى الدوائر الطائفية، فمن الصعب أن يكون هناك استقرار، لأنّ كلّ واحد يجذب المسألة إلى طرفه. لذلك، أتصوّر أنّه لن يحصل الاستقرار على مستوى الدولة ما دام النظام الطائفي موجوداً. وهنا أتذكّر كلمة لريمون إدّه، أنّ لبنان وجد ليكون دولة للموارنة. ولعلّ ريمون إدّه كان صريحاً حتى في ما لا يقبل الصراحة، وهذا الكلام ينطبق مع السياسة الفرنسية التي أعقبت الانتداب الفرنسي للبنان. ومن الطبيعي أن يحافظ الموارنة على أن يكون لبنان لهم، وأن يكون الآخرون عناصر تؤكِّد هذا الموقع، وتستجيب لكلّ امتيازاتهم. ولعلّنا لا ننسى ما كان يقال في مسألة الامتيازات والحرمان. إنّني أتصوّر، أنّه عندما نشأ لبنان ليكون للموارنة، عمل الموارنة بكلّ ما لديهم من طاقات، من خلال إخلاصهم لدورهم ولموقعهم، وربّما لا يسجّل أحد عليهم نقطة سوداء في هذا المجال، بقطع النظر عن طبيعة السلوك السياسي والاقتصادي الذي اعتمدوه، لأنّ كلّ شخص يرى أنّ له الحقّ، ومن حقّه أن يحافظ على هذا الحقّ. لكنّ المسألة في رصدنا لتأسيس لبنان، أنّ لبنان لم ينشأ ليكون وطناً لبنيه، وإنّما نشأ ليكون الرئة التي تتنفّس فيها مشاكل المنطقة. إنّه ساحة الاختبار والتجارب، فإذا أرادوا إيجاد حالة طائفية بين المسيحيين والمسلمين في مصر أو في غير مصر، فلبنان هو الساحة التي تعمل على هذا النوع من الحساسيّات الطائفية من خلال تعدّد الطوائف، وإذا أرادوا حرباً دينية، أشعلوها بين المسلمين والمسيحيين، وإذا أرادوا إيجاد حالة توتّر بين السُّنّة والشيعة عملوا على تحريك التناقضات بين الطرفين، فهناك إرباكات تعمل على إيجاد مشاكل وتعقيدات إلى ما لا نهاية، وهكذا الأمر بين اليسار واليمين... حتّى الحرب الباردة كانت تنعكس صراعاً في لبنان، فكان هناك فريق لبناني مع الغرب، وفريق مع الشرق. وهكذا رأينا كيف كانت تخلط الأوراق في لبنان لحسابات خارجية، وكيف توزّعت القضية الفلسطينية بين كلّ الدول العربية، فأصبح لكلّ دولة عربية ممثّل في المقاومة الفلسطينية، لتعمل على إرباك بعض الأوضاع في هذه الدولة العربية أو تلك. لبنان: الولايات غير المتحدة لذلك، لم ينشأ لبنان كدولة طبيعية، والنظام الطائفي الذي كان عرفاً ثمّ صار قانوناً، لن يثبِّت استقراراً للبلد، باعتبار أنّ الطوائف تمثّل ولايات غير متّحدة، ولكنّها قد تأخذ عنوان لبنان، وكنت أقول دائماً، إنّني أحمل مصباحاً في النهار لأرى لبنانياً، فلا أرى إلاّ طائفيّاً. هذا كلّه يمنع لبنان من أن يستقرّ، لأنّ ليس هناك شيء اسمه لبنان يحكم وجدان الإنسان اللبناني، بحيث يشعر أنّه في دولة يحصل فيها على حقوقه ويقوم بواجباته كمواطن. وإنّني أتصوّر أنّ بقاء لبنان التسوية على أساس طائفي، يُجدَّد في كلّ مرحلة، كما يتجدَّد بشكل غير معقول في الانتخابات النيابية باستمرار، فوجدنا الطائفية تفترس حتى الأشخاص الذين يعيشون طهر المواطنة ويعيشون القومية، لأنّ الظروف الضاغطة حاصرت الجميع، حتى رجع كلّ واحدٍ منهم إلى طائفيّته. لذلك، إذا كان هناك جيل جديد يمكن أن يفكّر في لبنان المواطن وينسف لبنان الطائفي ـــــ ولا أقول ينسف الطوائف، لأنّها تمثل التنوّع الإنساني ـــــ إذا أمكن ذلك، وإذا كان هؤلاء الذين يتحدّثون في شعارات الجيل الشاب، الذي يتطلّع إلى مستقبل يمكن أن يجد فيه استقراره ومواطنيّته ونموّه وتقدّمه، فعلينا التغيير إلى لبنان المواطن وليس لبنان الطائفي. عالِم الدين المواطن فعالم الدين يستمدّ سلطته من كونه رمزاً يمثِّل هذا الدين، والتراكمات التاريخية والتقاليد والعادات، جعلت منه شخصاً إلهيّاً، إلاّ أنّني مثلاً لا أوافق على كلمة القِمّة الروحية، فهم بشر كبقيّة البشر، وليسوا روحاً تحلّق في السماء، أو تدخل إلى عمق الإنسان، وفي القرآن الكريم عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: 110] . وأستذكر في هذا المجال خطاباً للإمام عليّ (عليه السلام)، وهو خليفة المسلمين، يقول فيه للناس: "فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي وَلَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي". من هو الذي يقول هذا الكلام؟! هو الإمام عليّ (عليه السلام) ، الذي يعتقد المسلمون الشيعة بعصمته. إنّني أعتقد أنّ إخلاص المرجع الديني لدينه، وصدقه في دينه، يفرض عليه أن يتقبّل النقد، وأن يتنازل عمّا أخطأ فيه، ولا سّيما في القضايا التي ليست من اختصاصه أو خبرته، لأنّ القليل من رجال الدين الذين من يملك الخبرة السياسية أو الاجتماعية. أن يكون رمزاً دينياً في الثقافة الدينية، لا يعني أنّه رمز الدين كلّه. لذلك أنا لا أعتبر أنّ رجال الدين أو المرجعيات الدينية فوق النقد، بل إنّني أدعو الناس إلى أن ينقدوهم بأدب، لأنّنا نؤمن بالنقد لكلّ الناس، بمن فيهم رجال الدين، وذلك حتى يعرف رجال الدين أنّهم لا يملكون العصمة، وأنّهم مجرّد مسؤولين في كلّ ما يرونه من فِكر يتّصل بالمسألة الثقافية الدينية، أو يتّصل بالواقع السياسي، وأنّ عليهم، إذا كانوا يدلون بالرأي السياسي، أن يتقبّلوا نقد الناس لهم، وخصوصاً أنّهم يدخلون إلى كلّ كهوف السياسة ويصنعون أكثر المغارات للأمّة. يقولون إنّ المسألة هي المبادئ والقِيَم، إنّنا لا نقول إنّ كلّ قضية في الواقع تمثّل شيئاً من القيمة وتمثّل شيئاً من المبادئ. لذلك، علينا أن لا نعتبر في واقعنا الذي نعيش فيه، أنّ شيئاً فيه يحمل عنوان المقدّس، الكلّ، سواء كانوا رِجال سياسة أو رجال دين أو ثقافة، الكلّ يجب أن يخضع للنقد الموضوعي العقلاني الذي يضع كلّ إنسان في موقعه. الفرق بين السلطة والدولة؟ كلبناني، أو بالأحرى كإنسان أعيش في لبنان، أريد أن «أؤنسن» لبنان، بحيث يكون الوطن إنساناً، أنّ عليَّ أن أعرف أنّ كلّ هؤلاء الذين يُقال إنّهم يمثّلون خلفيات الرموز الدينية، صواباً أو خطأً، إنّ هؤلاء يفكِّرون في بلادهم، وعليّ أن أفكّر في بلدي، وعليّ أن أتمرّد على كلّ من يريد أن يفرض عليّ أن أكون صدى لسياسة خارجية هنا أو هناك، وقد أوافق على سياسة هنا أو هناك، لكن بشرط أن أوافق عن اقتناع، لا أن أكون ظلّاً أو صدى. هذه مسألة أولية في هذا المجال. أمّا مسألة ما نواجهه من خطورة، يتحدّث عنها الإعلام، وبعض المواقع السياسية، والتي تُخيف أو توحي بالخطر، فإنّني لا أوافق هؤلاء على ذلك. لماذا؟ لأنّ لبنان قد تجاوز مرحلة الخطر، عندما تخطّى مسألة الحرب الأهلية بعد عملية اغتيال الرئيس الحريري، الذي جرى هو أنّ البعض حاول أن يجعل هناك توظيف سياسي لهذا الاغتيال، فعندما ألصقت المسألة بسوريا، كان الخروج السوري، نتيجة الذهنية التي حمَّلت سوريا مسؤولية اغتيال الحريري، وقد ركب الآخرون هذه الموجة، من أجل إيجاد مُناخ معيّن لحركة ما يسمّى بالمعارضة آنذاك، وتحميل كلّ الأخطاء لما سمّي النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري، باعتبار أنّ كلّ السياسيين في لبنان "معصومون" عن كلّ ما حدث، وأنّ هناك مجرّد أفراد ورموز معينين هم المسؤولون، ما جعل غالبية السياسيين الآخرين الذين عاشوا الجريمة، حتى في ظلّ النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري، بمنأى عن تحمّل أيّة مسؤولية، حتّى إنّ الأوضاع السياسية المستجدة برّأتهم من كلّ شيء، إلى درجة أنّ بعض الذين مارسوا الحكم، وأثيرت علامات استفهام حول ممارستهم للحكم، أصبحوا يحمِّلون أخطاءهم لهذا النظام، بحُجّة أنّه هو الذي كان يضغط عليهم، الأمر الذي يساهم في إيجاد مُناخٍ يريد تبرئة كلّ الذين سوف يحكمون لبنان من جديد باسم الإصلاح والتغيير والديموقراطية، ما جعلنا نفقد الموضوعية السياسية. وإنّني أتساءل: مَن من اللبنانيين الآن يملك القدرة على أن ينتقد المرحلة السابقة أو المرحلة الحالية، التي تنفتح على مواقع جديدة؟ حيث إنّ الكثير من التجاذبات السياسية بين سياسيّ وآخر، تنطلق من مسألة أنّ طرفاً تحدّث عن فلان أو نقد فلاناً، فهناك صراع سياسي، فهل يكون نقدي السياسي لشخصيّة معيّنة أصبحت مقدّسة الآن، إنّ إثارة نقطة سلبية واحدة الآن تسقط الواقع السياسي برمّته؟! لقد تعدّى الأمر الموضوعية السياسية. ووضعنا ستاراً على كلّ الواقع السياسي اللبناني، من خلال الحكومات التي تعاقبت منذ التسعينات وحتى التطوّرات الأخيرة. لقد وضعنا ستاراً، لأنّ هذا الستار يتناول مقدّسات بحسب طبيعة التطوّرات اللبنانية في هذا المجال. لذلك، فإنّني أتصوّر المسألة بالنسبة إلى لبنان، كما قلت مراراً في خطب الجمعة، أنّ الذين يتحدّثون بالإصلاح والتغيير، لا بدّ من أن يطالهم الإصلاح والتغيير. لا أتكلّم عن شمولية، بل أتكلّم عن ظاهرة. وإذا كنت لا أملك الأدوات التي يمكنني من خلالها أن أحرِّك الواقع بطريقة واقعية، لكنّني أملك التوعية. ولعلّ من تابع أيام الانتخابات انتقادي لمسألة التكليف (التكليف الشرعي)، يعرف ذلك وقد قلت للناس آنذاك، راقبوا ربّكم عندما تنتخبون، بقطع النظر عن الجهة التي تنتخبونها. لذلك، لم أنطلق من موقع طائفي، كنتُ أقول انتخبوا الإنسان الكفوء الذي يملك الكفاءة والإخلاص والصدق والأمانة. هذا ما أتحدّث به دائماً. ولهذا، في كلّ مسيرتي لن أجامل أحداً. وسأكشف مسألة ربّما لا يعرفها الكثيرون؛ في الثمانينات، دعاني المرحوم الرئيس حافظ الأسد إلى اللقاء به، فذهبت، وكان حديثاً صريحاً، حتّى إنّني قلت له يومها ماذا بعد حافظ الأسد، لأنّ المسافة بينك وبين أقرب الناس إليك بعيدة جداً، ولم يجب، وليس هذا محلّ الشاهد، وعندما جئت إلى لبنان، بدأ البعض يهمسون أنّ السيّد ربّما "اشتري" من قبل السوريّين، قلت لهم عندما ترونني لا أمثل قناعاتي، فلن أكون موجوداً. دور الشيعة السياسي في لبنان وفي إطار استكمال سيناريو الطوائف اللبنانية أتصوّر أنّ هناك دوراً سياسياً للطائفة الشيعية، وليست المسألة مندرجة تحت عنوان أن هذه الطائفة اليوم تشعر بالخطر من الآخر، بل إنّ الآخر يحاول الإيحاء بأنّها هي الخطر. هنا لا بدّ من إعادة التأكيد على أنّ ما يهمّ الطائفة اليوم بشكلٍ أساسي هو حفظ موقع المقاومة، وإذا كان البعض يتحدّث عن أنّ المقاومة الإسلامية هي جيش شيعي مقابل الطوائف الأخرى، فإنّ القضية لا تتحرّك أبداً في هذا الإطار. لكن حتى الآن، لا يزال الجدل يحكم الواقع. وخلاصة الفكرة، هي أنّ العلاقات بين لبنان وإسرائيل هي علاقة العدوّ، على الأقلّ رسمياً. فإسرائيل، ليست الدولة التي تبحث عن مبرّر حقيقي واقعي للعدوان على لبنان، كأن تتذرّع بالمقاومة مثلاً، بل هي تخلق المبرّر وفق مصالحها. ونحن نعرف الآن من خلال الخطوط السياسية، أنّه من الممكن أن تمارس أمريكا عملية عسكرية من خلال إسرائيل ضدّ لبنان، لإثارة مشكلات معيّنة. وهنا قد يقال إنّ هناك الجيش اللبناني، وهو المؤهّل ليدافع عن البلد، هذا صحيح، لكن هذا الجيش لا يزال بحسب أسلحته، وبحسب القرار الذي يعطى له، لا يملك القدرة على الدفاع. لذلك نقول، لا بدّ من بقاء المقاومة لمواجهة الخطر الإسرائيلي المفترض إلى جانب التنسيق مع الجيش اللبناني. تطوّر الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة لا أزال أتابع بدقّة كلّ ما يحصل في المنطقة من أحداث سياسية وأمنية واقتصادية، أتابع حركة سياسة الولايات المتحدة الأميركية، باعتبارها الدولة التي ترى نفسها، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، قائدةً للعالم، وتخطّط كي تكون إمبراطورية عالمية تشمل استراتيجيّتها كلّ مكان، ولا سيّما المواقع التي تملك القوّة الاقتصادية، فتعزّز الاقتصاد الأميركي من جهة، وتفتح أكثر من أفق للتدخّل في هذا الموقع أو ذاك، وبسط نفوذها عليه من جهة أخرى. وكنت أُلاحظ أنَّ الولايات المتّحدة التي كانت تسطير على الكثير من المواقع في الشرق الأوسط بصورة غير مباشرة، تخطّط وتعمل للسيطرة عليه بصورة مباشرة. وكانت أوّل خطوة في هذا السياق تتمحور حول الدعم المطلق لإسرائيل، وهذا ما حدث فعلاً بعدما انتقلت الرعاية لهذه الدولة المغتصبة من أيدي الأوروبيين: الإنكليز، ثمّ الفرنسيين، إلى الأميركيين. وهكذا أصبحت إسرائيل، ولو بشكل غير رسمي، جزءاً لا يتجزّأ من أميركا نفسها، واتّضحت هذه العلاقة وتكرَّست مع وصول المحافظين الجدد، وبالتقاطع الوثيق مع اللوبي اليهودي، إلى المراكز العليا في إدارة الرئيس بوش وسيطرتهم عليها، بحيث لم يعد يمثّل الأخير سوى "خيال الصحراء"، فهو ينفِّذ ما يملونه عليه، وهذا هو الحال مع نائبه ديك تشيني مثلاً، ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، والآخرين الذين يحيطون به ويخطّطون له. لذلك، فالسياسة الأميركية راحت تضغط على كلّ مفاصل السياسات العربية، أو النظام العربيّ الرسميّ. وبالفعل، فقد نجحت في تحييد أكثر العرب عن المسألة الفلسطينية، التي كان يقال دائماً إنّها "قضية العرب الأولى"، ثمّ انتقلت للضغط على الفلسطينيين، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي دفعت أميركا لإعلان الحرب على الإرهاب، بحيث أطبقت على حركة الكفاح الفلسطيني، وعملت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً في كلّ العالم العربي والإسلامي، وهذا كلّه بهدف استكمال حصار الشعب الفلسطيني، بحيث لا يبقى إلى جانبه أيُّ صوت عربيّ أو إسلاميّ، واستكمال الخطّة الإسرائيلية للسيطرة، وضمّ أكثر الجغرافية الفلسطينية، بحيث لا يبقى للفلسطينيين أيُّ شيء. إذاً، انطلقت مسألة 11 أيلول (سبتمبر) لتفتح للولايات المتّحدة الأفق العالمي، وتبرز، سواء أمام حلفائها في أوروبا، أو أمام الذين تعيش بعض العقد معهم، كالصين وروسيا، فتضغط عليهم بذريعة مكافحة الإرهاب، وتجذبهم إلى الجانب المأساويّ من الصورة، باعتبار أنّ الاعتداء عليها هو اعتداء على الغرب كلّه، بل على العالم، وأنّ قضية الحرب على الإرهاب، التي مارست فيها الكثير من الإرهاب الفكري والسياسي، أصبحت قضية عالمية. وهذا يعني أنّ أيّ دولة تتباطأ في دعمها ومساندتها، معرَّضة للرجم بدعوى مساندة الإرهاب، أو تمويله، أو ما شابه. لذلك، عندما حاولت بعض الدول الأوروبية مناقشة مسألة الإرهاب في مصطلحه السياسي، رفضت أميركا ذلك، وعلى هذا الأساس، انطلق المحافظون الجدد ليجعلوا من هذه المسألة وسيلة من وسائل السيطرة على أفغانستان، متّهمين تنظيم القاعدة بتنفيذ عملية 11 أيلول/سبتمبر. وقد رأينا كيف أنّ أميركا استخدمت قوات الأطلسي، إلى جانب قوّاتها، لاحتلال هذا البلد، وبالتالي إعادة تركيبه، بحيث يكون موقعاً متقدّماً من مواقع نفوذها في آسيا الوسطى، يطلّ على باكستان من جهة، وعلى الصين وروسيا والهند من جهة أخرى، وبهدف إخضاع هذه المنطقة بطريقة وبأخرى. وماذا كان بعد؟ بعد ذلك أرادت السَّيطرة على العراق، مستغلّةً الوضع الذي كان يعيشه الشعب العراقي في ظلّ نظام صدام حسين، هذا النظام الذي كان أميركياً بالكامل وبامتياز، فصدّام كان موظّفاً في المخابرات الأميركية أصلاً، ثم وظَّفته واشنطن لخدمة سياستها في إرباك الوضع العربي كلّه، من خلال الحرب على إيران، ثمّ في اجتياح الكويت الذي أرادت واشنطن من خلاله الإيحاء لعرب الخليج، بأنّها هي الوحيدة التي تستطيع إنقاذهم من خطره. ونحن نلاحظ أنّه بعد تحرير الكويت، أعلنت أميركا أنّها لا تريد إسقاط النظام العراقي، بل أعطت صدّام القوّة لإسقاط الانتفاضة الشعبية العراقية. وبذلك كنّا ولا نزال نقول، إنّ أميركا هي التي تتحمّل مسؤولية المذابح الجماعية التي قام بها صدام يومذاك لإسقاط الانتفاضة. ونحن نعرف أنّ أميركا عادت واحتلت العراق بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، وإنقاذ الشعب العراقي من طغيان النظام، والمسألة لا زالت تتفاعل في السياسة الأميركية التي تتخبَّط في الرمال العراقية المتحرّكة، والسَّبب هو أنّ أميركا عندما احتلَّت العراق، كانت تفكّر في القوّة التي تملكها، ولم تفكّر لما بعد الاحتلال، فغرقت في الوحول، وحول المقاومة أوَّلاً، ووحول الفوضى، التي أفسحت في المجال لها، تحت عنوان "الفوضى البنّاءة"، وفي التعقيدات التي أحاطت بها وأحاطت بالدول المجاورة التي شعرت بأنّ القوات الأميركية أصبحت على حدودها، وتعمل للضغط عليها بطريقة أو بأخرى. إنّ هذا المأزق، هو الذي جعل أميركا تعمل للهروب إلى الأمام، وذلك بتعقيد العلاقات مع سوريا، واتّهامها بأنّها هي التي تفسح في المجال للمقاومة وتسلل المقاتلين عبر حدودها. ثمّ جاءت عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لتكون الورقة الرابحة في يدها للضغط على سوريا أكثر فأكثر، واتّهامها بأنّها كانت وراء اغتياله. ونحن نعلم أنَّ الولايات المتحدة الأميركية استطاعت أيضاً الاستفادة من حاجة فرنسا لتجديد نفوذها في لبنان، وهكذا نشأ تحالف أميركي ـــ فرنسي أدّى إلى قرار مجلس الأمن الرقم 1559، والانسحاب السوري من لبنان، وإلى القرارات الأخرى التي تبعته، وهذا كلّه بهدف إسقاط "الورقة اللبنانية" من يد سوريا، والتي تتّصل بسلاح المقاومة من جهة، وسلاح المخيّمات الفلسطينية من جهةٍ ثانية. فالقرار 1559 في حيثيَّاته وبنوده جاء لخدمة إسرائيل، وإسقاط الجهات التي تمثِّل خطراً عليها، والّتي تمثّل الممانعة السياسية والعسكرية معاً في المنطقة. ولذلك، فإنّني أعتقد أنَّ المرحلة التي نعيشها، هي مرحلة السيطرة الإسرائيليّة الأميركية على المنطقة. أمَّا التّركيز على سوريا، فلأنّها الدولة العربية الوحيدة التي لا تزال تطرح عناوين الممانعة، سواء في المسألة الفلسطينية أو في المسألة العراقية وبعض ما يتعلّق بمسألة المقاومة في لبنان. وعندما ندرس المسألة اللبنانية، لا نجدها مسألة سياسية بالمعنى الذي تتحدث فيه كثرة كثيرة من اللبنانيين عن الحرية والسيادة والاستقلال، بل في الوصاية الأميركية التي أطبقت على هذا البلد سياسياً واقتصادياً، بالمستوى الذي انطلق فيه الواقع اللبناني في أكثر تلاوينه نحو الخضوع لهذه الوصاية، وهو ما نلاحظه في الأصوات التي ترتفع، باعتبار لجنة التحقيق الدولية المعنية باغتيال الرئيس الحريري معصومة عن الخطأ، ولا يرقى إليها الشكّ في كلّ ما تقوم به، وأنّه لا يجوز بالتالي لأيِّ لبناني أن يسجِّل ضدّها ولو نقطة شكٍّ واحدة. والشيء نفسه ينطبق على قضيّة سلاح المقاومة وسلاح المخيَّمات الفلسطينية، الّتي نجد في تعامل بعض اللبنانيين معها قمّة النفاق السياسي بأجلى صوره. ففي الحديث مثلاً عن الحوار، فإنّهم يتحدّثون في الواقع عن الفرص التي يتوسّلونها، والتي يمكنهم تحريكها لإسقاط هذين السلاحين من منطلق الالتزام بالشرعية الدولية والقرارات الدولية. فتِّش عن أميركا وفي التفتيش عن أميركا وما تريده من الشرور بالمنطقة وأهلها، أشعر بأنّه لا بدّ لنا من أن نساعد سوريا في إبقاء عناوين الممانعة في يدها تجاه المسألة الإسرائيلية... والاحتفاظ بعلاقة استراتيجية مع لبنان، ولكن مع الابتعاد عن الأخطاء التي مارسها المسؤولون، لأنّه ليس من الضروريّ أن يكون النظام بقيادته هو الذي مارس هذه الأخطاء، بل كان هناك تعقيدات في التطبيق، وانحرافات في عمليَّة التطبيق، هي المسؤولة غالباً عن سوء التنفيذ. من هنا يجب علينا أن نحافظ ولو على بلد عربي واحد لا يسقط أمام إسرائيل، ولا يصاب باليأس والإحباط أمام اللّعبة الدولية. لذلك فالقرار 1636 الذي انطلقت منه اللّعبة الدولية لتوجيه كلِّ الضغوط على سوريا، بما في ذلك إعطاء الحرية المطلقة للجنة التحقيق باغتيال الرئيس الحريري، بأن تستدعيَ من تريد، وكيفما تريد، وأينما تريد، من دون أيِّ شروط، إنّما يراد منه حشر سوريا في الزاوية، وهي إذا خضعت، فإنَّ ذلك يمثّل نوعاً من السقوط القومي، وإذا لم تخضع، فهذا معناه المزيد من العزلة، خصوصاً العزلة العربية، وذلك بعدما سلّم العرب سوريا لأميركا، مع بعض ما يحفظ ماء الوجه لبعض المسؤولين منهم... وهنا لا بدّ من تسجيل أمر في غاية الخطورة وهو أنّ الدول العربية سلّمت تماماً للمنطق الامريكي اتجاه سوريا، لأنّ صوت الاعتراض المسموع ليس على القرار 1636، بل على معارضة سوريا وعدم امتثالها له، والطلب منها الخضوع لحيثيّات القرار ومنطقه، باعتباره منطق الشرعية الدولية وحيثياتها. إنّني أتصوّر أنّ أميركا تلعب بالورقة اللّبنانية للضغط على سوريا. وعنوان هذه الورقة، هو مسألة التحقيق باغتيال الرئيس الحريري، باعتباره وسيلةً من وسائل هذا الضّغط، ولكن لأهداف أخرى لا تتعلّق بالتحقيق. لذلك أرى أنّه إذا نجحت سوريا في احتواء هذه المسألة، التي انطلقت من الإجماع في مجلس الأمن، فإنّها تستطيع أن تربح نقطة على أميركا بالنسبة إلى القضايا الأخرى، بحيث تكون المفاوضات بين الطرفين، في المسألة الإسرائيلية المزمنة، وفي قضية دعم المقاومة وما إلى ذلك، فضلاً عن المسألة العراقية، مستقلّة عن الورقة اللبنانية. وهنا نسجّل نصيحتنا لسوريا بأن تفصل بين مسألة التحقيق والمسائل الأخرى التي أشرت إليها، خصوصاً أنّ لهذه شروطاً وأنّ لتلك شروطاً أخرى، وبذلك، فهي تستطيع أن تربح إلى جانبها الشرعية الدولية. وفي هذا الإطار أقول، إنَّ هناك نقطة كانت تحكم تفكيري في العلاقات السوري ــــ الأميركية، وهي أنّ أميركا بحاجة إلى سوريا، كما هي بحاجة إلى إسرائيل. فسوريا هي الوحيدة التي لا تزال تملك العناوين القومية العربية، والوحيدة التي تملك علاقات مميّزة مع الراديكاليين العرب ومع الفلسطينيين والأصوليين. ولذلك، فهي الدولة الوحيدة التي يمكن أن ترتّب هذه الملفات، ومن الطبيعي أنّ أميركا بحاجة إلى سوريا من هذه الجهة التي قد تكون معقَّدة في بعض خططها هنا وهناك. ولذلك، فإنّني أتصوّر أنّه على الرغم من حركة المحافظين الجدد الذين قد يفكّرون في أن يحصل في سوريا ما حصل في العراق، فإنّ ذلك ليس في وسع أميركا، على الرغم من قوّتها في المرحلة الحاضرة، ولأنّه ليس من مصلحتها ذلك. لذلك أتصوَّر أنّ أميركا سوف تغير بعض سياستها عندما تنجح سوريا في ترتيب الوضع بقدر ما يتعلّق الموضوع بالمسألة اللبنانية. من الطبيعي أنّ هذه هي سياسة أميركا. ولكن هناك نقطة مهمّة، وهي أنّ أميركا الدولة القائدة في العالم، لا تملك الحرية في كلّ خطوط سياساتها العالمية. إنّ العالم العربي يقف الآن للضغط على سوريا لتنفيذ القرارات الدولية، ولكنّه لا يقف ضدّها، ولو من باب حفظ ماء الوجه في المسألة الإسرائيلية والمسألة العراقية. لبنان في ظلّ التجاذبات الدولية لبنان الآن، كما كان، الساحة التي أُريدَ لها أن تكون الموقع الذي يمارس فيه الآخرون تجاربهم، والّتي يواجهون فيها ويفحصون الكثير من خطوطهم المتّصلة بالمنطقة، وذلك من خلال الاتجاهات المتنوّعة فيها، والتي تعبِّر عن نفسها في لبنان على مستوى الصراعات السياسية الداخلية، أو التحليلات التي قد يسمح بها من خلال الحرية الإعلامية في لبنان، ممّا لا يسمح به أيِّ بلد في المنطقة. ولهذا، فإنَّ لبنان هو ساحة التجارب، أو الرّئة التي تتنفّس فيها مشاكل المنطقة. ونحن الآن نعيش في الواقع اللُّبناني، ساحة الخطّة الأميركيَّة التي تنفتح على المنطقة، والتي تعتبر أنَّ كلَّ بلدٍ من بلدان المنطقة، يمثِّل خطّاً من خطوط هذه الخطّة الاستراتيجية الأميركية، لتغيير المنطقة على صورة مصالحها. اغتيال الرئيس رفيق الحريري مسألة متنوّعة الأبعاد إنَّ مسألة من اغتال الرئيس الحريري هي مسألة متنوّعة الأبعاد، لأنَّ الرئيس الحريري كان من الشخصيات التي تمتدُّ إلى أكثر من موقع محلّيّ وإقليميّ عربيّ ودوليّ، باعتبار أنّ الرجل كان يملك حركة سياسية قد لا يملكها أحد في التاريخ اللبناني في هذا المجال، هذا إلى جانب أنّ لبنان الذي كان يتحرّك الرئيس الحريري لتحقيقه، كان ولا يزال هدفاً إسرائيلياً، لأنّه يمثِّل النقيض الإسرائيلي، لجهة هذا التعايش بين اللُّبنانيين، والذي يضمُّ كلَّ الطّوائف الموجودة في العالمين العربيّ والإسلاميّ، كما يضمُّ الاتجاهات السياسية اليسارية واليمينية، ممّا ترابط فيه الواقع السياسي بين أكثر من بلد عربيّ أو من محور دوليّ. لذلك، فإنّ هناك احتمالاً كبيراً في أن يكون لإسرائيل دور في المسألة، لا من جهة عقدة المؤامرة التي نستهلكها، أو من جهة رمي كلِّ حدث سلبيّ على إسرائيل، ولكن لأنّ لبنان دخل قبل اغتيال الحريري في مُناخ أمنيّ جديد يمكن له أن ينفتح على واقع أمني سياسي قد يكون نموذجاً للمنطقة، لذلك فإنَّ الاحتمال لا يستبعد أن يكون لإسرائيل دور في ذلك، وأيضاً لا نستبعد أن يكون لها دور في كلِّ هذه التفجيرات. إنّ تحريك المسألة إعلامياً ضدّ سوريا، ولو على نحو الاحتمال، وسياسياً، ولو من خلال الاستفادة من ذلك لإغناء مسألة التجاذب السوريّ ــــ الأميركيّ، ربّما يجعل القضية تنفتح على الكثير من المشاكل. إنّ قضية التقرير في الاحتمالات التي يثيرها الإعلام اللبنانيّ والأجنبيّ، يمكن أن تخلط الكثير من الأوراق، وأن تهزَّ الواقع السياسي في لبنان وسوريا بشكل كبير جداً. ولكنّي لا أتحدّث عن مشكلة أمنية في لبنان، لأنّ لبنان تجاوز الحرب الأهلية، لأنّه ليس هناك ما يثيرها، وقد أخذ لبنان حصّته في الاحتلال الأمني على مستوى العالم. لبنان في ثلاجة التقرير الدولي عندما نواجه الوضع في لبنان، فإنّنا نسجل نقطة سلبية على مجمل الوضع السياسي، على مستوى الحكم والحكومة والفعاليات السياسية النيابية وغيرها، لأنّهم جمَّدوا كلّ لبنان في حاجاته الحيوية الضرورية، (الجوع والعطش والخدمات)، بانتظار التقرير، وهذا يدلّ على تخلّف سياسي. ولا ننكر أنّ مسألة اغتيال الرئيس الحريري تمثّل كارثة لبنانية، ولكنّها يجب أن تكون خاضعة للحركة القضائية التي تبحث عمَّن خطَّط ونفَّذ، وتُفتّش عن المفردات هنا والأشخاص هناك. لذلك، كان المطلوب أن يبقى هذا الملف في نطاق معيّن محدّد، سواء من خلال الواقع المحلّيّ أو الإقليميّ، ولا يصحّ أن تتمحور كلّ المسائل حول هذا الأمر، بحيث يتجمَّد كلّ شيء، حتى الخطوط السياسية التي تتحرّك في علاقات لبنان العربية والدولية، في وقت تتحرّك إسرائيل لإرباك الوضع اللبناني من خلال القرار 1559، حيث صرَّح وزير خارجيّتها أنّ إسرائيل كانت وراء هذا القرار، وأنّها خطّطت مع أميركا للضغط على مجلس الأمن، واستفادت من حاجة فرنسا لأن يبقى لها نفوذ معيّن فيه... إنّ هذا كلّه يعني أنّ لبنان لا يتحمّل، في ذهنية السياسيين اللبنانيين، أن تُثار في داخله قضايا الشعب وقضايا الجريمة معاً. إنّ الجريمة لا بدّ من أن تخضع للجانب القضائي الذي قد تكون له خلفيات سياسية، ولكن لا بدّ للبلد من أن يبقى في هذا الاتجاه. لقد لاحظنا انشغال الإعلام اللبناني والعربي والدولي طويلاً بالحديث عن هذا التقرير، وعن "الشهود الملوك" الذين تحوَّلوا فيما بعد إلى "المحتالين الملوك" والتي بنيت كلّ التقارير القضائية المحليّة والدولية استناداً إلى شهاداتهم وكذلك كلّ التعليقات السياسية اللبنانية على أساس أنّه القاعدة التي يمكن أن ينطلق منها المستقبل. من الطبيعي أنّ مسألة اغتيال الرئيس الحريري استطاعت أن تخلق فرصة لتحريك القرار 1559 بشكلٍ ضاغط، باعتبار أنّ الجريمة هزَّت كلّ الواقع اللبناني، وأفسحت في المجال للكثيرين لأن يستفيدوا من دماء الحريري، بما لم يستفيدوه في مواقع أخرى. لبنان والوصاية نحن نعتقد أنّه لا بدّ من رفض كلّ وصاية تضغط على حرية اللبنانيين في تقرير مصيرهم، سواء كانت عربية أو غير عربية، ونحن في الوقت نفسه، ندين الوصاية الأميركية أو الفرنسية، لأنّنا نريد للبنان ألاّ يكون ممرّاً للاستعمار ولا مقرّاً، ونريده أن يكون حرّاً مستقلاً عزيزاً. ونحن نرفض الأخطاء التي حصلت من تصرّفات بعض المسؤولين السوريين في لبنان، وعلينا أن نعرف أيضاً أنّ التدخل السوري في لبنان، كان بمباركة سياسية من أميركا. ولذلك فتِّش عن أميركا في كلّ مشكلة في العالم العربي. هذا من جهة ومن جهة أخرى: عندما ندرس التنوعات التي حكمت الكتل التي قدّمت نفسها على أساس أنّها تمثّل لبنان الجديد، فإنّنا لا نرى وحدةً في هذه التنوعات، كما أنّنا نلتقي بعناوين فضفاضة لا تملك خطوطاً تفصيلية يشعر فيها المواطن بأنّ هناك حلاً للمشكلات الصعبة التي عاشها اللبناني في ما مضى، فنحن نتحدّث عن الإصلاح، ولكن إصلاح ماذا، وإصلاح مَن؟ وهل يملك هؤلاء الذين عاش بعضهم في خطوط الفساد عندما تسلّم المسؤولية في ما مضى، سواء في شكل محدود أو غير محدود وهكذا بالنسبة إلى المسائل الاقتصادية، هل يملك هؤلاء أن يصلحوا؟ فنحن عندما ندرس مسألة المديونية، نلاحظ أنّها قد غرقت في أجواء من الضبابية، بحيث لم يجرؤ أحد على أن يناقش الجهة التي راكمت المديونية على البلد، لأنّ طبيعة الظروف الاحتفالية والمأساوية التي عاشها لبنان بفعل بعض الأوضاع الصعبة، تمنع من التحدُّث بصراحة في هذا المجال والموضوع، وستبقى تمنع التحدّث بصراحة. ولذلك فإنّنا لا نجد هناك أيّ نافذة تطلّ على هذه المسألة. وإذا أردنا دراسة الأحاديث المنطلقة من هنا وهناك من خلال علاقة بعض السياسيين اللبنانيين بالواقع الدولي، ولا سيّما فرنسا وأميركا، فإنّنا لا نجد هناك وعداً جازماً بالمساعدات، وحتى عندما ندرسُ عالم المساعدات التي تمثّل قاعدة المؤتمرات المرتكزة عليها، كما في بروكسل بالنسبة إلى العراق وغيره، فإنّنا لا نجد هناك جدّية في هذا الموضوع، كما أنّنا لا نجد هناك أيّ نوع من السخاء الذي يمكن أن يحلّ المشكلة. لذلك عندما ندرس هذه المفردات، فإنّنا لا نجد هناك من يملك الخطّة التفصيلية في هذا المجال. ولهذا، فإذا كانت البداية قد تحرّكت على أساس تحالفات معيّنة يتّهم بعض أصحابها بالفساد أو الهدر أو ما أشبه ذلك، فكيف يمكن الانفتاح على واقع يمكن أن يخرج بعض الناس من جلده أو من تاريخه؟ إنّي لا أريد الحديث عن التفاؤل والتشاؤم، ولكنّي لا أجد هناك أيّة نافذة تطلّ على هذه العناوين الكبيرة التي يتحدّث فيها الكثيرون. فمثلاً، عندما تحدَّث المتحدّثون عن الانتخاب، بصرف النظر عمّا إذا كان الانتخاب على أساس قانون الألفين أو قانون1960، فإنَّ الحديث الذي اتّجه إليه النادي السياسي كان ينطلق في بعضه من جانب طائفي مغرق في الطائفية، بحيث إنّه لا يعتبر اللبنانيّ المسيحيّ لبنانياً بالنسبة إلى اللبنانيّ المسلم، أو اللبنانيّ المسلم لبنانياً بالنسبة إلى اللبنانيّ المسيحيّ، ما يوحي، وإن لم يُعْلَنْ عن ذلك بصوت عال، بأنّه لا بدّ للمسيحي من انتخاب المسيحي، ولا بدّ للمسلم من انتخاب المسلم. كما أنّ المعارضة لقانون الألفين كانت لمصلحة المرشح أكثر ممّا هي لمصلحة الوطن، فهناك من كان يتحدّث عن قانون الألفين بصرف النظر عمّا إذا كان على أساس النسبية أو غيره، باعتبار أنّه يدمّج اللبنانيين بعضهم مع بعض وأنّ قانون القضاء يمثّل الطائفية المختنقة، ولكنّنا نلاحظ أنّ المسألة لم تكن بهذا البعد، بل كانت أنّ بعض الناس لا ينجحون إلاّ على أساس هذا القانون، كما حصل في الشمال أو في بيروت مثلاً. لذلك، فإنّي أبحث عن ذهنية لبنانية، وخصوصاً إذا كانت المسألة الطائفية تتحرّك سرّاً على موقع طائفي، سواء كان في الجانب المسيحيّ أو الإسلاميّ، حتى إنّنا عندما بدأنا ندخل في عالم رئاسة مجلس النواب، شعرنا وتلمّسنا إثارة المسألة الطائفية بطريقة وأخرى، بأنّ هذا المركز هو للشيعة، ولا بدّ لنا أن نلاحظ ما يُجمِعَ عليه الشيعة، وحتى بالنسبة إلى قضيّة رئاسة الجمهورية في الحديث عن إقالة رئاسة الجمهورية، وأنّ هذا موقع مسيحي، فلا بدّ أن يكون الرأي فيه للمسيحيين، وللقيادة المسيحية الدينية وغير ذلك. إنّي أشعر أنّ لبنان لم يتغيّر، وخصوصاً عندما لاحظنا مثلاً في انتخابات الشمال كيف انطلقت المساجد لتتحدّث عن حقوق السنة وعن ظلاماتهم وغير ذلك... إنّي لا أدري كيف يمكن مع هذا المنطق أن يكون هناك لبنان جديد، وكيف هي الجدّة في لبنان!. لبنان والفيدرالية أأكّد للبنانيين أنّنا لسنا ذاهبين إلى فيديرالية قانونية، أي تقسيمية، إذا كانت الفيديرالية تقسيماً، ولكنّنا ذاهبون إلى فيديرالية طائفية واقعية. ولعلَّ المسألة التي فتحت هذه النافذة على الطائفية هي اتفاق الطائف، لأنّنا نعرف أنّ قانون الميثاق في 1943 اعتبر التقسيم الطائفي في المواقع عُرفاً ولم يعتبره قانوناً، ولكنّ اتفاق الطائف اعتبره قانوناً، ما يعني أنّ الطائفية أصبحت جزءاً من القانون اللبناني. وهناك مشكلة، وخصوصاً في الجانب المسيحيّ الذي يخشى أن يؤدّي إلغاء الطائفية السياسية إلى سيطرة للمسلمين، باعتبار الجانب العددي في هذا المجال، وخصوصاً أنّ عدد المسيحيين بدأ يتناقص بسبب الهجرة أو لأسباب أخرى. لذلك، فإنّ مسألة إلغاء الطائفية السياسية تخلق حساسيّات مدمّرة في هذا المجال، وإذا كان قانون الانتخاب قد أوجد مثل هذه التعقيدات الصعبة، والتي كادت أن تُسقِط الانتخابات، فكيف لو أنّنا طرحنا مسألة إلغاء الطائفية السياسية. لذلك نحنُ ذاهبون إلى ما أثاره الحديث السياسي، الذي بدأ من خلال من يسمُّون التغييريين، أو الذين يعلنون عن أنفسهم أنّهم تغييريون، من أنّ كلّ طائفة تبحث عن زعامتها، وأنّ الانتخابات ركّزت الزعامة المسيحية لشخص، والزعامة الدرزية والسنية والشيعية، ما يعني أنّ هناك فيديرالية واقعية وعملية تعمّقت داخل النسيج السياسي من أعلى الهرم إلى أسفله في هذا المجال. ونحن نعرف أنّ البعض يتحدّث عن الوطنية والديموقراطية، ولكنّهم ليسوا جادّين في هذا المجال، باعتبار أنّ هذا البعض يمثّل زعامة طائفية مغرِقة، ولعلّ كلّ اتّجاهه حين يجمع حوله بعض الأفرقاء من غير طوائف، هو تقوية موقعه، وليس فتح الأفق اللبنانيّ على تجمّع متنوّع الطوائف. قوننة الفيدراليه أمّا مسألة المأسسة القانونية للفيدرالية، فهي ممّا لا يملكه اللبنانيون، لأنّ قضية المأسسة التي تؤدّي إلى التقسيم، هي مسألة دولية لا محلّية ولا إقليمية، إذا كان البعض يتحدّث عن إسرائيل أو سوريا في هذا المجال، كما أنّ الحرب الطائفية والحرب الأهلية، إنّما تنطلق أيضاً من خلال خطط خارجية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنّنا كنّا نتحدّث عن النادي السياسيّ. إنّ هذه الفيديرالية الطائفية تتحرّك في أوساط النادي السياسي الذي ينطلق أعضاؤه من خلال مصالحهم أو أوضاعهم على أساس التأطّر في الإطار الطائفي لمصالحهم الخاصّة وما إلى ذلك، ولكنّ الشعب اللبناني ليس بهذه الخطورة، فهو شعب ليس طائفياً بهذا العمق. أنا لا أتحدّث عن الخطوط السياسية التي يلهث وراءها الشعب اللبناني عندما يُحاصر بالقانون الذي يُوزّع المجالس النيابية والوزارية على الطوائف، أنا أتحدّث عن الشعب اللبناني الذي يعيش في الجامعات والمعامل والنوادي الرياضية والثقافية والمزارع والحقول والأسواق التجارية، حيث هناك شعب لبناني واحد. لذلك فالمسألة الصحيحة هي أنّ الشعب اللبناني يُساق إلى الكهوف الطائفية عندما يُراد له أن يبحث عن نوّابه أو وزرائه. ثمّ هناك نقطة، هي التي تجعل اللبنانيين يعيشون في مثل هذه الدائرة الضيّقة، وهي ربط حاجات الناس وقضاياهم بالسياسيين الذين يرجع الناس إليهم في قضاياهم. وإلاّ مثلاً عندما نلاحظ أنّ المرشحين للانتخابات يتحدّثون للناس أنّنا سنقوم بهذا المشروع الخيري هنا وهناك، فما علاقة هؤلاء بالمشاريع الخيرية للناس؟! إنّ مجلس النواب هو مجلس تشريعي، ومن مهامهم تأمين مصالح الناس من خلال المشاريع التي تعدّها الدولة، لكن هؤلاء السياسيين يستغلّون هؤلاء الناس عندما يعدوهم بمشاريع وأعمال خيرية، ليربطوهم بهم، ما يعطّل دور الدولة لمصلحة السياسي، وفي ذلك انتعاش للزعامات السياسية وقضاء على مفهوم الدولة ودورها. الاصطفاف الطائفي في الانتخابات ركّزت دائماً على الطبيعة السيّئة للاصطفافات الطائفية في الانتخابات وخصوصاً أنّ الأوساط الدينية تزيد وجوده خطورةً، وهكذا بالنسبة إلى السياسيين، ولكن كلّ هذا لن يفصل اللبنانيين بعضهم عن بعض... فعندما نلاحظ لبنان، نرى أنّ اللبناني لا يزال لبنانياً في حياته التجارية والرياضية والثقافية، وهناك حتى في الجانب الثقافي اندماج. من الممكن القول إنّ الطائفية دخلت الرياضة أحياناً، باعتبار أنّ هذا الفريق محسوب على هذه الطائفة وذاك على تلك، ولكن لو لاحظنا المسألة بالنسبة إلى قضايا السوق التجارية مثلاً والسوق الزراعية والصناعية، نجد أنّ اللبنانيين يعيشون بعضهم مع بعض، وهذا العيش هو الضمان للبنان، الضمان الذي يخفّف من خطر الطائفية السياسية، لأنّ الطائفية السياسية لها موسم معيّن، فعندما عشنا أجواء المرحلة الانتخابية، سمعنا كلاماً كثيراً وجدالاً كثيراً، وعندما انتهت المرحلة الانتخابية، رجع الناس إلى مواقعهم سالمين وغير سالمين، فأنا أعتقد أنّ اللبنانيين في العمق يعيشون لبنانيتهم. لكن هناك جانب طائفي مظلم في قلوب اللبنانيين، حاضر في استمرار للظهور والتأثير على المواقف، كيف يمكن للّبنانيين الخروج من هذا النفق الطائفي؟ هنا أقول إنّ هذا الجانب المظلم، ليس جانباً منفتحاً واعياً عميقاً. فمثلاً نحن نلاحظ أنّ كلّ طائفة اختارت زعيمها، وهذا ما يجري الحديث عنه في الانتخابات، لكن عندما ننفذ إلى وجدان الناس، فإنّنا لا نجد أنّها اختارت زعيمها بالمستوى الذي يمثّل كلّ قيم الطائفة، فلو أردنا دراسة كلّ الزعامات، لنجريَ استفتاءً بين الناس في ما يمثّله هذا الزعيم أو ذاك الزعيم بالمعنى الذي يستطيع أن يحضن الطائفة ويقوّيها ويفتح لها آفاقاً، سواء أكانت في مواجهة الطائفة الثانية أم في التعايش معها، لوجدنا أنّ الناس يريدون فقط زعيماً من دون النظر إلى مواصفاته أو برنامجه وأنّ بعض الذين يمثّلون زعامة هذه الطائفة أو تلك يُنتقَدون من أُناس طائفتهم ولكنّ الناس ينتخبونهم لأنّهم جائعون لأن يكون هناك شخص في القمّة يدير أمورهم. وهو ما لاحظناه أخيراً عندما يسقط أحد زعماء طائفة معينة، فإنّ الناس لا تبحث عن الشخص الذي يملك المواصفات التي يملكها الزعيم الذي سقط، بل إنّها تبحث عن بعض القضايا التي تتعلَّق بالنسب أو بعض العناصر الخاصة، ممّا يعني أنّ زعامة الطوائف ليست عقلانية. فالناس لم ينطلقوا من حالة عقلانية، ولكن فقط على طريقة «مات الزعيم عاش الزعيم». أو كما نسمع: بيت فلان لا يمكن إغلاقه. لهذا هناك بعض العقليات في الشرق تجعل الناس تتحرّك على أساس التاريخ والالتزام به، بصرف النظر عمّا يحمله هذا التاريخ أو ذاك. إنّ الناس الذين ينتخبون هذه الزعامة أو تلك لا ينطلقون من حالة متجذّرة في العمق في تقويم هذه الزعامة أو تلك أو في الارتباط بها بالشكل الذي يفصل الناس عن بعضهم البعض". نعم هناك مرجعيات في لبنان ولكن من خلال الجانب الرسمي وليس بالمعنى الوجداني، لهذا كنتُ أتحدّث دائماً أنّه علينا تربية الناخب لا المرشح. وعلينا في الحالة الشرقية الابتعاد عن ذهنية العصبية التي لم تأتِ من الدين، بل من بعض ممارسات الشرقيين. ونحن نلاحظ أنّ الغرب مثلاً خَرَجَ من الانفعال ودَخَلَ عصر المؤسّسات. الكلام هو أين الجرّاحون؟ وهل يجرؤ أحد على أن يقوم بعملية جراحية في الوقت الذي نجد الكثيرين في البلد ممّن ليسوا مستعدّين لأن تتحرّك العملية في اتّجاههم؟ فنحن نسمع الكثيرين يتحدّثون عن الفساد والهدر والسرقات والمديونية، فلو أردنا أن نتابع هؤلاء الفاسدين، فكم يبقى عندنا في النادي السياسي مَنْ هو خارج هذه العناوين. المسؤولون فوق مستوى النقد!؟ إذاً، معنى ذلك أنّ المقامات الرفيعة التي أدمنّاها أو التي وظّفناها وسوّقنا لها وتحرّكنا معها بشكل انفعالي وعاطفي، لا يمكن لأحد أن ينتقدها أو يحاسبها، سواء أكانت حيّة أم ميتة، وقد لاحظنا جميعاً كيف كان السياسيون قبل التطوّرات الأخيرة يتكلّم بعضهم على بعض، ويخوّن بعضهم بعضاً، وبعدما حصلت التطوّرات المأساوية أصبح بعضهم يتحدّث أنّك تكلّمت على فلان وفلان، وأنّك حين تحدّثت عن شخصية سياسية هي في مستوى النقد حين كانت تقوم بالمسؤولية، فكأنّك أصبحت في موقع الكفر الذي يسجَّل عليك، لأنّك في وقت ما انتقدت أو خوَّنت من باب المسؤولية. إنّ معنى ذلك، أنّه حتى في الوسط السياسي، يحاول كلّ فريق أن يرجم الفريق الآخر بما تحدّث به، بصرف النظر عن الصواب والخطأ، وهو ما يوحي أنّه ليس عندنا حركية سياسية في مسألة الصراع السياسي في ما يمكن أن يسجّله أحد على هذا أو ذاك. وعلى هذا الأساس: كيف نأمل أن يأتي مجلس النواب ليصحِّح الأخطاء الكبيرة التي قام الكثيرون بها على مستوى ما أصبح تاريخاً أو ما سيتحرّك أو تحرّك به البعض ممّن عاش التجربة هنا وهناك؟. أمّا بالنسبة الى اللبنانيين الذين أدمنوا التراشق معارضةً وموالاة، إن صحَّ التعبير، وفرزهم أنّ هؤلاء من النظام الأمني، أولئك ممّن عاشوا تحت ضغط هذا النظام، فنتساءل لماذا خضع هؤلاء لهذا النظام الأمنيّ؟ لأنّ بعضهم أراد أن يكون وزيراً أو نائباً أو مديراً عاماً، وكان من الممكن لبعضهم لو أراد التخفيف من هذا الضغط أن ينعزل. ونحن رأينا أنّ بعض الناس الذين أبعدوا نتيجة اللّعبة السياسية أو الأمنية والانتخابية، كالرئيس الحص الذي عَزَلَ نفسه وعُزل ولم يتعرّض له أحد بسوء، لأنّه أعلن أنّه لا يريد رئاسةً ولا وزارةً ولا نيابةً. إذاً الذي ساعد النظام الأمني على أن يضغط على الوسط السياسي من هنا وهناك، إنّما هم السياسيون أنفسهم الذين استغلّ النظام الامني أطماعهم ومصالحهم التي يحقّقها لهم هنا وهناك. أمّا حكاية أنّهم قد يتعرّضون للخطر، فلا أظنّ أنّ هذه القضية بهذه الشمولية، بمعنى أنّ كلّ شخص يمتنع عن الخضوع للنظام الأمنيّ سوف يقتل. حصلت هناك أمور معيّنة لا تزال تحت طائلة التحقيق، ربّما يفكّر بعض الناس أنّ للنظام الأمنيّ دوراً فيها وربّما لإسرائيل، ولكن ليست القضية بهذا الشكل، لأنّني أعتبر أنّ الذين خضعوا للنظام الأمني يشاركون بنسبة 70 أو 80% في السلبيات التي حصلت من خلال النظام الأمني في الواقع السياسي والاقتصادي اللبناني. إشكالية إسرائيل وانتهاك الاستقلال لعلَّ المشكلة في التحليلات، التي تتناول استقلال لبنان لا ترقى إلى سؤال أين هي مصلحة لبنان. إنّ الفكرة هي أنّ أيّ لبناني مرتهن للخارج، لا يملك أمره، ولا ينطلق من موقع أصالة الموقف أو الاتجاه. لذلك، عندما نريد أن ندرس أيّ انتهاك إسرائيلي حدوديّ فإنّ علينا أن ندرسه من زاوية مدى انتهاكه لاستقلال لبنان وسيادته. والكلّ يعرف، على الأقلّ من الناحية الرسمية، أنّ إسرائيل ما تزال دولة محتلّة للبنان من خلال احتلالها لمزارع شبعا، ما يفرض على اللبنانيين، عندما يعيشون ذكرى الاستقلال، أن يعرفوا أنّ الاستقلال اللبناني لم يكتمل بعد، كما ينبغي ألا يختصر الحديث عن استقلال لبنان عن سوريا فقط، لأنّ إسرائيل تمثّل الخطر المستقبلي الأكبر، كما تمثّل الخطر على مجمل واقع المنطقة. لذلك، فإنّ الذين تحدَّثوا عن الاستقلال في مناسبة 14 آذار(مارس)، لم يتحدّثوا عن مسألة الاستقلال في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. إنّ طريقتهم في الحديث عن مزارع شبعا هل هي لبنانية أو سورية، توحي بأنّهم يحاولون تبرئة إسرائيل من عملية الاحتلال للأرض اللبنانية، ليقولوا للمقاومة تماماً كما تقول الأمم المتّحدة الخاضعة للنفوذ الأمريكي، بأنّك أنت المعتدية وليست إسرائيل هي المعتدية. لذلك عندما ندرس خطوط التماس بين المقاومة وإسرائيل، فإنّنا نلاحظ أنّه من الطبيعي لأيّة مقاومة وطنية أن تراقب حركة العدوّ، فكلّ اللبنانيين يلاحظون، كما تلاحظ الأمم المتحدة، الخروقات الجويّة الإسرائيلية اليومية للأجواء اللبنانية، إلى جانب بعض الخروقات البرية والبحرية، لذلك فإنّ موقف المقاومة في خطّ المواجهة يعتبر مبرراً من ناحية مواجهة هذا العدوان، بقطع النظر عن الأحداث الميدانية في هذا المجال، فكيف إذا تحوّل العدوان الإسرائيلي إلى فعل ميداني في الأراضي اللبنانية المحتلّة، أمّا الحديث عن أنّ سوريا يمكن أن تستفيد من هذه العمليات، فأنا لا أفهم ماذا يمكن أن تستفيد؟ ضغوط امريكية مركزة على سوريا أنا لا أعتبر أنّ هناك أيّ تخفيف للضغط السياسي على سوريا في هذا المقام، القضية لبنانية بالكامل، وبتفوّق، وأنا أعرف، ومن خلال معلوماتنا، أنّ المقاومة الإسلامية في حركتها الجهادية لا تأخذ أيّ أوامر من سوريا أو من إيران، بل إنّها تخضع لمعطياتها الميدانية في حاجتها إلى المواجهة مع العدوّ الإسرائيلي في هذا المجال. وأن يحدث مشاكل حدودية بين إسرائيل واللبنانيين، فهذا أمرٌ لا يتّصل بسوريا لا من قريب ولا من بعيد. إنّ مشاكل سوريا الآن هي مع أمريكا في المسألة العراقية والفلسطينية، ومسألة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتحقيق الدولي، وما يحصل وما قد يحصل في الجنوب اللبناني ربّما ينعكس سلباً على سوريا، عندما تنطلق التصريحات الدولية الأمريكية والفرنسية والبريطانية، ومن الأمم المتحدة، لتُحمِّل اللبنانيين المسؤولية، وتوحي بأنّ سوريا هي التي تشعل هذه الجبهة هنا وهناك. وثمّة نقطة ينبغي ملاحظتها، وهي أنّه إذا كانت سوريا تضغط أو توحي إلى المقاومة في لبنان للقيام بعمليةٍ ما، فإنّ الجيش السوري ومخابراته قد انسحب من لبنان، فكيف نُحمِّل سوريا مسؤولية ما يحدث في لبنان؟. هذا وعندما نتحدّث عن عدم تعاون سوريا مع التحقيق الدولي, عندما نتحدّث عن هذه المسألة، نلاحظ أنّ الدول التي تملك المعلومات لم تعاون لجان التحقيق هي أيضاً. فنحن نعرف أنّ أمريكا تملك كلّ المعلومات من خلال الأقمار الصناعية، ولم تقدِّمها إلى لجنة التحقيق الدولية، ما يعني أنّ أمريكا هي أوّل دولة لم تتعاون مع لجنة التحقيق، وكان يجب على المحقّق الدوليّ في تقريره أن يذكر عدم التعاون الأمريكي. ثمّ إنّ الدولة الثانية التي تملك المعلومات الدقيقة في هذه القضية هي إسرائيل، فهي الدولة التي يمكن على الأقلّ، أن تكون موضع اتّهام، لأنّ السلام والاستقرار في لبنان لا يتناسبان مع أهدافها وخططها. لماذا لم يتحدّث اللبنانيون عن إسرائيل كمشتبه بها، كما يتحدّثون عن لبنانيين وعن سوريين كمشتبه بهم في اغتيال الرئيس الحريري؟ وهو الذي كان يمثّل قيمةً سياسيةً في مواجهة إسرائيل من خلال اعتداله ودبلوماسيته وعلاقاته الدولية؟ هذه نقطة لا بدّ من أن نسجّلها أمام حركة لجنة التحقيق. من ناحية ثانية، نحن لا نريد أن نطلق الحكم ببراءة سوريا أو إدانتها، لأنّه ليس من الضروري أن يكون النظام السوري متورّطاً في هذه الجريمة، قد يكون هناك سوريون متورّطون، كما نجد أنّ هناك سوريين يعملون ضدّ النظام السوري، يقدّمون شهادات ربّما كاذبة وربّما صادقة أمام لجنة التحقيق الدولية. لكن لماذا كلّ هذه الهجمة الدولية على سوريا إضافةً إلى الهجمة اللبنانية عليها من أغلب الأطراف السياسية؟ كما لو كانت مدانة في هذه الجريمة؟ لقد سمعت بعض السياسيين يقولون إنّ سوريا مدانة حتى تثبت براءتها، علماً أنّ القاعدة القانونية تقول إنّ المتَّهم بريء حتى تثبت إدانته. والسياسي الذي صرَّح بذلك حاول أن يزايد على رئيس لجنة التحقيق الذي قال: إنّنا لا نتّهم سوريا، ولكنّها مشتبه بها حتى تثبت إدانتها أو العكس. أن ينطلق لبنانيون بإدانة سوريا، وأن يعمل الكثير منهم على تحشيد عناصر الإدانة، سواء كانت مركّزة أو غير مركّزة، وأنا هنا أتحدّث عن المناخ بقطع النظر عن المفردات، فهذا المناخ ليس مناخاً قضائياً أو قانونياً، بل هو مناخ سياسي، لأنّني أعرف أنّ أمريكا ليس لها من خلال طبيعة استراتيجيتها وسياستها واهتماماتها الكونية، اهتمامات بقضية اغتيال الرئيس الحريري، كما أنّه ليس لها اهتمامات بالجرائم التي تقوم بها إسرائيل ضدّ لبنان كـ (صبرا وشاتيلا، وقانا...) وضدّ فلسطين، لكنّها اعتبرت جريمة اغتيال الحريري ورقةً تلعبها للضغط على سوريا، والمسألة متّصلة بسوريا في دفاعها عن نفسها. وأنا أتصوّر أنّ هذه القضية عندما قامت "بجولة حول العالم"، ودخلت في مواقع الأمم المتّحدة، وتحرّكت في خطّ السياسة الأمريكية بالمنطقة، وخطّ السياسة الفرنسية في لبنان، باعتبار أنّ فرنسا تريد استعادة موقعها في لبنان، أصبح من الصعب جدّاً أن تصل إلى نتيجة. قد تتحرّك المسألة لتشير إلى اشتباه هنا واشتباه هناك، ولكن أن يقبض على القاتل بشكلٍ مباشر، أو غير مباشر فهذا ليس مستحيلاً، ولكنّه صعب. ولقد تعوّدنا في لبنان مقولة «قبضنا على القتيل ولم نقبض على القاتل. وبكلمتين أقول لو أُريدَ للبنان أن يكون وطناً لبنيه، لما وضع النظام الطائفي في عُمق مفاصله الدستورية. نحن نعتبر أنّ ميثاق الـ43 كان أكثر تقدُّماً من اتفاق الطائف، لأنّه كان يعتبر الطائفية عرفاً فأصبحت اليوم دستوراً. وهذا يؤكّد تصوّرنا فيما نذهب إليه من أنّ لبنان لم يوضع ليكون وطناً لبنيه، بل رئة لتتنفّس فيها مشاكل المنطقة، وليكون ساحة للمحرقة لأكثر من قضية في المنطقة. ومن المؤسف أنّ معظم اللبنانيين اختاروا ذلك، خصوصاً أنّ كلّ طائفة تحاول أن تأخذ بأسباب القوّة مقابل الطائفة الأخرى من خلال ارتباطاتها الخارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية. نتمنّى أن يؤمن اللبنانيون إيماناً يتمرّد على كلّ وصاية في هذا المجال، ولكنّهم يقولون لكلّ قادم إنّه هو ربّ المنـزل، فيتصرّف على هذا الأساس. لذلك نرى السفراء في لبنان يتدخّلون حتى في القضايا الصغيرة التي تخصّ الداخل اللبناني ومفاصله، وهذا الأمر غير قائم في أيّ بلد في العالم. والنكتة المعروفة في لبنان أنّ السفراء يقولون إنّهم لا يمارسون الوصاية، إنّما يمارسون الرعاية. ونحن نعرف أنّ دور الوصي هو أن يرعى المولى عليه. اللبنانيّون أدمنوا الفوضى لقد أدمنّا الفوضى، هناك من يدمنون التدخين بالرغم من خطورته، ومن يدمنون المخدّرات بالرغم من خطورتها، ونحن أدمنّا هذه الفوضى السياسية، وأدمنّا الكثير من السياسيين الذين نعرف أنّهم يخدّروننا بطريقة أو بأخرى، وربّما نشعر بما يشعر به الذي يدمن المخدرات من أجواء وردية وهمية، ولكنّها تتحوّل إلى سُمّ يقتل الإنسان في النهاية؟! إنّنا نتصوّر أنَّ هناك خطوطاً في المسيحية العربية تنفتح على كثير من قضايا الواقع الإنساني السياسي، كما في القضية الفلسطينية، وفي الموقف من السياسة الأمريكية، في حين أنّ المسيحيين في الغرب لا ينفتحون على القضايا العربية المصيرية التي تنفتح على أكثر من مأساة إنسانية، لذلك، دعونا إلى الحوار الإسلامي ـــ المسيحي، عندما خاطبنا البابا الراحل، وقلنا له إنّ علينا كمسلمين ومسيحيين أن نواجه الواقع الديني فيما بيننا، بالعمل على مواجهة الإلحاد لمصلحة الإيمان، وعلى مواجهة الاستكبار لمصلحة الاستضعاف، لأنّ المسيحية والإسلام يرفضان معاً الإلحاد، ويرفضان معاً الاستكبار الذي هو قمَّة الظلم للمستضعفين في العالم. وإذا انطلقنا في هذا، فسوف نثقِّف المسلمين والمسيحيين بأن يكونوا فريقاً واحداً ضدّ الظلم كلّه، سواء كان ظلم الدول الكبرى، أو ظلم الناس بعضهم لبعض، وضدّ العصبيات الضيِّقة التي يختزنها هذا أو ذاك، والتي تؤسّس للانفصال بين الدّينين وبين المجتمعين من دون أن يشعروا بالقاعدة التي يلتقون عليها. لبنان ساحة التقاء.. المخابرات العربية والدولية لعلَّ مشكلة لبنان أنّه يمثّل الساحة التي تلتقي فيها المخابرات الدولية والإقليمية التي لا تجمع الوقائع، بل تصنعها لمصلحة هذا المحور أو ذاك، على مستوى ما يخطَّط من خلال الحركة اللبنانية السياسية ضدّ هذا البلد في المنطقة أو ضدّ ذاك البلد. إنّ خصوصية لبنان هو أنّه نافذة الشرق على الغرب، والذي يحمل إلى الغرب كلّ مشاكل الشرق وكلَّ تطلّعاته، كما هو نافذة الغرب على الشرق في هذا المجال، ولذلك، فإنّه يمثّل ملتقى الخطوط السياسية التي يتوزّعها اللبنانيون، سواء من هم في الوطن، أو في المهجر، حيث يتحرّكون وفق عصبيات تعمل على إرباك الكثير من الأوضاع اللبنانية الداخلية. وعلى ضوء هذا، فإنّ لبنان الذي كنّا نقول عنه إنّه الرئة التي تتنفّس فيها مشاكل المنطقة، يمكنه من خلال هذا الانفتاح الدولي والإقليمي، أن يساهم في خلق الكثير من خطوط المأساة التي يعاني فيها اللبناني من أوضاعه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما أنّها ربّما تسجّل نقطة ينطلق فيها هذا المحور الدولي أو الإقليمي ضدّ محور إقليمي أو دولي آخر، وهذا ما يفسِّر الجرائم التي حصلت في لبنان، والتي انطلقت لتغتال شخصيّاتٍ سياسيةً فاعلةً، أو أقلاماً سياسية منفتحة، وما إلى ذلك في هذا المجال، ما يجعل من لبنان ساحة المحرقة التي يحترق فيها الكثير من اللّبنانيين، والتي تنطلق من خلال هذا التوتّر المتحرّك في التصريحات والتحليلات والمواقف، حتى لا يشعر اللبنانيون بأنّ هناك بلداً لا بدّ لهم من أن يزرعوا فيه المحبّة والعفو والتسامح، وأن ينطلقوا فيه لقبول الآخر، لأنّ بلداً لا يقبل فيه الإنسان الإنسان الآخر الذي يختلف معه، سوف يصل إلى مرحلة قد يواجه فيها دماراً إنسانياً، وهو أخطر من دمار الحجر. وهنا ألفت النّظر إلى أنّه في الوقت الذي نقدّر ما يختزنه بعض اللبنانيين لما يعتبرونه إخلاصاً لبلدهم، إلاّ أنّنا نرى أنّ التصريحات والتصريحات المضادَّة والمواقف المتشنّجة هنا وهناك، جعلت لبنان يعيش حالة طوارئ، وخلقت الأجواء التي توحي بأنَّ الكثير من الناس يمكن لهم أن يفكّروا في ممارسة العنف بطريقة أو بأخرى، بما لا يخدم مصلحة الوفاق الوطني ولا مصلحة الوحدة الوطنية. وهذا ما جعل الكثيرين يتخوَّفون من مشاكل مذهبيّة ومشاكل طائفيّة هنا وهناك، لأنّ الخطورة الكبرى في ذلك، هي أن يتحوّل الخلاف السياسيّ إلى خلافات مذهبية تحاول أن تُسجِّل لهذا المذهب موقفاً سلبياً ضدّ المذهب الآخر. فالمسألة في لبنان لا تنطوي على خلفيَّة دينية أو مذهبية، بل هي تتحرّك من مواقع واجتهادات سياسية يمكن أن يجتهد فيها هذا أو ذاك بعيداً عن مذهبيته وبعيداً عن دينه، فقد نجد أنّ بعض السياسيين الذين يحملون شعار الإسلام أو المسيحيّة، هم ملحدون لا يؤمنون بالإسلام ولا بالمسيحية، ولكن المسيحية والإسلام، أو السُّنيّة والشيعيّة، تحوّلت عندهم إلى لافتة، كما قلت، مع الاعتذار، كالطبل الذي يدقّ عليه هذا وذاك ليجتمع الناس على قرع الطبول التي تعوّدوا عليها في كثير من حفلاتهم ومهرجاناتهم. نحن نتصوَّر أنَّ هناك وجهة نظر حول طريقة إدارة القضايا السياسية اللبنانية، التي يعتبر كلُّ فريق بأنّها قضايا تتّصل بالمصير أو بالخطوط السياسية الإقليمية والدولية في نطاق تأثيرها على الواقع اللبناني الداخلي. فالمسألة يجب أن تخضع للحوار بعيداً عن مصادرة أيّ فريق للفريق الآخر، ما دامت هذه القضايا لا تمثِّل المصير الذي لا يحتمل الانتظار يوماً أو يومين أو شهراً أو شهرين، بل هي قضايا يمكن أن تؤجَّل للدخول في حوار موضوعي عقلاني، على الطريقة اللبنانية "لا غالب ولا مغلوب". لا مصلحة لأحد في هزّ الاستقرار اللبناني هذا وهناك نقطة لا أزال أؤكّدها، وهي أنّ الحرب اللبنانية ـــ اللبنانية على مستوى الخلل الأمني بين اللبنانيين قد انتهت، وأدّى لبنان دوره في الحرب الماضية، والتي كانت حرب الآخرين على أرض لبنان. هذه قناعة تدعمها المعلومات غير الخاصة، نحن نتصوّر أنّه ليست هناك مصلحة لأيّة دولة، حتى لأمريكا وإسرائيل وفرنسا، في إسقاط الاستقرار على المستوى الشعبي العام في لبنان، هناك اغتيالات سياسية تنطلق من خطوط سياسية داخلية أو خارجية في هذا المقام، ولكنَّها لا تصل إلى مستوى الحرب المذهبية والحرب الطائفية، لأنّ هناك ضمانات حقيقية في داخل لبنان من خلال الشعب اللبناني، بعدم الدّخول في حرب جديدة. لذلك، أنا أتصوّر أنّ على اللبنانيين أن يعرفوا كيف يركِّزون عناوين المحبّة والتسامح والحوار والاعتراف بالآخر والشعور بالمواطنة، وأن يعرفوا أيضاً أنّ أيِّ حرب لا تنتهي إلى أيّة نتيجة لمصلحة هذا الفريق أو ذاك الفريق، بل إنّ الهيكل في الحرب يسقط على رؤوس الجميع، وهذا ما عاشه اللبنانيون في الحرب الماضية، سواء بين مذهب وآخر، بين أتباع دين وآخر، وهكذا رأينا أنّ هذه الحروب تساقطت عند اتفاق الطائف، الذي رأى الجميع فيه مسألة يمكن لهم أن يلتقوا عليها، وإن لم ينفتحوا على كلِّ مفرداتها. الخوف من الدعوات إلى التدويل في موضوع طلب الوصاية الدولية مسألتان: المسألة الأولى: هي أنَّ الخطاب اللبناني الرسمي، أو الذي يتحدّث به فريق كبيرٌ من السياسيين، ولا سيّما الأغلبية، هو الحديث بشكلٍ سلبيّ عن أيِّ إمكانات للجهاز الأمنيّ اللبنانيّ الجديد أو للقضاء اللبناني، ما يوحي بأنَّ اللّبنانيّين جميعاً يتّفقون على عدم قدرة القوّة الأمنية على حماية الإنسان في لبنان، سواء كان هذا الإنسان شخصية سياسية، أو إعلامية، أو دينية، أو ما إلى ذلك، وأنّ القضاء اللبناني لا يملك أمره، فهو لا يملك مناقبية ومصداقية تخوّله إصدار الأحكام وتنفيذها، فماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أنَّ هناك إيحاءً ولا أقول خطّة، بأنّ لبنان بحاجة إلى قوّات دولية خارجية لتحميَ شعبه وتحميَ شخصياته، كما أنّه بحاجة إلى جهاز قضائي يستطيع أن يحكم في الكثير من الجرائم التي تقع فيه. وهذا ما يفسّر طلب الحكومة اللبنانية إنشاء محكمة دوليّة، لأنّ القضاء اللبناني غير قادر على أن يحكم في هذه الجرائم، أو طلب إلحاق الجرائم المستجدّة بعد اغتيال الرئيس الحريري بلجنة التحقيق الدولية. إنّني أتحدّث بذلك من خلال المُناخ الذي خلقته كلّ هذه الملاحظات أو التصريحات. المسألة الثانية: والتي ركّزت عليها في عدد من خطب الجمعة، هي أنّنا بحاجة إلى أصدقائنا وإلى أشقائنا، نحن بحاجة إلى الدول العربية لتساعدنا في كلّ ما نحتاجه من تقنيات يمكننا من خلالها تقوية الجهاز الأمني والجهاز القضائي. وكذلك بالنسبة إلى أصدقائنا في العالم، ولكن نحن نقول إنّ هناك فرقاً بين الوصاية التي تفرض علينا ما يريده الآخرون، وأن نتحرّك من خلال مصالح الآخرين، وبين الرعاية أو المساعدة التي تفرضها الصداقة. وهنا لا بدّ أن لا يتعامى اللبنانيون عن التدخّلات المتكرّرة للسفير الأمريكي في الشؤون اللبنانية. إنّني أتصوّر أنّ هناك نقطة علينا أن نؤكِّدها من دون أن نسجّل نقطة لهذا على هذا، وهي أنّ المشكلة في لبنان هي جزء من مشكلة الشرق الأوسط التي انطلقت من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومن خلال ما تحدّث به الرئيس بوش في الفوضى البنّاءة، لأنّ الأمريكيين في العناوين الكبرى التي يطرحونها للمنطقة، لا يخطّطون للتفاصيل، وإنّما يتحرّكون كما تحرّكوا في احتلال العراق، فهم اختزنوا إحساسهم بالقوّة، فاحتلوا العراق، ولكن لم يفكّروا لما بعد الاحتلال. لذلك غرقوا في الوحول العراقية وفي الرمال العراقية المتحرّكة وفي رمال المنطقة المحيطة بالعراق المتحرّكة في أكثر من خطّ سياسي. ولهذا فإنّ القضية الآن في ما أتصوّره من السياسة الأمريكية المتحالفة مع السياسية الإسرائيلية، مع بعض الملحقات، كالسياسة الفرنسية التي تريد أن تستعيد دورها في لبنان، أنّ لبنان تحوّل إلى ورقة في يدّ أميركا للضغط على سوريا وللوصول إلى أكثر من موقع. أنا لا أريد الدّخول في تقويم الوجود السوري السابق وما أخطأ فيه أو ما إلى ذلك، لكنّي أتصوَّر أنَّ مسألة لبنان هي مسألة دولية تستغلُّ بعض الخطوط الإقليمية، وليست مسألة إقليمية تتّصل بالعلاقات اللبنانية السورية. لذلك فتّش عن أمريكا، ما هي العلاقات الأمريكية السورية، عند ذلك تكون القضايا تتحرّك في اتّجاه آخر. نحن نعرف أنَّ الخطَّ الأمريكي في المنطقة هو الذي وافق على دخول قوات الردع العربية والتي تحوّلت إلى قوات سورية. كانت المسألة بموافقة أمريكية، لذلك أنا أتصوّر أنّ المشكلة الأمريكية مع سوريا هي مشكلة العراق؛ أن تؤيِّد سوريا الاحتلال الأمريكي، وأن تتصرَّف تصرُّفاً لا يزعج هذا الاحتلال. وثانياً المسألة الفلسطينية؛ أن تكفّ سوريا عن دعم الانتفاضة الفلسطينية التي تعتبرها أمريكا إرهابية وما إلى ذلك. عندما تنطلق الأمور في اتجاه العلاقات الأمريكية السورية بشكل إيجابي، فسوف يخفف ذلك من الضغوط، إذا لم نقل إنّه يمكن أن ينهيها. من هنا أنا أتصوّر أنّ مسألة التحقيق هي مسألة مهمّة جداً وحقيقية، لأنّها تتّصل بالنسيج اللبناني، وتتّصل أيضاً بخلفيات الأمن اللبناني، ولكنّي لا أعتقد أنّ أمريكا مخلصة للتحقيق بالطريقة التي تعتبره كلَّ شيء في المسألة اللبنانية، قد تحرّك الكثير من خيوطه ومن خطوطه، ولكن الدول الكبرى، كما نعرف، لا تخضع للمشاكل الصغيرة للدول الصغرى، وهذا ما لاحظناه في الطريقة التي أدار بها مجلس الأمن المطالب اللبنانية في قرار مجلس الأمن الأخير. من الطبيعي أنّ مثل هذا الحدث الذي وصف بالزلزال، في طبيعته السياسية المأساوية، أن يمثّل الصدمة التي استطاعت أن تهزّ الكثير من عناصر الواقع اللبناني، سواء على مستوى الذين حاولوا أن يوظّفوا الحدث لاعتباراتهم أو لعناوينهم السياسية، أو الذين عاشوا تحت تأثير النتائج السلبية التي انعكست عليهم. لذلك، فإنّ من الطبيعي أن يترك الحدث آثاره على الواقع اللبناني حاضراً ومستقبلاً، خصوصاً أنّ تداعيات هذا الحدث أفسحت في المجال لغير موقع دولي ليجد فيه الكثير من الإفادة في خدمة مصالحه على غير مستوى. وهذا ما لاحظناه في الهجمة التي انطلقت دوليّاً وإقليميّاً ومحليّاً ضدّ الوجود السوري في لبنان، فقد لاحظنا أنّ الرئيس الأميركي جورج بوش سعى إلى الإفادة من هذا المُناخ، في الواقع الداخلي الأميركي، حيث اعتبر أنّ الحركة السياسية المعارضة في لبنان، والتي تنادي بالحرية والسيادة والاستقلال، ظاهرة تثبت نجاحه في مشروعه الداعي إلى نشر الديموقراطية في العالم، انطلاقاً من اعتباره أنّ هذه الحركة انطلقت من خلال الخطوط الأميركية في تشجيع الساحة اللبنانية على أساس تأكيد الديموقراطية بطريقة أو بأخرى. كما أنّنا لاحظنا أنّ فرنسا التي تعتبر أنّ لها خصوصية في لبنان، من خلال تاريخها السياسي وعلاقتها العضوية تقريباً مع كثير من الشرائح اللبنانية، حاولت ولا تزال الإفادة من ذلك بطريقة تختلف عن الطريقة الأميركية. إضافةً إلى بعض الدول العربية، التي ربّما أرادت الإفادة من هذا الجوّ الجديد في تصفية بعض الحسابات مع سوريا. لذلك فإنّني أعتقد أنّ هذا الحدث، استطاع أن يهزّ الواقع اللبناني، وأن يثير الكثير من الحساسيّات والقليل من العقد. معاقبة المقاومة وحصار الطائفة الشيعيّة تتعرّض الطائفة الشيعيّة في لبنان إلى نوع بشع من أنواع الإبادة الطائفية الغرائزية مع أنّهم كانوا القوّة الأولى التي أحدثت التغيير في لبنان من خلال حركة المقاومة الصادقة والمضحية والأمنية. وبذلك، فإنّ الشيعة هم الفريق الإنساني الذي استطاع أن يؤكّد سيادة لبنان بعيداً من الشعارات والتسويات، لأنّه أجرى أنهاراً من الدّماء في سبيل إزالة الاحتلال واستعادة سيادة الوطن وكرامته وعزّته. كما أنّنا عندما ندرس التاريخ الشيعي في لبنان، فإنّنا نجد أنّ الشخصيات الشيعية، سواء على مستوى علماء الدين، أو المثقّفين والمفكّرين، أو على مستوى القاعدة الشعبية، استطاعوا أن يتركوا تأثيرهم في لبنان على مستوى الانفتاح على القضايا الكبرى، سواء في مسألة الصراع ضدّ إسرائيل، أو في مسألة الوحدة العربية، أو الوحدة الإسلامية، أو الانطلاق في الآفاق الواسعة لحركات التحرّر. لهذا فإنّنا، عندما ندرس المسألة الشيعية في الواقع الميداني، لا نجد هناك حالاً من القوقعة في الزوايا المغلقة، بل إنّ قيمة الإنسان المسلم الشيعي أنّه لم يكن في أيّ وقت طائفياً. ربّما كان يستذكر دائماً حال العدالة، من خلال الاضطهاد الذي عاشه عبر التاريخ، لذلك كان يبحث عن العدالة في أيّ موقع من المواقع، وهذا ما يفسِّر اندماج الكثير من شباب الشيعة في الخطوط اليسارية، أو ما إلى ذلك، ممّا يطالب بالعدالة وينشد تحقيقها بعيداً من مسألة المضمون العقائدي لهذا الفريق أو ذاك. ربّما يأخذ بعض الناس على الشيعة في لبنان قربهم من سوريا. ونحن عندما ندرس المسألة، نجد أنّ المسلمين الشيعة ليسوا بدعاً فيها، فنحن نعرف أنّ معظم الطوائف الإسلامية والمسيحية عاشت هذا النوع من التقارب أو التكامل مع سوريا، باعتبار موقعها الجغرافي، أو من خلال امتدادات العلاقات السورية اللبنانية التاريخية. وربّما أخذ المسلمون الشيعة بالعنوان الكبير في العلاقات مع سوريا ونتيجة الخطّ المشترك، في مسألة الصراع مع إسرائيل، باعتبار أنّ المقاومة الإسلامية، كانت ولا تزال بحاجة إلى الدعم العربيّ، كما الدعم الإسلاميّ، لذا فإنّ عمق العلاقة انطلق من خلال هذا النوع من أنواع التكامل بين المقاومة وبين سوريا التي كانت ولا تزال تدعم المقاومة. إنّني أستطيع أن أؤكّد أنّ الشيعة لم يدخلوا في لبنان في أيّ مغارة طائفية، لذا فإنّهم عموماً لم يشاركوا في الحرب اللبنانية كما شارك الآخرون، وهم في الوقت نفسه انفتحوا على كلّ الجهات، سواء من داخل المؤسّسات الدستورية، أو من خلال الأجواء العامّة. لذلك نلاحظ أنّ الحديث عن غياب المسلمين الشيعة عن عملية التغيير في لبنان، هو حديث غير ذي موضوع، ولكن للشيعة أولويّاتهم كالكثيرين من اللبنانيين الذين يدرسون الأمور بحسابات دقيقة بعيداً من كلّ انفعال، إنّهم يعملون على أساس التغيير الذي لا يرتكز إلى صراخ الانفعال، وإنّما ينطلق من خلال العقلنة التي تدرس الأمور من الداخل والخارج. صياغة وطن! إنّنا نتصور أنّ الشيعة يعيشون الوطن بأوسع ما يكون، وإذا كانت مسألة صياغة الوطن تتحرّك في اتجاه المناخ الدولي الذي يريد استغلال لبنان واستغلال العالم العربي لمصالحه، فإنّ المسلمين الشيعة كانوا ولا يزالون يقفون بقوّة مع خطّ العدالة، الذي يتمثّلون في كلّ تاريخهم وحركتهم في الواقع السياسي على مستوى لبنان وعلى مستوى الخارج. لذلك من الطبيعي جدّاً أن يقف المسلمون الشيعة ضدّ السياسة الأميركية التي تلتزم إسرائيل بالمطلق وتلتزم الديكتاتوريات، والتي قد تعطيها عنوان السلام لأنّها تلتقي مع مصالحها، أو عنوان الديموقراطية، وقد تعطي بعض الجزّارين لقب رجل السلام كما فعلت مع شارون. إنّ المسلمين الشيعة ليسوا معقّدين من الآخرين، ولكنّهم يدرسون علاقتهم ومواقفهم من خلال خطّ العدالة الإنسانية التي لا تريد لأيّ دولة عظمى أو كبرى أن تضطهد المستضعفين. لذا، فإنّني أعتقد أنّ الشيعة مشاركون في كلّ الوطن ومؤسّسات الدولة، فهم في مجلس النواب، وفي الحكومة، ومشاركون في التظاهرات الاحتجاجية، ولكن على أساس ما يريدونه وما يؤمنون به، لا على أساس ما يريده الآخرون. بعض الناس يعتبرون أنّك إذا لم تسقط أمام شعاراتهم وأمام خطوطهم السياسية، فإنّك تعتبر خارج نطاق الواقع أو خارج "الإجماع". إنّ الشيعة عاشوا في كلّ تاريخهم، سواء في لبنان أو العراق أو أماكن أخرى، الاستقلال والحرية، ودفعوا الكثير في سبيل ذلك وما زالوا يدفعون. ولذا، فإنّ القضية ليست قضية أن يركبوا الموجة وأن يسيروا بما يقتنع به الآخرون، لأنّ لهم قناعاتهم. لقد شارك المسلمون الشيعة في لبنان سياسياً وثقافياً وأمنياً، وما زالوا الفئة التي تنطلق من اقتناعها الحرّ في خطوطها السياسية والجهادية. الإحبــاط هذا وأنا لست أرى ما يدعو إلى الخوف من أن يصبح الشيعة "الطائفة المحبطة" في لبنان. أنا لا أتصوّر أنّ هناك أيّ عنصر من عناصر الإحباط، لأنّ الإحباط إذا كان ينطلق من محاولة البعض عزل المسلمين الشيعة عن ساحة الواقع، فإنّه لا يستطيع، لأنّ الشيعة وفق حضورهم الدائم في كلّ المواقع، لا يسمحون لأحد بأن يعزلهم، فهم متمرّدون على العزل، لأنّ حضورهم قد يكون من أقوى أنواع الحضور في لبنان. قضية أن تحبط هي قضية أن لا تكون لك قضية، ولا يزال المسلمون الشيعة يحملون قضية التحرير وقضية مقارعة إسرائيل، كما لم يحمله كلّ العرب في شكل أو آخر في الساحة الميدانية، لذلك فإنّ حضورهم السياسي في لبنان، والمتزاوج مع الحضور الجهادي، استطاع أن يتجاوز لبنان إلى كلّ العالم العربي والإسلامي، وحتى العالم الأوروبي، الذي اضطر إلى أن يتحدّث عن الشيعة في المقاومة الإسلامية وما إلى ذلك بطريقة إيجابية. أمّا إذا كانت قضية الإحباط، من جهة أنّهم لا يملكون الفرص الكبيرة التي يملكها الآخرون من خلال علاقاتهم الخارجية أو من خلال انفعالهم مع السياسات الخارجية وخضوعهم لها، فإنّ هذا يعطيهم الكثير من العنفوان، انطلاقاً من أنّهم يعيشون استقلال قرارهم وإرادتهم بعيداً من الانفعال أو السقوط تحت عجلة السياسة الدولية التي تحاول السيطرة على المنطقة عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير أو المشاريع الأخرى. إنّ المسألة هي أنّ المسلمين الشيعة، ككلّ الأحرار، عندما تفتح ساحة الصراع القومي أمام القضايا الكبرى، فإنّهم لا يشعرون بالسقوط عندما يواجهون التحدّيات أو بعضاً من أنواع المشكلات، وإنّما يعتبرونها ضريبةً للموقف ولحركة الجهاد من أجل قضايا العدالة للإنسان. لذلك أعتقد أنّ الشيعة لم ينطلقوا من خلال الدعم السوري في وجودهم، بل إنّهم مستقلّون استقلالاً كاملاً وفق وجودهم وحضورهم السياسي، الذي لم ينطلق من تعليمات سورية أو غير سورية. إنّني أستطيع التأكيد، وفق معلوماتي الدقيقة، أنّ عمليات المقاومة لم تتحرّك على الطريقة التي كانت تتحرّك بها بعض المنظّمات من تنفيذ التعليمات في الحاجة إلى مقاومة هنا أو هناك، بل ربّما كانت المقاومة الإسلامية في لبنان تقوم بعملياتها بما يخدم استراتيجيتها الجهادية، بحيث إنّ السوريين لا يعرفون بها إلاّ بعد ذلك. لهذا فالشيعة يمثّلون مجتمعاً مستقلاًّ حرّاً في إرادته، ولا أتحدّث فقط عن المقاومة الإسلامية، بل إنّني أتحدّث عن الشرائح المثقّفة والمفكّرة التي تتنوّع في خطوطها السياسية وفي علاقاتها بالأطياف اللبنانية. إنّ دور سوريا بالنسبة إلى المسلمين الشيعة هو دور التحالف على أساس القضية الكبرى؛ قضية الصراع مع إسرائيل، والتخفيف من الضغط الأميركي. وأعتقد أنّ الكثيرين من الشيعة إنّما يقفون مع سوريا، لأنّ سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي لا يزال يطرح العناوين الكبرى في المسألة العربية، ولا يزال يدفع الأثمان الكبرى في سبيل مواقفه، وخصوصاً لجهة احتضانه حركة المقاومة الفلسطينية، أو من خلال رفضه للاحتلال الأميركي للعراق وتأييده للمقاومة العراقية. لذا، فإنّ علاقة المسلمين الشيعة بسوريا، كعلاقة الكثير من القوميين العرب أو من اليساريين، هي علاقة العناوين الكبرى التي لا تزال سوريا تلتزمها، بقطع النظر عمّا يثيره البعض في هذا الالتزام من علامات استفهام هنا أو هناك. القضية هي قضية نوع من أنواع التكامل في القضايا الكبيرة التي يؤمن بها المسلمون الشيعة، وليست القضية أنّهم استعاروا أو يستعيرون قوّتهم ووجودهم وحضورهم من الجانب السوري. كان الشيعة موجودين قبل أن تدخل سوريا إلى لبنان، وهم موجودون بعد دخولها، وسيبقون موجودين بعد خروجها، لأنّهم يمثّلون الإرادة المستقلّة الحرّة التي تعرف كيف تتعامل وتتكامل وتتحالف مع الجهات، سواء كانت دولية أو حركية. حساسية شيعية سنِّية! أمّا عن الحساسيّات الشيعية السنية، التي بدأ يحضّر مناخاتها الحاقدون والمغرضون فأنا لا أتصوّر وجود أيّ سلبية في الساحة السياسية والثقافية الإسلامية في ما يتّصل بالعلاقات بين السُّنّة والشيعة. إنّ الشيعة كانوا ولا يزالون يحملون شعار الوحدة الإسلامية ويتحرّكون في اتجاه تحقيقه. وأذكر أنّني منذ العام 1952 شاركت في احتفال في بيروت في أربعين المرحوم العلامة السيّد محسن الأمين، ودعوت في ذلك الوقت إلى العمل لتحقيق الوحدة الإسلامية. وأذكر أيضاً أنّني التقيت في ذلك الحفل بالمرحوم الدكتور مصطفى السباعي المرشد العام للإخوان المسلمين في سوريا ولبنان، حول مسألة الوحدة الإسلامية. وما زلت منذ ذلك الوقت أتحرّك في خطّ الوحدة الإسلامية على مستوى العالم الإسلامي. وهكذا رأينا كيف أنّ علماء الشيعة يمارسون الوحدة الإسلامية وينظِّرون لها، ونحن نعرف أنّ دعوة التقريب بين المذاهب الإسلامية انطلقت في مصر من عالِم شيعي هو الشيخ محمد تقي القمّي، الذي انفتح على علماء الأزهر. ثمّ عندما أغلقت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة انفتحت عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث أسَّست مجدّداً مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، وتنظّم كلّ سنة مؤتمرات يشارك فيها ممثّلون عن كلّ المذاهب. إنّ هناك من يحاول الاصطياد في الماء العكر في بعض السلبيات الفردية التي تحدث هنا أو هناك، في بعض الأجواء السياسية، لإيجاد هوّة بين السُّنّة والشيعة، ولكنّي أعتقد أنّ علماء المذهبين وسياسيّيهم وعقلاءهم، يعملون على ردم كلّ هوة يحاول البعض أن يحفرها بين الطائفتين. إنّنا كنّا نقول ولا نزال، نحن في حاجة إلى تأكيد الوحدة الإسلامية بين السُّنّة والشيعة في لبنان والعالم الإسلامي، كخطوة أولى متقدّمة للوحدة الوطنية اللبنانية. لا مشاريع خاصّة للشيعة إنّ الحديث عن مشروع خاص للشيعة، سواء على مستوى العالم الإسلامي، كما في الحديث الذي أثاره بعض المسؤولين العرب حول «الهلال الشيعي»، أو على مستوى العراق، ولا سيّما بعد التطوّرات التي شهدها هذا البلد، أمّا على مستوى لبنان هو حديثٌ ليس صحيحاً، وأستطيع أن أؤكّد أنّه ليس للشيعة في كلّ المواقع التي يعيشون فيها، سواء في لبنان أو الخليج أو العراق، أيّ مشروع خاص على المستوى السياسي، وهم لا يريدون تقسيم العراق على أساس أن تكون للشيعة دولة فيه، ولا يريدون تقسيم لبنان على أساس أن يكون للشيعة دولة، ولا يريدون أن يضطهدوا أحداً، كما لا يريدون أن يضطهدهم أحد. إنّني أستطيع أن أؤكّد أنّ الشيعة في كلّ المناطق التي يقيمون فيها هم مواطنون يخلصون لوطنهم، ويريدون أن يكونوا متساوين مع المواطنين الآخرين في الحقوق والواجبات. أمّا الذين يقولون عكس ذلك، فإنّهم يحاولون إبقاء الشيعة في دائرة الاضطهاد والعُزلة. إنّنا نؤكّد أنّنا مع المسلمين جميعاً في القضايا الإسلامية الكبرى، ومع العرب جميعاً في القضايا العربية الكبرى، ومع كلّ المستضعفين في العالم في قضايا المستضعفين. ونحن نتحدّى أيّ صوت أن يثير القضية في هذا الاتجاه أو يقدّم دليلاً واحداً على أنّ ثمّة خصوصيات شيعية تتجاوز الخصوصيات الوطنية أو العربية أو الإسلامية. سلاح المقاومة حاجة أمّا الحديث عن نزع سلاح المقاومة في الجنوب، على أساس أنّ المقاومة قد أدَّت مهمّتها، فهو حديث فيه الكثير من المراوغة فعندما ندرس مسألة انطلاقة المقاومة، سنجد أنّ الانطلاقة كانت من خلال حركة الصراع العربيّ الإسرائيليّ، والعدوان الإسرائيلي ضدّ لبنان، والذي نجم عنه احتلال بيروت. لذا فإنّ التجربة اللبنانية مع إسرائيل، كما هي التجربة العربية، تؤكّد أنّ هذا الكيان كيان عدوانيّ يسعى إلى السيطرة على كلّ المناطق العربية. لذلك فإنّ المقاومة الإسلامية عملت على جبه الاحتلال حتى أخرجته من معظم المناطق المحتلة. ولا تزال مسألة مزارع شبعا التي يعتقد اللبنانيون على مستوى رسميّ وشعبيّ أنّها أرض لبنانية. ثمّ قد يفترض الآخرون انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا، ويسألون: لماذا يبقى سلاح المقاومة؟ لكنّنا نعرف أنّنا لا نزال في حال حرب مع إسرائيل، وأنّها ليست الدولة التي يمكن أن يعطيَ أحد أيّ ضمانة في أنّها لا تعتدي على لبنان في المستقبل، تحت تأثير أيّ حال سلبية قد تصنعها وقد تستغلها. فلو فرضنا أنّ المقاومة نزعت سلاحها، وقامت بعض الجهات أو المنظّمات ببعض الأعمال ضدّ إسرائيل، فإنّ إسرائيل قد تستغلّ ذلك للعدوان على لبنان. ونحن نعرف أنّ إسرائيل لا تزال تحمّل المقاومة الإسلامية مسؤولية بعض العمليات في داخل فلسطين. وعليه نسأل: مَن يحمي لبنان إذا ما قامت إسرائيل بعدوان عليه؟ نحن نحترم الجيش اللبناني، ولكنّنا نعرف أنّ هذا الجيش لا يستطيع أن يواجه الجيش الإسرائيلي كما يواجه جيش جيشاً، لذا لا بدّ من مقاومة لبنانية في خطّ المواجهة تكون بمثابة الجيش الشعبي الاحتياطي في لبنان. وعندما تصل الأمور في العالم العربي وفي لبنان إلى المستوى الذي يأمن فيه اللبنانيون مئة في المئة من أيّ عدوان إسرائيليّ تضع إسرائيل أسبابه أو مفرداته، وتحصل هناك ضمانات حقيقية في هذا المجال، فإنّه لا حاجة عند ذلك إلى سلاح المقاومة. أيّ استقلال! أمّا عن التخوُّف من أن تؤدّيَ الأزمة السياسية الحاصلة إلى حرب أهلية، فإنّي هنا أذكر بالفتوى التي أصدرتها والتي حرّم فيها المساس بالسلم الأهلي. هذا ونحن نعتقد أنّه ليس هناك أيّ معطيات دولية أو إقليمية أو محليّة تسمح باندلاع حرب أهلية. إنّ الظروف التي كانت قائمة في لبنان إبّان الحرب الأهلية، كانت تملك الكثير من الخطوط السياسية الدولية، وأنّ التعقيدات التي حصلت في ذلك الوقت من الفوضى السياسية على مستوى صراع اليمين واليسار، والحرب الباردة والتمويل الهائل من أكثر الدول العربية وغير العربية... كلّ هذه العوامل والعناصر غير موجودة الآن، أو هي موجودة على نحو لا يمثّل أيّ خطر حقيقيّ أو جديّ. إنّني أستطيع أن أؤكّد حقيقة تاريخية، هي أنّ خلافات اللبنانيين الطائفية السياسية لم تنتج حرباً ولا تنتج حرباً، وإنّما كانت الحروب اللبنانية منطلقة من عوامل خارجية سياسية على المستوى الدوليّ أو الإقليميّ، وهذا أمر ليست له أيّ صدقية في الواقع الحاضر. الحلّ بالمواطنة الكلّ يتحدّث الآن عن اتفاق الطائف، وأنّه السقف الذي يستظلّه الجميع. إنّني أقول إنّ اتّفاق الطائف يؤكّد المواطنة بديلاً من النظام الطائفي، النظام الطائفي الذي جعل الدول الخارجية تدخل من خلال الثغرات بين طائفة وطائفة. إنّ الحلّ هو أن يعيش اللبنانيون متساوين كمواطنين، ينفتحون على لبنانهم على أساس الحقوق المشتركة والواجبات المشتركة. أن يكفّ اللبناني عن أن يكون طائفياً بالمعنى العشائري للطائفة، وينفتح على أساس إنسانيّته، ويطرد كلّ الذين كانوا يشاركون في الإهدار والفساد، ويطرد من ساحته كلّ الذين شجَّعوا أجهزة المخابرات على أن تسيطر عليهم لأنّهم يريدون منها أن توظِّفهم نوّاباً أو وزراء أو مدراء عامين. إنّ الذين لا يملكون شجاعة الرفض للأجهزة، لا يملكون شجاعة الرفض للفساد وشجاعة التصدّي للاستكبار العالمي. المشكلة، أنَّ لبنان هو نافذة الشرق على الغرب، ونافذة الغرب على الشرق، وأنّ كلّ أجهزة المخابرات تتحرّك في الساحة اللبنانية. لذلك عندما تثور العواصف السياسية، فإنّ لبنان أوّل من يعيش في داخلها، وعندما تتحرّك الخطط والمصالح الدولية، فإنّ لبنان أوّل من يتلقّاها. مشكلتنا أنّنا نعيش في وطن لا أسوار فيه، وأكاد أقول لا سقف له. ولهذا، فمن الصعب إيجاد آلية لبنانية إنسانية يمكن لها أن تحقّق هذا الحوار ما دمنا لسنا لبنانيين؛ إنّنا موارنة، أرثوذكس، كاثوليك، شيعة، سنّة، دروز... كنت أقول إنّي أحمل مصباح ديوجين في النهار لأرى لبنانياً فلا أرى إلاّ طائفياً. عندما ندرس هذا العنوان، وهو عنوان الشيعة كطائفة لبنانية، فإنّنا لا بدّ لنا من أن ندرس كل هذا التاريخ. لقد كان الشيعة هم الطائفة المضطهدة إلى حدّ التغييب عن الساحة السياسية، إلاّ من خلال بعض الزوايا الصغيرة جداً، وعاشوا الحرمان كلّه من خلال الواقع اللبنانيّ. ومع ذلك، لم يفكِّر هؤلاء الناس في أيّ مشروع طائفي خاصٍّ لهم، لم يفكّر الشيعة في أن يكون لهم قسمٌ من لبنان يقسمونه على أساسه، بل أرادوا أن يكونوا مواطنين لهم حقوق المواطن ومسؤولياته، وهذا ما عاشوا من أجله في كلِّ تاريخهم، وصرَّحت قياداتهم في الماضي والحاضر بأنّه ليس للشيعة مشروع خاص في لبنان غير المشروع اللبناني، وأنّ الشيعة يعتبرون لبنان وطنهم النهائي، ولا يقبلون وصاية من أيّة جهة تُصادِر قرارهم وتصادر القرار اللبناني، سواء كانت وصاية عربية أو دولية. هذا هو الخطُّ العام. ونحن نعرف أنّه كان لهم شرف تحرير لبنان الذي بذلوا من أجله المئات من الشهداء الذين هم في ربيع العمر. إنّني أتساءل: من هؤلاء الذين يتحدّثون عن الخوف من الشيعة؟ لماذا الخوف من الشيعة؟ الشيعة يمثّلون موقعاً سياسياً إنسانياً، ففي تاريخهم لم يعتدوا على أحدٍ، بل كانت كلّ أسلحتهم ضدّ إسرائيل العدوّ الأوَّل للبنان وللعالم العربيّ والإسلاميّ، لم يدخلوا الحرب الأهلية اللبنانية ضدّ الطوائف الأخرى، لقد دخلوا في حرب ضدّ بعضهم البعض من خلال بعض الخلفيات التي أثارت هذه الحرب من هنا وهناك، عندما كانت بعض الأوضاع الإقليمية تصفّي حساباتها مع بعضها البعض في لبنان. لذلك، عاشوا مع الآخرين، وتحالَفوا معهم، ولعلَّ بعضهم يتحدّث أنّه لولا المواقف السياسية لهؤلاء الناس، لم تكن هناك أكثرية في الجانب الآخر. لا أريد أن أناقش هذه المسألة، لذلك من حقّ هؤلاء الناس أن يكون لهم رأيهم السياسي، ونحن نعرف أنّهم صرَّحوا أكثر من مرّة بأنّهم لا يأخذون قرارهم من أحد. قد يتحدّث البعض في حالة الاتهام الذي لا يرتكز على أساس، أنّ الشيعة يأخذون قرارهم من إيران أو من سوريا، ولكن هذا الأمر غير واقعي، قد تتّفق في قراراتك مع جهة إقليمية معيّنة، ولكن هذا لا يعني أنّك تمثّل مجرّد آلية تنفِّذ بها ما يقوله الآخرون. هاجس الخوف من الشيعة أقول لكلّ الذين يتحدّثون عن الخوف من الشيعة، من أين تنطلق حالة الخوف من الشيعة؟ هل من جهة علاقة الشيعة بدمشق أو بإيران؟ إذا كنتم موضوعيّين في ما تقدّمونه من حوار، قدِّموا لنا المفردات بطريقة دقيقة تقول إنّ هذا الموقف يدلُّ على محاولتكم إدخال إيران إلى لبنان أو إدخال سوريا من جديد إلى لبنان، إنّها هواجس. أنا لا أريد أن أُبرِّر ذلك، ولكن أقول إنّ هذا التوصيف هو توصيف غير واقعيّ، عندما يرى الشّيعة أو غير الشّيعة أنّ العلاقات لا بدّ من أن تكون مميّزة مع سوريا، فليس معنى ذلك أنّهم يريدون أن يأتوا بالسّوريّين إلى لبنان، وأظن أنّ كلّ اللبنانيين ـــــ نفاقاً أو إخلاصاً ــــــ يتحدّثون بهذه الطريقة، لأنّ واقع التواصل الجغرافي، يفرض مثل هذا الأمر. فالمسألة هي أنّ بعض الناس يعتبر أنّ دمشق تحمل العناوين العربية الكبرى حتّى الآن، ويرى أنّ بقاء هذه العناوين في الساحة يقتضي ذلك، وأنّ العلاقات بين دمشق ولبنان لا بدّ من أن تكون علاقات مميّزة، ولهم اجتهادهم في فهم هذه العلاقات المميّزة، فهل هذا يشير إلى أنّهم سوف يأتون بالسوريين إلى لبنان من جديد؟ أساساً، هل يمكن ـــــ إذا كنّا نفكّر سياسياً ـــــ أن يعود السوريون إلى لبنان من جديد؟ هل يمكن أن يعودوا كجيش، والعالم كلّه يرفض ذلك، واللبنانيّون يرفضون ذلك؟ هل يمكن أن يعودوا كمخابرات؟ إذا أتقن اللبنانيون مخابراتهم، فإنّهم يمنعون أيّة مخابرات. ولكن، كما قلنا، إنّ لبنان هو ساحة كلّ أجهزة المخابرات في العالم. وقد قال بعض الأمريكيين إنّ بيروت هي أفضل مكان للتنصّت، لأنّك تتنصّت منها على كلّ ما يدور في المنطقة، ونحن نعرف أكثر من هذا، أنّ دور المخابرات ليس إحصاء المعلومات، بل صنع المعلومات، والذين يتحرّكون الآن في لبنان، أيّاً كانوا، يصنعون له مأساته، كما صنعوا له من خلال هنري كيسنجر الحرب الأهلية. الحاجة إلى المقاومة وهنا قد يتساءل البعض عن أهداف التحالف الشيعيّ في لبنان وإذا ما كان دفاعاً عن المقاومة أم عن الشيعة في المعادلة اللبنانية فأقول أنّه قبل التحرير، كان كثيرون من اللبنانيين يقولون: إنّ المقاومة عبثية، وإنّ العين لا تقاوم المخرز أليس كذلك؟! وأصرَّت المقاومة على أن تنتصر، وينتصر لبنان، وتحقّق ذلك الانتصار في أوّل حرب عربية إسرائيلية. وعندما نريد أن ندرس المفردات الواردة في التساؤل، نقول إنّ سلاح المقاومة لم يستخدم في أيّة حالة من الحالات، لم يستخدم في أيّ حرب لبنانية داخلية، وأستطيع أن أؤكّد أنّ المقاومة لا تملك من خلال الواقعية أن تدخل في حرب لبنانية داخلية، قد تربح في الجولة الأولى، ولكنّها لن تربح في بقيّة الجولات. لذلك، هذه المسألة غير مطروحة من خلال الواقع. نحن نتساءل مجرَّد تساؤل: إذا كانت المقاومة لا تشكّل جيشاً يمكن أن ينشر الفوضى في لبنان، وكانت علاقاتنا بإسرائيل حتى الآن هي علاقة العدوّ بالعدوّ، وكانت تجربتنا مع إسرائيل تقول إنّها لا تحتاج إلى مبرّر لتعتديَ على لبنان، وإذا كنّا لا نوافق، حسب قناعتنا، أنّ سوريا إذا أرادت أن تحرّك وضعاً سياسياً لمصالحها فإنّها تطلب من المقاومة أن تقوم بعملية هنا أو بعملية هناك مثلاً، علماً أنّ أمريكا من خلال تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، إذا أرادت أن تقوم بعمل معيّن في لبنان ضدّ سوريا أو ضدّ أيّة جهة، فإنّها تطلب من إسرائيل، كما يتحدَّث الوسط السياسي، القيام بحملة ضدّ لبنان في هذا الجانب أو ذاك الجانب، وإذا كنّا نعرف أنّ الجيش اللبناني لا يملك قراراً سياسياً للدخول في حرب مع الجيش الإسرائيلي، عندها، ومع الأخذ في الحسبان كلّ هذه المعطيات، لنا الحقّ في أن نتساءل من الذي يحمي لبنان؟ إنّ الذين استطاعوا حماية لبنان من الاحتلال يقولون نحن في خدمة لبنان حتى يستقرّ الوضع في المنطقة كلّها، فأين المشكلة في هذا؟ لذلك نحن نعتبر أنّ هذا التحالف ليس موجَّهاً ضدّ جهة معيّنة، ولو كان موجَّهاً ضدّ جهة معيّنة، لما حصل التحالف مع تيّار المستقبل ومع الحزب التقدميّ الاشتراكيّ. حتى التحالف الانتخابي معناه أنّهم لا يفكّرون بسلبية ضدّ الآخر، ولو كانوا كذلك، للاحظوا ما هو مصلحة لهم في هذا المجال. ومع ذلك أنا لا أريد أن أعتبره أساسياً في هذه المسألة. ولكنّي أقول إنّهم منفتحون على الآخر على الطريقة السياسية في هذا المجال، لهذا فأنا أرى، من خلال قناعتي في هذا الموضوع، أنّ النادي السياسي الشيعي ـــــ إذا صحّ التعبير ـــــ هو خير للبنان، ولن يكون شرّاً للبنان إذا أحسن الآخرون قراءته. إنّه يملك رؤية قد تختلف مع رؤية الآخرين، ولكن لماذا يعتبر الآخرون أنّ رؤيته تمثّل مشكلة وتخلق خوفاً في هذا المقام؟ لماذا نقحم عنوان الشيعة والسنّة، الشيعة أمل وحزب الله، والسُّنّة تيّار المستقبل، الدروز الحزب التقدمي الاشتراكي، المسيحيون في اتجاهاتهم المتعدّدة هنا وهناك؟ ما علاقة المسيحية؟ ما علاقة الإسلام؟ ما علاقة السُّنّة والشيعة؟ ما علاقة كلّ هؤلاء في الخطوط السياسية عند هذا أو ذاك؟ هؤلاء ينطلقون في خطوطهم السياسية من خلال مصالحهم أو من خلال خلفياتهم. كنتُ أتحدّث سابقاً لأقول إنّ كثيرين من المسيحيين والمسلمين من السياسيّين ملحدون، لا علاقة لهم لا بالإسلام ولا بالمسيحية، على أيِّ أساس تفرض على الإسلام أو المسيحية أو الشيعيّة والسُّنيّة، تفرض عليه رأي هذا السياسيّ أو ذاك السياسيّ؟! هذا خطأ، نحن نقول هناك قِيَم إسلامية ومسيحية ترشد السياسة. أقول هذه هواجس، ويقول الشاعر: والدعاوى إن لم تقيموا عليها بيّنات ـــــ مع الأسف أقولها ـــــ أصحابها أدعياء. هذه هواجس، والهواجس شيء، والوقائع شيء آخر، فإذا كان عدد الشيعة أكثر كطائفة، فإنّ عددها ليس أكبر مقارنة بمجموع الطوائف الأخرى في لبنان. ثمّ هل تريدون للشيعة أن يهاجروا، أن لا يكونوا أكثرية عدديّة؟ فما دمنا اتّفقنا على أنّ الديمقراطية اللبنانية توافقية وليست ديمقراطية عدديّة، فلِمَ الخوف من كثرة العدد؟! لقد قرأت قبل مدّة أنَّ زعماء الهندوس يطلبون من الهندوس في الهند أن يتناسلوا أكثر لأنّ المسلمين يتناسلون أكثر منهم، ولأنّ عدد المسلمين يتصاعد في الهند، فلماذا لا تنطلق دعوة لمن يخافون من العدد، للمسيحيين الموارنة أو لغير الموارنة أو للدروز، أن يقوموا بعملية تكثير العدد في هذا المجال. أنا أسأل: هل إنّ الشيعة وحدهم يعارضون الطروحات التي تطرحها الأكثرية النيابية أو الوزارية، أو أنّ هناك فريقاً آخر مسيحياً قد يناقش في هذه الطروحات؟ هذه مسألة من مسائل الديمقراطية في لبنان، وهي أن تطرح رأيك، فإذا لم يحصل هناك أيّ توافق بأن تكون موالياً، وبأن تدخل في الوزارة، فلك الحرية في أن تكون معارضاً في هذا الوضع. إنّني لا أفهم كيف أنّ المعارضة تمثِّل خطراً على لبنان عندما يتحرَّك المعارضون من أجل تأكيد رأيهم؟ إنّ الذين يثيرون كلَّ هذا الصخب، ينطلقون من خوف يتحرَّك على أساس ما يريدون لا على أساس طبيعة الوضع اللبناني الذي يملك فيه كلّ فريق لبناني أن يعبّر عن رأيه. لذلك، نحن نقول في مثل هذا، إنّ من حقّ اللبناني أن يكون معارضاً كما من حقّه أن يكون موالياً. لماذا يعتبر الموالي أنَّ المعارض يمثِّل خوفاً على لبنان، مع أنّه يعبِّر عن مجرّد رأي لا يحاول التوصُّل إليه بالعنف أو بالسلاح أو ما أشبه ذلك. أنا لا أفهم لماذا هذه الضجّة حول رأي يحاول الّذي، يتبنّونه أن يدافعوا عنه بطريقة سياسية أو بطريقة وطنية في هذا المجال. لهذا أنا أتساءل عن كلّ هذا التهويل الذي يحاول البعض أن يهوِّل به، أنا أعتبر أنّ من حقّ كلّ فريق لبناني أن يعبّر عن رأيه بمسؤولية، ويبقى في الساحة اللبنانية معارضاً أو مشاركاً. المشكلة هي فقط في القرار 1559، ولذا فإنّ مشكلة الآخرين مع المقاومة تتّصل بفحوى الإجابة عن سؤال: هل المقاومة ميليشيا أم لا؟ وهي بالفعل مقاومة، لأنّها تمثّل الجيش الاحتياطي للبنان، ونحن ندعو إلى التنسيق بين الجيش اللبناني وبين المقاومة أيضاً في هذا المقام. لبنان محكوم بلاءات ثلاث واظبت مذكّراً أنّ لبنان محكوم للاءات ثلاث لا زال مبرّرها قائماً لأنّ لبنان يمثّل معادلة دولية فرضت فيها هذه اللاءات، فهو لا يمثّل مجرّد دولة عادية من دول المنطقة، لقد قال بعض الأمريكيين ولا أذكر اسمه الآن، قال إنّ هناك بعض البلدان يمكن أن تزول من الخريطة، ويقصد لبنان، ولكن لبنان لا يزول من الخريطة، لأنّه هو نقطة التوازن ومانعة الصواعق في المنطقة. أنا لا أخاف من عودة الحرب، لأنّ الحرب انطلقت من خلال خطّة دولية وانتهت من خلال خطّة دولية، لقد انفتح اللبنانيون على اتفاق الطائف على الرغم من أنّ بعضهم لم يقبلوا به على هذا الأساس، لأنّهم رأوا فيه مانعاً من الحرب. أيضاً ليس هناك مصلحة لأيّة دولة أو أيّ وضع إقليمي في عدم استقرار لبنان، أي في سقوط الأمن في لبنان. نعم، هناك مفردات أمنية تتحرّك من خلال خلفية إقليمية أو دولية. وعلينا أن ننتبه إلى خطورة إنَّ العلاقات اللّبنانية السورية بكلّ تعقيداتها الدولية، وصلت إلى مستوى من التعقيد تحتاج فيه إلى الكثير من الدراسة والقليل من الهواجس، من الممكن أنَّ بعض اللّبنانيين يوجّهون إلى السوريين الاتّهامات، وهي اتّهامات تصبُّ في سياق اتّهامات الدول الكبرى الّتي تذرّعت بها لتحقيق مشاريعها السياسية، لذلك فالقضيّة متروكة من الناحية القضائية التحقيقيّة لهذا الواقع الجديد، ولا يمكن أن تعالج هذه المسألة بالصحافة أو بالخطابات أو بالتصريحات، لأنّها لم تستطع أن تحلّ مشكلة، ولن تستطيع أن تثبت شيئاً، بقطع النظر عن الصواب والخطأ في هذا المجال. لذلك علينا الآن، مع كلّ الاستنكار لقضايا الاغتيالات التي تحدث، أن ندرس كلّ العلاقات اللبنانية الميدانية والاقتصادية والسياسية والأمنية وما إلى ذلك. المسؤولية العربية تجاه لبنان أتصوّر أنَّ من مسؤوليَّة الجامعة العربية إذا كانت تخلص لدورها ولمسؤوليّتها العربيَّة، أن تتدخَّل في ترميم ما ينهدم بين دولة وأخرى، وأعتقد أنّ دور المملكة العربية السعودية من خلال أكثر من جانب، يعتبر دوراً يمكن أن يكون فاعلاً وأن يحقّق شيئاً، لأنّ الكثيرين من اللبنانيين الذين قد يطلقون التصريحات العنيفة أو المتشنّجة، تربطهم بالمملكة علاقات جيدة، وتملك المملكة تأثيراً إيجابياً في هذا المجال. أتصوّر أنَّ انطلاقة الوساطة العربية لتهدئة الجوّ بين لبنان وسوريا، وترميم ما انهدم، ومحاولة وضع الأمور على السكّة التي يمكن أن توصل إلى نتائج كبيرة ـــــ لا أقول نتائج مئة في المئة، قد تكون 70 في المئة أو 60 في المئة ـــــ هو أمر إيجابي وجيد. قد نجد هناك من يشكّك في شباب 8 آذار، وهناك من يشكّك في شباب 14 آذار أيضاً، ولكن أصبح هذان العنوانان كالفزّاعة لهذا الفريق ولذاك الفريق، وأصبحنا نخاف حتى أن نرسم الشكوك والهواجس. أنا أؤمن أنّه لا مقدَّسات في الحوار، وأنا أؤمن أنّه علينا أن نحاور كلّ شخص وفي أيّ موقع، لقد انتقدت قبل مدّة هذه الهجمة الغربية على الرئيس نجاد على أساس أنّه شكّك في المحرقة وقال عنها إنّها خرافة، كما شكّك في القاعدة التي ارتكزت عليها إسرائيل في اعتبار فلسطين دولة يهوديّة. فلماذا ينطلق الغرب بأجمعه ليحاسب إنساناً شكّ في مثل هذه الأمور! مع أنّ الغرب يتحدّث عن الحرية؛ حرية الفكر التي تحدّث عنها بعض الغربيين، كما رئيس الدانمارك عندما نشرت بعض الصحف صوراً مشوَّهة للنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ، وبرَّر ذلك بأنّ هناك حريّة تعبير. لكن روجيه غارودي، المفكِّر الفرنسي، عندما ناقش أعداد مَن طالتهم المحرقة، حوكم باعتباره معادياً للسامية. عندما نناقش مسألة المحرقة، وحقيقة هل اقتصرت على اليهود، أم أنّ هناك الكثير من الشعوب الأخرى الذين أحرقهم هتلر أو عذَّبهم، عندما نناقش في ذلك مجرّد مناقشة، نعتبر معادين للسّامية. لماذا لا يملك أحد في الغرب كلّه أن يناقش مجرّد مناقشة مسألة المحرقة أو مسألة السّياسة الإسرائيلية؟ ولماذا يعتبر كلّ معترض أو معادٍ للسياسة الإسرائيلية معادياً للسامية؟ وهذا ما لاحظناه في فرنسا، ولاحظناه في ألمانيا، عندما عُزِل بعض الشخصيات الرسمية الكبرى لأنّه انتقد سياسة إسرائيل في بعض الجوانب. لذلك، نحن نقول لهؤلاء الشباب، حاولوا أن تصارحوا أنفسكم أولاً بكلّ ما تختزنونه من أفكار، حاولوا أن تتكلَّموا بصراحة مع كلّ الناس، وأن لا تقدِّسوا أحداً، لأنّكم جيل المستقبل، فأنتم مسؤولون عن صناعة المستقبل، وقد تخونون هذا المستقبل عندما تلهثون وراء الذين أساؤوا إليه قبل أن يأتي. لذلك ليس هناك إنسان أكبر من النقد وأكبر من المساءلة، اطرحوا كلّ هذه التقديسات السياسية الطائفية، بأنّ هذا أبو الطائفة، وهذا رمز الطائفة، وهذا قدّس الطائفة، وانطلقوا إلى إنسانيتكم. بين الخاص والعام أنا أتحدّث في كلّ شيء يتّصل بالواقع الإنساني في لبنان وفي العالم العربيّ والإسلاميّ. لذلك، أنا أجد أنّ من مسؤوليتي أن أخاطب الإنسان كلَّه في كلّ العالم، لأنّي منفتح على الإنسان كلّه، وليست لديَّ عقدة من ناحية ذاتية مع كلّ الذين أختلف معهم، تماماً كما مع الذين أتّفق معهم، لذلك فإنّني أعيش مع الناس حياة يومية، أتطلَّع إلى مشاكلهم، وأستمع إلى كلِّ أوضاعهم، حتى إنّني في لقاءاتي اليومية، أُمارِس دور الطبيب النفسي الذي يجلس مع هذه المرأة ومع هذه الفتاة ومع هذا الشاب، لأتعرّف مشاكلهم النفسية، وبذلك أصبحت لديَّ خبرة نفسية قد ينازعني فيها أطباء النفس. لذلك، فأنا أتحدّث بالقضايا العامّة على نحو التعميم عندما أريد أن أرسم الخطوط العامّة التي لا بدّ للناس من أن ينطلقوا منها ويتطلَّعوا إليها، ولكن ذلك يفرض عليّ أن أتحدّث في سياق تفاعلات النظرية مع التطبيق. أنا لا أنتمي إلى أيّة دائرة ضيّقة مع احترامي لكلّ الدوائر، وأذكر أنّه عندما تأسَّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وكنت مع المرحوم الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، كنت أسعى إلى التّصالح والتّواصل بين سماحة السيد موسى الصدر ومعارضيه، وكنت أقول لن أَنتخِب ولن أُنتخَب، لأنّني وضعت نفسي لأتحرَّك في الهواء الطلق. لذلك فأنا ألتقي معهم خارج نطاق الدوائر الرسمية، وأتحدَّث معهم، وقد أتشاور معهم ويتشاورون معي، ولكنّي لست جزءاً من هذه الدوائر. أنا ولدت ثقافياً هكذا، فأنا أعيش هذا الجوّ المنفتح الروحيّ، حتّى إنّه لديّ بعض القصائد العرفانية الإلهيّة أذكر بيتاً يقول: ضمّني في بحيرةِ النُّور إنّي غارقٌ في بحيرةِ من دِمَاءِ وأقول: أنا حسبي الصّفاءُ في الرّوحِ أنّي أهرقُ العمرَ في كؤوسِ الصَّفاءِ ولذلك لا أتعامل مع الماء العكر. ولعلَّ من خصوصيات العناصر التي أملكها، أنّه لا يشغلني شيء عن شيء آخر، فأنا أتحدّث مع الناس بشكلٍ خاص في قضاياهم، ثم يأتي إليَّ بعض السياسيين فأتحدّث معهم في القضايا السياسية العامة، ثمّ يأتي إليّ بعض الباحثين فأتحدّث في قضايا معيّنة، لذلك لقد ولدت شاعراً، ولذلك يبقى الشعر جزءاً من مشاعري ومن أحاسيسي ومن تطلُّعاتي للحياة. المقدمة 5 طبيعة الحكم في لبنان 9 لبنان نموذجاً 10 قضاء السياسة وقدرها في لبنان 11 التدخّل الأميركي نموذجاً 12 تعقيدات العلاقة السورية ـــ الأمريكية 13 حجة قوة لبنان في ضعفه 13 سلاح المقاومة لا ينـزع إلاّ بتسوية 16 الأساس الثقافي للمشكلة الطائفية 18 الطائف: اتّفاق الضرورة 21 العلاج بالمواطنية 22 فوضى النظام السياسي في لبنان 23 لا استقرار في النظام الطائفي 25 لبنان: الولايات غير المتحدة 27 عالم الدين المواطن 28 الفرق بين السلطة والدولة؟ 29 دور الشيعة السياسي في لبنان 33 تطوّر الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة 34 فتِّش عن أميركا 39 لبنان في ظلّ التجاذبات الدولية 42 إغتيال الرئيس رفيق الحريري مسألة متنوّعة الأبعاد 43 لبنان في ثلاجة التقرير الدولي 44 لبنان والوصاية 47 لبنان والفيدراليه 50 قوننة الفيدراليه 52 الاصطفاف الطائفي في الانتخابات 53 المسؤولون فوق مستوى النقد 56 إشكالية إسرائيل وانتهاك الاستقلال 58 ضغوط أمريكية مركّزة على سوريا 59 اللبنانيون أدمنوا الفوضى 63 لبنان ساحة التقاء.. المخابرات 64 لا مصلحة لأحد في هزّ الاستقرار اللبناني 67 الخوف من الدعوات إلى التدويل 68 معاقبة المقاومة وحصار الطائفة الشيعية 73 صياغة وطن! 76 الإحبــاط 77 حساسية شيعية سنّية! 81 لا مشاريع خاصة للشيعة 83 سلاح المقاومة حاجة 85 أي استقلال! 87 الحلّ بالمواطنة 88 هاجس الخوف من الشيعة 91 الحاجة إلى المقاومة 92 لبنان محكوم بلاءات ثلاث 96 المسؤوليّة العربية تجاه لبنان 98 بين الخاص والعام 100 ألفت عناية القرّاء الأعزّاء إلى أنّ هذا الكتاب جمع بين دفّتيه سلسلة المواقف المتنوّعة من مجرى الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية بين حدّي العامين 2005 ـــ 2006م. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط