مُصلحون ومجدّدون ظاهرة الإحباط والتراجع في مسيرة طالب العلم ۳۱ ديسمبر ۲۰۱۷ ۲۲۹۰ مشاهدة "كثيرٌ من الطلاب لا يحتكّون بالفضاء الثقافي والعلمي في مجتمعاتهم إلاّ الفضاء الثقافي والعلمي الحوزوي فقط. ولذلك عندما يخرج الطالب إلى المجتمع، يصاب بالإحباط لعدم قدرته على إقناع الطرف الآخر. بسبب عدم وجود سياسة استراتيجية تفتح له الطريق للاحتكاك الثقافي والفكري خارج إطار وأسوار الحرم الحوزوي". الشيخ الدكتور حيدر حب الله* سوف يدور حديثنا حول شأن من شؤون حياتنا اليومية بوصفنا طلاباً للعلوم الدينية. وسوف أقدم لحديثي بعض المقدمات، بعد ذلك سأتحدث عن الظاهرة التي أتكلم عنها، وسأتحدث أيضاً عن الأسباب، وبعد ذلك ننهي ببعض الأفكار والمعالجات. المقدّمة: ــ أولاً: حديثنا اليوم لا يختصّ بالحوزات العلميّة فحسب، بل ما تعاني منه الكثير من المراكز العلميّة والتعليميّة، في العالم الإسلامي والعالم العربي على حد سواء، وكذلك مراحل التعليم العالي في كثير من الأماكن في هذا العالم، وإن تكلّمنا عن حالة الحوزة العلميّة بالخصوص، إلاّ أنّ كلامنا لن يكون فقط مرتبطاً بهذا الشقّ، إنّما نتكلّم عن التعليم في مسيرة الطالب بالشكل الذي يعنينا نحن. ــ ثانياً: سأركّز الحديث على الجانب العلمي فقط، أي أصالة الثقافة الدينيّة في الحوزة العلميّة، لأنّ الأصل في الحوزة هو تحصيل الثقافة الدينيّة، أمّا فيما يتعلّق بدور علماء الدين في المجتمعات، كالصلاة على الميّت مثلاً أو إقامة التجمّعات والنشاطات الاجتماعيّة والنشاطات التربويّة والتعليميّة لهم في المدن والقرى فهذا شأن يتعلّق بعلاقة رجل الدين مع الناس، وليس رجل الدين المعلّم والأستاذ، لأنّ ما يعنينا هو دور عالم الدين في تلقين الثقافة الدينيّة لطالب العلوم الدينيّة. ــ ثالثاً: علينا أن نُدرك أنّ التعليم وأنظمته هي المفتاح الأساس فيما يخصّ النمو الحضاري لأي أمّة من الأمم. كلّ أمّة لا تهتم لشأن التعليم أو يكون فيها التعليم بمستوى متخلّف أو معوق أو مصاب ببعض المشاكل، فإنّها سوف تعاني في المستقبل القريب من قصور ومشاكل، ربما يؤدّي ذلك بها إلى انتكاسات حضاريّة. لذا فإنّ مراحل التعليم، خصوصاً الأولى منها، ومناهجه، لها دور عظيم في نهوض الأمم والشعوب ورقيّها، ولذلك نجد أنّ بعض التجارب النهضويّة الكبيرة التي حصلت في العالم مؤخراً، بدأت في نشاطها في التعليم مثل التجربة الماليزيّة. إذا كان التعليم اليوم يقوم على هذه الشاكلة أو تلك في الحوزة العلميّة. إنّ وضع التعليم اليوم بالحوزة اليوم، يمكن أن يجعلك تتنبّأ بمستقبل الحوزات، فإن كان وضع التعليم في هذه الحوزة جيّداً يسمح لك بمعرفة ما سيكون عليه بعد عشرين عاماً، فإذا كان التعليم ممتازاً، فيمكننا من التنبّؤ بعقود تعليم آتية ممتازة، وإن كان العكس فإنّ هذا الواقع يفرض علينا أن نتوقّع مستقبلاً غير مطمئِن، ومن هنا فإنّ التعليم ومناهجه وطرائق تلقينه، تلعب دوراً عظيماً في رسم مستقبل الأمم ورسم مستقبل المجتمعات العلميّة. ــ رابعاً: الأمر الذي يجب ألا نغفل عنه اليوم، هو وجود خلاف داخل الحوزة العلميّة، بشأن وضعنا العلمي، هو متراجع أم متقدّم. بإمكان كلّ منّا اليوم التكلّم على انطباعاته، لكن إذا أردنا أن نتكلّم على إحصاءات ومعلومات، هل وضع الحوزة متقدّم ويصنّف اليوم كما كان عليه في السابق من الناحية العلميّة؟ أم أنّه متراجع؟ هنا تختلف وجهات النظر "حول التراجع"، وأحوالنا لا يجب أن تكون كذلك. البعض لا يصنّف الوضع على أنّه جيد، ولكن لا داعي للسلبية في تقويم الأمور، وكما أنّ كبار العلماء اليوم يقول إنّ الحديث عن تراجع في وضع الحوزة هو حديث يخدم الأعداء، هذه وجهة نظر أخرى. إذاً، لدينا تنوّع في وجهات النظر، إذا تم توصيف الواقع القائم اليوم ـــ وهذا لا يكفي فيه الانطباع ـــ ولا يكفي الانطباع العام، وربما يكون الانطباع محدوداً وإنّما يحتاج إلى متابعات وإلى مقاربات إحصائيّة ميدانيّة تحدّد لنا بدقّة هل أوضاعنا تسير نحو الأفضل أم الأسوأ؟ أنا لا أريد أن أجيب عن السؤال بقدر ما أريد أن أبيّن وجهة نظري في الأمر بكوننا في مؤسّسة تعليميّة بحثيّة، وإنّني أرى أننا في حال متردٍّ ومتراجع، وربما هناك وجهة نظر أخرى تجد العكس وترى أنّنا في حال جيّد، وهناك مؤشرات على هذا الموضوع، أنا فقط أطرح وجهة نظر والتي تقول بأنّنا في تقدّم من زاوية وتراجع من زاوية أخرى. لازلنا فقط نقدّم عرضاً للمقدّمات التي سننطلق من خلالها إلى معالجة القضيّة الأساسيّة، والتي يعاني منها بعض الطلاب وليس جميعهم، وهذا يشير إلى آلة موجودة ويُعتدّ بها في أوساط الطلاب في مراحلهم التعليميّة الأولى والمتوسطة وحتى العالية في الحوزات العلميّة. خلاصة القول، إنّ بعض الطلاب يشعرون بحالة من الضياع، لا يرى مستقبله أمامه، لا يعرف هل يسير على هدىً أم على غير هدى، هل القرار الذي اتّخذه بأن يسير في هذا الطريق منتج أم غير منتج، في بعض الحالات تهبّ عاصفة في نفسه ويشعر بعبثيّة ما يفعل، فيراوده تفكير بأنّه أضاع سنين من عمره وأمضى وقتاً طويلاً وقد يشعر بأنّه قد خسر فرصاً كانت متوفّرة له، مع ذلك لم ينتج ما كان يطمح إليه، يشعر عندئذٍ بأنّه عاجز عن تصنيف نفسه أين هو الآن، وهل المدّة الزمنيّة التي أمضاها كانت كافيةً للوصول إلى ما وصل إليه، أم أنّني عملت على أشياء لا فائدة تعتدّ بها، هذا أمر موجود، طالب كهذا يريد أن يكون في مجال ما، يجد نفسه في مجال آخر، يطمح بأن يكون مستقبله على نحو معيّن، فيجد أنّه على نحو مختلف تماماً، فيصاب عندئذٍ بالإحباط، وتتملّكه حالة من القصور، حالةٌ من عدم الاستذواق العلميّ، ستصيبه حتماً حالة من عدم التلذّذ بالعلم، ويشعر بأنّه يمارس حياةً وظيفيّةً فقط، يمضي الوقت ويقطع من حياته ليستطيع أن يأخذ إقامة في بلد معيّن، عندها يفضّل البقاء في الحوزة العلميّة علّ ذلك يشفع له. بصورة أخرى، دعوني أكن واضحاً معكم كطلبةٍ للعلم، هذه الحالة التي نتكلّم عليها اليوم هي حالة موجودة وبشكل كبير عند النابهين، أي أولئك الذين يملكون طموحاً أكبر في حياتهم، وذكاءً أكبر، أشخاصٌ يظنّون أنّ لديهم إمكانات أكبر وبعد فترة من الزمن يكتشفون أن لا نتائج تُذكَر قد حقّقوها، قد تمرّ عشر سنوات أو عشرون سنة، ويدركون بعد ذلك أنّ الأمور ليست بهذا الشكل المتوّقع، وربما أسوأ مما توقّعوا. هذه الظاهرة تولّد لدى الفرد ضغطاً نفسياً، وهو ما نعاني منه في جملة أوساطنا، بحسب انطباعي الذي أخذته والإحصاءات التي تم تداولها والتي بدورها تبيّن نتائج حقيقيّة وملموسة. إن أراد أحد اليوم أن يتأكّد ما إذا كانت هذه الظاهرة موجودة أم لا، نحن الشهداء على ذلك بإمكانه أن يسألنا، فنحن لمسنا هذا الأمر بأنفسنا، أو حتى على الأقلّ من تجارب من يحيطون بنا طيلة 10 أو 20 أو 30 سنة من الحياة الحوزويّة، وأنا لا أريد أن أضخّم الظاهرة ولا أن أبالغ أو أكون سلبياً ولا أريد في المقابل أن أستخف بالتحديات، على كلّ إنسان أن يرجع إلى نفسه وهو أخبر بها، وبإمكانه أن يعرف ما إذا كان يعاني من هذه الظاهرة هو ومن حوله. إذاً، ما هي أسباب هذه المشكلة الموجودة من حولنا؟ وما الذي يمكننا أن نفعله لنواجه هذه المشكلة، أي الإحساس باليأس، وبالعجز العلمي وعدم الرضا عن النفس. سأقسّم الأسباب قسمين: القسم الأول: أسباب محيطة وعلميّة (ربما لا يكون الفرد هو المسؤول عنها). القسم الثاني: أسباب ذاتيّة وفرديّة تشارك أنت في صنعها. نستعرض إذاً، نوعين من الأسباب من ثم بعد ذلك ننتقل إلى بعض الخطوات العمليّة التي يمكن أن تساعد في هذا السياق: القسم الأول: أسباب محيطة وعلميّة السبب الأول: عدم تناسب المادة العلميّة مع موضوع الدراسة التي تشتغل عليها أي إنّ المادة العلميّة لا تنسجم في الواقع مع تحدياتك في الخارج وحاجاتك المجتمعيّة الخارجيّة، لا يوجد تناسب بينهما، فأنت مثلاً تدرس الفقه والأصول، تدرس كتاب الطهارة أو كتاب الصوم أو الخمس، فيما بعد عشرين عاماً قد تحتّك بتحدّيات علميّة وثقافيّة، تجد أنّ كل تلك المعلومات التي حصلت عليها، أو نسبة كبيرة من هذه المعلومات لا تستطيع أن تخدمك في هذا التحدي العلمي أو ذاك، لا يوجد تناسب بين طبيعة الموضوعات والمعلومات التي تكتسبها وبين طبيعة التحديات الثقافيّة والعلميّة في مجتمعك أو بين من تحتك بهم خارج الحوزة. هذه الحال من عدم التناسب بين شعورك تجاه ما تلقّفته ولا تستطيع توظيفه، وأنّ ما حصلت عليه لست قادراً على استثماره، تُصاب بالإحباط، تشعر وكأنّك غير قادر على التكلّم، رغم أنّك تملك معلومات وفيرة في المجال الذي قرأت فيه، ولكن مع ذلك تُصاب بهذه المشكلة نتيجةً لعدم التناسب بين المقروء مع التحدّي الثقافي والفكري الذي تحتّك به في هذا الإطار. الأخوة الذين يأتون من الغرب وتحديداً من القارتين الأوروبيّة والأميركيّة، يعانون من هذه الظاهرة، كما نلمس من بعض الأخوة الآتين من القارة الأفريقيّة، يجدون هذه المعاناة. بعض الأخوة الذين يكون احتكاكهم حيث يذهبون بالجامعات والجامعيين ونوعيّة الأسئلة المختلفة والثقافات وهذا أمر ملموس، ومن جملة المسائل التي قد نجدها في الحوزات النسائيّة، المواد التعليميّة ليست نفسها المواد التي يحتاج إليها في مكان التصدّي والعمل، وهذا في تقديري سبب أوّل. السبب الثاني: أزمة الدوران حول علوم محدودة جداً بكتب محدودة جداً. أنت اليوم على سبيل المثال تمضي عشر أو خمس عشرة سنة وأنت تدور في 6 أو 7 كتب، وقد تنتمي هذه الكتب إلى مادة واحدة أو مادتين أو ثلاث. هذه المشكلة قد تُشعر الإنسان بعدم امتلاكه للتنوع المعرفي، لأنّ التنوع في المعرفة يجعل العقل منفتحاً ويُعطي الإنسان نشوة التنوع في المعلومات المنتمية إلى ثقافات فكرية وفضاءات معرفيّة متنوعة، يعطي الإنسان إحساساً بالسعادة، أما إذا كانت معلومات فقط في دائرة واحدة، من الممكن في يوم من الأيام أن يفتقد الإحساس باللذة، فهو دائماً على تماس بموضوع أشبه بالمتكرر، يمكن أن يستيقظ بعد فترة ويرى أنّه لم يعد يمتلك الشهوة أو الرغبة في تناول موضوع، خصوصاً إذا اطلعت على تنوع يعطي الذهن نشاطاً. من يُصاب بالزهايمر من الأفضل له أن يكون له نشاط ذهني دائم ومستمر ولا يعيش فقط على رتابة واحدة، عليه أن يذهب وينشّط ذهنه، يطلعه على ما هو جديد ومختلف، فتنتقش الصورة في ذهنه بصورة جديدة ومتنوعة، متشكّلة، ملوّنة، تبعث في نفسه نشاطاً وحيويّة وقدرة جديدة. بعض الإحصاءات الجديدة التي تنتشر ولا ندري بدقّتها، إلاّ أنّها إحصاءات حوزويّة نشرت في الإنترنت، تقول إنّ 48% من دروس البحث الخارج في إيران في فقه العبادات و12% في فقهي الطهارة والنجاسة و4% في المستحدثات من المسائل. هذا الأمر يعطي مؤشراً على أنّ كلّ التركيز على موضوعات متشابهة ومماثلة وليس هناك من تنوّع، وبالتالي فإنّ الطالب الذي يذهب نحو هذا الفضاء سيشعر أنّه وبعد مضيّ مدّة زمنيّة معينة أنّه عاش فترة من عمره داخل مربع واحد، ولم ينتقل بين المربعات، ليرى ثراء العلوم الدينيّة وأين وصل الإنسان بالعلم والمعرفة، ومن أين وصلت سائر العلوم الدينيّة حتى الشرعيّة في التطور والتنوع، يفتقد الإنسان بعد ذلك الشوق للدراسة بعد وقوعه في التكرار وتشابه المعارف والموضوعات التي يشتغل عليها، فتبعث في نفسه الفتور، حتى أنّ بعض الباحثين في المجال العلميّ يقولون لا ينبغي أن نعطي طالب الماجيستير أو الدكتوراه قائمةً بعناوين مقترحة، هذا خطأ كبير، لماذا؟ لأنّه ينبغي له أن يشتغل بنفسه على موضوع يمثّل له تحدّياً مشوّقاً، كان قد سبق واحتكّ به مباشرةً، يأتي ويسألك عنه، فتقول له هذا موضوع جيّد، دون أن تعطيه قائمةً مقرورة بمئة أو مئتين من الموضوعات. يأتي طالب آخر تعطيه القائمة نفسها، أنت بذلك قد رسمت لكلّ الطلاب خطاً واحداً، وربما قد يأتي هو ويختار الموضوع الأسهل بالنسبة إليه، وهذا ما لا يكون مشوّقاً لديه فيشتغل على عناصر أخرى. اترك الطالب يشتغل على عنصر مشوّق له، يكون قد واجهه بنفسه، فالمطلوب منه عنصر الشوق والشغف في العمل وهي عناصر مركزيّة نفسيّة في التعليم وفي التقدّم العلميّ. السبب الثالث: أزمة نوعيّة الأساتذة والمهارات التعليميّة جميعنا يعرف أنّ للأستاذ دوراً في جعل الطالب محبّاً للمادة التي يتعلّمها أو يشعر بالفتور تجاهها، أو قد يشعر بالكره لها. العالم العربي يقول إنّ المادة التي يتعلّمها الكثير من الطلاب ثم لا يعشقونها هي اللغة العربيّة، وهي لغتهم التي تمثّل هويتهم القوميّة فضلاً عن تمثيلها لهويّة دينيّة، لأنّ مناهج التعليم لا تُشعر الطالب بتلذّذ وسعادة وهو يتلقّاها، تُشعره بقلق وخوف، تشعره بالجمود، تشعره بالجفاف. الأستاذ له دور عظيم ـــ إلى جانب المناهج التعليميّة ـــ في إشعارك برطوبة البحث، بإمكانيّة تسهيل هذا البحث، بإمكانيّة توظيف هذا البحث بجماليّة ، بمقابل الخلفيّة التي تعطيك شوقاً لاكتشاف هذا البحث بجماليّة البحث، بمقابل دور هام، ليس هو فقط شخص خبير بالمادة العلميّة. الأستاذ بما هو أستاذ هو خبير بمهارات التعليم، يعرف كيف يجتذب الطلبة، كيف يحبّبهم بالمادة وكيف يُزيل الخوف من هذه المادة ويضع مقابل ذلك شوقاً إلى القراءة فيها وإلى متابعتها وإلى تعلّمها. هذا الأمرُ مضافاً إلى حالة الشحّ النسبي في الأساتذة في بعض الاختصاصات المتّصلة بالشأن الديني وهذا ما يدركه مدراء الحوزات المطّلعون على هذا الشأن، نعم بعض الاختصاصات فيها شحّ وأخرى فيها وفرة في عدد الأساتذة، نأتي مثلاً إلى علوم مثل علوم الرجال أو علوم الحديث أو الفلسفة المضافة أو علوم التاريخ، نجد شحاً نسبياً. بينما إذا ذهبنا الى الفقه أو الأصول في بعض الحوزات، إلى الفلسفة أيضاً، نجد وفرة نسبيةً. إذاً، لدينا مواضيع نوعية الأساتذة من حيث المهارات التعليمية، ونوعية الأستاذة من حيث طبيعة الموضوعات والحجم المتوفر من المختصين في هذه الموضوعات. السبب الرابع: فقدان ثقافة التشويق والتشجيع عند الطاقم التعليمي بشكل نسبي، لا تكاد تشعر أنّ الأستاذ يشجّع الطالب. بل إنْ لم تشعر أحيانا أنّ الأستاذ يثبّط الطالب ثقته بنفسه. لا أريد أن أعطي شواهد، أزعم أنّ الجميع إذا قلت ارفعوا أيديكم سترفعون جميعاً أياديكم. أزعم أنّنا جميعاً عانينا من هذا الأمر. نعم هناك أساتذة يقدّرون الطالب ويشجعونه ويبعثون في نفسه الأمل ويبعثون في نفسه المستقبل الزاهر. يرى أمامه شيئاً مفرحاً يمكن أن يصل إليه. وهناك نوع من الأساتذة مثبّط، يُشعرك بـ "إما هو لا مبالٍ بك"، أو هو "مثبّط لك". وقد يقولون لك: الآن ليس الوقت أن تُشكل على المحقّق العراقي، الآن وقت أن تفهم المحقّق العراقي. فإنْ أشكلته. فمن أنت حتى تُشكل على السيد الخوئي؟! (إذا طمحَت نفسك في أن تُسجل إشكالاً على مسألة عند السيد الخوئي في مجلس الدرس) نعم، بعض الطلاب يقاصون شيئاً من ذلك. من أنت حتى تذهب لتشارك في مؤتمر علمي؟! ما زلت صغيراً لتذهب. لا تشارك. لا تكتب. لا تتصّدَ للموضوع الفلاني. لا تتصدَ لتدريس الكتاب الفلاني. ممكن في بعض الأحيان أن يكون الأستاذ على حق، والطالب لا يكون في مرحلة تؤهله لذلك. لكن أحياناً يكون الأسلوب - حتى لو كانت الفكرة على حق - فضلاً عما إذا لم تكن على حق، مُثبّطاً وباعثاً على إلغاء الفكرة في ذهنه. وهذا أمر خطير! أخلاقيات الأساتذة والمعلمين في الحوزات العلمية وفي غير الحوزات العلمية، عنصر أساسي في التربية والتعليم. إذا لم تكن هذه الأخلاقيات جزءاً أساسياً من هويتك كأستاذ، من الممكن أن تترك أثراً سلبياً على التلامذة وعلى الطلاب. طبعاً المثبّطون والمعنّفون للطلبة لديهم حجّة. أنا لا أقول بأنّهم ليسوا بأخلاقيّين، العياذ بالله، لكن لديهم حجة، ماهي الحجة؟ حفظ قداسة العلم وقداسة العلماء. نعم هذه حجّة. لكن علينا أن نزن هذه الحجة بحجّة أخرى وهي أن نحصل على علماء كأولئك العلماء. إذا أردت أن تحصل على علماء كأولئك العلماء لا يمكنك إلاّ أن تستخدم سبيل التشجيع والتحفيز، وإذا لم تستخدمه لن يخرج إلا أشخاص بعدد أصابع اليد. النقطة الخامسة: فقدان المهارات التعليمية كثير من الإدارات التعلمية في عدد من الحوزات العلمية، يختارون الأستاذ بناءً على علمه بالمادة التي يدرّسها، بناءً على ما يملك من أبحاث بهذه المادة، بناءً على ما يملك من شروحات في هذه الكتب التي يدرسها، بناء على قدرته الذهنية على التحليل والفهم. ولكن قليل من الإدارات التعليمة من تأخذ بعين الاعتبار مهارة الأستاذ في التعليم أيضاً. لا يهمّ فقط أن يكون للأستاذ القدرة الخاصة الذاتية على التأمّل في الموضوع. أنا لا أتعامل مع الأستاذ في هذه الحالة على أنه يتعامل مع نفسه ومع البحث. أنا أتعامل معه على أنّه يتعامل مع بشر، يريد أن يؤثّر فيهم وأن يحثّهم ويشجّعهم. المهارات التعليمية هامة جداً في هذا الإطار. أعطي تجربة شخصية: عندما جئت إلى الدراسة في قم، كان هناك أستاذان بارزان وعلمان من الأعلام. وكنت أرى في أحدهما الأكثر دقة من الآخر. هكذا يبدو لي. وربما هكذا يكون في الواقع. ولكنّني لم أختر الأستاذ الذي يملك الدقة بل اخترت الثاني. لماذا؟ لأنني وجدت في الثاني شخصاً قادراً على التنظيم، على الترتيب، على تناسق الأفكار، لا يهمني أن يعطيني الأستاذ مادةً علميةً فقط، يهمني أن يُلقي ذهنه في ذهني. يهمّني أن أتأثر بقدرته التنظيمية، سيطرته على خارطة الأبحاث، ترتيبه للموضوعات، تأخيره ما حقه التأخير وتقديمه ما حقّه التقديم. هذا بالنسبة لي أيضاً هذا ضروري. في حال بقيت مع ذلك الأستاذ عشر سنوات، ربما أحصل على دقّة علمية لكنّني لا أملك بعد ذلك إلا الفوضى في التفكير، وفوضى التفكير ليست أمراً محبوباً ومفضلاً في سياق النضوج العلمي. السبب السادس: عدم احتكاك الطالب مع المحيط الثقافي والعلمي في ظنّي أنّ أزمة عدم احتكاك الطالب مع المحيط الثقافي والعلمي (كما قلت أنا اتكلّم عن الجانب الثقافي والعلمي) هي ما يعانيه كثير من الطلاب الذين لا يحتكون بالفضاء الثقافي والعلمي في مجتمعاتهم إلا الفضاء الثقافي والعلمي الحوزوي فقط. لذا، عندما يخرج الطالب إلى المجتمع، يُصاب بحالة من الإحباط لعدم قدرته على إقناع الطرف الآخر في كثير من المسائل. بسبب عدم وجود سياسة استراتيجية تفتح له الطريق للاحتكاك الثقافي والفكري خارج إطار وأسوار أو الحرم الحوزوي. دعوني أعطِ مثالاً بسيطاً: اليوم مثلاً وهذا ما يجعله عاجزاً عن الحضور وأعتقد هذا ما يجعل الكثير منا عنيفاً في لغته، قاسياً على خصومه الفكريين خارج الإطار الحوزوي، ويركز دائما على شخصهم وأنّهم جهلة، لا يفقهون أكثر ممّا يركز على المادة الإشكالية التي يقدمونها. لماذا؟ لأنهم لا يقدِرون على أن يدخل في جدلٍ حول المادة الإشكالية. قبل خمسمائة عام وأكثر، كان الله هو محور كل تفكير البشر. إذا أردت أن تصف فعلاً بأنَّه فعلٌ جيدٌ ماذا تقول؟ تقول، هذا يرضي الله. إذا أردت أن تصف فعلاً بأنه قبيح، ماذا تقول؟ تقول: هذا يبغض الله. الله محور كل شيء، محور توصيف الأفعال بالحُسن والقبح. كان الأمر رائجاً في الثقافة العامة عند جميع الناس وليس فقط عند المسلمين. لكن منذ بداية عصر النهضة إلى يومنا هذا، دخلنا في فضاء جديد، هذا الفضاء الجديد هو فضاء الإنسان، محورية الإنسان أو ما يسمّى بالـ "هيومانيزم" (Humanism) دخلنا في "بارادايم" جديد. يعني في إطارٍ ثانٍ للتفكير. وفي هذا الإطار قواعد الاستدلال مختلفة، الأهداف مختلفة، الأولويات مختلفة، الحُسن والقبح له معايير مختلفة. نحن في فضاء مركزية الله سبحانه وتعالى ونعيش في زمنٍ فضاءه مركزية الإنسان. اليوم، إذا أراد أحد مثلاً أن يصف فعلاً بأنه فعل حسن ماذا يقول؟ الناس ماذا تقول؟ يُقال: هذا فعل إنساني. هذه الكلمة لم يكن لها وجودٌ قبل خمسمائة عام. لم تكن الأفعال الحسنة توصف بأنّها إنسانية لكي تكشف عن حُسنها. هذا لأننا دخلنا في "بارادايم" الإنسانية. و"بارادايم" المذهب الإنساني الذي اجتاح العالم بعد أن ابتلع الغرب برمّته تقريباً. ولذلك تراجَعَ الله في حياة الناس. كما يُعبّر الفيلسوف الأوروبي المعاصر فيلسوف المشهور مارتين بوبر، حين يقول: "كسوف الله"، شمس الله كُسفت في زماننا، لم يعد الله هو معيار الحق والباطل، معيار الحق والباطل بات الإنسان. الحوزوي اليوم يعيش في "بارادايم" الله، في المقابل جزء كبير من العالم يعيش في "بارادايم" الإنسان، ويريد الحوزوي الخارج من داخل "باراديمه" في الحوزة أن يخوض جدلاً معرفياً مع التيارات الفكرية الأخرى، صعب، لأن قواعد الاستدلال هناك مختلفة. كيف ستستطيع أن تُقنعه بقبح المثلية الجنسية؟ كيف ستتمكن من أن تقنعه بقبح الانتحار؟ كيف تتمكن من أن تُقيم برهاناً أخلاقياً على ذلك وفق "بارادايم" جديد؟ نحن اليوم لسنا فقط في صراع أفكار ولا في صراع حضارات ولا في صراع مذاهب ولا في صراع أديان، بل نحن – برأيي- في صراع "بارادايمات". أنساقٌ فكريةٌ أجنبية عن بعضها. وتتصايح وتتصارخ من خلف الجدار. أنت لا تستطيع أن تقنعه بأمر معيّن، مع أنه غير إنساني، ومناف للحريات، ومناف لحق الإنسان، لأنّه يفكر ب"بارادايم" مختلف عن "الباراديم" الذي تفكر فيه أنت. "شعور الطالب"، هذا ما أريد أن أشدد عليه. يكون قد عاش عشرين عاماً داخل "بارادايم" واحد، والآن أخرجتَهُ دفعةً واحدةً من هذا "البارادايم"، أخرجته من هذا البحر ووضعته في "بارادايم" آخر، ليواجه التحدي. سيشعر بالصعوبة بأن يخوض تلك المعركة، صعوبة بالغة في أن يخوضها. لماذا؟ لأنه من الأساس لم يعش تنوّع التيارات الفكرية في مناهج التربية والتعليم عنده. لأنه من الأساس لم يُقَل له احتك بالآخرين، بل قيل له: إياك وأن تحتكّ بهؤلاء فإنّهم سيجلبون لك الضلالة. عندئذٍ من الطبيعي أنّ احتكاكه بهم من النادر أن يوفّق. وبذلك ستشتد الصراعات في أوساطنا المجتمعيّة، سنتصادم أكثر من القدرة على أن نتحاور. يقبع العالم اليوم في ثنائية الله والإنسان، بعض الوجوديين في المدرسة الوجودية "اغزيستانسياليزم" يقولون: لا يمكن للإنسان أن يحيى إذا لم يبلغ الله نقطة الصفر، احذف الله، نحن أمام تحدٍّ كبير في هذا العالم، إذا لم تطلع على ذلك المحيط، إذا لم تحتك بذلك المحيط منذ مراحلك التعليمية المتوسطة على الأقل، ضمن توجيه وسياسة استراتيجية تعليمية حوزوية، ستصاب بالإحباط الشديد عندما تواجه تلك التحديات. السبب السابع: أزمة قلة المحفزات قد يُقال لك، يا أستاذي العزيز ما هي الفائدة من أن تتعلّم؟ هذا سؤال قد يواجه. يعني إذا ذهبت الى مجتمعك (بتعبيرنا اللبناني العامي: بطعميك خبز؟) يعني أنت محقّق في أصول الفقه ونزلت إلى بلدك وذهبت إلى وطنك ما الفرق؟ شخص آخر بإمكانه أن يصعد الى المنبر وينجح بين الناس أكثر منك بعشرة آلاف مرة، بالرغم من أنّه لا يملك عُشر معشارك، ما من شيء يحفّزك على أن تتطور علمياً. فقط إذا بقيت داخل الحوزة ستشعر بالتحفيز، ستشعر بالمنافسة، بالرغبة في أن تتقدّم علمياً، لكن في الخارج تشعر أنّ الذي كنت تتصوّره محور العالم ظهر على أنّه خارج المنظومة الشمسية. المحفزات قليلة. والمحفزات غير العلمية كثيرة! الآن يقول لك شخصٌ: أنا وأنت بعد عشرين سنة مِن درس بحث خارج وفقه وأصول ونظريات وأبحاث ما الفائدة من وراء كلّ ذلك؟ بعد أن أذهب إلى بلدي، نهايتها أنّ الله سبحانه وتعالى يتدخل ويقيم لي جاره "بالتعبير العراقي"، يخلق لي حالة معينة، لا أجد شيئاً محفّزاً، أن أتعب كلّ هذا التعب وأنا لا أشعر سوى بالصعوبة. أشعر بصعوبة بالغة، خاصةً إن لم أكن من الأُسر العلمية، خاصةً إن لم أكن في فضاء ما، يمكن أن يسمح لي أن أصل إلى مكان ما. هذه حقيقة يشعر بها الكثيرون، "لا أشعر بتحفيز". مثلاً: قد يقول أحدهم، أشتغل في وظيفة دعوية معينة، خلف مكتب ممكن أن يكون أفضل، ممكن أن أعيش أكثر ممكن، الإنسان دائماً ما يذهب على أثر محفزات، فيه محفزات مالية فيه محفزات اجتماعية، الآن كونك عالم في الفقه والاصول ليس محفزاً إلا في الحوزة إلا أن تصبح مرجعاً. هذه نقطة هامة. إذاً، فقَدَ الإنسان الشعور بوجود محيط محفّز للعلم. هذا الأمر ليس موجداً فقط في الحوزات، إنّما يتعدّاها أيضاً إلى الجامعات، لأنّ أغلب الجامعيين لا يهمّهم العلم بل تعنيهم الشهادة العلميّة بغية إيجاد وظيفة. وبالتالي لا يوجد شوق للعلم، وإلى الإنتاج، وإلى الإبداع العلمي، لعدم وجود المحفّزات. السبب الثامن: العجز في تحديد موقعيّتهم العلمية ومكانتهم عجز العديد من الطلاب عن تحديد موقعيتهم العلمية ومكانتهم بسبب عدم وجود معايير وجهات إدارية محايدة، تمنحهم موقعهم العلمي وتحدّد لهم موقعهم العلمي. أنت درست الآن مثلاً سبع سنوات بحثَ خارج، وسألتك سؤال أين تجد نفسك؟ ـــ كثيرون عموماً الذين لا يعرفون أين يجدون أنفسهم! ـــ هل أنت مجتهد؟ مجتهد موفق أو غير موفّق؟ لا تعرف الإجابة بالطبع. بينما لو كانت هناك جهة محايدة، موضوعية تراقب وضع الفضاء العام، لكانت أعانتك على تحديد موقعك، أنت صرت الآن في النقطة الفلانية، وعلى الخارطة الفلانيّة، في المكان الفلاني، وقد قطعت الخطوة الفلانية، أنت تقترب من الغاية الفلانيّة، أما لوحدك ستشعر بصعوبة. المسألة إذاً، عدم وجود سياسة عامة تحدّد للطالب موقعه، في ظلّ عدم وجود خطة استراتيجية في هذا الإطار. نعم كثير من الطلاب قد يحملون شهادة دكتوراه في الحوزة، أو ماجستير في الحوزة، لكن هو في قرارة نفسه لا يعرف نفسه أين، ولا يستطيع أن يحدد ذلك. تعرفون اليوم أنّ أزمة الاجتهادات هي أزمة كبيرة، بسبب غياب الضوابط المحددة عملياً، لها فقط ضوابط نظرية. السبب التاسع: العوامل الاقتصادية والأُسرية الضاغطة ما يمكن أن يؤدي أيضاً إلى هذه الحالة، هو العوامل الاقتصادية والأسرية الضاغطة، وهذا العامل هامٌ جداً. فهو يُعيق الطالب عن استخدام الزمان والوقت، يحجزه عن تفرّغه الذهني، وهذه المسألة سوف تشغل تفكيره بطريقة سلبية. السبب العاشر: ازدياد عدد الطلاب قبل عام 1950، يُقال إنّ عدد الطلاب في مدينة النجف، لم يكن ليزيد عن خمسة آلاف طالب. هذا العدد كانت تحتضنه أكبر حاضرة علمية حوزوية في ذلك الزمان. أما اليوم، نتكلم على عشرات الآلاف، وأرقام هائلة في العالم. وهذا الازدياد ليس أمراً بسيطاً. له نتائجه الإيجابية وله تحدياته أيضاً. لقد صرنا نتكلم اليوم على ألف بالمئة ازدياد في عدد الطلاب. الأمر الذي يتسبّب بضغط مالي، وآخر اجتماعي، إضافةً إلى العبء الاقتصادي الكبير على عاتق الجهات الإدارية. سابقاً لم تكن الأمور كذلك، وهذا أمر يجب الالتفات إليه. "لاحظوا معي" مراحل الدكتوراه في الجامعات، عادةً يكون عدد الطلاب فيها أقل بكثير من مراحل المقدّمات، فيكون التركيز عليهم بحيث لا يتجاوز عددهم أربعةً أو خمسة، كل الثقل يكون منصبّ على هؤلاء الخمسة. إذاً يقوم الأساتذة بتوزيع طاقتهم على خمسة أشخاص، بينما في المراحل الأولى "الليسانس والبكلوريوس" تجد عدد الطلاب بالعشرات بالمئات في قاعات الجامعات. في الحوزة الأمر مختلف تماماً. ففي مراحل المقدّمات كم يبلغ عدد الحضور في الصف؟ قليل! لكن عدد الحضور في مراحل الدراسات العليا كبير. الأستاذ لا يستطيع أن يُغطّي. لا يتمكن بسهولة من مراقبة أوضاع الطلبة، والاهتمام بشؤونهم، وترقيتهم، وتمركز الطاقة عليهم، وهذا الأمر أيضاً يمثّل تحدياً فرضته الزيادات الكمية في أعداد الطلاب. إذاً، أعتبر أنّ مرحلة البحث الخارج في الحوزات العلمية ليست مرحلة تعليمية! مرحلة البحث الخارج هي: "شخصٌ أنهى مراحله التعليمية ودخل إلى مدينة مليئة بالبحّاثة الكبار، وكل بحاثة يعرض بضائعه وأبحاثه". أنتَ بوصفك طالب بحث خارج، تجول على هذا السوق المتنوّع البضائع، وتختبر هذا التنوع وتستفيد منه إلى جانب الجوانب التعليمية، والتي تعتبر قليلة نسبياً، خصوصاً أنّ بعض الطلاب في مرحلة البحث الخارج يشعرون بالنقاهة أكثر، لأنّهم يُمتحنون مرّة واحدة في السنة، امتحان واحد في الفقه وآخر في الأصول. بعض الحوزات – بالطبع - حاولت تلافي هذه المشاكل. لكن الأمر ليس مسيطراً عليه، في ظل ظروف موضوعية تجعله أكثر صعوبةً. في مرحلة الخارج - خصوصاً مع سياسة عدم تدوين الحضور والغياب - أدّى ذلك إلى هذا الإحساس، عندها ستكون هذه النتيجة طبيعية، وسيكون ذلك تحدياً يجب تلافيه. السبب الحادي عشر: عدم وجود أفق زمني محدّد للعملية التعليمية يعني أنت كطالب تدخل إلى الحوزة ولا تعرف متى تنتهي، وليس بوسعك أن تعرف. حتى في المؤسّسات التعليمية التي وضعت مُدداً زمنية محدّدة لإنهاء المرحلة التعليمية، كان من الصعب أن يتم الانضباط لمدّة محدّدة. مثلاً: مرحلة الإجازة "الليسانس" تحتاج إلى خمس سنوات لإنهائها، عملياً، أبحث بين الطلبة أقلهم استغرق فيها ما لا يقل عن سبع سنوات وربما أكثر قد تصل إلى عشرة. لماذا؟ لأنّه ما من معيار صارم يحكم مسيرة الطالب العلميّة عبر الزمن، ربما لا تستطيع الإدارة أن تضبط الأمر، ثمّة ضغوط موضوعية خارجية في هذا السياق. السبب الثاني عشر: كثرة العطل إضافة الى كثرة العطل التي ترهق وتشتت ذهن الطالب، ليس لدى الطالب برنامج في العطلة. سابقاً كان لدى العلماء في الحوزات العلمية ما يسمى بدروس التعطيل، وكانوا يعطون دروساً اختيارية في شهر رمضان المبارك ومناسبات أخرى، قد تكون تخصّصية أيضاً وليست فقط دروساً عامة، فكانوا يوظّفون الوقت حتى في فترة العطلة. السبب الثالث عشر: فقدان الفضاء الإيجابي للحرية أشير فقط إلى نقطتين في هذا المجال: فقدان الفضاء الإيجابي للحرية في أوساطنا. الإنسان المتّقد الذهن، الإنسان الذكي، الإنسان الذي لديه خلاقية ذهنية، دائماً ما يخرج خارج المربع في أفكاره. لذا، لا يستطيع الطالب الخارج عن أفكار محيطه، أن يبوح بهذه التساؤلات في مجلس الدرس. في محضر الطلبة. أين يبوح بها؟ سيبقى ساكتاً. ستتملّكه شخصيتان، شخصية حقيقية، وشخصية يريدها الآخرون من حوله. سيشعر بالازدواجية. سيبقى في حالة من الاختناق. وهذا ما يشعر به كل من يعيش الفضاء الحوزوي ويختلف في تفكيره عن الفضاء. لأنه لا يشعر بإمكانيّة أن يكون متقَبّلاً إذا أفصح عما يدور في ذهنه ولو كان على نحو التساؤلات عن إثاراته الفكرية. لا يوجد فضاء إيجابي، يجب أن نوفّر له هذه المساحة ليطرح أفكاره داخل الوسط وليُتقبل. هذا ما سيشجعه علي التفكير، وإلاّ فأنت تقتل في داخله حسّ الإبداع، وتشعره بأن الإبداع خطيئة، لأن المحيط يكرهه، وسيشعر أنّه صار منبوذاً، وبالتالي سيتخلّى عن هذه المهمة شئت أنت أم أبيت، وسيضطر إلى أن يعيش الحالة التكرارية في حياته. السبب الرابع عشر: ضعف أساتذة المقدمات ضعف أساتذة المقدمات، هي نقطة هامة تؤدّي إلى تراجع الحالة العلمية. وهذا معناه أنّ الأساتذة الأقوياء، قد لا تناسبهم الظروف، أو قد لا تسمح لهم في أن يدرّسوا المقدمات. عندئذٍ، يتصدّى غالباً لتدريس المقدمات، أشخاصٌ ربما لا يمتلكون القدرة الكافية لتدريس مرحلة بالغة الأهمية كالمقدّمات. إذا حضر الطالب المقدّمات ضعيفاً، يمكن لذلك أن يؤثر على مسيرته العلمية بالمجمل، أمّا في حال درس المقدمات تحت منبر أساتذة أقوياء فمن الممكن حينئذٍ أن تكون بنيته الأوّلية قوية. إنّ عدم وجود اهتمام بمرحلة المقدمات، من أجل تقديم مهام الطالب عبر أساتذة أو كادر علمي معتدّ به، يمكن أن يؤدي إلى ضمور رغبة الطالب، وأحياناً قد يؤدّي الأمر به إلى الصعود إلى مراحله العليا غير قوي وغير متين، وبالتالي سيتراجع المستوى العلمي عموماً في الحوزات. هذا كله إضافة الى الحالة الموجودة في بعض المجتمعات، سيّما عند النخب من النظرة السلبية إلى عالِم الدين. تحوّل رجل الدين بالنسبة لهم إلى قصّاص، إلى واعظ من وعّاظ السلطة. رجل الدين بالنسبة إليهم رجل تبريري وليس تغييرياً. يقضي حياته كلّها في تبرير الواقع والأخطاء، ويختلق الأعذار لمن هم من جماعته ومن يحيطون به. لقد باتوا ينظرون إليه نظرةً سلبيةً أحبطت الطلبة وجعلتهم يعيشون الضغط النفسي. لماذا إذاً تُشعر الطالب وكأنه عقدة حقارة؟ طلاب العلم ليسوا متقدّمين! ليسوا علماء! ليسوا مطلعين! ليسوا مثقفين. وبالتالي سيشعر بالإرباك في مسيرته العلمية. اليوم، وبصرف النظر إن كان أولئك على حق أم لا، (نحن نتكلم عن حالة توصيفية) هذه الأسباب - في تقديري – هي بعضٌ من الأسباب الموضوعية المحيطة التي تؤثّر بقوة على وضع طالب العلم النفسي والروحي والسلوكي العلمي والتعليمي، وعلى رغبته وشوقه وحماسته في أن يتقدم في مسيرته العلمية. لكن، لا ينبغي أن نُلقي دائماً باللوم على الغير. طالب العلم هو أيضاً على المستوى الفردي يتحمّل بعض المسؤوليات. القسم الثاني: أسباب ذاتيّة وفرديّة إذا ما انتقلنا من مرحلة الأسباب الموضوعيّة المحيطة، إلى مرحلة الأسباب الذاتية يمكن لنا أن نذكر بعض النقاط: السبب الأول: حضور وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع النطاق في حياة طالب العلم نقول بهذا السبب نسبةً لما تسبّبه وسائل التواصل الاجتماعي ـــ كما أثبتت العديد من الدراسات ـــ من تشتت في ذهن الطالب وضعف في بنيته الذهنيّة والتعلّميّة، وعدم قدرته على الإبداع والحفظ وإتقان المواد الدرسيّة التي يتعلّمها. يجب أن ينظّم طالب العلم دخوله إلى هذا الفضاء المشتِت للذهن بطريقة مقوْننة بشكل يومي، حتى يستطيع أن يجتاز هذه المرحلة. وقد نشرت الكثير من المقالات حول دور وسائل التواصل الاجتماعي في إضعاف المستوى العلميّ لطلاب المدارس والجامعات، وكم تسببت في الكثير من حالات الضعف في الدراسات الجامعيّة. السبب الثاني: الجمود على أستاذ واحد هذه النقطة يتحمّل تبعاتها طالب العلم نفسه، خصوصاً في المدن العلميّة الكبرى والتي من محاسنها تنوّع ووفرة الأساتذة، ولو كنت في بلد بعيد ولا يوجد سوى أستاذ واحد بحث خارج أو مكاسب فانت نعذور، لكن في مدن الحواضر العلميّة أو شبه الحواضر العلميّة، يعيش الطالب وفرةَ في تواجد الأساتذة. لماذا تُبقي نفسك على الأستاذ نفسه؟ النسق نفسه، الأسلوب نفسه، الموضوعات نفسها، الأفكار نفسها، هذا الأمر سيأخذك إلى الملل من حيث لا تشعر، سيجعلك إنساناً محدوداً وأنت بإمكانك ان تكون متنوعاً، ولذلك إن اختلطت بمناخ آخر متنوع سوف يتولّد لديك لديك ردة فعل سلبيّة، لذا عليك بالتنويع بالأساتذة، ولا تبقِ على الأستاذ نفسه، ولا تضع البلوكات على أيّ من الأساتذة، استفد من نقاط القوّة لدى أيّ واحد منهم، التنويع يعطيك الحيويّة ويعطيك تلوّنا وروحاً جديدة في البحث العلميّ. إنّ هذا الأمر مفيد جداً، ولو رأيت نفسك ضعيفاً فأنت اختبرت شيئاً جديداً، اختبار الأمور الجديدة أمر مفيد. لقد عاينت أحد الأساتذة يحثّ طالباً على دراسة الكتاب نفسه مرّتين، قال لي أحد إن الأستاذ قد أمره أن يدرس "منهاج الصالحين" مرّتين، وقد قضى هذا الطالب سنة إضافيّة في دراسة هذا الكتاب علماً أنّه من الطلبة الأذكياء المتفوّقين. ما الفائدة من هذه الإعادة؟ هل يمكّنه ذلك من أخذ المادة بتنوّع آخر، وأحياناً بعض الأساتذة يدرس كتاباً واحداً عشرات المرات. هل هو التنوّع؟ لا، التنويع يفتح الأفق الذهنيّة، كلّنا بحاجة إلى فتح آفاقنا الذهنيّة. أنت كطالب علم، يمكن لك أن تحفر ثقباً في الأرض وتتعمّق به عشرات الأمتار، لكنّك عندما تخرج وتنظر حولك ستجد مساحات واسعة وملوّنة خارجاً قد فقدتها بنزولك في الأرض، وهذا الأمر قد ينتهي بك إلى أن تصبح مدفوناً. السبب الثالث: اليأس من التقدّم في العمر هذا أمر ملاحظ لدى كثير من الطلبة في الشرق الأوسط، بأنّه إن وصل إلى عمر معيّن ال 30 أو ال 40 مثلاً يعتبر نفسه قد انتهى ويبدأ التفكير في أنّه في مرحلة قطاف ثمار العمر، ولا يمكنه أن يذهب ويجلس على مقاعد الدراسة من جديد، علماً بأنّه لا يزال في عمر الأربعين هو في مرحلة جديدة من العمر وبإمكانه البدء في مرحلة علم جديد والرفض، لهذا الأمر لا يأتي سوى من ثقافة الاستسلام. وكما تقول بعض الروايات إنّ بعض العلماء نَبَهوا في عمر الأربعين، وكانوا يشعرون بالفشل قبل ذلك السنّ، وفي الروايات المنقولة عن "المحقق الأردبيلي"، هؤلاء الناس بدأت تجربتهم بعد سنّ الأربعين. إن كتب الله لأحد عمراً للثمانين ففي ذلك أربعين سنة، مرحلة جديدة من العلم، مسيرة علميّة كاملة، يمكنه من خلالها الوصول إلى أعلى المراتب، لا علينا أن نشعر بالحياء ولا بالتعب. علينا أن نُذهب هذه الأفكار المغلوطة من أذهاننا، فكم من فكرة عطّلت حياتنا وكم من فكرة فتحت للإنسان مجرىً جديد. لا عليك سوى أن تترك الأفكار المثبّطة وأن تلحق الأفكار النافعة. السبب الرابع: انسياق كثير من الطلبة نحو مرجعيّة الشهادة هذا السبب يكمن من غاية الطالب في الحصول فقط على الشهادة، لم يعد العلم هدفاً، وهذه آفة ضربت الكثير من الجامعات في العالم العربي والإسلامي، فلم يعد للعلم لذّة ورغبة وعشق، السبب في أنّنا بتنا ننظر إلى حياتنا العلميّة نظرةً وظيفيّة، ولم يعد العلم سوى أداة لإنتاج المال وجلب الوظيفة والمكانة الاجتماعيّة، لم يعد العلم حالة مقصودة في حد ذاته، كما كان مقصوداً في حد ذاته ينتج كمالات في مجالات أخرى، ما يُشعر الطلاب بهذا الشعور هو أنّه لم يعد العلم مقدّر، فيسلكون طريقاً يشعرون من خلالها بالتقدير. بعض الأفكار التي يمكن أن تخرجنا من الحالة السلبيّة الفرديّة أو الجماعيّة إلى حالة إيجابيّة: لن نتكلّم بمقترحات تتّصل بالسياسات الاستراتيجيّة للحوزة، فمدراء الحوزات والشخصيات الكبيرة المتولّية لأمور الحوزة أكثر إدراكات في بهذا الشأن، وإنّما أخاطب طلبة لا أختلف عنهم بشيء، أشاركهم بعض أفكاري التي تحتاج إلى تطوير، وقد قرأت كثيراً عن وجود تيار بين المشتغلين في الأنظمة التعليميّة، يرى عبثية وفشل في نظام الإجازة، ماجيستير، دكتوراه، وهناك من يرى أيضاً أنّ النظام برمّته بحاجة إلى تغيير. إن كان هذا التقسيم للمراحل التعليميّة صحيحاً أم مغلوطاً فله مبراراته، وبوضعنا كحوزات علميّة دينيّة هل التقسيم بين مقدّمات، سطوح، بحث خارج، هو تقسيم منتج أم غير منتج؟ هل هناك مراحل تعليميّة أكثر إنتاجيّة منه؟ من الجيّد أن نفكّر بمثل هذا الأمر، وخصوصاً أن نستشير من هو معنيّ برسم السياسة الاستراتيجيّة للحوزة. في السياق نفسه، لنا أن نذكر النقاط التاليّة: ــ النقطة الأولى: لا تنتظر في وضعك العلمي المساعدة من أحد لا تكن حالماً خيالياً وتنتظر من الآخرين أن يأتوا ويغيّروا مجرى حياتك العلميّة ويدخلوك في فضاء جديد وعلم جديد أكثر رحابة من العالم التي تتواجد فيه. ماذا تنتظر؟ تحمّل أنت مسؤوليّة نفسك، لا تضع اللوم على عاتق الشخصيات الكبيرة في الحوزة أو على عاتق الإدارات. نعم، الشخصيات الإداريّة لديها مشاكل ولكنّها تعمل وهناك جهود جبّارة علينا أن لا نستخّف بها، كلّ ذلك من أجل أن نخرج بوضع أفضل، وإن حصلت بعض الأخطاء أحياناً إلاّ أنّ المحاولة بحد ذاتها للوصول إلى نتائج مرضية كافية. أنت كطالب علم، عليك أن تبدأ بالتغيير ولا تحمّل غيرك مسؤوليّة ما أنت فيه، لن يأتي أحد ويساعدك، فأنت وحدك من بإمكانه تغيير الأوضاع من حولك، أحياناً قد يساعدك التغيير في نمط أفكارك على التطوّر، غيّر تصوّراتك لتبدأ بالعمل كي تنتج نخبة طلابيّة حوزويّة قادرة على أن تبني مستقبلاً. هذا المحيط فيه كثير من الإيجابيات، ولكنّنا نسلّط الضوء على الإشكاليّة الأساس من أجل الخروج منها، الإنسان العاديّ هو الذي يستغلّ الظروف المساعدة، كموجة الماء التي تدفعه، أمّا الإنسان العصاميّ هو من يتحدّى أعتى الظروف، فتواجهه أصعب الصعوبات ويمثّل مستوى عالٍ من التحدّي والصلابة، هذا هو معنى العصاميّة. ــ النقطة الثانية: لا تهتمّ إلى تشجيع الآخرين لا تنتظر إذا نجحت أن يصفّق لك من يحيطون بك، لأنّك إذا كنتَ تحلم بذلك أو تنتظره، قد تُصاب بخيبة أمل وقد ترتد عليك كلّ الجهود التي بذلتها إحباطاً وشعوراً بالخيبة والانهزام، بذلك لن تنتج شيئاً. أمامك فقط رضا الله من ثم نفسك، عليك أن تترك باقي الأمور جانباً، لأنّك ربما قد تنجح في مجالات أخرى ولا يبالون لأمرك ولا يهتمّون وقد يخترعون المعايب وقد يكتشفون نقاط الضعف، هؤلاء البشر هم هكذا، البشر هو الإنسان الحاسد، أنت تعمل لنفسك لا تنتظر التصفيق من الآخرين، اعتراف الآخرين بك قد يكون حاجة إنسانيّة فقط، ولكن إن لم يحصل فلا تتوقّف، منذ البداية اعلم أنّ الإنسان الناجح هو المستهدف بالنقد، وليس عبثاً تعبير الشيخ المطهري (رض) "عندما كنّا أطفالاً كنّا لا نرمي القطار بالحجارة إلاّ عندما ينطلق، إن كان متوقّفاً في المحطّة فلا نرميه" إذا نجح الإنسان في محطّة فمن الطبيعي أن يجد السهام تتوجّه صوبه، من الطبيعي أن تعترضه النبال، فعليه أن يعتبر ذلك مؤشر نجاح. ــ النقطة الثالثة: التغلّب على الوحدة إنّ أصعب ما قد يمرّ به الإنسان في تجربته هو أن يخاف من الوحدة، الخوف من الوحدة يقتل إبداع العلماء، اخلع ثوب الوحدة من حياتك، وإذا كان لك في هذه الوحدة أنيس فهو ضميرك ورضا الله (عز وجلّ). إحساسك بالطمأنينة في هذه الحالة سيكون نابعاً من كون الوحدة هي الأنس، لأنّ الوحدة تساوي قتل الإبداع وخوف الوحدة والازدواجيّة يساوي انتقاص الإنتاجيّة أو انعدامها ربّما. ــ النقطة الرابعة: ارسم خطّة ارسم أهدافك الاستراتيجيّة خلال مدّة زمنيّة طويلة أو قصيرة، وأخرج كلّ ما في ذهنك ولو كان مبعثراً، ارصد الخطة لأهدافك وإمكاناتك وفقاً لمدّة زمنيّة محدّدة، وانظر بعد مرور المدّة، هل تقدّمت؟ ماذا أريد أن أصبح بعد سنة؟ تكون قد كتبت أنّني أريد أن أصير كذا وكذا، انظر إلى الورقة بعد انقضاء السنة، هل صرت ما تريد؟ هل تحقّق ذلك؟ قد نكون قد حقّقت خطتين من ثلاث، وهنا عليك أن تمارس نقداً ذاتياً. لماذا لم أتمّ الخطط الثلاث كان الوقت كافياً. إذاً، وضع الخطط أكثر من هام في هذا الإطار، وضع الخطّة يُكسبك الكثير "من تساوى يوماه فهو مغبون". إنّ فقدان التخطيط في حياتنا العلميّة والعمليّة يجعل حياتنا في مهبّ الصدفة، صدفة ترفعنا وأخرى تنزلنا، بذلك نكون كمن تسيّره الرياح. إنّ الإنسان القويّ المريد أن يغيّر أسلوب حياته ووضعه وأن يتطوّر، هو من يصنع كلّ شيء في حياته، وهو القادر على أن يفعل ـــ بإذن الله ـــ تغييراً ويحقق تقدّماً دائماً نحو الأفضل، ولا يترك حياته عرضةً للصدفة، وعرضة للملابسات، وكلّ ذلك مشروط بأن يكون الإنسان صبوراً لا يطمح فقط إلى رؤية النتائج. ــ النقطة الخامسة: الزمان الوقت هام جداً في حياة أيّ فرد منّا ليس فقط طالب العلم. مع الأسف، مفردة الوقت غائبة عن حياتنا تماماً، ونحن مع الأسف، في منطقة الشرق الأوسط نتميّز بعدم احترامنا وتقديرنا للوقت، الوقت غير مرصود ذهنياً في حساباتنا، يمضي بنا ولا نشعر به ونأتي في كتب الفلسفة لندرس الزمان وأهميّته. اسمحوا لي أن أدّعي أنّ لدينا الكثير من الوقت، وخصوصاً نحن من نعيش في بلاد الهجرة أو المدن العلميّة، لأنّ ارتباطاتنا الاجتماعيّة قد تكون قليلة، لدينا وقت وفير لا ننتبه إليه لأنّنا لا نرصده. يوجد اليوم في شبكات الإنترنت آلاف المحاضرات والدروس المتنوعة حول كثير من العلوم والاختصاصات باللغات العربيّة والفارسيّة ولغات أخرى، بإمكانك وأنت تمشي على الطريق أن تستمع إلى ما تشاء، بإمكانك أن تسمع محاضرة أو موضوع معيّن قد لفت انتباهك، قد تستفيد، خصّص كل يوم نصف ساعة فقط للمطالعة خارج مواد درسك، نصف ساعة فقط واكسب الوقت الذهبيّ، ولا تعطِ لنفسك أعذاراً، ولا تأتي في الأوقات المُرهِقة، بل استغلّ ساعات راحتك البيولوجي والنفسي وخصوصاً ساعات الصباح، مؤكّد أنّك بعد مرور سنة ستشعر بتقدّم ملحوظ. إن كنت تستيقظ لأداء صلاة الليل أو لصلاة الفجر، فخصّص من وقتك القليل للمطالعة قبل أن تبدأ يومك. يمكن لك أن تقرأ الكثير فقط ضع برنامجاً، عليك أن تضع الوقت أمام ناظريك، فقط ضع هذه الرؤية ثم وظّف وقتك وستكتشف كم هناك من الوقت. وعليه يجب التنويه إلى أنّ الاستمراريّة أساس كلّ شيء، القليل المستمرّ خير من الكثير المتقطّع، طالع ربّما استمع، ستجد حتماً وقتاً توظّفه ولا تنتظر أحداً، اليوم وخصوصاً في عصر الإنترنت كلّ ما تريده موجود، حتى الكتب يمكنك تحميلها عبر الإنترنت ويمكنك بالتالي قراءتها مجاناً، مما سيوفّر عليك أعباءً ماديةً إضافية، الإمكانيات متوفرة وخصوصاً فيما يخصّ الحوافز العلميّة، يوجد لدينا الكثير من المكتبات العامة لدى المرجعيات وفي المؤسسات التعليمية الكبرى، عليك بزيارتها. ــ النقطة السادسة: ابتعد عن الأساتذة المثبّطين أولئك الذين يحطمونك ويبعدونك عن مسيرتك العلميّة، اقترب من الأستاذ الذي يمنحك الطاقة الإيجابيّة، هذا ما ينفعك على المستوى الروحي والنفسي، فالعلاقة بين التلميذ والأستاذ ليست علاقة أدمغة فحسب، إنّما خي علاقة عاطفيّة أيضاً، اقترب من هذا النوع من الأساتذة من يهتم لأمرك ويساعدك، من نظرته لك وطريقة تفاعله مع نمط تفكيرك، أنت فقط عليك أن تبتعد عن كلّ أستاذ لا يعطيك طاقةً إيجابيّة، لأنّه سيدمّر حياتك من حيث لا تشعر، اختر من يفتح لك الأفق وينوّع من ثقافتك، وينوّر حياتك ويعطيك السعة والعمق، (السباحة بدون عمق لا تنفع الإنسان سوى الارتطام بالأرض)، نحن نعيش في بلدان يتوفّر فيها عدد كبير من الأساتذة، وإن بحث الإنسان سيجد حتماً هؤلاء، تذكّر! لا تكن مثالياً وتضع عقداً حول كلّ أستاذ اختر ما يناسبك، الأفضل بين الخيارات، ما من أحد كامل! ــ النقطة السابعة: غيّر من رؤيتك لطلب العلم اجعل طلب العلم لذّة ولا تجعله وظيفة، لا تجعل نظرتك تجاه علمك نظرة طامح للمكانة الاجتماعيّة، ولا تجعل أسرتك العلميّة هي من تفرض عليك ذلك، وخصوصاً ما يتعلّق بخياراتك، اخلق هدفاً آخر، حتى لو كان الواقع منافياً لذلك. تعال إلى العلم لأنك محبّ للعلم، "العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل" هذا العلم هو شيء من الكمال للإنسان، أمر نافع يجب أن نتشوّق إليه، العلم يأخذ بالإنسان نحو الكمال الروحي والأخلاقي والاجتماعي. غيّر من انتمائك ونظرتك للمؤسسة الدينية، واجعل العلم أحد أهدافك في هذا الانتماء، وخاطب عقلك الباطني في هذا الاتجاه، مؤكد أنه سيفتح لك آفاقاً نفسيّةً وإيجابيةً كبرى. ــ النقطة الثامنة: اترك الناس السلبيّين من حولك في الحقيقة: ثمّة أشخاص سلبيون، تجلس إلى جانبه، لا ينفك ينتقد هذا ولا يعجبه ذاك، ويضع النقاط على آخر، هذا فاشل وذاك لا يفقه... قد تجلس إلى جانبه ساعة من الوقت فتجد صليات مت الشؤم والسلبيّة تحوم حول كلّ شيء. لا نقول في هذا السياق رافق أشخاصاً مثاليين، يعيشون في الحدائق المعلّقة، ولكن فقط عش حياتك بإيجابيّة، كنّ إيجابياً حتى مع الأشخاص السلبيين، لأنّكم إن لم تكن كذلك، فإنّ هؤلاء الأشخاص سوف ينقلون لك الطاقة السلبيّة، سوف يشعروك دائماً أنّ الجوّ مشحون ومشنّج، وبالتالي ستعيش ضغطاً إضافياً من حيث لا تشعر، كن فقط مع الناس الواقعيين، الذين يُطلعونك على النقاط الإيجابيّة، وبالتالي يلفتون نظرك نحو النقاط السلبيّة لتفاديها. الاهتمام بفضاء الصداقات أمر هام جداً، هام نفسياً، ويبعث في داخلك روح النشاط والحيوية، وقد رأينا في حياتنا أشخاصاً كثر إيجابيّون تحوّلوا إلى أشخاص سلبيين، باتوا غير راضين عن أنفسهم وعن محيطهم الاجتماعي وربما عمّن يحيطون بهم، وقد يكونون ناجحين في حياتهم ومع ذلك هم سلبيين. هؤلاء مضرّون بنا كثيراً وعلينا الانتباه إلى علاقتنا بهم. ــ النقطة التاسعة: الاتصال المادي بفضاءات فكريّة وثقافيّة أخرى هذا الأمر ربما يكون من وظيفة المؤسّسة التعليميّة، حيث يمكنك أنت شخصياً أن تشتغل على ذلك. بعض الأشخاص إن قرأ كتاباً واحداً يطبع الكتاب في ذهنه، وكذلك أيضاً أشخاصاً إذا سمعوا محاضرة تطبع في ذهنهم، حتى خلال طرقة نقل العلوم، ثمّة أشخاص إذا أدخلت فكرة الصور إلى عمليّة التدريس فقد يستفيدون بشكل أكبر، أما آخرون فليس لديهم الفرق، هنا نتكلّم عن طرائق نقل المعلومات، فرق بين أطباع الناس. بعض الأشخاص قد يستفيد بشكل أكبر إن أشركته بشيء، أو قام بزيارات لشخصيات علميّة. أنت اليوم في قم، في مدينة العلم، اذهب إلى الشخصيات والمؤسسات العلميّة، تعرّف إليها أكثر، ألاحظ أحياناً أنّ المهاجرين إلى قم لهدف العلم لا يخرجون من مجال جاليتهم، اذهب وتعرّف إلى سائر المؤسسات الدينيّة، إلى الأديان والمذاهب الأخرى، انظر ماذا يفعل الآخرون، النظر والملاحظة مفيدة، المشاركة في الندوات والمؤتمرات واللقاءات العضويّة مفيد أيضاً، قفّ واستمع إلى ما يدور من جدالات ومن حوارات جانبيّة، قد تأخذ منها معلومة لم تقل في الندوة أو في المؤتمر الذي قد يحضره أناس غافون لا يستمعون إلى ما يُلقى. الفضاء المختلف مفيد جداً للإنسان، لا يشعره بتكرار نفسه. أمر آخر، نسبيّ ربما، عندما يكون الطالب في مرحلة المقدّمات أو سطوح، فيكون كثير الأسفار، يتصدّى لنشاطات خارج بلده، وهذا الأمر قد يؤثّر سلباً فيه، وهنا، عليه أن يستغلّ أغلب وقته في الجانب العلميّ، لأنّنا رأينا كثيراً من الأشخاص من خرجوا بهذه الطريقة ولم يعودوا، تشتت أذهانهم وهم منشغلون بشؤون خارجيّة. التركيز فقط على العلم، يشعرك باستقرار نفسيّ، وبتنوّع في علمك. ــ النقطة العاشرة: السلام الأسري ليس من شأننا الدخول في ظروف كلّ عائلة، ولكن من أشدّ الضروريات لطالب العلم هو أن يكون هناك سلام داخليٌّ داخل أسرته، الاستقرار النفسيّ داخل الأسرة والعلاقات الطيّبة لها أثر كبير في نفس الطالب، بأن يتقدّم ويرتاح نفسياً وتستمرّ شؤونه ورحلته العلميّة، لابدّ له من أن يتأثّر بالعوامل المحيطة به، أيضاً يجب أن يركّز عليها وأن يخرج ويرفّه عن نفسه، ربّما جلوسه في الطبيعة قد يعطيه هذا الشعور، ربّما شبكة العلاقات الاجتماعيّة التي يكوّنها تفتح له هذا المجال ولا تشعره بالوحدة، كلّ ما عدا ذلك يسبّب له ضغطاً نفسياً وإحباطاً ويرهقه، وهذا ما يؤثّر على نشاطه الذهنيّ حتماً. في السياق، يجب الالتفات إلى أنّ العطل التي تأخذها من الحوزة بإمكان الطالب توظيفها بما ينفعه كالمطالعة والنشاطات الثقافيّة وكذلك في الراحة والترفيه عن النفس. نحن نتواجد في أكبر حاضرة علميّة، في مدينة فيها عشرات وربّما مئات أساتذة الأخلاق. والفضاء الروحي بحاجة إلى الطمأنينة والسكينة والاستقرار. هؤلاء الأشخاص هم من نحتاج إليهم، إلى رؤيتهم وكلامهم وتذكيرهم الدائم لنا، نحن بحاجة إلى الطمأنينة الإيمانيّة، لنستثمر وجود هذه البركات بيننا، ونستفيد من الحالة الإيمانيّة التي قد تنتقل إلينا منهم والتي قد نعيشها معهم، هذه بركة ونعمة يمكن أن نوظّفها ونستفيد منها، رؤية هؤلاء الأشخاص القديرين الطيّبين يمكن لها أن تعطينا إحساساً عميقاً وحقيقياً لإكمال طريقنا، بدون الإيمان الطريق صعب، والصعوبة تصبح لذّة إذا اقترنت بالإيمان، الإيمان هو أكبر قدرة في العالم يمكن لها أن تغيّر ما يجري من حولنا، وقد تحوّل الشوك إلى زهر، بل وستشعر المرء بأنّه لو لمس الشوك فهو سعيد. هذه الطاقة التي نعتها البعض بالأفيون، قد تكون طاقة إيجابيّة لبعض البشر، إذا ما استطاعوا توظيفها. الخاتمة أقترح عقد جلسة بين الطلبة "جلسة عصف أفكار" نجلس ونتشاور في الأمور، ما هي مشاكل كلّ واحد منّا، ماذا نقترح كحلول، ولندوّن كلّ شيء. لنخرج المشاكل من أذهاننا والهموم الكامنة فينا ونتداولها مع الآخرين، يمكن أن يعطينا ذلك مجموعةً من الأفكار والحلول التي تساعدنا على أن نتقدّم أكثر فأكثر، ولنأخذ استشارةً من المختصّين في ذلك، وإن كان مرشداً اجتماعياً أو نفسياً، كلّ حوزة يجب أن تحتوي على مرشد نفسي واجتماعيّ وتربويّ. بعض الحوزات قد دخلت في هذه التجربة وحققت أهدافاً سامية في هذا السياق، علينا أن نتشاور مع المختصّين لأنّهم حتماً سينفعوننا، ولا داعي للخجل إطلاقاً، "من رقّى وجهه رقّى علمه". لنستعِن بخبرات الآخرين وغيرنا في السلك نفسه، ولنشاور فيما بيننا لعلّنا نصل إلى ما هو أفضل وأنجح لتجربتنا الشخصيّة والفرديّة، وربّما لتجربتنا النوعيّة الحوزويّة عموماً، وليكن في ذهننا قاعدة ذهبيّة: "حاول ثم حاول ثم حاول، فالتجربة الناجحة لا تكون إلاّ بعد 99 تجربة فاشلة" (كما قال أحدهم). الفشل ليس مؤشراً على التراجع، استمرّ مرّة ثانية وثالثة، والله سيسدّد خطاك، ويشعر بك إن كنتَ صادقاً، ستشعر بلطف الله وبركته وعنايته تراقب مسيرتك العلميّة، علّك وعلّنا جميعاً نخرج من الإرباك الفردي الذي نعيشه كلّنا في مسيرتنا العلميّة، ونسير نحو مصير النجاح، لنتقدّم خدمةً لمجتمعاتنا وفي سبيل الله والإنسان. "ألقيت هذه المحاضرة في قاعة معهد الثقلين، في مدينة قم، في إيران، بتاريخ 6 ـــ 12 ـــ 2017م ليلة السابع عشر من ربيع الأول، ليلة البعثة النبوية". شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط