مقالات جريئة العثمانيون بعيون منصفة ۱۲ يوليو ۲۰۱٥ ۲۷٦۳ مشاهدة إنّ إصدارنا للأحكام يتّصف دائماً وللأسف بأنّه ينطلق من نظرة أحادية للأمور، إنّنا دائماً ننظر للمسائل بعين واحدة، والباعث على الأسف والدهشة أكثر أنّنا نعاني جميعاً من هذه المشكلة سواء كنّا متحجّرين ومتطرّفين أو مستنيرين ومنفتحين! ويمكن القول إنّ أحكامنا الصادرة بحقّ الدولة العثمانية مثال بارز لظاهرة التشابه في أنماط التفكير لدى هذين الفريقين المتضادّين. المتطرّف عندنا ينظر إلى الكيان العثماني من موقف شيعي متعصّب فيعتبره بالتالي سُنيّاً عُمَريّاً مُنكِراً للإمامة ومخالفاً لوصيّة النبي وغير معتقد بصاحب الزمان.. وفي ضوء ذلك هو مدان! (حتى في مقابل المسيحية)! أمّا الشخصية ذات التوجّه المنفتح، فإنّه ينظر إلى النظام العثماني على أنّه نظام إقطاعي منحطّ وطائفي لا يؤمن بالديمقراطية، فهو أيضاً مدان (حتى في مقابل الغرب)! بوسعنا أن نقول إنّ كلا الفريقين صائب في نظرته ومحقّ في توجيه الانتقاد، لكنّ الخطأ يكمن في أن كلا الطرفين ينظر إلى القضية من زاوية ثابتة ومطلقة، في حال أنّ من شروط النظرة العلميّة الصحيحة أن تكون شاملة ومتعدّدة الزوايا والأبعاد وذات طابع نسبي، خلافاً للعوام الذين يميلون عادةً إلى تعميم الأحكام وإضفاء صفة الجزم عليها. نعم! إنّ النظام العثماني نظام سنّي وغير ديمقراطي وهو فاسد من الناحية الأخلاقية. ولكن إذا تجاوزنا قضية كوننا شيعة أو مؤمنين بالاشتراكية، فاعتبره الشيعي (المنفتح) نظاماً إسلاميّاً يقف بوجه المدّ المسيحي (الاستعماري) واعتبره المستنير سدّاً منيعاً بوجه الغزو الاستعماري الغربي الذي يهدّد وجودنا كشرقيّين، فإنّ الحكم عليه ربما سيختلف آنذاك! من تلك الزاوية سوف يتمنّى الشيعي أن يظهر صلاح الدين الأيوبي– المناوئ للشيعة– مرة أخرى في فلسطين، ويجرّد خالد بن الوليد سيفه للهجوم على عساكر الروم، وسيتمنّى أن يُبعث السلاجقة من جديد ليلقوا بجحافل الصليبية في عرض البحر المتوسط، وأن ينهض العثمانيون ليطردوا الأجانب الغربيّين من أراضي المسلمين في آسيا وأفريقيا. إنّ هذه الحملات الإعلامية المسعورة ضدّ العثمانيين إنّما تعكس وجود عقد قديمة في نفوس المسيحيّين والغربيّين من الدولة العثمانية، وهي ردّ فعل مُتوقَّع حيال الجروح العميقة التي خلّفها العثمانيون في الجسد الأوروبي إبان الحروب الطاحنة التي خاضوها معهم... إنّنا حين نعتبر الحاكم العثماني في ذلك العهد حاكماً جائراً وفاسداً وغير مؤهّل، فإنّما يصحّ ذلك في حال النظر إليه من منظار إسلامي ومقارنة خصائصه بالخصائص التي يفترض أن يتوفّر عليها الحاكم الإسلامي الحقيقي، وكذلك إذا نظرنا إليه ممثّلاً للطبقة الحاكمة في مقابل المحكومة المحرومة أعني جمهور العمال والفلاحين وغيرهم من الشرائح المسحوقة. أما إذا نظرنا إلى الحاكم من زاوية كونه يقف حائلاً بوجه الاستعمار الغربي والتبشير الصليبي، فإنّ الحكم يجب أن يتّخذ منحىً آخر. عندما يهاجم الغرب الحاكم العثماني فإنّه لا يهاجمه لكونه حاكماً فاسداً أو مستبدّاً أو سنّياً، بل يهاجمه لأنّه الممثل الرسمي لقدرة الإسلام في منطقة البحر المتوسط، وهو سدّ منيع بوجه أطماعهم التوسعية المتّجهة نحو آسيا شرقاً وأفريقياً جنوباً. إنّ النزاع العثماني- الغربي هو في أفقه الأوسع يعكس واقع النزاع بين قوّتي الإسلام والمسيحية (الأوروبية) في عالم القرون (15 و16 و17 و18 إلى 19). من كتاب التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي للدكتور علي شريعتي ص68-71 شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط